الفصل الثاني: العقد الفريد:
أسلفنا القول في التمهيد لهذا الباب من كتابنا أن كتاب العقد الفريد نال حظًّا وافرًا من الشهرة لم يشاركه فيها إلا كتاب الأغاني للأصبهاني، وهو قول حق في كتاب يعتبر الأول من نوعه في الأندلس من حيث الإفاضة والشمول والتنوع وكثرة التمثل، عن أدب قومه المشارقة.
وإذا كان "العقد الفريد" و "الأغاني" يعتبران أشهر كتابين في الأدب على الرغم من أن أولهما كتب في الأندلس، والثاني كتب في العراق، فإن للعقد كمؤلف أندلسي في الأدب عامة وأدب المشارقة خاصة، منافسًا في الشهرة ألف في المكان نفسه الذي ألف فيه العقد وهو كتاب: الأمالي لأبي علي القالي، الذي يجيء ذكره وذكر كتابه في باب "الأمالي" من أبواب هذا الكتاب. وإن الفارق الزمني بينهما غير بعيد، فقال: دخل أبو علي القالي قرطبة ضيفًا على عبد الرحمن الناصر عام ٣٣٠ هـ أي بعد وفاة ابن عبد ربه بعامين اثنين، وما لبث أن أملى كتابه النفيس الذي عرف بـ"الأمالي". غير أن لكل من الكتابين مذاقه الخاص به وموضوعاته المتميز بها. فالعقد موسوعة أدبية اجتماعية تاريخية إخبارية ناعمة سهلة، والأمالي موضوعات لغوية منبثقة من خلال نصوص أدبية مع أخبار ونوادر حسبما نقدمها تفصيلًا في باب كتب الأمالي.
فإذا ما عرضنا لكتاب ابن عبد ربه من عنوانه وجدناه صورة من صاحبه، فالتسمية تسمية ناعمة "العقد الفريد" جمعت إلى خيال الشاعر واقع الأدب. وقد قصد المؤلف إلى هذه التسمية قصدًا، فهو قد تصور كل باب من أبواب الكتاب جوهرة من جواهر العقد في جيد الحسناء، وعقد الحسناء يتكون من خمس وعشرين حبة ثمينة، لكل واحدة منها اسم في اللغة والعرف. وأثمنها عادة هي الحبة الوسطى التي يكون عن يمينها اثنتا عشرة حبة وعن
стр. 177
يسارها مثلها، والحبة الوسطى تسمى الواسطة، ومن هنا شبه كل شيء نفيس بين أقرانه بواسطة العقد أي الأفضل بينهم، فإذا تصورنا عقدًا في جيد حسناء إن أثمن حبة فيه هي الواسطة، وكل حبة عن اليمين أو عن اليسار هي على الترتيب: المجنبة، ثم العسجدة، ثم اليتيمة، ثم الدرة ثم الزمردة، ثم الجوهرة، ثم الياقوتة، ثم المرجانة، ثم الجمانة، ثم الزبرجدة، ثم الفريدة، ثم اللؤلؤة، وعلى هذا النسق إذا أردنا أن نتصور العقد بشكل أوضح تكون كل من الحبتين الأوليين في طرفي العقد لؤلؤة، والحبتين اللتين تليانهما الفريدة، وهكذا حتى نصل إلى الواسطة.
وابن عبد ربه كصاحب مؤلف ضخم قضى في تأليفه، وجمعه وتنسيقه وتبويبه سنوات طوالًا، لم يفته شأن كل مؤلف عربي نابهٍ أن يقدم لقارئه منهاج كتابه. وهو منهج يخضعه صاحبه للمنطق العلمي ويقنع به القارئ ويتلمس لذلك الأسباب من قول الحكماء والبلغاء ضاربًا المثل بأقوال لجعفر البرمكي الأديب الأريب، وكلثوم بن عمرو العتابي الحكيم البليغ. ويورد ابن عبد ربه أخباره ورواياته من دون إسناد في أكثر الأحيان. ويتوقع أن ذلك النهج سوف يثير تساؤلات القارئ اللبيب الحصيف؛ لأن العرب قد ألفوا أن يردوا كل حديث إلى مصدره وكل خبر إلى منبعه عن طريق الإسناد الصحيح، فيعد المؤلف إجابة بادية التعليل على هذا التساؤل المتوقع. وهكذا نلمس في الرجل منهج العالم وذكاء الأديب، فلنستمع إليه يقدم كتابه وموضوعاته على النهج الذي رسمه والوضع الذي اختاره والنسق الذي تصوره١:
"وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب، وإنما لي فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش في صدر كل كتاب، وأما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء. واختيار الكلام أصعب من تأليفه. وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله وقال الشاعر:
قد عرفناك باختيارك إذا كا ... ن دليلا على اللبيب اختياره
وقال أفلاطون: عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم.
فتطلبت نظائر الكلام وأشكال المعاني وجواهر الحكم وضروب الأدب ونوادر الأمثال، ثم قرنت كل جنس منها إلى جنسه، فجعلته بابًا على حدته، ليستدل الطالب للخبر على موضعه من الكتاب، ونظيره في كل باب.
стр. 178
وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرًا، وأظهرها رونقًا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظًا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة، آخذًا بقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ .
وقال يحيى بن خالد: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون ويتحدثون بأحسن ما يحفظون.
وقال ابن سيرين: العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كل شيء أحسنه.
وفيما بين ذلك سقط الرأي، وزلل القول، ولكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة.
وفي بعض الكتب: انفرد الله تعالى بالكمال، ولم يبرأ أحد من النقصان.
وقيل للعتّابي: هل تعلم أحدًا لا عيب فيه؟ قال: إن الذي لا عيب فيه لا يموت أبدًا، ولا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة.
وقال العتابي: من قرض شعرًا أو وضع كتابًا فقد استهدف للخصوم واستشرف للألسن، إلا عند من نظر فيه بعين العدل، وحكم بغير الهوى، وقليل ما هم.
وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبًا للاستخفاف والإيجاز، وهربًا من التثقيل والتطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتصاله، ولا يضرها ما حذف منها.
وقد كان بعضهم يحذف أسانيد الحديث من سنة متبعة، وشريعة مفروضة، فكيف لا نحذفه من نادرة شاردة، ومثل سائر، وخبر مستطرف، وحديث يذهب نوره إذا طال وكثر.
سأل حفص بن غياث الأعمش عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه وأسنده إلى حائط وقال: هذا إسناده!
وحدث ابن السماك بحديث، فقيل له: ما إسناده؟ فقال: هو من المرسلات عرفًا.
وروى الأصمعي خبرًا، فسئل عن إسناده. فقال: هو من الآيات المحكمات التي لا تحتاج إلى دليل وحجة.
وحدث الحسن البصري بحديث، فقيل له: يا أبا سعيد، عمن؟ قال: وما تصنع بعمن يا ابن أخي؟ أما أنت فنالتك موعظته، وقامت عليك حجته.
وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متصرفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار، فجعلت هذا الكتاب كافيًا شافيًا جامعًا لأكثر المعاني التي تجري على
стр. 179
أفواه العامّة والخاصة، وتدور على ألسنة الملوك والسوقة، وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعراء تجانس الأخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها، وقرنت بها غرائب من شعري، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته، وبلدنا على انقطاعه، حظًّا من المنظوم والمنثور.
وسميته كتاب "العقد الفريد" لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابًا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءًا في خمسة وعشرين كتابًا. وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد، فأولها:
كتاب اللؤلؤة في السلطان.
ثم كتاب الفريدة في الحروب ومدار أمرها.
ثم كتاب الزبرجدة في الأجواد والأصفاد.
ثم كتاب الجمانة في الوفود.
ثم كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك.
ثم كتاب الياقوتة في العلم والأدب.
ثم كتاب الجوهرة في الأمثال.
ثم كتاب الزمردة في المواعظ والزهد.
ثم كتاب الدرة في التعازي والمراثي.
ثم كتاب اليتيمة في النسب وفضائل العرب.
ثم كتاب العسجدة في كلام الأعراب.
ثم كتاب المجنبة في الأجوبة.
ثم كتاب الواسطة في الخطب.
ثم كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور وأخبار الكتبة.
ثم كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم.
ثم كتاب اليتمية الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة.
ثم كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم.
ثم كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه.
ثم كتاب الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلل القوافي.
стр. 180
ثم كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه.
ثم كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن.
ثم كتاب الجمانة الثانية في المتنبئين والممرورين والبخلاء والطفيليين.
ثم كتاب الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان وتفاصيل البلدان.
