← Указатели

Указатели · id 7248

مناهج التأليف عند العلماء العرب

مصطفى الشكعة

Полный текст (502 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والملح الأدبية شعرًا ونثرًا. ذهبت جمعة وهند بنتًا الخس إلى سوق عكاظ في الجاهلية، فاجتمعنا عند القلمس الكناني، فقال لهما: إني سائلكما لأعلم أيكما أبسط لسانًا وأظهر بيانًا وأحسن للصفة إتقانًا، قالتا: سلنا عما بدا لك، فستجد عندنا عقولًا ذكية، وألسنة قوية، وصفة جلية، فأخذ يوجه إلى الواحدة منهما السؤال فتجيب عنه بأبلغ لسان وأعمق بيان ولا تكاد تنتهي الأخت من إجابتها حتى تلتقط الأخت الثانية حبل الحديث وتضيف إلى كلام أختها جديدًا. سألهما عما يمدح ويذم من الإبل والخيل والماعز والسحاب والنساء والرجال وغير ذلك، وهما تجيبان إجابة المرأة البليغة العارفة الحكيمة المثقفة، فلنستمع إلى رأي الأختين في النساء والرجال: قال القلمس كلتاكما محسنة، فأي النساء أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أُحب الغريرة العذراء الرعبوبة العيطاء الممكورة اللفاء ذات الجمال والبهاء والستر والحياء، البضة الرخصة كأنها فضة بيضاء١. قال: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت جارية هي حاجة الفتى ونهبة الرضا٢ وغيرها أحب إلي منها. قال: فقولي. قالت: أحب كل مشبعة الخلخال ذات شكل ودلال وظرف وبهاء وجمال. قال القلمس: كلتاكما محسنة فأي النساء أبغض إليك يا جمعة؟ قالت: أبغض كل سلفع بذية، جاهلة غيية، حريصة دنية، غير كريمة ولا سرية، ولا ستيرة ولا حيية ٣، قال: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت امرأة صاحبها خليق أن لا تصلح له حال، ولا ينعم له بال، ولا يثمر له مال، وغيرها أبغض إلي منها. قال: فقولي. قالت: أبغض المتجرفة الشوهاء، المنفوحة الكبداء، العنفص الوقصاء، الحمشة الزلاء، التي إن ولدت لم تنجب وإن زجرت لم تعتتب وإن تركت طفقت تصخب٤ قال القلمس: كلتاكما محسنة فأي الرجال أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أحب الحر النجيب، السهل القريب، السمح الحسيب، الفطن الأريب، المصقع ٥ الخطيب، الشجاع المهيب. قال القلمس: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت رجلًا سيدًا جوادًا ينهض إلى الخير صاعدًا، ويسرك

стр. 142

غائبًا وشاهدًا، وغيره أحب إلي منه. قال: فقولي. قالت: أحب الرحب الذراع، الطويل الباع، السخي النفاع المنبع الدفاع، والدهمي المطاع، البطل الشجاع، الذي يحل باليفاع، ويهين في الحمد المتاع١. قال: كلتاكما محسنة فأي الرجال أبغض إليك يا جمعة؟ قالت: أبغض السآلة اللئيم، البغيض الزنيم، الأشوه الدميم، الظاهر المعصوم، الضعيف الحيزوم٢. قال: كيف تسمعين يا هند، قالت: ذكرت رجلًا خطره صغير، وخطبه يسير وعيبه كثير، وأنت ببغضه جدير٣ وغيره أبغض إلي منه، قال: فقولي قالت: أبغض الضعيف النخاع٤ القصير الباع الأحمق المضياع الذي لا يكرم، ولا يطاع، قال القلمس: كلتاكما محسنة. ومن المحاورات الطريفة الحكيمة تلك التي جرت بين أم تحسن لابنتها الزواج من شيخ له مال وزعامة ورئاسة، والابنة ترد عليها مفضلة الشاب زوجًا ولو كان بلا مال. فقد رحل الحارث بن السليل الأسدي زائرًا لعلقمة بن حفصة الطائي وكان حليفًا له، فنظر إلى ابنة له يقال لها الرباب، وكانت أجمل أهل زمانها، فأعجب بها فقال: جئتك خاطبًا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، وينجح الراغب. فقال علقمة: أنت كفؤ كريم، ثم انكفأ٥ إلى أمها فقال: الحارث بن السليل سيد قومه حسبًا ومنصبًا وبيتًا، أتانًا خاطبًا فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته فأريدي ٦ ابنتك على نفسها في أمره. فقالت: يا بنية أي الرجال أحب إليك الكهل الحجحاج٧، الفاضل الهياج أم الفتى الوضاح، الذمول الطماح؟ قالت الجارية: الطماح، قالت: إن الفتى يغيرك٨، وإن الشيخ يميرك، وليس الكهل الفاضل، الكثير النائل، كالحدث السن، الكثير المن، قالت: يا أمه، إن الفتاة تحب الفتى كحب الرعاة أنيق الكلا ٩، قالت: يا بنية إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، وإن الكهل لين

стр. 143

الجناح١، قليل الصياح: يا أمه أخشى الشيخ أن يدنس ثيابي، ويبلى شبابي، ويشمت بي أترابي٢، فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث بن السليل على خمس ديات من الإبل وخادم وألف درهم. فابتنى بها٣ ورحل إلى قومه، فبينما هو جالس ذات يوم بفناء مظلته وهي إلى جنبه إذ أقبل فتية من بني أسد نشاط يعتلجون ويصطرعون فتنفست صعداء٤ ثم أرخت يمينها بالدموع. فقال لها: ثكلتك٥ ما يبكيك؟ قالت: مالي والشيوخ الناهضين كالفروخ! قال: ثكلتك أمك، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. فذهبت مثلًا. وقال: الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك. فقالت: أسر من الرفاء٦ والبنين. ولعل هذا الحوار يكشف لنا عن ظاهرة اجتماعية كريمة في المجتمع العربي المبكر وهو أن الفتاة كانت تستشار في أمر زواجها. ومن طرائف الأحاديث البليغة، هذا الحوار الذي جرى بين حميدة بنت النعمان بن بشير وروح بن زنباع، فقد لحظ يومًا أنها تنظر إلى بعض بني قومه من قبيلة جذام وقد اجتمعوا عنده، فلامها على ذلك محاولًا توبيخها، فردت عليه قائلة مستنكرة: وهل أرى إلا جذامًا؟ !! فوالله ما أحب الحلال منهم فكيف بالحرام، ثم قالت تهجوه: بكى الخز من "روح" وأنكر جلده ... وعجت عجيجًا من جذام المطارف وقال العبا قد كنت حينًا لباسهم ... وأكسية كردية وقطائف فنالت منه ومن قومه الذين بكى الحرير واشتكت المطارف من جلودهم وأجسادهم؛ لأنهم ليسوا أهل نعمة. ومن منظوم العربيات العفيفات الوفيات ما ساقه المؤلف في هذه القصة الطريفة: قال رجل: خرجت في بغاء بعير لي فسقطت على امرأة في فناء ظلها لم أر لها شبهًا، فقالت: ما أوطأك رحلنا يا عبد الله؟ قلت: بعير لي أضللته فأنا في التماسه. قالت: أفلا أدلك

стр. 144

على من هو أجدى عليك في بعيرك منا؟ قلت: بلى. قالت: الله فادعه دعاء واثق لا مختبر. قال: فشغلتني والله بقولها عن وجهها. فقلت: يا هذه أذات بعل أنت؟ قالت: كان فمات يرحمه الله. فقلت: هل لك في بعل لا يعصيك؟ فأكبت على الأرض طويلًا ثم رفعت رأسها، فقالت: كنا كغصنين في أرض غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات فاجتث خيرهما من أصل صاحبه ... دهر يكر بأحزان وترحات وكان عاهدني إن خانني زمن ... أن لا يواصل أنثى بعد مثواتي وكنت عاهدته أيضًا فشط به ... ريب المنون لمقدار وميقات فاصرف عنانك عمن ليس يصرفه ... عن الوفاء خلابات التحيات إن كتاب المنثور والمنظوم -الذي فقدنا منه اثنى عشر مجلدًا- يعتبر في ضوء القليل الذي وصل إلينا منه من أنفس ما ألف في الأدب العربي منهجًا وموضوعًا ونصوصًا وأخبارًا. إنه بالجاحظ وابن قتيبة وأبي حنيفة الدينوري وأبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وأحمد بن طيفور وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي وغيرهم من صفوة العلماء الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الثاني وطوال القرنين الثالث والرابع -الذين سوف نعرض لهم بالحديث بعد قليل- تكون أعمدة المكتبة العربية قد أرسيت على أساس ثابت، وتكون أركانها قد تأصلت، ويكون التأليف الذي يتصف بتعدد الموضوعات وشمولها لمؤلف واحد قد وصل إلى أقصى ما يمكن أن يصل العقل البشري إليه في مثل تلك الحقبة القصيرة من الزمان. وإن المرء ليصاب بالدهشة الحقيقية حين يراقب هذه الظاهرة الغريبة في أمة لم تعرف القراءة، وإذ بها في أقل من ثلاثة قرون تصبح سيدة أمم زمانها علمًا ومعرفة وثقافة وتأليفًا وعدد علماء ووفرة مؤلفات. ونعود لكي نسائل أنفسنا مرة أخرى، هل كان للمكتبة العربية مراحل ميلاد وطفولة ويفاع حتى وصلت إلى مرحلة الشباب التي غمرت من خلالها بألوان العلوم وفروع المعرفة العديدة الأصيلة، ثم لا نلبث أن نحار في الإجابة، فإننا لا نكاد نلمس للمكتبة العربية مرحلة

стр. 145

طفولة بالمعنى الصحيح، وإنما المنصف من العلماء لا يستطيع إلا أن يراها، وقد ولدت شابة قوية خصبة معطاة، إن الأمر جد يسير ويكمن في العقيدة الجديدة التي آمن بها العرب، والتي أول آية من آيات كتابها العزيز: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

стр. 146

الفصل السابع: أبو بكر الصولي ....-٣٣٥هـ: إن أبا بكر محمد بن يحيى الصولي واحد من أولئك الأعلام الكبار الذين توفروا على الأدب العربي وأدبائه -وبخاصة الشعراء منهم- توفرا مجيدًا منتجًا مثمرًا بحيث بلغت آثاره حسبما أوردها المترجمون له خمسة وثلاثين مؤلفًا ثمينًا شملت بالإضافة إلى الأدب، التاريخ واللغة وعلوم القرآن. وأبو بكر الصولي يجمع بين انتماءين رفيعين بارزين، انتماء الأصل الذي ينتهي به إلى أحد جدوده "صول" الذي كان هو وإخوته ملوكًا على منطقة طبرستان، ثم أسلموا وأسهموا في الحضارة والفكر والآداب والسياسة الإسلامية بنصيب، والانتماء الثاني انتماء قريب، إنه واحد من أعلام الصوليين البلغاء الأذكياء الذين خدموا الثقافة العربية والسياسة الإسلامية على عهد العباسيين. فعم أبيه إبراهيم الصولي المتوفى سنة ٢٤٣هـ كاتب العراق في عصره صاحب القلم الذهبي نثرًا، وصاحب الملكة الساحرة شعرًا حتى إن دعبلًا الخزاعي الشاعر الذي لا يشق له غبار قال فيه: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا بغير شيء، وأما المسعودي فيقول عنه: لا يعلم فيمن تقدم وتأخر من الكتاب أشعر منه. ومهما كان في قول كل من دعبل والمسعودي من مبالغة أو مجاملة، فإن الأمر الذي لا شك فيه أن إبراهيم كان من أرق الأدباء شعرًا وأكثرهم لماحية، وأسرعهم خاطرة وأخصبهم قلمًا. وكان في الوقت نفسه من أصحاب المؤلفات وإن تكن قليلة، فقد ترك -فضلًا عن ديواني شعره ونثره- كتاب الدولة، وكتاب العطر، وكتاب الطبيخ١.

стр. 147

ومن أعمام أبيه أيضًا عمرو بن مسعدة المتوفى سنة ٢١٧هـ، وكان عمرو صاحب علم وفضل وبلاغة وسياسة، عمل وزيرًا للمأمون وللحسن بن سهل، ولسحر قلمه في الكتابة كان المأمون يردد بعض كتبه إعجابًا واستحسانًا، وقرأ له جعفر البرمكي توقيعًا ذات يوم وكان لا يزال كاتبًا صغيرًا في ديوانه فضربه على كتفه ضربة إعجاب وأردف، قائلًا: أي وزير في جلدك١؟. إن لأبي بكر الصولي من أسباب الانتماء الأدبي والأسرى ما يمكن أن يهيء له سبل النبوغ الأدبي والإبداع العلمي فيما لو تعهد نفسه وصقلها باكتساب المعرفة. ولقد فعل. فإنه روى وتتلمذ على أبي داود السجستاني وأبي العباس ثعلب، وأبي العباس المبرد وكثيرين غيرهم من صفوة علماء زمانه الذين أورد أسماءهم تفصيلًا بعض من ترجموا له٢. وقد بلغ من هيام أبي بكر بالمعرفة والكتب أن اقتنى في بيته مكتبة كبيرة أحسن ترتيبها وتأنق في تجليد كتبها وتعدد ألوانها. وكان أكثر ما فيها من كتب -على ما يبدو- تلك التي دونها أو نسخها أو ألفها بنفسه، وكان يقول مشيرًا إليها: هذه كلها سماعي. فإذا احتاج إلى مراجعة شيء قال: يا غلام، هات الكتاب الفلاني. ويبدو أن ذلك لم يعجب بعض معاصريه، فقد ألفوا من العلماء أن يحاضروا أو يتكلموا دون الرجوع إلى ورقة أو كتاب مثلما كان يفعل ابن الأعرابي، ومن ثم فإن أبا سعيد هجا أبا بكر الصولي من خلال مكتبه قائلًا هذه الأبيات الطريفة٣: إنما الصولي شيخ ... أعلم الناس خزانه إن سألناه بعلم ... طلبًا منه إبانه قال يا غلمان هاتوا ... رزمة العلم فلانه وإذا كان قد بدا للعقيلي أن مراجعة أبي بكر لكتبه نقيصة فإنه قد جانب الصواب؛ لأن استشارة الكتاب ومراجعته واجبة في كل عصر وكل زمان. وأبو بكر له أيضًا مشاركة في رواية الحديث، وقد ذكره الخطيب البغدادي أكثر من مرة كواحد من المحدثين الذين ينسلكون في عنعنة إسناد أكثر من حديث٤. وشأن كثير من الأدباء، إن لم يكن جميعهم، قال أبو بكر شعرًا رقيقًا ولكنه ليس من

стр. 148

الكثرة أو الوفرة بمكان. فأكثر الذين يشتغلون بالعلم والتعليم ويتفرغون للثقافة حصادًا وتأليفًا قلما يجدون من وقتهم ما يسمح لهم بالإكثار من قول الشعر، ومن ثم أبو بكر الصولي ومن هم على شاكلته من العلماء المؤلفين كالمرزباني والمبرد وثعلب والثعالبي، ومن إليهم يقولون الشعر ولكن في قلة وندرة. ومع ذلك فإن ما روي لأبي بكر الصولي من شعر لم يخل من مسحة رقة وجمال رونق، فمن ذلك قوله: أحببت من أجله من كان يشبهه ... وكل شيء من المعشوق معشوق حتى حكيت بجسمي ما بمقلته ... كأن سقمي من جفنيه مسروق إنه شعر رقيق لا شك، ولكنه على رقته خالٍ من عاطفة الشاعر ولوعة المحب وحرارة المشتاق، ولقد أورد له كل من ابن خلكان والخطيب البغدادي وصلاح الصفدي أكثر من مقطوعة شعرية١. وأسهم أبو بكر في تربية بعض الخلفاء وتعليمهم، فقد كان معلمًا للراضي ثم أصبح له نديمًا. ونادم غير الراضي من ملوك بني العباس مثل المكتفي والمقتدر. ومنادمة الملوك آنذاك لم تكن مجرد لقاء على كأس أو مجالسة على شراب، وإنما كانت المنادمة في كثير من حالاتها مجالسات أدبية ومطارحات علمية ومبادهات فكرية، ولقاءات فكاهية. واحتفاظ ثلاثة من الخلفاء بمنادمة إنسان بعينه له دلالة كبيرة على فصل هذا النديم وظرفه وأدبه. بقيت صفة هامة من صفات أبي بكر الصولي، أو بالأحرى موهبة جديرة بالإشارة والتسجيل، تلك هي براعته الفائقة في لعب الشطرنج، الأمر الذي جعل لقب "الشطرنجي" متصلًا باسمه بحيث إن كل كتب التراجم تذكر اسمه مقرونًا بهذا اللفظ فيقال: أبو بكر محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي، أو أبو بكر الصولي الشطرنجي، وأحيانًا أبو بكر الشطرنجي دون ذكر الصولي، ولبراعة الصولي الفائقة في لعب الشطرنج أصبح مضربًا للمثل فكان يقال في مجال الإعجاب بلاعب شطرنج "إنه يلعب الشطرنج مثل الصولي" بل إن بعض العامة -لكثرة ما سمعوا عن إتقانه اللعبة- ظنوا أنها من اختراعه. وإذا ما تحدثنا عن أبي بكر الصولي المؤلف فإننا سوف نلقى العديد من الكتب التي قدرنا عدد ما وصل إلينا منها بنيف وثلاثين كتابًا في الأدب من شعر ونثر، وأخبار الأدباء من شعراء وكتاب، والتاريخ والدين والمجتمع. ففي الأدب كتب الصولي "كتاب الأوراق"،

стр. 149

وكتاب "أشعار أولاد الخلفاء" وكتاب "أدب الكتاب" وثلاثتها مطبوعة ميسورة بين أيدينا ومن أخبار الشعراء كتب الصولي: "أخبار أبي تمام" و "أخبار البحتري"، وهما مطبوعان، و "أخبار أبي عمرو بن العلاء" و "أخبار ابن هرمة" و "أخبار السيد الحميري" و "أخبار إبراهيم ابن المهدي" و "أخبار إسحاق بن إبراهيم" و "أخبار أبي نواس" و "أخبار سديف ومختار شعره" و"أخبار الفرزدق". وفي مجال جمع الشعر فإنه جمع شعر ابن الرومي، وجمع شعر أبي تمام وهو ديوانه، وجمع شعر البحتري، كما جمع شعر كل من: أبي نواس، والعباس بن الأحنف، وعلي بن الجهم، وابن طباطبا، وإبراهيم بن العباس الصولي، وأبي عيينة المهلبي، وأبي شراعة، وكلهم من شعراء العربية المرموقين الذين يمثلون الجانب المشرق من الشعر العربي. ولسوء الحظ فإن القليل من هذه الأعمال هو الذي وصل إلينا، أما أكثره فقد ضاع بين ما ضاع من تراث وكنوز. ويكتب أبو بكر الصولي كتابًا آخر يضم أخبار جماعة من الشعراء المحدثين وقد رتبه على حروف المعجم، ولعل المرزباني الذي سوف يأتي حديثه بعد حين قد ألف كتابه "معجم الشعراء" على شاكلته. ولقد أسهم أبو بكر في جمع شعر بعض القبائل فكتب كتابًا عن شعراء مضر. وفي مجال التاريخ كتب الصولي عدة كتب هي: "أخبار الخلفاء" و "أخبار أبي سعيد الجنابي" وهو الحسن بن بهرام القرمطي صاحب هجر، وكتاب "مناقب ابن الفرات" ورسالة صغيرة في وقعة الجمل و "كتاب أخبار القرامطة". ولقد أسهم أبو بكر الصولي في قافلة كتب الأمالي فكتب كتابًا في الأمالي أسماه "الغرر" ولعل الشريف المرتضى قد اقتفى ذلك العنوان في "أماليه" التي أسماها "غرر الفوائد ودرر القلائد" التي سوف يأتي حديثها حينما نعرض لكتب الأمالي. وفي الطبقات ترك لنا الصولي كتابًا أسماه "كتاب العبادلة" وهو في التعريف بمن أسمهم "عبد الله" من الأعلام والأعيان. واهتم الصولي بأخبار بعض المتصوفة فكتب كتابين أحدهما في "أخبار الحلاج" والثاني في "أخبار الجبائي". ولما كان الصولي حسن الاعتقاد، ذا دين وشمائل، فقد كان من الطبيعي أن يسهم في تأليف بعض الكتب التي تتصل بالعبادات والعلوم الإسلامية، فترك لنا في هذا الشأن "كتاب العبادة" و "كتاب الشامل في علوم القرآن" و "كتاب سؤال وجواب رمضان" و "كتاب السعادة".