ثم كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب.
ثم كتاب اللؤلؤة الثانية في النتف والهدايا والفكاهات والملح.
وإذا غضضنا النظر عن الدرر والجواهر التي جعل المؤلف من كل واحدة منها عنوانًا لموضوع من موضوعات كتابه، فإننا يمكن أن ننتهي إلى القول بأن الكتاب موسوعة ثقافية عربية كبيرة تشمل الفنون الأدبية والفكرية على النحو الآتي:
أولًا:- الشعر بمختلف موضوعاته، كل قصيدة أو مقطوعة يذكرها المؤلف حسب الغرض الذي استهدفه من التمثل بها، وهو يختار نماذجه بعناية فائقة يعمل فيها ذوقه الفني كشاعر صاحب إجادة وامتياز، هذا وكثير من فصول الكتاب يكاد الشعر يكون العنصر الأساسي في تكوينها كما هو الحال في "كتاب الفريدة" الذي خصصه للحرب، وهي مجال رحيب للتمثل بشعر الحماسة والمواقع الحربية. ولا يكتفي ابن عبد ربه في هذا المجال بالنماذج الكثيرة التي يوردها لكبار الشعراء، وإنما يتمثل بشعره أيضًا قائلًا: "ومن قولنا في وصف الرمح"، أو "ومن قولنا في وصف الفرس" وغير ذلك من الموضوعات التي كتب فيها بحيث جعل من كتابه بستانًا في جنباته أزاهير شعره وأبكارها. بل إنه يخص الشعر بأكثر من دراسة في أكثر من باب. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب الزمردة الثانية الذي جعله في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، وكتاب الجوهرة الثانية الذي جعله في أعاريض الشعر وعلله وقوافيه. فالمؤلف والحال كذلك لم يجعل من الشعر وسيلة استشهاد وأداة تمثل، وغاية إطراف وحسب. وإنما قدم عنه دراسة نقدية فنية عروضية.
كما صنع دراسة مفصلة لأوزان الشعر والعروض وزحافاته وعلله وقوافيه بشيء من التوسع، وألحق بها أرجوزة طويلة مشتملة على أصول علم العروض، ثم أتبعها بنماذج لكل بحر من بحور الشعر١.
ثانيًا:- الخطابة، وهي تتمشى في كيان الكتاب وجوهره وفي مواضع كثيرة كل في مكانها من فصول الكتاب، هذا فضلًا عن الحشد الكبير من الخطب التي زين بها ابن عبد ربه
стр. 181
أعطاف عقده وركز عليها في "واسطة" العقد، فخصص الواسطة كلها للخطب، لقد استهله بخطبة الوداع للرسول ﷺ ، ثم ثنى بعدد من خطب الخليفة أبي بكر الصديق، وقدر مماثل لها للفاروق عمر، وخطبة واحدة قصيرة للخليفة عثمان -إذ لم يكن له كبير مشاركة في الخطابة- ثم أورد عددًا كبيرًا من خطب الإمام علي بن أبي طالب، وخطبًا كثيرة لكل واحدة من ملوك بني أمية وقوادهم، وأخرى كثيرة لملوك بني العباس، ثم عرج على خطب من عرفوا بالفصاحة والإبانة من العرب والمسلمين فتمثل لكل منهم بخطبة أو أكثر مثل أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير. وجعل فصلًا من "الواسطة" لخطب الخوارج، وأمر لخطب الزواج، وغيره لخطب الأعراب.
ثالثًا: ويلقى النثر عناية كبرى من المؤلف، فيهتم بالكتابة وأدواتها من أقلام وحبر وصحف، وعن الكتاب وصفاتهم، وما ينبغي أن يتحلوا به من كريم الشمائل. هذا فضلًا عن النماذج الكثيرة التي يتضمنها "العقد" في أماكن عديدة، فضلًا عما جمعه في كتاب التوقيعات والفصول، وهو بهذه المناسبة لا يكاد ينسى علمًا من أعلام الخلفاء والملوك والوزراء والقواد والكتاب إلا وجاء لهم بالعديد من التوقيعات البليغة الرائعة. هذا -ومع الإضافة في إيراد نماذج النثر- لا يغفل ابن عبد ربه عن ذكر تاريخ الكتابة ونشأتها.
رابعًا: على أن الأدب بفروعه المختلفة وموضوعاته العديدة يشكل السمة الأصيلة الشاملة في الكتاب من أوله إلى آخره تقريبًا، نجدها في فصل السلطان، وفصل الأجواد، وفصل الوفود، وفصل مخاطبة الملوك، وفصل المواعظ، وفصل التعازي والمراثي، وفصل الخطب وفصل الوقيعات والصدور وأخبار الكتبة -وقد سلف الحديث عنهما- وفصلي الشعر، بل إنه خصص فصلًا كاملًا رائعًا في العلم والأدب هو "كتاب الياقوتة".
خامسًا: نال التاريخ العربي والإسلامي اهتمامًا كبيرًا في أكثر صفحات "العقد" ومن خلال موضوعاته، بل لقد أنشأ المؤلف فصولًا متكاملة يصلح كل منها؛ لأن يكون كتابًا في التاريخ الإسلامي. إن كتاب اللؤلؤة في السلطان، والجمانة في الوفود، والعسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم، واليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة والدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم، إن هذه الفصول جميعًا تشكل سجلًا دقيقًا راقي المنهج للتاريخ الإسلامي في فترات متلاحقة من أحقابه، بل ربما زاد على كتب التاريخ التقليدية بما أورد من أخبار حول أحداث اجتماعية وجوانب شعبية لم نألف التعرف إليها إلا عند الثقة من صفوة المؤرخين العرب.
وعلى الرغم من أن الكتاب اهتم بالمشرق اهتمامًا كليًّا، فإنه لم يهمل تاريخ الأمراء الأمويين في الأندلس ابتداء من عبد الرحمن بن معاوية الذي لقب بالداخل وانتهاء بعبد
стр. 182
الرحمن بن محمد الذي عرف بعبد الرحمن الناصر، وهو الملك الذي مات المؤلف إبان حكمه. بل إنه زاد على ذلك بأن أرخ لعبد الرحمن الناصر وحروبه ووقائعه ومغازيه حتى سنة ٣٣٢ هـ في أرجوزة مفرطة الطول زادت على الأربعمائة وخمسين بيتًا١.
سادسًا: اهتم الكتاب بالعرب وأنسابهم وأمثالهم، وهما العدة الأولى لمن يريد أن يلج باب الدراسات العربية من مدخله الصحيح، فعقد بابًا كاملًا هو كتاب الجوهرة وخصصه للأمثال، وليس المقصود بالأمثال هنا تلك الأمثال التي تضرب للأمر في المناسبات بعينها وإنما هناك التمثل للمعاني والقيم، وهذا الباب بما جمع من شعر وبلاغة من الثراء والنفاسة بمكان، وبابًا آخر كاملًا هو كتاب اليتيمة وخصصه لنسب العرب وفضائلهم، وقد ذكر في هذا الباب أكثر من مائتين من أسماء القبائل والبطون والأفخاذ والرهوط والبيوتات في سعة وإفاضة، كما اهتم بكلام العرب في باب كامل طريف هو كتاب العسجدة وجعله في كلام الأعراب. ويمكن أن ندرج تحت هذا الموضوع بابًا سبقت الإشارة إليه عند الحديث عن التاريخ هو كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم. ومن ثم فإن للعرب نسبًا وأيامًا وثقافة ولهجات موضعًا رحيبًا في العقد الفريد.
سابعًا: نالت الأخلاق والزهد والتدين نصيبًا لا بأس به في العقد، ففي كتاب الأمثال فصل نفيس عن الأمثال في مكارم الأخلاق، والأمثال في القربى، وإن فصل الزهد بأكمله يدعو إلى التدين ومعرفة الله مليء بالأدعية الصالحة، وهو بعيد كل البعد عن التشجيع على ترك الدنيا تمامًا وإنما يضع المعايير الطيبة للحياة الصالحة مع قدر من المعرفة بالزهد وحياة بعض الزهاد. هذا والفصل الخاص بالتعازي من كتاب التعازي والمراثي لمما يؤنس وحشة المحزون ويرد الجزع إلى رحاب الهدوء والسلو والاطمئنان، كما أن كلا من باب الأجواد وباب مخاطبة الملوك يحتوي على الكثير من نماذج نقاء السلوك والأريحية، وحسن التعامل مع الناس والمجتمع.