стр. 150

وفي مجال الثقافة العامة والطرائف والنوادر كتب الصولي كتابًا في "الشباب والنوادر" عمله لابن الفرات و "كتاب الأنواع". تلك هي مؤلفات الصولي كما وردت في العديد من المصادر التي اهتمت به وفي مقدمتها كتاب "وفيات الأعيان" و "الوافي بالوفيات" و"تاريخ بغداد" و "الفهرست" و "مقدمة أخبار أبي تمام" التي كتبها محققو الكتاب، ومقدمة الصولي نفسه لكتاب "أخبار أبي تمام". هذا ما كان من أمر مؤلفات أبي بكر الصولي، وهي وفيرة قيمة متنوعة وإن كانت كثرتها تدخل في مضمار الأدب والشعر أكثر مما تندرج تحت لواء آخر من ألوية العلوم والفنون، وذلك يضفي أهمية خاصة عند المتأدبين على كل ما خطته يراع الصولي جمعًا أو تأليفًا أو إخبارًا. غير أن الأمر الجدير بالأهمية هو المنهج الذي يتبعه الصولي عندما كان يكتب كتابًا، أو يؤلف مؤلفًا. بين أيدينا عدد من كتبه المطبوعة مثل "أخبار أبي تمام" و "أخبار البحتري" و "أدب الكتاب" و "الأوراق" و "أشعار أولاد الخلفاء" وقد يغني تتبع منهجه في واحد من هذه الكتب التي بين أيدينا عنه في بقيتها لتقارب الموضوعات التي تناولها فيها. ولما كان أشهر كتبه التي بين أيدينا هو كتابه "أخبار أبي تمام" فلقد يكون من المقبول أن نجعل تتبعنا لمنهج المؤلف منطلقًا من خلال هذا الكتاب. أخبار أبي تمام منهجًا وعرضًا: الذي لا شك فيه أن الصولي واحد من المتحمسين لأبي تمام، المتعصبين لشعره وفكره وشخصه، وسوف نلاحظ ذلك في أكثر صفحات الكتاب وفصوله إن لم يكن في كل الصفحات وكل الفصول. بدأ أبو بكر كتابه برسالة طويلة كتبها إلى مزاحم بن فاتك يشرح فيها سبب تأليفه الكتاب ويذكر صراحة أنه إنما كتب هذه الرسالة دفاعًا عن الشاعر الطائي الكبير، وتحتل هذه الرسالة بضعًا وخمسين صفحة من صفحات الكتاب. ثم يفرد الصولي فصلًا طويلًا يقارب المائة صفحة إلا قليلًا في تفضيل أبي تمام، وفي سياق هذا الفصل الطويل يعمد بين الحين إلى إثبات نص حسن للشاعر وتعليق بعض كبار الأدباء والشعراء عليه من أمثال "المبرد" أو "علي بن الجهم" ويأتي بالأبيات الجميلة التي قالها في نسب الأخوة الذي يجمع بين أديب وأديب الموجهة إلى علي بن الجهم: إن يُكْدِ مطَّرِف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد

стр. 151

أو يفترق نسبٌ، يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد ويحمل الصولي على دعبل الخزاعي حملة شعواء؛ لأن هذا الأخير كان ينال من أبي تمام وشعره ويتهمه بالسطو عليه وسرقة معانيه، كما يحمل على إبراهيم بن المدبر لتعصبه على أبي تمام١. ويستغل الصولي سماحة البحتري ووفاءه لأبي تمام فيلح على تلك المعاني ويكرر للبحتري أقوالًا طيبة في أستاذه كقوله: والله ما أكلت الخبز إلا به". ولما كان أبو تمام مشهورًا بالاستفتاحات الغريبة والمعاني المستغلقة الفهم، فإن الصولي يدافع عن أبي تمام من خلال حوار قصير رواه ابن الأعرابي جرى بين أبي تمام وأحد معاصريه فقد قيل لأبي تمام: لم لا تقول من الشعر ما يعرف؟ فأجاب سائله: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال؟ ويربط صاحب الخبر بين هذا الحوار وسرعة بديهة أبي مام بقوله: كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه٢. ومن المعروف أن أكبر منافسي أبي تمام من معاصريه جودة شعر ورصانة أسلوب وقوة بديهة وشدة عارضة، هو تلميذه البحتري، ومن هنا يركز الصولي على البحتري ضاربًا العديد من الأمثلة الشعرية التي اختارها بعناية وذكاء والتي اشترك في القول فيها كل من الشاعرين الكبيرين بحيث يظهر أبا تمام في مظهر المتقدم على منافسه الظاهر عليه٣. وربما أتى الصولي بالقصة الطويلة المملة؛ لا لشيء إلا لأن فيها بيتا لأبي تمام جرى استحسانه من خلال سرد القصة وروايتها. وبعد هذا الفصل والمقدمة التي سبقته -وهما أهم ما قصد إليه الصولي وراء تأليفه هذا الكتاب- يفرد المؤلف فصلًا لأخبار الشاعر مع كل ممدوح من ممدوحيه: فصلًا له مع القاضي أحمد بن أبي دؤاد، وفصلًا آخر مع القائد خالد بن يزيد الشيباني، وفصلًا تاليًا له مع الكاتب الحسن بن رجاء. وفي كل هذه الفصول يعمد الصولي إلى الحديث عن لقاء الشاعر بممدوحه وإنشاده إياه وبعض الحوار الذي جرى بينهما أو بين الشاعر والمستمعين. ولا يفوت المؤلف أن يذكر من الأخبار في هذه اللقاءات كل ما يرفع من شأن أبي تمام كشاعر أو كعالم أو كإنسان. فهو يروي خبرًا عن الحسن بن رجاء يصف فيه أبا تمام بقوله: رأيت رجلًا علمه وعقله فوق شعره٤ كما يروي قصة إنشاده لاميته في الحسن بن رجاء، وكيف أن

стр. 152

الحسن حين سمع قول الشاعر فيه: لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي وتنظري خبب الركاب ينصها* ... محيي القريض إلى مميت المال يقوم واقفًا ويقول للشاعر: والله لا أتممتها إلا وأنا قائم١. وفي معرض -تعظيم أبي تمام والتحمس له يروي الصولي خيرًا عن المبرد مفاده أنه -أي المبرد- ما سمع الحسن بن رجاء يذكر أبا تمام إلا قال: ذاك أبو التمام، وما رأيت أعلم بكل شيء منه٢. ومن خلال هذه الأخبار التي تخلع ثياب المجد والتمجيد على أبي تمام ينتهز الصولي المناسبة فيذكر بعض الأخبار التي كانت سببًا في مؤاخذة الشاعر، ويدافع عنه وقد هيأ القارئ لتقبل دفاعه بما خلعه عليه من صفات كثيرة جليلة. فمن ذلك على سبيل المثال الخبر الذي رواه أحمد بن طاهر وهو أنه دخل على أبي تمام وهو يعمل شعرًا وبين يديه شعر أبي نواس ومسلم، فقال له: ما هذا؟ فأجابه أبو تمام: هذان اللات والعزى وأنا أعبدهما من دون الله من ثلاثين سنة٣. إن الكثيرين من المتأدبين أخذوا هذا القول على أبي تمام ووجهوا إليه نقدًا شديدًا لمثل هذا الأسلوب الذي يتنافى مع جلال عبادة الله، وبعض الناس كفره بسببه، ولكن الصولي يؤول قول أبي تمام تأويلًا يرفع عنه غضب من غضب وتكفير من كفر قائلًا: "هذا إذا كان حقًّا فهو قبيح الظاهر، رديء اللفظ والمعنى؛ لأنه كلام ماجن مشغوف بالشعر، والمعنى أنهما قد شغلاني عن عبادة الله ، وإلا فمن المحال أن يكون عبد اثنين لعله عند نفسه أكبر منهما أو مثلهما أو قريب منهما". ويستطرد الصولي متناولًا الموضوع -لصالح أبي تمام- تناولًا طريفًا قائلًا: "على أنه ما ينبغي لجاد أو لمازح أن يلفظ بلسانه أو يعتقد بقلبه ما يغضب الله ، ويثاب من مثله، فكيف يصح الكفر عند هؤلاء على رجل شعره كله يشهد بضد ما اتهموه به حتى يلعنوه في المجالس؟ ولو كان على حال الديانة لأغروا من الشعراء بلعن من هو صحيح الكفر، واضح الأمر، ممن قتله الخلفاء -صلوات الله عليهم- بإقرار وبينة، وما نقصت بذلك رتب أشعارهم، ولا ذهبت

стр. 153

جودتها، وإنما نقصوا هم في أنفسهم، وشقوا بكفرهم١. ويمضي الصولي في هذا الشوط طويلًا ذاكرًا المؤاخذات المتماثلة عند شعراء العربية -في نطاق الإيمان والكفر- ابتداء من امرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى إلى الأخطل، منتهيًا إلى الحكم بأن فساد عقيدة الشاعر لا ينسحب على شعره. ويمضي الصولي في كتابه "أخبار أبي تمام" عاقدًا فصولًا له مع بقية ممدوحيه، مع الحسن بن وهب، ومع آل طاهر بن الحسين، ومع القائد أبي سعيد الثغري، ومع أحمد بن المعتصم، وكلها لا تخرج من حيث منهجها عن أخباره معهم وبعض قصائده فيهم، واستماحته إياهم، وقوة عارضته في الارتجال، مع اغتنام الفرصة بين الحين والحين لإيراد رأي يرفع من قدر الشاعر ويمجد المعجبين به ويحط من شأن حساده وناقديه. فإذا ما انتهى الصولي من عرض فصوله العديدة التي مجد فيها الشاعر وتعصب له فيها تعصبًا ظاهرًا ودافع عنه من خلالها دفاعًا طيبًا، أفرد فصلين اثنين يتصلان بشاعره، ولكنهما يتعارضان مع حماس المؤلف للشاعر: فصلًا ضم أهاجي مخلد بن بكار الموصلي في أبي تمام، وقد هجاه حيًّا وميتًّا. وربما كان الصولي من الذكاء بحيث عمد إلى ذكر أهاجي ابن بكار في أبي تمام بعد أن مات كي ينال من قدر الشاعر الذي يهجو الأموات وهو بذلك لم يقصد إلى ذكر شعر ينال من قدر أبي تمام بقدر ما قصد إلى النيل من مروءة ابن بكار٢. وفصلًا آخر قصيرًا عن معائب أبي تمام ذكر فيه بعضًا من المآخذ التي أخذها الدارسون والرواة والنقاد على أبيات من شعره. يعود الصولي مرة أخرى إلى تمجيد أبي تمام بذكر محفوظاته، وما عنده من روايات، وما لديه من مختارات يرددها في مجالسه، وجعل ذلك تحت عنوان "ما رواه أبو تمام" وهي في جملتها عذبة طريفة مما يحسن سمعه ويجمل ترديده، فمن ذلك على سبيل المثال: قال رجل لرجل: ما أحسن حديثك؟ فأجابه: إنما حسنه حسن جوار سمعك. أو قوله: حدثني يحيى بن إسماعيل الأموي عن إسماعيل بن عبد الله، قال جدي: الصمت منام العقل، والنطق يقظته، ولا منام إلا بيقظة، ولا يقظة إلا بمنام٣. ثم أردف الصولي بذكر فصل آخر عن "صفة أبي تمام وأخبار أهله"، وهو فصل قصير ذكر فيه صفات الشاعر وسماته وقسماته، وذكر أخاه سهمًا وولده تمامًا، وجاء لهما بشعر يترجح بين التوسط والرداءة.

стр. 154

ثم يجد الصولي بين ما يجد من مادة أبي تمام التي لديه بعض الأخبار، فاته أن يضمنها الفصول الماضية فيعقد لها فصلًا تحت عنوان "أخبار لأبي تمام متفرقة" وهو تحايل منهجي إن لم يكن مقبولًا موضوعًا فهو طريف شكلًا. وتلك الأخبار التي ضمنها المؤلف هذا الفصل طريفة في جملتها، فمنها على سبيل المثال أن أبا تمام كان يقول: أنا ابن قولي: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزل١ ويذكر الصولي ضربًا آخر طريفًا حول أبي تمام والمطلع الذي انتقده الناس بسببه: "كذا فلحل الخطب وليفدح الأمر" مفاده أن عمرو بن أبي قطيفة رأى أبا تمام في النوم فقال له: لم ابتدأت بقولك: "كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر" فأجابه: ترك الناس بيتًا قبل هذا، إنما قلت: حرام لعين أن تجف لها شفر ... وأن تطعم التغميض ما أمتع الدهر كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر٢. وبعد أن يعقد المؤلف صفحة وبعض صفحة لفصل بين فيه وفاة أبي تمام وتاريخها يختم كتابه بفصل عن المراثي التي قيلت فيه، وهي في جملتها لا تزيد على خمس قصائد ومقطوعتين، ولعل أبلغها وأرقها جميعًا مرثية الحسن بن وهب٣. كان هذا منهج الصولي في كتابه أخبار أبي تمام، وعلى الرغم من أن الصولي قد جعل من كتابه هذا ميدانًا للدفاع عن أبي تمام والتحمس له، فإن هذا الكتاب من الناحية الموضوعية والمنهجية قد وفى بالغرض الذي استهدفه مؤلفه من حيث التعريف بأبي تمام وبحياته الخاصة والعامة وبثقافته، وعلاقته بالناس بصفة عامة وبممدوحيه بصفة خاصة وبشعره بصفة أخص. فإذا تركنا الصولي لأبي تمام وغضضنا النظر عنه، فإن ذلك قد لا ينال كثيرًا من جوهر الكتاب والمقصد من تأليفه.

стр. 155

ويمكن أن نطبق منهج الصولي في كتبه عن أخبار الشعراء الآخرين التي مر ذكرها، فإذا استعرضنا مثلًا كتابه "أخبار البحتري" وجدناه من حيث المنهج لا يختلف كثير عن منهج أخبار "أبي تمام" اللهم إلا في ذلك الحماس الذي ميز به الصولي كتابه عن أبي تمام ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة إلى الكتب الأخرى التي ورد ذكر اسمها، ولم تصل إلينا نصوصها مثل: أخبار ابن هرمة، وأخبار السيد الحميري وأخبار الفرزدق وأخبار إسحاق بن إبراهيم، وأخبار أبي نواس. ومهما كان الأمر في كتاب "أخبار أبي تمام" والهدف الذي استهدفه الصولي من وراء تأليفه، فإنه يمكن أن يعد نوعًا من الدفاع الواضح غير المستتر عن أبي تمام تجاه الدفاع المستتر عن البحتري، والعصبية الأدبية التي ضمنها الآمدي كتابه "الموازنة". وبعبارة أخرى فإننا نستطيع أن نقتبس رأي الأستاذ أحمد أمين الذي ورد في تقديمه لكتاب أخبار أبي تمام بقوله "قد مضى زمان كنا لا نسمع فيه إلا نغمة الانتصار للبحتري، فكان في هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن ما يعدل هذه النغمة ويلطف هذه الحدة فتتجاوب النغمتان، وتتعادل الكفتان، ويكون أمام القاضي العادل أقوال الخصوم والمؤيدين تامة في غير نقص". ومجمل القول في كتاب "أخبار أبي تمام" للصولي أنه ضرورة دراسية ومصدر أساسي لا غنى عنه لمن يريد التصدي لدراسة أبي تمام والتحدث عن شعره.

стр. 156

الفصل الثامن: المرزباني ... محمد بن عمران المرزباني: ٢٩٧-٣٨٤هـ هو أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني الذي ولد بعد أن قتل ابن المعتز وابن الجراح بعام واحد إذ إنه ولد سنة ٢٩٧هـ وعمر حتى عام ٣٨٤، والمرزباني واحد من ألمع العلماء الأدباء الذين أثروا المكتبة العربية بكل نفيس جليل من فيض العقل العربي، وإن كان الرجل فارسيًّا كما هو بادٍ من لقبه، غير أن المرزباني لم تكن تربطه بالفارسية إلا رابطة النسب، وأما العقل والفكر والنتاج والولاء الثقافي فعربي محض. إن أشهر كتب الطبقات التي ألفها المرزباني وما زالت بين أيدينا نرجع إليها ونعتمد عليها وننهل من فيض عطائها كتاباه "معجم الشعراء" و "الموشح". كما أن له كتابًا آخر على جانب كبير من الأهمية هو "أشعار النساء" غير أنه لا يزال مخطوطًا لم تمتد إليه يد التحقيق، والإخراج والطبع والنشر، ونلاحظ أن المرزباني قد خص شعر النساء بكتاب مستقل يقع في نحو ستمائة ورقة، وبذلك يكون المرزباني ثاني اثنين من الأدباء الذين أعطوا أدب المرأة اهتمامًا خاصًّا، أما الأول فهو ابن طيفور حسبما مر بنا فيما مضى من صفحات، وكان أدب المرأة يجيء قبل ذلك، وبعد ذلك أيضًا، في جملة ما يقدمه المؤلفون تبعًا لطبيعة الموضوع الذي يطرقون، أو حسب إطار المنهج الذي يتبعون. على أن الأمر عند المرزباني يكاد يكون أقرب إلى التخصص منه عند ابن طيفور، فإن ابن طيفور عرض في كتابه "بلاغات النساء" لبلاغة المرأة أيا كان طابع بلاغتها شعرًا أو نثرًا، وأما المرزباني فإنه قد خص بكتابه شعر النساء دون نثرهن. والمرزباني صاحب كتب كثيرة في الأدب والتاريخ والنوادر والثقافة بصفة عامة،

стр. 157

والشعر بصفة خاصة، ووضع على قدم المساواة مع كل من العالمين الكبيرين الجليلين الجاحظ وابن قتيبة، بل إن بعض العلماء قال: إنه أحسن تصنيفًا من الجاحظ١ وكان أبو علي الفارسي يقول: إن أبا عبد الله المرزباني من محاسن الدنيا. وكان المرزباني صاحب منهج دقيق يلتزمه حين يقبل على تأليف أحد كتبه، فقد كان يجمع المادة العلمية للكتاب كما نفعل في عصرنا، ومن هذه المادة ينتقي ما يصلح لأن يضمه بين دفتي كتاب. فقد ذكر أنه سود ذات مرة عشرة آلاف ورقة صح له منها ثلاثة آلاف٢. وكان المرزباني يعيش مع العلم وأهل العلم، وقد ذكر أنه كان عنده خمسون لحافًا ودواجًا -والدواج هو اللحاف الذي يلبس- لأهل العلم الذين كانوا يبيتون في داره٣، وليس من شك في أن هؤلاء جميعًا كانوا إما أدباء أصدقاء أندادًا وإما تلامذة كبارًا يساعدون شيخهم نسخًا أو إملاء، فإن العدد الكبير الذي تركه من الكتب يدفع بنا إلى الاستنتاج أن الرجل كان يستعين ببعض تلامذته. هذا وكان المرزباني يجمع بين التشيع والاعتزال وشرب النبيذ، فأما الاعتزال والتشيع فأمر منطقي مقبول لارتباط التشيع بالاعتزال للأسباب التي يعرفها المهتمون بالمذاهب. وأما الجمع بين التشيع والاعتزال وشرب النبيذ فأمره غريب، وقد تواترت الأخبار على أن المرزباني كان يضع المحبرة وقنينة النبيذ بين يديه فلا يزال يكتب ويشرب٤. وكان المرزباني من سمو المكانة بحيث كان عضد الدولة الملك البويهي الأديب يزوره بين الحين والحين سائلًا عن حاله، وقد سأله ذات مرة: كيف الحال؟ فأجابه بصيغة الاستفهام الاستنكاري الفكه: كيف حال من هو بين قارورتين؟!! يعني المحبرة وقدح النبيذ. هذا ومن كانت تلك حاله من مصافاة الكأس ومنادمتها، ومن صفاء القريحة وعطائها فلا بد أن يصور بعض خواطره وينسجها شعرًا ما دامت ملكة الشعر حاضرة لديه. فمن شعر المرزباني قوله٥: ولي ولها إذا الكاسات دارت ... رقى سحر يفك عرى الهموم

стр. 158

معاتبة ألذ من الأماني ... وبث جوى أرق من النسيم وأما مؤلفات المرزباني فمن الكثرة والتنوع والقيمة بمكان، لقد كتب المرزباني في موضوعات الأدب وأخبار الأدباء من كتاب وشعراء، وكتب في التاريخ وكتب في اللغة وكتب في الزهد وعلم الكلام والدين والأخلاقيات، كما كتب في الموضوعات العامة التي تتصل بالثقافة في شتى فروعها ومختلف ألوانها. أولًا: ففي مجال الشعر والشعراء ترك لنا المرزباني هذه الكتب: ١- كتاب أخبار الشعراء المشهورين والمكثرين من المحدثين: مبتدئًا ببشار منتهيًا بابن المعتز وقد أسمى مؤلفه "المستنير" وذلك حسبما أورده الثعالبي في كتابه "ثمار القلوب" وكان يقع في عشرة آلاف ورقة أي ما يعادل خمسة آلاف صفحة في الطباعة المعاصرة. ٢- كتاب أخبار أبي تمّام. ٣- كتاب أخبار عبد الصمد بن المعذل، وكان شاعرًا سكيرًا هجاءً شديد العارضة بصريًّا توفي سنة ٢٤٠هـ. ٤- كتاب أشعار النساء، ويقع في ستمائة ورقة. ٥- كتاب أشعار الجن الممثلين في من يتمثل منهم بشعر. ٦- كتاب شعر حاتم الطائي. ٧- كتاب المعجم، وهو معجم الشعراء المعروف لدينا والذي سوف يأتي حديثه عند حديثنا عن كتب طبقات الشعراء، وكان يقع في ألف ورقة، وهو الآن حسبما هو في أيدينا يقع في خمسمائة صفحة وبضع صفحات. ٨- كتاب أشعار الخلفاء. ٩- ديوان يزيد بن معاوية الأموي، وقد سلف القول إن الهيثم بن عدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ قد جمع الديوان نفسه. ١٠- كتاب المفيد في أخبار الشعراء في الجاهلية والإسلام وديانتهم ونحلهم، ويقع في نيف وخمسة آلاف ورقة. وقد سبق ابن الكلبي المتوفى قبل ذلك بما يناهز قرنين من الزمان أن كتب في مثل هذا الموضوع. ١١- كتاب المونق في أخبار الشعراء "الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين على طبقاتهم" ويقع في خمسة آلاف ورقة. ١٢- كتاب الرياض في أخبار المتيمين من الشعراء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين.