ثامنًا: لم يهمل العقد الإمتاع النفسي والتسرية عن القارئ الذي ينشد القراءة الخفيفة لسلوى ينشدها، أو هم يزيحه، فأنشأ ثلاثة أبواب لطيفة أحدها في الألحان، وهو كتاب الياقوتة الثانية عرض فيه للألحان وأعذبها ورأي الدين فيها، كما عرض لنوادر المغنين وبعض المغرمين بالسماع وأخبار القيان وأعذب ما تغنى به الشعر، والكتاب الفكه الثاني هو كتاب الجمانة الثانية جعله المؤلف عن المجانين والبخلاء الطفيليين وأخبارهم وسلوكهم وحوادثهم وظرفهم، وهي صفحات تدفع الكثير من الهموم عن نفس قارئها. ولم
стр. 183
ينس ابن عبد ربه أن يضمن هذا الباب أشهر رسالة كتبت في البخل، وهي رسالة سهل بن هارون التي أنشأها مكيدة في العرب الذين اشتهروا بالكرم فدفعت به شعوبيته وحقده عليهم إلى كتابه رسالة في تمجيد البخل١.
والباب الثالث في الفكاهة، هو آخر كتاب في لآلئ العقد، إنه كتاب اللؤلؤة الثانية وقد جمع فيه ابن عبد ربه أشتاتًا من الفكاهات والأخبار المضحكة والنوادر الطريفة وأكثرها حدث لأعلام معروفين أو جرى لهم، ولا ينسى ابن عبد ربه أن يطرز حواشي هذا الباب كما يفعل دائمًا كلما سنحت له الفرصة أو ساعده المنهج بالأبيات اللطيفة والمقطوعات الطريفة من عذب الشعر ومختاره.
تاسعًا: وهذه الفقرة من تقديمنا للعقد الفريد تتصل بالثقافة العامة التي استهدفها صاحب الكتاب في بعض أبوابه، والحق أنه لا يخلو باب من أبواب الكتاب الخمسة والعشرين وما يتفرع عن كل باب من فصول من كل لون من ألوان الثقافة العامة رغم العمد إلى التخصص الدقيق في الموضوع نفسه، غير أن هناك أكثر من باب من أبواب الكتاب يمكن أن ننسب إلى المؤلف أنه حين كتبها كان يقصد إلى ما يمكن أن يسمى الثقافة الاجتماعية أكثر مما يقصد إلى الثقافة الموضوعية، فمن ذلك النسق مثلًا الباب الذي كتبه في طباع الإنسان وسائر الحيوان وتفاضل البلدان، وهو الذي أطلق عليه "كتاب الزبرجدة الثانية" إنه يتحدث فيه عن النفس والدار واللباس والتزين والتطيب والمشي والركوب ويتحدث عن الحيوان من خيل وبغال وحمير وعن السباع والطير والأنعام، ويتحدث عن مصايد الطير ومصايد السباع، وينحو منحى جغرافيًّا تاريخيًّا حين يتحدث عن بعض الأقطار مثل العراق والشام والجزيرة ومصر وفارس، ويتحدث عن المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى، ثم ينتقل فجأة إلى الحديث عن الطب والحجامة والتعويذ والرقي والسم والسحر والعين والحسد. ومن أبواب الثقافة الاجتماعية في "العقد" كتاب "الفريدة الثانية في الطعام والشراب، وهذا الباب على طرافة عرضه ومحتواه يكاد يكون كتابًا في الصحة العامة" بلغة دراسة الطب في عصرنا الحاضر مع عرض لبعض أنواع الأطعمة التي يقبل عليها من يهتمون بالأكل ويغرمون بلذيذ الطعام. وما دام الشراب يشكل قسمًا من هذا الباب فإن المؤلف يتحدث عن الخمر وبعض الأخبار عمن حد من الأشراف في شربها، والفرق بين الخمر والنبيذ -حسب رأيه ورأي غيره- ومناقضة ابن قتيبة قوله في الأشربة، ويعارض أقواله من خلال منطق النقاش أكثر منه من خلال التحليل والتحريم٢. ويكاد
стр. 184
يقصر ابن عبد ربه حديثه هذا الذي يختص بالشراب على النبيذ، ومن حلل شربه وحجته، ومن حرم شربه وحجته، ويورد رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة.
ويمكن أن نعد كتاب "المرجانة الثانية" في النساء واحدًا من أبواب الثقافة الاجتماعية، فقد ضم الكثير من أخبارهن وصفاتهن ومكرهن وغدرهن والسرية والهجناء، وإن كان هذا الباب قد ضم أحيانًا من فحش القول ما كان يجمل برجل كابن عبد ربه أن يترفع عن ذكره.
هذا عرض سريع موجز للكتاب العظيم النفيس الفريد "العقد الفريد".
ولكن يبقى لنا ملاحظتان على جانب كبير من الأهمية تقتضينا أمانة البحث العلمي أن نعرض لهما في إيجاز:
أولًا: إن ابن عبد ربه وإن كان قد قسم "العقد" إلى خمسة وعشرين كتابًا يحمل كل منها اسم درة من درر عقد الجيد، فإن ذلك لا يعني أنه لم يتأثر إن لم يكن نقل عن العالم المشرقي الجليل ابن قتيبة منهجه في "عيون الأخبار".
إن ابن قتيبة قسم "عيون الأخبار" إلى عشرة كتب، هي كتاب السلطان، كتاب الحرب، كتاب السؤدد، كتاب الطبائع، كتاب العلم، كتاب الزهد، كتاب الإخوان، كتاب الحوائج كتاب الطعام، كتاب النساء.
إن هذه الأقسام بمسمياتها ولفظها قد أخذها ابن عبد ربه، وأطلقها على أهم فصول كتابه، فالكتب الستة الأولى أخذها ابن عبد ربه بمسمياتها وأطلق على كل واحد منها اسم حجر كريم من أحجار عقده، وهي على الترتيب اللؤلؤة في السلطان، الفريدة في الحروب، الزبرجدة في الأجواد والأصفاد وهي تسمية تكاد تساوي "السؤدد" في عيون الأخبار، الزبرجدة الثانية في طبائع الإنسان والحيوان، الياقوتة في العلم، الزمردة في المواعظ والزهد، الفريدة الثانية في الطعام والشراب، المرجانة الثانية في النساء، بقي كتابان في عيون الأخبار هما كتاب الإخوان وكتاب الحوائج لم ينقلهما ابن عبد ربه نصًّا ولكنه ضمن موضوعاتهما أبواب كتابه.
إن ابن عبد ربه عظيم، وكتابه كتاب عظيم، وفيه إضافات وشمول وتناول وأخبار تزيد كثيرًا على ما عند ابن قتيبة، ولكن أمانة العلم كانت تقتضيه أن يشير في مقدمة كتابه، أو في ثناياه إلى أنه استنار بمنهج ابن قتيبة في عيون الأخبار بل استعاره منه، ولكنه لم يفعل، وهذا عيب كبير في دنيا العلم، وهو عوضًا من أن يثني عليه كان يخطئه وينال منه كلما سنحت له المناسبة بذلك، تمامًا كما فعل الأندلسي ابن شهيد حين أخذ هيكل قصته -
стр. 185
التوابع والزوابع- وفكرتها ومنهجها من إحدى مقامات بديع الزمان -المقامة الإبليسية- بل انتفع بمقامات أخرى غير المقامة الإبليسية، كالمقامة المضيرية، والجاحظية، والحمدانية والبغدادية، انتفع بالفكرة وقلد الأسلوب تقليدًا ولكنه أي ابن شهيد لم ينكر على بديع الزمان فضله وحسب، بل حمل عليه وحاول أن ينال من قدره في "توابعه وزوابعه" وهو خلق بعيد عن روح الأمانة العلمية تمنينا لو أن رجلًا عظيمًا كابن عبد ربه قد نأى بنفسه عنه، ورحم الله الحريري العالم العظيم حين استهل مقاماته بذكر الفضل ونسبته إلى صاحبه المبتكر الأول لفن المقامات ومنشئها بديع الزمان الهمذاني.
ثانيًا: ذكر أكثر من مؤرخ من مؤرخي ابن عبد ربه أن الصاحب بن عباد سمع عن العقد الفريد فما زال يسعى في طلبه حتى حصل على نسخة منه وما إن اطلع عليها حتى قال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، فقد ظن أن الكتاب يشتمل على أخبار الأندلس وأدبها فإذا به يشتمل على أخبار المشرق وأدبه.
إن الصاحب بن عباد كان معروفًا بالغلو في أحكامه، بل في أسجاعه، فقد اشتهر بالحرص على السجع في القول والكتابة، وهو صاحب السجعة المشهورة: أيها القاضي بقم، قد عزلناك فقم. فلما بلغ القاضي خبر عزله قال: والله ما عزلني إلا السجعة.