стр. 159

١٣- كتاب المراثي، ويقع في خمسمائة ورقة. ١٤- كتاب أخبار شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠هـ، وهو عالم الأدب والشعر وشيخ المحدثين في العراق. ثانيًا: ما كتبه المرزباني من كتب تجمع بين الأدب والحياة الاجتماعية والنوادر والطرف: ١- كتاب أخبار الأولاد والزوجات والأهل وما جاء فيهم من مدح وذم. ٢- كتاب الأنوار والثمار فيما قيل في الورد والنرجس وجميع الأنوار من الأشعار وذكر الثمار والفواكه وما جاء فيها من مستحسن النظم والنثر. ٣- كتاب الشباب والشيب، ويقع في ثلاثمائة ورقة. ٤- كتاب نسخ العهود إلى القضاء، ويقع في مائتي ورقة. ٥- كتاب المديح في الولائم والدعوات، ويقع في خمسمائة ورقة. ٦- كتب المستطرف في الحمقى والنوادر، ويقع في ثلاثمائة ورقة. ٧- كتاب المزخرف في الإخوان والأصحاب ويقع في أكثر من ثلاثمائة ورقة. ٨- كتاب الرائق في أحوال الغناء وأخبار المغنين والمغنيات. ثالثًا: وفي مجال التاريخ ألف المرزباني الكتب الآتية: ١- كتاب أخبار أبي مسلم الخراساني، ويقع في مائة ورقة. ٢- كتاب أخبار البرامكة، ويقع في خمسمائة ورقة. ٣- كتاب الأوائل في أخبار الفرس القدماء وأهل العدل والتوحيد، وشيء من مجالسهم ويقع في ألف ورقة. ٤- كتاب المغازي، ويقع في ثلاثمائة ورقة، وهو نمط من التأليف درج على الكتابة فيه الكثير من العلماء السابقين. ٥- كتاب أخبار ملوك كندة، وقد سبق لابن الكلبي المتوفى سنة ٢٠٤هـ أن كتب كتابًا في أخبارهم. رابعًا: وفي مجال اللغة والنقد كتب المرزباني الكتب الآتية: ١- كتاب المفصل في البيان والفصاحة، ويقع في ثلاثمائة ورقة. ٢- كتاب المقتبس في أخبار النحويين. ٣- كتاب الموسع في ما أنكره العلماء على بعض الشعراء من كسر ولحن وعيوب في الشعر. ٤- كتاب الشعر: محاسنه، وعيوبه، وأوزانه وأجناسه، وضروبه، ومختاره وأدب قائليه.

стр. 160

ومنشديه ومنحوله ومسروقه. خامسًا: موضوعات الزهد والعبادة والعلوم الدينية وأعلام العلماء: ١- كتاب الدعاء ويقع في مائتي ورقة. ٢- كتاب ذم الحجاب ويقع في مائتي ورقة ويدخل في باب الأخلاق والاجتماع وهما موضوعان مرتبطان بالعنوان الذي اخترناه لهذه المجموعة. ٣- كتاب ذم الدنيا، ويقع في خمسمائة ورقة. ٤- كتاب الزهد وأخبار الزهاد. ٥- كتاب العبادة، ويقع في أربعمائة ورقة. ٦- كتب الفرج، ويقع في مائة ورقة. ٧- كتاب المحتضرين، ويقع في مائة ورقة. ٨- كتاب المرشد في أخبار المتكلمين، ويقع في مائة ورقة. ٩- كتاب المشرف: في حكم النبي ﷺ وآدابه، ومواعظه ووصاياه. ١٠- كتاب المنير: في التوبة والعمل الصالح، ويقع في أربعمائة ورقة. ١١- كتاب المتوج: في العدل وحسن السيرة. ١٢- كتاب أخبار محمد بن حمزة العلاف، ولعله قصد من وراء ذلك التحدث عن المعتزلة، ذلك أن المشهور هو محمد بن الهذيل، ولعل خطأ في النقل قد غير تكوين الاسم على هذه الصورة. ١٣- كتاب أخبار أبي حنيفة النعمان بن ثابت ويقع في خمسمائة ورقة. سادسًا: كتب في موضوعات المعرفة العامة. ١- كتاب تلقيح العقول، ويقع في ثلاثة آلاف ورقة، مقسم على مائة باب. ٢- كتاب الأزمنة ويقع في ألف ورقة، ويتكلم عن الفصول الأربعة، وبخاصة أوصاف الربيع والخريف، والحر والغيوم، والبروق والرياح والأمطار، وطرف من الفلك، وأيام العرب والعجم، وما يلحق بذلك من أخبار وأشعار١. لقد كانت حياة المرزباني المديدة موقوفة على العطاء العقلي والسخاء العلمي، التزم بيته حيث يفد إليه العلماء والباحثون عن المعرفة، بل كان الملك البويهي يسعى إليه بنفسه تكريمًا لعلمه وتبجيلًا لقدره، فإن من هذا عطاؤه جدير بالتوقير والتكريم.

стр. 161

الفصل التاسع: أبو منصور الثعالبي ٣٥٠-٤٢٩هـ: الثعالبي واحد من الثلاثة الكبار الذين أهدوا إلى المكتبة العربية أكبر قدر من الكتب الأدبية الخالصة بمعناها المعاصر، أي قدموا الأدب بمفهوم الشعر والنثر والاختيارات دون ما مزج بعلوم اللغة والأخبار والنوادر، وأما الكاتبان الآخران فهما أبو بكر الصولي وأبو عبد الله المرزباني وقد مر ذكرهما. لقد ألف الثعالبي العديد من الكتب النفيسة في موضوعاتها وعناوينها، ومع ذلك فإن كتب التراجم لا تكاد تذكر عن حياة هذا العالم الجليل أكثر من تاريخ ميلاده ووفاته، وأنه لقب بالثعالبي؛ لأنه كان في أول أمره فراء في مدينته نيسابور يخيط جلود الثعالب، ومن ثم فقد نسب إلى مهنته نسبته إلى بلدته. وليس الثعالبي هو العالم الوحيد الذي كان يتكسب من عمل يده، فكثرة من الأئمة والعلماء كانوا يعيشون من كدح أيديهم، فالإمام العظيم أبو حنيفة النعمان كان يبيع الخز، وكان العالم اللغوي إبراهيم بن السري بن سهل يشتغل بقطع الزجاج، ولذلك فقد اشتهر بمهنته فعرف بين جمهرة العلماء بلقب الزجّاج، وكان العالم الفقيه الواعظ عبد الملك الخركوشي يعمل القلانس ويأمر ببيعها حتى لا يدري أحد أنها من صنعه. وهكذا كان الثعالبي في أول أمره، ثم ما لبث أن مهد العلم له أكناف الإبداع وهيأت له المتابعة والقراءة والاكتساب أسباب التأليف الغزير الوفير المتنوع الموضوعات والأبواب، فخلب ألباب جمهرة القراء والمؤلفين فضلًا عن صفوتهم بحيث إن عالمًا جليلًا مثل ابن بسام يقتفي طريقته في التأليف، وينهج نهجه ويسير على خطاه، ثم يصفه هذا الوصف الجميل "كان في وقته راعي تلعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، رأس المؤلفين في زمانه، وإمام المصنفين بحكم قرانه، وسار ذكره سير المثل، وضربت إليه آباط

стр. 162

الإبل، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب، طلوع النجم في الغياهب، تواليفه أشهر مواضع، وأبهر مطالع، وأكثر راوٍ لها وجامع من أن يستوفيها حد أو وصف، أو يوفيها حقوقها نظم أو رصف"١. وهكذا لا تخرج أخبار الثعالبي وتاريخه عن مجرد ألفاظ مديح وكلمات إطراء، ولكن لا علينا في ذلك، فحياة المرء تؤرخ بما قدم من نفع للعلم وإنتاج للبشرية. وإذا كانت تفصيلات حياته تلقي أضواء على شخصيته وتسهم في الإفصاح عن كنه أمره ونبوغه، فإن آثار المرء العلمية -في مجال استجلاء شخصيته- تؤدي بعض العوض وإن كانت لا تفي بكل الغرض. غير أننا من خلال كتب الثعالبي ومقدماتها نستطيع أن نقرر أنه قضى حياته في نيسابور وأنه كان وثيق الاتصال بالعالم الجليل الأمير أبي الفضل الميكالي عميد أسرة بني ميكال التي عرف أبناؤها بالفضل والأدب وتكريم العلم وتقريب العلماء، واقتنوا الكثير من الكتب القيمة الثمينة النافعة، وكانوا أصحاب مكتبة أفاد من محتوياتها العام والخاص، ونعرف أيضًا من مقدمات كتب الثعالبي أنه كان متصلًا بالأمير أبي نصر سهل بن المزربان وكان بدوره عالمًا فاضلًا أديبًا شاعرًا، كما اتصل بالأمير مأمون بن مأمون خوارزم شاه، ولقد كان الثعالبي صديقًا لكثير من أعلام الأدب من عصره وفي مقدمتهم كاتب العربية النابغة أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني فقد كانا متقاربين في العمر، فلم يكن الثعالبي يكبر بديع الزمان بأكثر من ثماني سنوات٢. وهذا وإن كثرة التأليف والتوفر على الكتابة والاحتفال بالثقافة والقراءة إلى حد التفرغ كل ذلك لم يمنع الثعالبي من أن يعبر عن خواطره ويفصح عن مشاعره في نطاق شعر لطيف قيل في أغراض مختلفة، ومواضيع شتى بين غزل وخمر ووصف طبيعة ومدح ومساجلات إخوانية، فمن شعره في وصف الطبيعة والربيع قوله٣: الغيم بين معصفر ومجسد ... والماء بين مصندل ومعنبر والروض بين مدملج ومتوج ... والورد بين مدرهم ومدنر والأرض قد برزت لنا في أخضر ... في أصفر في أبيض في أحمر لتروقنا ببدائع وطرائف ... من حسن منظرها وطيب المخبر

стр. 163

سبحان محيي الأرض بعد مماتها ... وكذاك يحيي الخلق بين المحشر ومن خطرات نفسه الرقيقة وقد عمد إلى الصنعة البديعية١. تراني لست أحسن نظم لفظ ... يزيد جليله المعنى الدقيق ولكن لا تدق بنات فكري ... إذا ما قيل قد فني الدقيق وللثعالبي غير قليل من القصائد والمقطوعات ورد بعضها في "وفيات الأعيان" وورد أكثرها في آخر كتابه "خاص الخاص"٢. فإذا ما عمدنا إلى الحديث عن كتب الثعالبي فسوف نلاحظ أنها من الكثرة بمكان وأنها أيضًا من النفع والقيمة والخصوبة بمكان، ولعل أشهرها وأكبرها كتابه "يتيمة الدهر" الذي سوف يأتي دوره عند الحديث عن كتب طبقات الشعراء، وأما بقية كتبه فبعضها مطبوع وبعض آخر لا يزال مخطوطًا، وهي في الشعر والنثر والطرائف الأدبية، وفقه اللغة والبلاغة والتاريخ والتراجم الأدبية. فأما كتبه المطبوعة فهي -فضلًا عن اليتيمة- فيما يتناول الأدب بفروعه: خاص الخاص، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، سحر البلاغة وسر البراعة، من غاب منه المطرب، لطائف المعارف، نثر النظم وحل العقد، سر الأدب، المؤنس الوحيد، أحسن ما سمعت ويعتبر كتاب "من غاب عنه المطرب" الذي مر ذكره ذيلًا لهذا الكتاب، اللطائف والظرائف، يواقيت المواقيت، المنتحل، المبهج، برد الأكباد في الأعداد، العقد النفيس ونزهة الجليس٣. وأما كتبه في فقه اللغة والبلاغة، فإن المطبوع منها: فقه اللغة، الإعجاز والإيجاز، الكتابة والتعريض ويسمى أيضًا النهاية في الكتابة، الأمثال ويسمى أيضًا الفرائد والقلائد، وقد شكك محرر مادة الثعالبي في دائرة المعارف الإسلامية في نسبة هذا الكتاب إلى الثعالبي وذهب إلى أن مؤلفه هو الأهوازي المولود سنة ٥٤٤هـ. وأما كتبه في التاريخ فأهمها "غرر السير" ويشك محرر مادة الثعالبي في دائرة المعارف الإسلامية أيضًا في نسبة الكتاب إلى الثعالبي ويذهب إلى أن مؤلفه، هو أبو منصور الحسين بن محمد بن المرغني الثعالبي٤.

стр. 164

وللثعالبي أكثر من كتاب في الأدب الأخلاقي: المطبوع منها: مرآة المروءات وأعمال الحسنات، ومكارم الأخلاق. وأما كتب الثعالبي المخطوطة، أو على الأقل تلك التي نعلم بوجودها فهي التجنيس، غرر البلاغة وطرف البراعة، الغلمان، تحفة الوزراء، الشكوى والعتاب، المقصور والممدود، المتشابه، التمثيل والمحاضرة، طبقات الملوك. هذا وإذا أردنا أن نستعرض موضوع كتاب أو أكثر من كتب الثعالبي فسوف نجد أن المؤلف كان متأنقًا في اختيار عناوين كتبه بحيث جعل لها جرسًا منغمًا، وإيقاعها منبهًا، والأمر في ذلك من الوضوح بمكان. كتاب ثمار القلوب: ولكن ماذا تحوي هذه العناوين الجذابة؟ الحق أنه بين العنوان والموضوع صلة أكيدة ووشيجة قريبة، فلو عرضنا لكتابه ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، نجد أن المؤلف يقدم منهج بحثه في مستهل كتابه قائلًا: "وبناء هذا الكتاب على ذكر أشياء مضافة ومنسوبة إلى أشياء مختلفة يتمثل بها، ويكثر في النثر والنظم على ألسن الخاصة والعامة استعمالها، كقولهم غراب نوح، ونار إبراهيم، وذئب يوسف، وعصا موسى، وخاتم سليمان، وحمار عزير، وبردة النبي ﷺ ، وكقولهم كنز النطف، وقوس حاجب، وقرط مارية، وصحيفة المتلمس، وحديث خرافة، ومواعيد عرقوب، وجزاء سنمار ... وكقولهم أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وعقارب نصيبين، وجرارات الأهواز، وحمى خيبر". ويمضي المؤلف في مقدمته على هذا النسق، ثم يذكر أنه ضمن الكتاب واحدًا وستين بابًا جعل الباب الأول "فيما يضاف إلى اسم الله تعالى عز ذكره وجل اسمه" والباب الثاني "فيم يضاف وينسب إلى الملائكة والجن والشياطين" وهكذا يذكر موضوع كل باب حتى الباب الواحد والستين "في الجنات". فلو اخترنا من الكتاب بابًا اختيارًا عشوائيًّا لكي نقدمه، وليكن الباب الخامس عشر مثلًا فستجد موضوعه "فيما يضاف وينسب إلى طبقات الشعراء" وموضوعات الباب هي حلة امرئ القيس، يوم عبيد، حكم لبيد، حوليات زهير، صحيفة المتلمس، قدح ابن مقبل، منديل عبدة، لسان حسان، سيف الفرزدق، بنات نصيب، غزل ابن أبي ربيعة، عين بشار، طبع البحتري، تشبيهات ابن المعتز، عتاب جحظة، غلام الخالدي١.

стр. 165

يتنقل المؤلف بعد ذلك مباشرة إلى الحديث عن كل قضية أو معنى من القضايا والمعاني التي أوردها بالشرح والإبانة وذكر المناسبة الخاصة بها مع استشهاد بالشعر إذا لزم الأمر. ففي مجال الاستشهاد بحلة امرئ القيس يجعلها "مثلًا للشيء الحسن يكون له أثر قبيح، والمبرة يكون في ضمنها عقوق، والكرامة يحصل منها إهلاك، ذلك أن أمرأ القيس بن حجر لما خرج إلى قيصر يستنجده على قتلة أبيه ويستعينه في الاستيلاء على ملكه أكرمه وأمده بجيش، ثم لما صدر من عنده وشى الوشاة به إليه، وأخبروه بما يكره من شأنه، وخوفوه عاقبة أمره، فندم على تجهيزه وأتبعه بحلة مسمومة عزم عليه أن يلبسها في طريقه. فلما لبسها تقرح جلده وتساقط لحمه واشتد سقمه ففي ذلك يقول: وبدلت قرحًا داميًا بعد صحة ... وبدلت بالنعماء والخير أيؤسا ولو أن نومًا يشترى لاشتريته ... قليلًا كتغميض القطا حيث عرسا فلو أنها نفس تموت صحيحة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا ثم لما نزل أنقره مات بها وإنما سمى "ذا القروح" لهذه القصة. والكتاب في جملته عمل أدبي رفيع القدر جليل الشأن ومن ثم فقد أهداه المؤلف إلى الأمير الجليل الأديب أبي الفضل الميكالي في نيسابور. كتاب خاص الخاص: وإذا ما عرضنا لكتاب "خاص الخاص" وجدناه هو الآخر له من اسمه نصيب كبير بحيث وصف بأنه "وعاء ملئ علمًا" و"ظرف حشي ظرفًا" فهو منتخبات شعرية نثرية جميعها من بدائع النثر وطرائف الشعر. وخاص الخاص يقع في ثمانية أبواب: الباب الأول: فيما يقارب الإعجاز من إيجاز البلغاء وسحرة الكتاب. الباب الثاني: في أمثال العرب والعجم. الباب الثالث: فيما جاء من الأمثال على وزن "أفعل من كذا". الباب الرابع: في لطائف الظرفاء: شخصيات عديدة ومناسبات مختلفة. الباب الخامس: في "كلمات" لأصحاب الصناعات والمهن والحرف.

стр. 166

الباب السادس: في التوقيعات عن الملوك والوزراء والكبراء. الباب السابع: في عجائب الشعر والشعراء، ويضم نماذج مختارة لمائة وخمسة وثمانين شاعرًا ابتداء من الجاهليين مستفتحًا بامرئ القيس وانتهاء بمعاصري المؤلف من الشعراء والأدباء. الباب الثامن: نماذج من شعر المؤلف يزعم أنه لم يسبق إليها في معانيها. والكتاب في جملته يدل على ذوق أدبي رفيع شأنه شأن أكثر كتب الثعالبي المؤلف الأديب السخي العطاء.

стр. 167

الباب الخامس: العقد الفريد والأغاني الفصل الأول: أحمد بن عبد ربه "والعقد الفريد " مدخل ... الباب الخامس: العقد الفريد والأغاني إن كثيرًا من كتب الأدب والأخبار لقيت من الشهرة والذيوع ما هي جديرة به لنفاسة محتواها، وسمو مكانتها العلمية والأدبية مثل البيان والتبيين للجاحظ، ومثل كتاب الحيوان للمؤلف نفسه، ومثل كتابي عيون الأخبار وأدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرد، وكتاب الفصيح والمجالس لثعلب، والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، والأمالي لأبي علي القالي وغيرها من تلك الروائع التي كتبها رواد الأدب العربي وأساتذة الفكر الإسلامي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ولكن واحد من هذه الكتب على نفاسة أكثرها لم ينل من الشهرة والذيوع والتعليق والذكر على أفواه المتأدبين والدارسين والإقبال عليه والاحتفال به كما نال كل من "العقد الفريد" لأحمد بن عبد ربه، و "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني. إن كلا من الكتابين يشكل بمفرده موسوعة ضخمة من الثقافة العربية ودائرة معارف تكاد تكون مستكملة الحلقات من الأخبار والنصوص الأدبية. ومن الغريب أن مؤلف العقد أندلسي المولد والإقامة والوفاة، ومؤلف الأغاني عراقي المولد والإقامة والوفاة، فكان الأول السفير الأندلسي للثقافة العربية في الأندلس والمغرب والمشرق جميعًا. فكما عاش كتابه في الأندلس رفيع القدر ثابت الجذور، جيء به إلى المشرق فاختلف أول الأمر في شأنه ثم ما لبث أن نال حظه من الاحتفال به والتقدير لشأنه. وكان الثاني السفر المشرقي للثقافة والأدب العربي في المشرق جميعًا وفي الأندلس كذلك حينما بعث مؤلفه بالنسخة الخطية الأولى منه هدية إلى المستنصر الملك المثقف الأندلسي. ومجمل القول إن كتابي العقد الفريد، والأغاني قد طغيا بلمعانهما -إن حقًّا وإن باطلًا- على أقرانهما من الكتب النفيسة الأخرى التي إن لم تعدلهما فإنها لا تقصر عنهما كثيرًا.

стр. 168

ونحن من أجل ذلك أفردنا لهذين الكتابين الكبيرين بابًا منفردًا، استقل كل منهما بفصل من فصليه، ندرس شخصية مؤلف كل منهما ووزنه العلمي وقدره الأدبي ومنهج كتابه ومحتواه، وما حفلت به دفتاه من علم ثمين وكنز دفين، أو ما ضمناه من غث الأخبار ورخيص الاختيار.

стр. 169

الفصل الأول: احمد بن عبد ربه و"العقد الفريد" إن أحمد بن محمد بن عبد ربه عاش نيفًا وثمانين عامًا في الأندلس بمدينة قرطبة مولدًا ووفاة بين عامي ٢٤٦، ٣٢٨هـ، أي أنه عاش النصف الأخير من القرن الثالث وأكثر قليلًا من الربع الأول من القرن الرابع، فقد عاش إذن في الفترة التي كانت الأندلس تبني فيها شخصيتها العربية الإسلامية، وذلك بالإقبال على العلم والدرس والتحصيل اعتمادًا على العلوم والمؤلفات الوافدة بكثرة ووفرة من المشرق العربي والإسلامي. ولقد عاش أحمد بن عبد ربه ناسكًا في محراب العلم، عاكفًا على أسباب الثقافة متحليًا بالخلق والدين والورع، بحيث أجمع كل من أرخ له أنه كان أهل علم وأدب ورياسة وشهرة مع ديانة وصيانة، وكان موضعًا لاحترام الملوك الأندلسيين الكبار ابتداء من أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الأوسط، حتى عبد الرحمن الناصر. وقد كان ملوك الأندلس جميعًا وبغير استثناء يحترمون العلماء ويضعونهم موضعهم من الإجلال والتقدير والاحترام؛ ذلك لأنهم كانوا ملوكًا مثقفين على علم وأدب، ولم يكونوا سوقة أو مغامرين. وفي الوقت نفسه كان العلماء متحلين بأخلاق العلم لابسين ثوب الحشمة والوقار، غير متهافتين على المناصب ولا مترخصين في سلوكهم، ولا متهاونين في كراماتهم، الأمر الذي جعل الملوك يحترمونهم ويخشون نقدهم ويتحاشون جانب الاعتداء عليهم. بل إنهم كانوا يستمعون منهم إلى النقد العنيف إذا ما ندت ندوة من ملك أو سقطة من سلطان، فلا يملك هذا الملك أو ذاك على جليل ملكه ورفعة شأنه إلا الطاعة للعالم والامتثال لنصائحه. إن أحمد بن عبد ربه عاش في هذا المحيط، ونال التكريم من ثلاثة ملوك كبار عاصرهم