الصاحب إذا -وقد عرف بالمبالغة الشديدة- بالغ في الإقلال من شأن كتاب العقد الفريد، اللهم إلا إذا كان قد لاحظ على الكتاب ما لاحظناه نحن قبل قليل، وهو اغتصابه منهج عيون الأخبار، وما أظنه فطن إلى ذلك وإلا فما كان يفوته أن يذكر ذلك.
وأما عبارة هذه بضاعتنا ردت إلينا، فليس العلم بضاعة تمتلك أو سلعة تباع وتشترى وإنما العلم ملك للجميع، ولقد كان الأندلسي العالم على وعي بأن بلاده في حاجة إلى علم المشرق حيث لم يكن العلم وافرًا ناضجًا متألقًا إلا في المشرق، والأندلسيون محتاجون إلى هذا العلم في زمن ابن عبد ربه وبعد زمنه، وهذا أبو علي القالي يدخل الأندلس بعد وفاة ابن عبد ربه فلا يجد من العلم ما يؤدب به القوم إلا علم المشرق وأدبه فيملي دروسه التي جمعت في كتاب مشهور كل الشهرة عرف "بالأمالي" حسبما سبق القول أكثر من مرة، وهو من عيون الكتب في العربية ولا بد أن الصاحب قد سمع به، وبامتداح العلماء له، ومع ذلك لم يقل في حقه كلمة تنال منه.
هذا والصاحب نفسه هو صاحب التمجيد الغالي لكتاب الأغاني للأصبهاني حسبما سوف نوضح في الفصل التالي، وقال عنه: إنه كان يستغني به عن مكتبة كاملة، مع أن الأغاني قد جمع بين الغث الموغل في التدني، والسمين النفيس، ولبس العقد كذلك، فالعقد يعتمد على العلم الجاد في معظمه، والأغاني يعتمد على القيان والغرائز بنسبة يمكن القول إنها أكثر
стр. 186
من كبيرة.
هذا فضلًا عن أن العقد حوى الكثير من فيض خواطر ابن عبد ربه وذوب نفسه ورهافة حسه، أعني بذلك شعره العذب الرقيق الجميل، وهو من خلال العقد -أي الشعر- هدية الأندلس إلى المشرق فيما لو قبلنا من الصاحب قولته: هذه بضاعتنا ردت إلينا، ولكننا لسنا بفاعلين.
هاتان ملاحظتان على جانب من الأهمية راعينا في إبدائهما التجرد العلمي والنصفة في الحكم ملاحظة آخذنا من خلالها المؤلف، والأخرى دافعنا عنه من خلالها دفاعًا نحن به مقتنعون.
وبعد فإن العقد الفريد عقد ثمين في جيد "العربية" حسنًا وأدبًا ونفاسة وقيمة وتراثًا.
стр. 187
الفصل الثاني: أبو الفرج الأصفهاني والأغاني
كتاب الأغاني
...
كتاب الأغاني
لعل كتابًا من كتب العربية لم ينل حظًّا من الشهرة والذيوع والاحتفال به وإدمان القراءة له والاستفادة من مادته، كما نال كتاب الأغاني، وليس في ذلك أي غرابة، فالكتاب جدير بالشهرة قمين بالذيوع خليق بأن يستفاد منه، فهو جيد رائع يدل على ملكة التأليف الأصيلة والمثابرة الواعية وسعة الأفق وتنوع الثقافة عند المؤلف العربي.
ومؤلف الأغاني شخصية بارزة من غير شك من شخصيات الفكر العربي ولكنه -شأن بعض العباقرة- فيه من الصفات وله من التصرفات ما يجعل المرء حائرًا بعض الشيء أمامه، فاسمه علي بن الحسين بن محمد المرواني الأموي وهو من نسل مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية ومع ذلك نجده شيعيًّا متحمسًا، بل إن تحمسه لتشيعه دفع به إلى تأليف كتاب حول ما تعرض له الطالبيون من عسف وعنت وقتل سماه "مقاتل الطالبين".
ومن غرائبه أنه على علمه وفضله كان وسخًا قذرًا لم يغسل له ثوبًا منذ أن فصله إلى أن قطعه، وهو مع هيئته الرثة هذه كان من ندماء الوزير المهلبي القريبين إليه الخصيصين به، والمهلبي هو من نعلم أناقة وأبهة ونظافة وأسلوب حياة، ولكن المهلبي كان يحتمله لما يعلم من فضله وربما لطول لسانه، فلقد كان أبو الفرج جيد الشعر ولكنه كان أجود في الهجاء، وله في الوزير المهلبي بدائع كثيرة في مناسبات عديدة ولكن الوزير على إحسانه إليه لم يسلم من هجائه، فلقد تصور يومًا أن الوزير ينظر إليه نظرة فيها شيء من الاستخفاف -ربما لقذارته- فقال فيه١:
أبعين مفتقر إلي رأيتني ... بعد الغنى فرميت بي من حالق
стр. 188
لست الملوم، أنا الملوم لأنني ... أملت للإحسان غير الخالق
والواقع أن الناس جميعًا -على ما يذكر ياقوت- كانوا يحذرون لسانه ويتقون هجاءه ويصبرون على مجالسه ومعاشرته، مواكلة ومشاربة على كل صعب من أمره؛ لأنه كان وسخًا في نفسه وفي ثوبه وفي نعله، إلى غير ذلك من الصور التي لا تليق بالعلماء والتي أكثر المترجمون له من ذكرها وفي مقدمتهم ياقوت الحموي صاحب معجم الأدباء والتنوخي صاحب نشوار المحاضرة، وهلال الصابي صاحب أخبار الوزير المهلبي.
على أن فضل الرجل وعلمه كانا يشفعان له عند الأمراء من حكام زمانه، فكما أنه كان أثيرًا لدى الوزير أبي محمد المهلبي، كان حظيًّا أيضًا عند ركن الدولة البويهي الذي جعله واحدًا من كتابه، وكان الكاتب الكبير أبو الفضل بن العميد وزيرًا لركن الدولة كما نعلم، وكان أبو الفرج يتوقع منه أن يحترمه وأن يجله في دخوله وخروجه، فلم يفعل، ولابن العميد عذره في ذلك، فلقد كان يحفظ رسالة عبد الحميد إلى الكتاب المليئة بألوان النصح إليهم، والتي منها أن يكون الكاتب نظيفًا أنيقًا ومهندمًا ومهذبًا. وكان أبو الفرج على العكس من ذلك تمامًا على ما مر بنا، ومن ثم فلم يحفل به ابن العميد ولم يحترمه، فعمد أبو الفرج إلى أقرب سلاح إليه، وهو الهجاء وشهره في وجه ابن العميد قائلًا هذه الأبيات اللطيفة التي هي أقرب إلى التقريع والعتاب منها إلى الهجاء:
مالك موفور فما باله ... أكسبك التيه على المعدم
ولم إذا جئت نهضنا؟ وإن ... جئنا تطوالت ولم تتمم
وإن خرجنا لم تقل مثل ما ... نقول؟ قدم طرفه قدم
إن كنت ذا علم فمن ذا الذي ... مثل الذي تعلم لم يعلم؟
ولست في الغارب من دولة ... ونحن من دونك في المنسم
وقد ولينا وعزلنا كما ... أنت فلم نصغر ولم تعظم
تكافأت أحوالنا كلها ... فصل على الإنصاف أو فاصرم
وأبو الفرج يحكي عن نفسه قصصًا عديدة تدل على أنه لم يكن يتحرز من سلوكه حتى سنة ٣٥٥هـ وهي السنة السابقة على وفاته. فإذا عرفنا أنه ولد سنة ٢٨٤هـ كان معنى ذلك أنه لم يكن بعيدًا عن مسارب الانحراف عن الجادة وهو في السبعين من عمره.
وأخبار الأصفهاني كثيرة ومثيرة، وهو شاعر صاحب ملح وطرائف مع علية أهل زمانه كما أنه وصاف ماهر. ولعل أطرف قصائده ما كتب به إلى الوزير المهلبي يشكو الفأر
стр. 189
ويصف الهر١:
يالِحُدب٢ الظهور قعص الرقاب ... لدقاق٣ الأنياب والأذناب
خلقت للفساد مذ خلق الخلـ ... ق وللعيث٤ والأذى والخراب
ناقبات في الأرض والسقف والحيـ ... ـطان نقبًا واعيًا على النقاب
آكلات كل المآكال لا تأ ... ـمنها شاربات كل الشراب
آلفات قرض الثياب وقد يعـ ... ـدل قرض القلوب قرض الثيباب
زال٥ همي منهن أزق٦ تركـ ... ـي السبالين أنمر٧ الجلباب
ليت غاب خلقًا وخلقًا فمن لا ... ح لعينه خاله ليث غاب
ناصب طرفة إزاء الزوايا ... وإزاء السقوف والأبواب
ينتضي الظفر حين يظفر للصيـ ... ـد وإلا فظفره في قراب٩
لا يرى أخبثيه١٠ عينا ولا يعـ ... ـلم ما جنتاه غير التراب
стр. 190
قرطقوه١ وشنفوه وحلو ... هـ أخيرًا وأولًا بالخضاب
فهو طورًا يمشي بحلي عروسٍ ... وهو طورًا يخطو على عناب
حبذا ذاك صاحبًا وهو في الصحـ ... ـبة أوفى من أكثر الأصحاب
стр. 191
مؤلفات أبي الفرج:
لقد عاش أبو الفرج الأصبهاني اثنتين وسبعين سنة، فقد ولد سنة ٢٨٤هـ، وتوفي سنة ٣٥٦، ولكنها سنوات حافلة بالتأليف والجد في سبيل التحصيل العلمي، ويكفي أن المدة التي استغرقها تأليف كتاب الأغاني كانت خمسين سنة، غير أن السنوات الخمسين لم تكن كلها في تأليف الكتاب وحده، وإنما كانت جمعًا لمادته وتنسيقًا لموضوعاته في فترات متقاربة حينًا، متباعدة أحيانًا، بحيث استطاع أن يقدم آثاره الأخرى الوفيرة التي أحصاها المترجمون فإذا هي خمسة وعشرون كتابًا بالإضافة إلى "الأغاني" وهي:
١- مجرد الأغاني.
٢- التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها "وقيل في مآثر العرب ومثالبها".
٣- مقاتل الطالبيين.
٤- أخبار القيان.
٥- كتاب الإماء الشواعر.
٦- كتاب المماليك الغرباء.
٧- كتاب أدباء الغرباء.
٨- كتاب الديانات.
٩- كتاب تفضيل ذي الحجة.
١٠- كتاب الأخبار والنوادر.
١١- كتاب أدب السماع.
١٢- كتاب أخبار الطفيليين.
стр. 192
١٣- كتاب مجموع الأخبار والآثار.
١٤- كتاب الخمارين والخمارات.
١٥- كتاب الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار "رسالة عملها في هارون بن المنجم صاحب كتاب البارع".
١٦- كتاب دعوة النجار.
١٧- كتاب أخبار جحظة البرمكي.
١٨- كتاب جمهرة النسب.
١٩- كتاب أيام العرب، ذكر فيه ألفًا وسبعمائة يوم.
٢٠- كتاب نسب بني عبد شمس.
٢١- كتاب نسب بني شيبان.
٢٢- كتاب نسب المهالبة.
٢٣- كتاب نسب بني ثعلب.
٢٤- كتاب الغلمان المغنين.
٢٥- كتاب مناجيب الخصيان.
إن صاحب معجم الأدباء بعد أن يذكر هذا الحشد من المؤلفات يقول: "وله تصانيف أخرى جياد كان يصنفها، ويرسلها إلى المسئولين على بلاد المغرب، يقصد الأندلس من بني أمية، وهما الناصر وابنه المستنصر. هذا ويذكر للأصبهاني غير ما ذكر ياقوت من الكتب كتاب الديارات وكتاب الحانات.
وإن نظرة إلى نوعية تأليف الأصبهاني، تدل على أن الرجل كان من أعلام المعرفة من تاريخ وأنساب وسير وأعلام ولغة ومغاز وغناء وقيان، ولكنه قد خصص نفسه فيما يبدو في أمور الإماء والقيان، والسماع، والخمر، ودرس كل ما يتعلق بهذه الفنون ودون كل ما يتصل بها سواء أكان ذلك في كتابه "الأغاني" أو في عدد كبير من الكتب العديدة التي مر ذكرها والتي تحمل العناوين الدالة على ذلك، هذا بالإضافة إلى كون الأصبهاني راوية نسابة على ما هو واضح من كتبه أنساب القبائل.
стр. 193
قيمة كتاب الأغاني ومنهجه:
مر بنا أن كتاب الأغاني يعتبر أوسع كتب الأدب العربي شهرة وأوفرها حظًّا وأكثرها تداولًا على ألسنة المتأدبين، لضخامته مبنى وحجمًا، ونفاسته قيمة ومحتوى. ومر بنا أيضًا أن صاحبه أبا الفرج الأصبهاني ألفه في خمسين سنة، وتتركز الروايات حول إهدائه إياه
стр. 194
لسيف الدولة الحمداني أمير حلب١، وأن سيف الدولة بعث إليه بألف دينار، ويستقل الرواة هذا المبلغ؛ لأن سيف الدولة الذي عرف بإكرام الشعراء والأدباء والعلماء، كان ينبغي أن يقدر هذا العمل العلمي الجليل، وأن يوفيه ما يستحق من جائزة تكون أضعافًا مضاعفة لهذا المبلغ الضئيل بالنسبة للوزن العلمي للكتاب.
وسواء صحت هذه الرواية أم لم تصح فإنها قد فجرت انتباه صفوة العلماء والأعيان ممن كانوا معاصرين للأصبهاني أو ممن جاءوا بعده إلى قيمة الكتاب، فذكروا فضله وأوفوه حقه وزيادة، بما يربو على أي مبلغ يمكن أن يمنحه سيف الدولة للمؤلف فيما لو كانت قصة الإهداء والألف دينار كاملة الصحة.
إن القصة حينما تبلغ الصاحب بن عباد وزير عضد الدولة بن بويه، وكل من الوزير والأمير أديب عالم، يقول: لقد اشتملت خزائني على مائتي ألف وستة آلاف كتاب، ما منها ما هو سميري غيره ولا راقني منها سواه٢.
وكتاب الأغاني -فما يذكر أبو القاسم، عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد الدولة- لم يكن يفارق عضد الدولة في سفره ولا في حضره، وأنه كان جليسه الذي يأنس إليه، وخدينه الذي يرتاح نحوه.
وتتكرر قصة الألف دينار واستصغار القيمة والثناء على الكتاب عند أكثر من ترجم للأصفهاني من المؤرخين أو الأدباء أمثال ابن منظور في مختصره "مختار الأغاني في الأخبار والتهاني" والعيني في "عقد الجمان" وطاشكبري زاده في كتابه "مفتاح السعادة"، وأطرى الكتاب وأفضله على جميع الكتب التي احتوتها خزائنه وإن اختلفوا في تقدير عددها، فمن قائل إنها كانت مائتي ألف وستة آلاف كتاب ومن قائل إنها كانت مائة ألف وسبعة عشر ألف سفر، وقائل آخر إن الصاحب كان يستصحب حين يسافر ثلاثين جملًا محملة بالكتب فلما وصل إليه "الأغاني" استغنى به عنها.
إن الكتاب من حيث قدره يعتبر كنزًا لا يسهل تثمينه، وهو أمر متفق عليه حتى عند من لم يكونوا متوفرين على الأدب توفرًا كاملًا مثل أبي تغلب بن حمدان -ابن أخي سيف الدولة
стр. 195
فقد بعث عرس الموصلي يبحث له عن نسخة منه فاشتراه له بعشرة آلاف درهم من صرف ١٨ درهم بدينار -وهي مجرد نسخة وليست الأصل- فلما وقف عليه ورأى عظمته وجلال ما حوى، قال: لقد ظلم وراقه المسكين وإنه ليساوي عنده عشرة آلاف دينار، ولو فقد لما قدرت عليه الملوك إلا بالرغائب، وأمر أن تكتب له نسخة أخرى.