стр. 170

وعايشهم ومدح مواطن المدح فيهم، وهم: المنذر بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط الذي قال عنه المؤرخون إنه لم يكن أحد من الخلفاء قبله في شجاعته وصرامته وحزمه وعزمه، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط الشجاع الأديب الباطش الشديد التواضع، وعبد الرحمن الناصر أشهر ملوك الدنيا وأسعدهم حظًّا وأطولهم فترة حكم١. لقد مدح ابن عبد ربه هؤلاء الملوك الثلاثة، بل لقد ضمن كتابه "العقد الفريد" شعرًا طويلًا في التأريخ لانتصارات الناصر لدين الله، ومن ثم فقد كان الرجل على ولاء شديد وإعجاب أشد بهؤلاء الملوك الذين تحلوا بالأدب -فليس بينهم إلا شاعر- واتصفوا بالشجاعة، وتجملوا باحترام العلم وإجلال العلماء. وابن عبد ربه يبدو شخصية واضحة المعالم من ناحية علمه، وأدبه، وخلقه، وسلوكه في آثاره الأدبية والعلمية التي تركها بين يدي الدارسين والمؤرخين والمتأدبين، وهذه الآثار تتمثل في شعره، وفي كتابه "العقد الفريد". فأما ابن عبد ربه الشاعر فإن مكانته بين شعراء الأندلس تأتي في الصدارة، رغم أن الدارسين المحدثين لم يعنوا بذلك، وربما كان السبب في ذلك هو ضياع شعر الأديب الكبير الذي كان مجموعه فيما يذكر الحميدي نيفًا وعشرين جزءًا هي جملة ما جمعه الأدباء من شعره للحكم المستنصر الذي فتن بالكتب فأنشأ مكتبة كبيرة فريدة في ترتيبها وتنسيقها بين مكتبات ذلك الزمان، إن لم يكن هذا الزمان، مع إسقاط الوسائل الحديثة في سرعة الطباعة من الحساب. أما مكتبة المستنصر فكانت محتوياتها مزينة بجيد التجليد وأنيق التذهيب، وفنون الخط، وترتيب الفهارس وتنظيم الإعارة وتشجيع القراءة. على أن المهم في شعر ابن عبد ربه ليس الكم والعدد ولكنه الكيف والفن والتجديد، فقد تواترت الأخبار الأدبية وبخاصة عند ابن بسام صاحب "الذخيرة" أن أحمد بن عبد ربه هو أول من أنشأ "الموشحات" وإن لم يأت لنا بأنموذج واحد من موشحاته، ولنا رأي مخالف لذلك بصدد نشأة الموشحات وأنها مشرقية محضة٢. إن أحمد بن عبد ربه يعتبر على كل حال -في نطاق الخير الذي أورده عنه ابن بسام واحد من رواد الإبداع والتجديد في الشعر الأندلسي، بل إن ابن سعيد، وهو من هو في تأريخ أدب الأندلس يقول عنه إنه إمام أهل المائة الرابعة وفرسان شعرائها في المغرب كله. وإن ما قد وصل إلينا من شعر ابن عبد ربه يترجم عن نفس شاعرة رقيقة شفافة متملكة

стр. 171

نواصي الشعر مكتملة وشائجة وأسبابه، قديرة واعية متقنة صناع، إنها كذلك في مختلف ميادين الشعر وأغراضه حتى ما كان منها متناقض الأهداف كالمديح والهجاء، أو كالغزل والزهد. إنه يمدح المنذر بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط -وقد مر ذكر صلته به- فيقول هذا الشعر التقي ابتكارًا وإيقاعًا من جملة قصيدة طويلة١: بالمنذر بن محمد ... شرفت بلاد الأندلسْ فالطير فيها ساكن ... والوحش فيها قد أنسْ وقد ظلت هذه القصيدة تسير في أعطاف السنين حتى قرعت أسماع أبي تميم، المعز لدين الله الفاطمي العبيدي ملك إفريقية، ثم مصر فشق عليه انتشارها بين الناس حفظًا وترديدًا، فما كان من شاعره أبي الحسن علي بن محمد الإيادي التونسي إلا أن أنشأ قصيدة يعارض بها سينية ابن عبد ربه إرضاء للمعز مطلعها: ربع لزينب قد درس ... واعتاض من نطق خرس ولكن الفارق بين القصيدتين جودة ورقة ومعنى كالفرق بين الثرى والثريا. وعندما يكتب ابن عبد ربه شعرًا في لوعة الحب وانصراف الغواني عن العاشق مع انصراف شبابه فإنه يأتي بالطريف من المعاني في ثوب من جيد الشعر ورقة الإيقاع. وهذا قوله في الموضوع نفسه. إن الغواني إن رأينك طاويًا ... برد الشباب طوين عنك وصالًا وإذا دعوتك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا ومن روائع أبياته التي يقول ياقوت إنها من شعره السائر٢ هذان البيتان الساحران اللذان تأثر بهما ابن زيدون دون شك حين كان يبكي حبه ولادة بنت المستكفي مغتربًا في البلاد سائحًا في الربوع ضاربًا في مشارق الأندلس ومغاربها. يقول ابن عبد ربه في بيتيه القائلين: الجسم في بلد والروح في بلد ... يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد

стр. 172

إن تبك عيناك لي يا من كلفت به ... من رحمة فهما سهمان في كبدي هذا وللمتنبي في شعر ابن عبد ربه رأي جميل وإعجاب بادٍ، وكان يطلق على أحمد بن عبد ربه "مليح الأندلس" وهو بهذا اللقب جدير. إن الفتح بن خاقان مؤرخ شعراء الأندلس وصاحب "المطمح" و "القلائد" يذكر أن الخطيب أبا الوليد بن عباد مر على مصر في طريق عودته بعد أداء فريضة الحج وتطلع إلى لقاء المتنبي -وكان إذ ذاك في مصر- فصار إليه حيث كان جالسًا في مسجد عمرو بن العاص. وبعد أن جرى بينهما بعض الحديث قال له المتنبي: أنشدني لمليح الأندلس -يعني ابن عبد ربه- فأنشده: يا لؤلؤًا يسبي العقول أنيقا ... ورشا بتقطيع القلوب رفيقا ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... وردًا يعود من الحياء عقيقا وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا يا من تقطع خصره من رقة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا فلما أكمل أبو الوليد إنشاده استعاده المتنبي ثم قال: يا ابن عبد ربه، لقد تأتيك العراق حبوًا١. وقارئ شعر ابن عبد ربه لا يجد كبير غرابة في إعجاب المتنبي به، ذلك أن المتنبي وكثيرًا من معانيه عيال على معاني ابن عبد ربه وبخاصة في الحربيات. ولابن عبد ربه شعر رائق في الزهد قاله حين تقدمت به العمر، وهو لم يفعل ذلك ندمًا على ذنوب تورط في اقترافها في غمرة شبابه، فقد كان الرجل طوال عمره صاحب عفة وتصون، وإنما قال في الزهد نسكًا وطبيعة. فمن قوله في الزهد في الدنيا الأبيات الحكيمة٢:

стр. 173

ألا إنما الدنيا غضارة أيكةٍ ... إذا اخضر منها جانب جف جانب هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب وكم أسخنت بالأمس عينًا قريرة ... وقرت عيون دمعها الآن ساكب فلا تكتحل عيناك منها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب ولقد عمر ابن عبد ربه حتى الثانية والثمانين. وهو حين يصل إلى هذه السن الكبيرة يهتم ويشكو هموم الكبر وشكوى الشيخوخة، فيقول هذين البيتين الذين هما آخر ما قال من شعر: بليت وأبلتني الليالي بكرِّها ... وصرفان للأيام معتوران وما لي لا أبكي لسبعين حجة ... وعشر أتت من بعدها سنتان والزهد في شعر أبي عمر، أحمد بن عبد ربه على صدقه، وعمقه ليس مجرد أبيات أو مقطعات قالها معبرًا عن هموم شيخوخته واسترخاص دنياه، وإنما كان للرجل مذهب فريد في هذا الضرب من الشعر. فقد أنشأ عديدًا من القصائد أطلق عليها الممحصات، وذلك أنه محص شعر شبابه بأن نقض كل قطعة قالها هناك في صباه في الصبابة والغزل بقطعة أخرى من بحرها وقافيتها في المواعظ، وهو مذهب لم يسبق إليه على قدر علمنا في مثل تلك الصورة. وإذا كان لنا أن نتمثل لهذا النوع من شعر ابن عبد ربه، فهذه مقطوعة قالها في بعض من أحب وكان أزمع على الرحيل في غداة بعينها فأتت السماء في تلك الغداة بمطر غزير حالت دون رحيل ذلك الذي أحب فكتب أبو عمر ابن عبد ربه يقول١: هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر؟ ... هيهات! يأبى عليك الله والقدر

стр. 174

ما زلت أبكي حذار البين ملتهفًا ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر يا بردة من حيا مزنٍ على كبر ... نيرانها بغليل الشوق تستعرُ آليت ألا أرى شمسًا ولا قمرًا ... حتى أراك فأنت الشمس والقمرُ ويكتب شاعرنا أبو عمر ممحصة لقصيدته هذه ملؤها المواعظ وفيضها الزهد فيقول١: يا قادرًا ليس يعفو حين يقتدر ... ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر عاين بقلبك إن العين غافلة ... عن الحقيقة واعلم أنها سقر سوداء تزفر من غيظ إذا سعرت ... للظالمين فما تبقى وما تذر لو لم يكن لك غير الموت موعظة ... لكان فيك عن اللذات مزدجر أنت المقول له ما قلت مبتدئا ... هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر؟ ولعلنا لاحظنا أن المصراع الثاني من البيت الأخير في الممحصة، هو نفسه المصراع الأول من البيت الأول في قصيدة الغزل التي محصها بهذه المواعظ الشعرية الزهدية النفيسة. هذا هو أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الشاعر الكبير الرقيق المبدع ذو العبارة الأنيقة واللفظة المنتقاة والمعنى المختار والقوافي الموقعة، والقصائد الكثيرة الوفيرة الرائقة الشائقة في مختلف موضوعات الشعر وأغراضه. لقد وصف ابن عبد ربه الحرب قبل وصف المتنبي لها، فقال من جملة قصيدة هذه الأبيات في تصوير الموقعة٢: ومعترك ضنك تساقت كماته ... كؤوس المنايا من كلى ومفاصل

стр. 175

يديرونها راحًا من الراح بينهم ... ببيضٍ رقاقٍ أو بسمرٍ ذوابل وتسمعهم أم المنية وسطها ... غناء صهيل البيض تحت المناصل إن الرجل قد جعل من وصف الحرب على فظاعتها معزوفة موسيقية ولكنها موسيقى دامية، وهي مقدرة لم تتوفر لغيره. إنه يستعمل الصيغ النحوية في شعره ولكن لا يفسد بها شعره، كما فعل المتنبي بعد ذلك تقليدًا له فلم يحسن التقليد، يقول ابن عبد ربه١: يا من يجرد من بصيرته ... تحت الحوادث صارم العزم رعت العدو فما مثلت له ... إلا تفزع منك في الحلم أضحى لك التدبير مطردًا ... مثل اطراد الفعل للاسم رفع العدو إليك ناظره ... فرآك مطلعًا مع النحم إن البيت الثاني مأخوذ من قول أشجع السلمي في الرشيد: وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان: ضوء الشمس والإظلام فإذا تنبه رعته، وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام وأما البيت الثالث فإن المتنبي قد اقتبس ما فيه من تعريفات نحوية في كثير من مدائحه لسيف الدولة في مثل قوله: إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعًا ... مضى قبل أن تُلقى عليه الجوازمُ وإذا كان الحديث، عن ابن عبد ربه الشاعر ليس هذا مجاله بل مجرد إثبات شاعريته والتمثل لها فلننتقل إذن إلى ابن عبد ربه العالم المؤلف.

стр. 176

الفصل الثاني: العقد الفريد: أسلفنا القول في التمهيد لهذا الباب من كتابنا أن كتاب العقد الفريد نال حظًّا وافرًا من الشهرة لم يشاركه فيها إلا كتاب الأغاني للأصبهاني، وهو قول حق في كتاب يعتبر الأول من نوعه في الأندلس من حيث الإفاضة والشمول والتنوع وكثرة التمثل، عن أدب قومه المشارقة. وإذا كان "العقد الفريد" و "الأغاني" يعتبران أشهر كتابين في الأدب على الرغم من أن أولهما كتب في الأندلس، والثاني كتب في العراق، فإن للعقد كمؤلف أندلسي في الأدب عامة وأدب المشارقة خاصة، منافسًا في الشهرة ألف في المكان نفسه الذي ألف فيه العقد وهو كتاب: الأمالي لأبي علي القالي، الذي يجيء ذكره وذكر كتابه في باب "الأمالي" من أبواب هذا الكتاب. وإن الفارق الزمني بينهما غير بعيد، فقال: دخل أبو علي القالي قرطبة ضيفًا على عبد الرحمن الناصر عام ٣٣٠ هـ أي بعد وفاة ابن عبد ربه بعامين اثنين، وما لبث أن أملى كتابه النفيس الذي عرف بـ"الأمالي". غير أن لكل من الكتابين مذاقه الخاص به وموضوعاته المتميز بها. فالعقد موسوعة أدبية اجتماعية تاريخية إخبارية ناعمة سهلة، والأمالي موضوعات لغوية منبثقة من خلال نصوص أدبية مع أخبار ونوادر حسبما نقدمها تفصيلًا في باب كتب الأمالي. فإذا ما عرضنا لكتاب ابن عبد ربه من عنوانه وجدناه صورة من صاحبه، فالتسمية تسمية ناعمة "العقد الفريد" جمعت إلى خيال الشاعر واقع الأدب. وقد قصد المؤلف إلى هذه التسمية قصدًا، فهو قد تصور كل باب من أبواب الكتاب جوهرة من جواهر العقد في جيد الحسناء، وعقد الحسناء يتكون من خمس وعشرين حبة ثمينة، لكل واحدة منها اسم في اللغة والعرف. وأثمنها عادة هي الحبة الوسطى التي يكون عن يمينها اثنتا عشرة حبة وعن

стр. 177

يسارها مثلها، والحبة الوسطى تسمى الواسطة، ومن هنا شبه كل شيء نفيس بين أقرانه بواسطة العقد أي الأفضل بينهم، فإذا تصورنا عقدًا في جيد حسناء إن أثمن حبة فيه هي الواسطة، وكل حبة عن اليمين أو عن اليسار هي على الترتيب: المجنبة، ثم العسجدة، ثم اليتيمة، ثم الدرة ثم الزمردة، ثم الجوهرة، ثم الياقوتة، ثم المرجانة، ثم الجمانة، ثم الزبرجدة، ثم الفريدة، ثم اللؤلؤة، وعلى هذا النسق إذا أردنا أن نتصور العقد بشكل أوضح تكون كل من الحبتين الأوليين في طرفي العقد لؤلؤة، والحبتين اللتين تليانهما الفريدة، وهكذا حتى نصل إلى الواسطة. وابن عبد ربه كصاحب مؤلف ضخم قضى في تأليفه، وجمعه وتنسيقه وتبويبه سنوات طوالًا، لم يفته شأن كل مؤلف عربي نابهٍ أن يقدم لقارئه منهاج كتابه. وهو منهج يخضعه صاحبه للمنطق العلمي ويقنع به القارئ ويتلمس لذلك الأسباب من قول الحكماء والبلغاء ضاربًا المثل بأقوال لجعفر البرمكي الأديب الأريب، وكلثوم بن عمرو العتابي الحكيم البليغ. ويورد ابن عبد ربه أخباره ورواياته من دون إسناد في أكثر الأحيان. ويتوقع أن ذلك النهج سوف يثير تساؤلات القارئ اللبيب الحصيف؛ لأن العرب قد ألفوا أن يردوا كل حديث إلى مصدره وكل خبر إلى منبعه عن طريق الإسناد الصحيح، فيعد المؤلف إجابة بادية التعليل على هذا التساؤل المتوقع. وهكذا نلمس في الرجل منهج العالم وذكاء الأديب، فلنستمع إليه يقدم كتابه وموضوعاته على النهج الذي رسمه والوضع الذي اختاره والنسق الذي تصوره١: "وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب، وإنما لي فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش في صدر كل كتاب، وأما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء. واختيار الكلام أصعب من تأليفه. وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله وقال الشاعر: قد عرفناك باختيارك إذا كا ... ن دليلا على اللبيب اختياره وقال أفلاطون: عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم. فتطلبت نظائر الكلام وأشكال المعاني وجواهر الحكم وضروب الأدب ونوادر الأمثال، ثم قرنت كل جنس منها إلى جنسه، فجعلته بابًا على حدته، ليستدل الطالب للخبر على موضعه من الكتاب، ونظيره في كل باب.

стр. 178

وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرًا، وأظهرها رونقًا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظًا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة، آخذًا بقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ . وقال يحيى بن خالد: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون ويتحدثون بأحسن ما يحفظون. وقال ابن سيرين: العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كل شيء أحسنه. وفيما بين ذلك سقط الرأي، وزلل القول، ولكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة. وفي بعض الكتب: انفرد الله تعالى بالكمال، ولم يبرأ أحد من النقصان. وقيل للعتّابي: هل تعلم أحدًا لا عيب فيه؟ قال: إن الذي لا عيب فيه لا يموت أبدًا، ولا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة. وقال العتابي: من قرض شعرًا أو وضع كتابًا فقد استهدف للخصوم واستشرف للألسن، إلا عند من نظر فيه بعين العدل، وحكم بغير الهوى، وقليل ما هم. وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبًا للاستخفاف والإيجاز، وهربًا من التثقيل والتطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتصاله، ولا يضرها ما حذف منها. وقد كان بعضهم يحذف أسانيد الحديث من سنة متبعة، وشريعة مفروضة، فكيف لا نحذفه من نادرة شاردة، ومثل سائر، وخبر مستطرف، وحديث يذهب نوره إذا طال وكثر. سأل حفص بن غياث الأعمش عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه وأسنده إلى حائط وقال: هذا إسناده! وحدث ابن السماك بحديث، فقيل له: ما إسناده؟ فقال: هو من المرسلات عرفًا. وروى الأصمعي خبرًا، فسئل عن إسناده. فقال: هو من الآيات المحكمات التي لا تحتاج إلى دليل وحجة. وحدث الحسن البصري بحديث، فقيل له: يا أبا سعيد، عمن؟ قال: وما تصنع بعمن يا ابن أخي؟ أما أنت فنالتك موعظته، وقامت عليك حجته. وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متصرفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار، فجعلت هذا الكتاب كافيًا شافيًا جامعًا لأكثر المعاني التي تجري على

стр. 179

أفواه العامّة والخاصة، وتدور على ألسنة الملوك والسوقة، وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعراء تجانس الأخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها، وقرنت بها غرائب من شعري، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته، وبلدنا على انقطاعه، حظًّا من المنظوم والمنثور. وسميته كتاب "العقد الفريد" لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابًا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءًا في خمسة وعشرين كتابًا. وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد، فأولها: كتاب اللؤلؤة في السلطان. ثم كتاب الفريدة في الحروب ومدار أمرها. ثم كتاب الزبرجدة في الأجواد والأصفاد. ثم كتاب الجمانة في الوفود. ثم كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك. ثم كتاب الياقوتة في العلم والأدب. ثم كتاب الجوهرة في الأمثال. ثم كتاب الزمردة في المواعظ والزهد. ثم كتاب الدرة في التعازي والمراثي. ثم كتاب اليتيمة في النسب وفضائل العرب. ثم كتاب العسجدة في كلام الأعراب. ثم كتاب المجنبة في الأجوبة. ثم كتاب الواسطة في الخطب. ثم كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور وأخبار الكتبة. ثم كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم. ثم كتاب اليتمية الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة. ثم كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم. ثم كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه. ثم كتاب الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلل القوافي.

стр. 180

ثم كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه. ثم كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن. ثم كتاب الجمانة الثانية في المتنبئين والممرورين والبخلاء والطفيليين. ثم كتاب الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان وتفاصيل البلدان. ثم كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب. ثم كتاب اللؤلؤة الثانية في النتف والهدايا والفكاهات والملح. وإذا غضضنا النظر عن الدرر والجواهر التي جعل المؤلف من كل واحدة منها عنوانًا لموضوع من موضوعات كتابه، فإننا يمكن أن ننتهي إلى القول بأن الكتاب موسوعة ثقافية عربية كبيرة تشمل الفنون الأدبية والفكرية على النحو الآتي: أولًا:- الشعر بمختلف موضوعاته، كل قصيدة أو مقطوعة يذكرها المؤلف حسب الغرض الذي استهدفه من التمثل بها، وهو يختار نماذجه بعناية فائقة يعمل فيها ذوقه الفني كشاعر صاحب إجادة وامتياز، هذا وكثير من فصول الكتاب يكاد الشعر يكون العنصر الأساسي في تكوينها كما هو الحال في "كتاب الفريدة" الذي خصصه للحرب، وهي مجال رحيب للتمثل بشعر الحماسة والمواقع الحربية. ولا يكتفي ابن عبد ربه في هذا المجال بالنماذج الكثيرة التي يوردها لكبار الشعراء، وإنما يتمثل بشعره أيضًا قائلًا: "ومن قولنا في وصف الرمح"، أو "ومن قولنا في وصف الفرس" وغير ذلك من الموضوعات التي كتب فيها بحيث جعل من كتابه بستانًا في جنباته أزاهير شعره وأبكارها. بل إنه يخص الشعر بأكثر من دراسة في أكثر من باب. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب الزمردة الثانية الذي جعله في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، وكتاب الجوهرة الثانية الذي جعله في أعاريض الشعر وعلله وقوافيه. فالمؤلف والحال كذلك لم يجعل من الشعر وسيلة استشهاد وأداة تمثل، وغاية إطراف وحسب. وإنما قدم عنه دراسة نقدية فنية عروضية. كما صنع دراسة مفصلة لأوزان الشعر والعروض وزحافاته وعلله وقوافيه بشيء من التوسع، وألحق بها أرجوزة طويلة مشتملة على أصول علم العروض، ثم أتبعها بنماذج لكل بحر من بحور الشعر١. ثانيًا:- الخطابة، وهي تتمشى في كيان الكتاب وجوهره وفي مواضع كثيرة كل في مكانها من فصول الكتاب، هذا فضلًا عن الحشد الكبير من الخطب التي زين بها ابن عبد ربه
следующие страницы →