لقد شغل الكتاب الناس شغلًا كبيرًا حتى بدا أن السبب في ذلك هو تقصير سيف الدولة في جائزته للمؤلف، والواقع أن قيمة الكتاب تنبع من عظم شأنه وجلال قدره في عالم التأليف، ومن أنه شيء جديد في محتواه تنوعًا وثراء وتشعبًا وشمولًا وتخصصًا واستطرادًا. لقد جمع الكتاب مادة وفيرة مثيرة على ما سوف نبين بعد قليل. وأما رواية إهداء المؤلف الكتاب إلى الأمير سيف الدولة، وأنه لم يكتبه إلا مرة واحدة في عمره وهي النسخة التي أهداها إلى الأمير الحمداني، هي برغم أن الوزير المهلبي رواها على لسان المؤلف تبدو مغايرة للواقع، ذلك أن ياقوت الحموي يذكر أن ما أهدي إلى سيف الدولة كان منتخبات من الكتاب ولم يكن الكتاب كله. والخبر هكذا معقول، فسيف الدولة على رفعة شأنه لم يكن يليق بقدره أن يهدي إليه منتخبات من كتاب، ومن ثم فإن الألف دينار التي بعث بها إلى المؤلف تعتبر فضلًا منه، وأما النسخة الأصلية من "الأغاني" فيما يروي المقري صاحب "نفح الطيب" فقد بعث بها المؤلف إلى المستنثر الأموي الأندلسي١-وكانا ذوي قربى فكلاهما أموي- فأرسل إليه نظيرهما ألف دينار من الذهب العين، وينص صاحب نفح الطيب على أن الأصفهاني بعث إلى الملك الأندلسي بنسخة من كتابه قبل أن يخرجه إلى أهل العراق، وهو رأي نميل إليه، خاصة وأن الرواية قد تكررت عند صاحب تاريخ بغداد من أن أبا الفرج كان يبعث بتصانيفه سرًّا إلى صاحب الأندلس٢، ومعنى ذلك أنه أرسل مصنفات قبل الأغاني إلى عبد الرحمن الناصر، ثم إلى ابنه الحكم المستنصر، والمتتبع لسلوك أبي الفرج وسيرته يستطيع أن يرجح رأينا في إهداء الكتاب.
وأما هدف الكتاب ومنهجه فهو مزيج من الموسيقى والأدب، فمن خلال الموسيقى جمع الأصوات المائة التي اختارها المغنون للرشيد، والأصوات بلغة عصرنا هي الألحان، ومن خلال الأدب حشد أبو الفرج في كتابه استطرادًا من النص الشعري الملحن اسم مغنيه وقائله وأخباره وأشعاره وبيئته وثقافته وصلاته بالناس وصورة عصره، ووصف مجتمعه إلى غير ذلك، مما سوف نعرض له بعد قليل بشيء من التفصيل.
فمن ناحية الغناء، وهي الصفة الملازمة للكتاب ملازمة أبدية؛ لأن اختيار المؤلف
стр. 196
لعنوانه كان "الأغاني"، فإن الأصبهاني قد عمد إلى ذكر المائة صوت المختارة للرشيد، وهي التي كان قد أمر كلا من المغنين الكبار: إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامع، وفليح بن العوراء باختيارها له من الغناء الذي عرفوه. وهذه الأصوات "الألحان" المائة كانت قد رفعت بدورها إلى الواثق بن المعتصم، فرأى أن يدخل بعض التعديلات في اختيار الأصوات التي جمعت لجده، وكان مولعًا بالطرب محبًّا للموسيقى مشاركًا فيها حتى إنه صح بنفسه مائة صوت "لحن" ليس فيه صوت ساقط. إن الواثق يأمر إسحاق الموصلي أن يختار مما جمعه أبوه وزملاؤه أحسنها، ويبدل منها ما ليس جديرًا بأن يكون في المرتبة العليا من الأصوات بحيث يحصي تلك التي تجمع النظم العشر المشتملة على سائر نغم الأغاني والملاهي والأرمال الثلاثة، إلى غير ذلك من التفاصيل الموسيقية التي لا يستطيع هضمها إلا من كانت له مشاركة فعالة في الموسيقى ثقافة وعزفًا.
والواقع أن الرشيد حين أمر المغنين بأن يختاروا له مائة صوت وتم له ما أرد، أمرهم بأن يختاروا عشرة منها فاختاروها، ثم أمرهم أن يختاروا أفضل ثلاثة منها فاختاروها. ولكن أبا الفرج في "أغانيه" يستفتح عمله بذكر الأصوات الثلاثة، ثم لا يلبث أن ينطلق منها صوتًا بعد صوت حتى يتم المائة إحصاء، أو بعبارة أخرى حتى يتمها تسعة وتسعين، وهي عدد الأصوات الحقيقية التي سجلها.
وكتاب الأغاني فريد في بابه من حيث كونه أكبر مرجع عربي في ذكر الغناء وتاريخه وقواعده والآلات الموسيقية التي كانت على عصره أو سابقة عليه، ولكي نكون على شيء من الحرص فنحن نستثني من ذلك كتاب "الموسيقى الكبير" للفارابي، فإنه أكبر وأعظم عمل موسيقي عربي، إلا أن هناك فرقًا كبيرًا بين طبيعة الكتابين، بحيث لا يجمل الخلط بينهما ولا تحمد المقارنة.
وكمصدر أعلى للغناء العربي فإن الأصفهاني يلم بكل المغنين والمغنيات وفنونهم، وأخبارهم وألحانهم في أجزاء الكتاب على سعة رقعتها، ويعرف بأول مَن دون الغناء العربي، وهو الكاتب يونس بن سليمان من أهل المدينة، الذي أخذ فنه عن الرعيل الأول من رواد الغناء العربي مثل معبد والغريض وابن سريج وابن محرز. ولقد وصل صيت يونس وفضله إلى الوليد بن يزيد، وهو من نعرف حبًّا للطرب وشغفًا بالموسيقى وإقبالًا على الملذات، فاستقدمه من المدينة وقربه إليه وظل مقيمًا في الشام عنده حتى مقتله١.
وقارئ كتاب الأغاني سوف يصادف في طريقه كثيرًا من المصطلحات التي يستغلق
стр. 197
عليه فهمها، ذلك؛ لأنها مصطلحات موسيقية بحتة، وكلها متعلق بالعود العربي، فمن هذه المصطلحات البم والمثلث والمثنى والزير، إنها أوتار العود من أعلى إلى أسفل١.
وللعب الأصابع على الأوتار أماكن ذات مسميات فنية أيضًا، منها دستان الخنصر ودستان السبابة ودستان البنصر ودستان الوسطى. ولعلنا نلاحظ أن الخنصر والبنصر والسبابة والوسطى هي الأصابع التي تتحرك بنانها على الأوتار مشدودة على عنق العود في رشاقة وانتظام، فتحرك الأنغام متى كان صاحبها ملمًّا بفنه عارفًا بأصول العزف.
وسوف يصادف قارئ الأغاني وبخاصة عند الأصوات أسماء يشكل عليه أمرها حتى ليكاد ذهنه ينصرف إلى أوزان أبطال الرياضة في زماننا، مثل ثقيل أول وثقيل ثان، وخفيف الثقيل الثاني، وخفيف الخفيف، فلا عليه، إنها قوانين الغناء وهي لا تخرج عن ثمانية قوانين.
إن هدف الكتاب في طبيعته حسبما ذكرنا موسيقي من ناحية الشكل العام، ولكنه في واقعة كتاب عظيم من كتب أدبنا العريق، بل إن الناحية الأدبية فيه أوسع وأشمل منها من الناحية الموسيقية، فهو والأمر كذلك لا يمكن اعتباره كتاب طبقات رغم احتوائه على هذا العدد الهائل من شعراء الجاهلية والإسلام حتى نهاية القرن الثالث الهجري، فإن تلك الفكرة لم تجر لمؤلفه على خاطر ولم تلح له على بال.
إن الكتاب موسوعة أدبية فنية ثمينة. إنه ما يكاد يذكر صوتًا أي لحنًا حتى ينطلق منه ببراعة ورشاقة إلى المغني وأخباره، والشاعر وأشعاره وإن كان متصلًا بخليفة أو ملك تحدث عن هذا الملك أو ذلك الخليفة، وهو يدعم روايته بالإسناد، وإذا تعددت الروايات أثبتها على اختلافها. وفي أجزاء الكتاب العشرين وعلى سعة صفحاته تنتشر أخبار العرب وأيامهم وأنسابهم ومفاخرهم ومياههم ووصف لحياتهم الاجتماعية في أكثر من عصر وأكثر من مكان، ويركز المؤلف على مراكز الغناء وخاصة المدينة ومكة وبغداد. هذا فضلًا عن مئات التراجم وعديد السير، يضاف إلى ذلك كله تلك المجموعات الهائلة من الصور الأدبية من شعر وكتابة وخطابة وقصص ونوادر.
والأصفهاني يؤلف عن دراية ويكتب عن خبرة، فهو حين ينتقل انتقالًا مفاجئًا موضوع إلى غيره لا يصدر في ذلك عن غفلة، أو قلة دراية بأساليب التأليف ومناهجه، وإنما هو يعمد إلى ذلك عمدًا، فيقول في الصفحات الأولى من افتتاحية كتابه "فلو أتينا بما غني به من شعر شاعر ولم نتجاوزه حتى نفرغ منه، لجرى هذا المجرى وكان للنفس عنه نبوة،
стр. 198
وللقلب منه ملة. وفي طباع البشر محبة الانتقال من شيء إلى شيء، والاستراحة من معهود إلى مستجد، وكل منتقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه، والمنتظر أغلب على القلب من الموجود، وإذا كان هذا هكذا، فما رتبناه أحلى وأحسن، ليكون القارئ له بانتقاله من خير إلى غيره ومن قصة إلى سواها، ومن أخبار قديمة إلى محدثة، ومليك إلى سوقة وجد إلى هزل أنشط لقراءته وأشهى لتصفح فنونه، ولا سيما والذي ضمناه إياه أحسن جنسه، وصفو ما ألف في بابه، ولُباب ما جمع في معناه"١.
ولعل أكثر الأدباء الأعلام تحمسًا للأغاني، هو الصاحب بن عباد حين أكثر القول في استغنائه به عن كتبه مقيمًا ومرتحلًا واصفًا الكتاب بأنه مشحون بالمحاسن المنتخبة والفقر الغريبة، فهو للزاهد فكاهة وللعالم مادة وزيادة، وللكاتب والمتأدب بضاعة وتجارة وللبطل رجلة وشجاعة، وللمتطرف رياضة وصناعة، وللملك طيبة ولذاذة٢.
إن للأغاني كل هذه الوجوه المشرقة من الجودة والإفادة والإتقان والأعماق، والجهد والإبداع، ولكن في الكتاب الكثير مما ينبو عن الذوق، وتنفر منه النفس السوية، وتتقزز منه السليقة المستقيمة، فهو مليء بالقصص المستهجنة، والحكايات الخليعة والأشعار البذيئة والاصطلاحات الساقطة، وإكثار من ذكر العورات وتعريتها في إلحاح وإلحاف يبدوان وكأنهما مقصودان. إن كل كتب أدبنا القديم لا تخلو من شيء من ذلك، ولكنها تجيء بنت المناسبة وفرض السياق، وأما الأصبهاني فكأنما كانت القبائح الكثيرة الوفيرة التي ذكرها هدفًا من أهداف الكتاب، بل أغلب الظن أنها لكذلك، ولو أنه يسر على نفسه ولم يسرف على القراء بالإلحاف في ذكر ما ذكر من إباحية ومخاز، لما نقص الكتاب شيئًا بل إنه كان زاد قدرًا وسما منزلة، ولا حاجة بنا إلى أن نشير إلى أن احتواء هذا الكتاب على الساقط من القصص والخليع من الأخبار ينال منه عند ذكره نيلًا شديدًا، ولقد تنبه إلى ذلك بعض الفضلاء من الأدباء الأقدمين فجردوه من مباذله وقدموه، نظيفًا طهورًا تحت اسم "مختصر" أو "منتخبات" أو "تهذيب" أو غير ذلك مما سوف نذكره بعد قليل.
هذا من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، وأما من الناحية المنهجية، فهناك بعض المآخذ على الكاتب حين أغفل ترجمات بعض كبار شعراء العربية مثل أبي العتاهية وأبي نواس وابن الرومي.
لقد نبهنا ياقوت الحموي إلى شيء من ذلك في نقده للكتاب وقد قرأه مرات واستوعبه
стр. 199
استيعابه لغيره، وذلك في قوله: "وجدته يعد بشيء ولا يفي به في غير موضع منه، كقوله في أخبار أبي العتاهية: "وقد طالت أخباره ها هنا وسنذكر أخباره مع عتبة في موضع آخر"، ولم يفعل. وقال في موضع آخر: "أخبار أبي نواس مع جنان إذ كانت سائر أخباره قد تقدمت". ولم يتقدم شيء.
ويتابع ياقوت عدد الأصوات التي ذكر الأصفهاني أنها مائة ويحصيها فيجدها تسعة وتسعين لا غير.
ونحن نقف موقف الغرابة من إغفال الأصفهاني ذكر أبي نواس بصفة خاصة، ذلك أن صفات الشبه وسمات السلوك ومنعطفات الانحراف متشابهة إلى حد التطابق بين الرجلين بل إن ذكر أبي نواس وقصص مجونه والمنحرف من شعره، مما يتمشى مع هوى الأصبهاني في كتابه هذا. ومن هنا فلربما كان فرط الحرص مع هذا العمل الضخم سببًا في نسيان إلحاق فصل عن أخبار أبي نواس بالكتاب.
وأما إغفاله ترجمة ابن الرومي فنحن نميل إلى أنها مقصودة، بل إنه إهمال متعمد، وذلك لسلاطة لسان ابن الرومي ومرارة هجائه وشدة تطاوله على الناس بحيث كان أشد وطأة على بعضهم من بشار في أهاجيه. وأبو الفرج حين ذكر ابن الرومي في كتابه ذكره في سياق خبرين ينالان من مروءته ويطعنان في مسلكه، فقد ذكره مرة على أنه سارق منتحل والمرة الأخرى على أنه بعيد عن المروءة شامت في نكبة سليمان بن وهب١. ولم يكن الأصبهاني أول من أهمل ذكر ابن الرومي من مؤرخي الأدب فإن ابن المعتز صنع الشيء نفسه.
стр. 200
مختصرات الأغاني:
لا شك أن في كتاب الأغاني من المظاهر والبواطن ما يغري بعض العلماء على اختصاره أو تبسيطه. واختصار الكتب الكبيرة أمر جرت عليه طبيعة الثقافة العربية. وقد عرفنا كيف كان بعض العلماء يختصرون كتبهم المطولة كما فعل العماد الأصبهاني مع كتابه "الخريدة" وكما فعل البيهقي مع "دمية القصر".
إن هناك من رأوا ضرورة اختصار "الأغاني" وتخليصه من الأسانيد ومفاتيح الموسيقى التي لا يفهمها إلا المتخصص، والتي أشرنا إلى شيء منها فيما مضى من صفحات بحيث يصبح الكتاب أدبًا محضًا، وهناك من رأى ضرورة تجريد الكتاب مما يخدش الحياء ويتنافى مع القيم الأخلاقية، وهناك من رأى إعادة ترتيبه بشكل زمني وإضفاء طابع كتب الطبقات
стр. 201
عليه، وهكذا لكل من حاول اختصاره وجهة نظر خاصة به طبقها حين مارس عملية الاختصار التي أقدم عليها.
وتنتهي إلى علمنا ثماني محاولات من هذا القبيل كان أولها ما قام به الوزير الحسين بن علي بن حسين أبو القاسم المعروف بالمغربي المتوفى سنة ٤١٨هـ، ومعنى ذلك أنه بدأ يختصر كتاب الأغاني ولما يمض على وفاة مؤلفه نصف قرن من الزمان. وكان آخرها ما قام به الشيخ محمد الخضري العالم المصري الجليل الذي توفى سنة ١٩٢٧.
غير أن أشهر مختصرات الأغاني وأكثرها فائدة فيما نرى هي:
١- ما قام بعمله ابن واصل الحموي المتوفى سنة ٦٩٧هـ وكان يلقب بقاضي القضاة، وشيخ الشيوخ بحماة، واسمه كاملًا: محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم بن واصل. وقد سمى كتابه "تجريد الأغاني من ذكر المثالث والمثاني" وعنوان المختصر يفيد أنه جرده من صفته الموسيقية، وهذا هو ما قام به بالفعل، كما أنه خلصه من التكرار والعنعنات، وزاد بأن شرح الصعب من الألفاظ، ولا يزال الكتاب مخطوطًا بدار الكتب المصرية.
٢- ما قام به ابن منظور المصري المتوفى سنة ٧١١هـ صاحب "لسان العرب" واسمه محمد بن علي، وكنيته أبو الفضل جمال الدين بن منظور، وكان سخي الذهن نابغ الفكر خصب الإنتاج ويكفيه فضلًا قاموسه "لسان العرب" الذي لم يستطع فرد ولا جماعة حتى الآن تصنيف ما يماثله دقة وعمقًا وإحاطة وشمولًا. ومن الطريف أن ابن منظور في الوقت الذي نرى له أطول وأفضل قاموس، نجده في الوقت نفسه مولعًا باختصار المطولات من كتب الأدب مثل الحيوان للجاحظ، وتاريخ دمشق لابن عساكر، وذخيرة ابن بسام وأغاني الأصبهاني وهو الذي يعنينا في هذا المقام وسماه "مختار الأغاني في الأخبار والتهاني" وهو من الأعمال الجليلة التي تيسر النفع وتصل بالباحث إلى ضالته في سرعة ويسر.
٣- ما قام به الشيخ محمد الخضري الأستاذ بالجامعة المصرية، وصاحب المؤلفات النفسية في اللغة والأدب والتاريخ، إنه لم يختصر كتاب الأغاني على النحو الذي مر ذكره، ولكنه في الواقع هذب الكتاب وصنع منه شيئًا آخر، وهو لذلك سماه "تهذيب الأغاني" وجعله في سبعة أجزاء وخصص جزءًا أضافه إلى السبعة ضمنه الفهارس والملاحظات. وقد فصل الشيخ الخضري بين الغناء والشعر، ورد الأشعار إلى أصولها طبقًا لروايتها الصحيحة وليس تبعًا لما غناه المغنون أو المغنيات وأتم القصائد المبتورة، وقسم الشعراء إلى طبقات زمنية: جاهليين، ومخضرمين، وإسلاميين، ومخضرمي الدولتين، ومحدثين. وخص كل طبقة بجزء حسب الترتيب الذي ذكرناه. ولما كان الشعراء المحدثون من كثرة العدد ووفرة الإنتاج بمكان فقد خصص لهم جزءين هما الخامس والسادس، وأما الغناء والمغنون فقد أفرد
стр. 202
لهم جزءًا منفردًا هو الجزء السابع من الكتاب.
ومهما كان الأمر، فإن كتاب الأغاني بكل ما فيه من غث وسمين، وبكل ما اشتمل عليه من حسن وقبيح، وبكل ما ضمنه من درر وبحص، يعتبر حتى الآن قمة التأليف في الأدب العربي، ولا يزال نسيج وحده منهلًا للأدباء وموردًا سائغًا للدارسين.
стр. 203
الباب السادس: كتب الأمالي:
الفصل الأول: نشأة الأمالي
ذهب بعض العلماء في مناهج تآليفهم إلى إملاء الموضوعات التي يريدون طرحها على أسماع تلاميذهم، فمثلًا كتاب "مجالس ثعلب" أطلق عليه أيضًا "أمالي ثعلب"، وليس في ذلك كبير مبالغة. فالكتاب مجموعة من الأمالي التي تضم ألوانًا من الأدب، والتاريخ، واللغة، وإن كان للغة فيه النصيب الأوفى.
ونحن لا نرى كبير فرق بين عنوان "الأمالي" أو عنوان "المجالس" فلقد كان الطلاب في واقع الأمر يجلسون متحلقين حول أستاذهم، وأمامهم المحابر وبأيديهم الدفاتر يحسنون الاستماع، ويقيدون ما يجري على لسان أستاذهم الذي يكون في العادة من كبار العلماء الثقات، فإذا جمعت هذه الأمالي لكي تصدر في شكل كتاب كانت إما أن تعرض على الأستاذ نفسه، أو يقوم على مراجعتها بعض النابهين من تلامذته الذين يقومون بدورهم بروايتها منسوبة إليه.
وكتب الأمالي في ميدان الدراسات العربية والإسلامية من الكثرة بمكان، وتشمل بعض الموضوعات المتخصصة كالتفسير حينًا والحديث حينًا آخر والنحو حينًا ثالثًا وهكذا.
غير أن الذي يعنينا من كتب الأمالي في هذا المقام هي "الأمالي" في نطاق الأدب، ونحن نستطيع بشيء من التيسير على أنفسنا أن نعد كتاب "مجالس ثعلب"، أول كتاب أنشئ في هذا الميدان، وقد عاش ثعلب حسبما مر بنا في ترجمته بين سنتي ٢٠٠هـ، ٢٩١هـ، ويليه في الميدان نفسه أمالي اليزيدي: أبي عبد الله محمد بن العباس المتوفى سنة ٣١٠هـ، ويليه أمالي الزجاج أبي إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل المتوفى سنة ٣١١هـ، وكان معاصرًا لليزيدي وتلميذًا ومريدًا للمبرد. وتلى هذه الأمالي الثلاث أمالي جحظة البرمكي المتوفى
стр. 204
سنة ٣٢٤هـ، واسمه الحقيقي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى البرمكي، الوزير الخطير، وإنما لقب بجحظة لنتوء كان في عينيه فأطلق عليه عبد الله بن المعتز، جحظة لهذا السبب فاشتهر به، ونسي المتأدبون حقيقية اسمه، وقد كان جحظة أديبًا ظريفًا موسيقيًّا شاعرًا راوية، وكثيرًا ما روى عنه أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني".
وتلى أمالي جحظة من حيث الزمان أمالي أبي بكر بن الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨هـ وأحد أعلام الأنباريين الذين عرفوا بعلوم الأدب واللغة والنحو والرواية، ويعاصر جحظة البرمكي عالم كبير وأديب لغوي، وشاعر، هو أبو بكر بن دريد المتوفى سنة ٣٢١هـ في الثامنة والتسعين من عمره، وقد أجمع المؤرخون على أنه أملى كتابه الكبير "الجمهرة" الذي يعد من أنفس كتب العربية كما يعتبر واحدًا من الأمالي المرموقة. على أن أحاديث ابن دريد ذات الشهرة الواسعة أيضًا والتي نهج فيها المنهج الأدبي لكي يصل من خلالها إلى أهدافه اللغوية من تلقين، وشرح وتدريس وتعليق تعتبر بدورها أمالي أخرى؛ لأن الأدبي الكبير قد أملاها على تلاميذه بالطريقة نفسها التي أملى بها "الجمهرة" بل لقد ذهب كثير من المترجمين إلى تسميتها فعلًا بالأمالي.
إن هذه الأحاديث -أعني أحاديث ابن دريد بل أماليه لم تصل إلينا منفردة في كتاب، وإنما جاءت متفرقة في ثنايا أشهر كتاب بين كتب الأمالي هو "أمالي القالي".
وإذا كان أبو بكر بن دريد، قد طابت له الحياة في المشرق حالًا ومرتحلًا بين البصرة حيث ولد، وعمان حيث أهله وقومه، ونيسابور حيث اتصل بآل ميكال ومدحهم بالمقصورة الشهيرة فأكرموه وقلدوه ديوان فارس، وبغداد حيث اتصل بالمقتدر العباسي فأكرمه وأجرى عليه مرتبًا شهريًّا حتى نهاية حياته، فإن أبا علي إسماعيل بن القاسم المتوفى سنة ٣٥٦هـ لم تطب له الحياة في بغداد بعد إقامة خمسة وعشرين عامًا فيها، فهاجر إلى المغرب فالأندلس حيث استقبل فيها استقبالًا كريمًا أو رسميًّا على مجرى التعبير المعاصر، ولقي تكريمًا عظيمًا من ملك عظيم، هو عبد الرحمن الناصر. فلما مات الناصر وتولى بعده ابنه الحكم المستنصر زاد في تكريمه وجعله مستشارًا له لشئون الثقافة, ووضع له تحت يده الأموال الوفيرة التي كانت تشترى بها نفائس كتب المشرق كي تضمها وتزدان بها مكتبة قرطبة التي كانت تعتبر على أيام المستنصر من أكبر مكتبات العالم، بل لعلها من حيث الترتيب والتنظيم، والتجليد، والتذهيب والفهرسة، والصيانة تعتبر حتى الآن من أعظم المكتبات في التاريخ.
ويلي أمالي القالي من حيث الأهمية والزمنية كتاب عظيم لأديب مفكر عظيم، هو "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي المتوفى سنة ٤٠٠هـ الذي ألقاه في سلسلة محاضرات في ندوة أبي عبد الله العارض بن سعدان، وزير بني بويه في بغداد.
стр. 205
وتأتي بعد ذلك أمالي الشريف المرتضى نقيب الطالبين في بغداد، صاحب مجالس الأدب ومنتدى الثقافة الذي عاش بين سنتي ٣٥٥-٤٣٦هـ.
وتمر فترة غير قصيرة من الزمن حتى يأتي عالم جليل يملي "أمالي" أخرى جيدة فياضة بأنماط العلم مترعة بأسباب الأدب، هو هبة الله بن الشجري الذي عاش بين عامي ٤٥٠-٥٤٤هـ.
وأمالي ابن الشجري تختتم الأمالي المشهورة، ولكن ذلك لا يعني أنه لم تسبقها أمالٍ أو تعقبها أمالٍ أخرى، فإن الشيوخ والمحدثين والعلماء والمؤدبين كانت لهم مجالس أملوا فيها أماليهم، وهي من الكثرة بمكان بحيث يصعب إحصاؤها ويجهد استقصاؤها.
وأكثر "الأمالي" عددًا هي ما كان في علم الحديث، ولكن ذلك لم يمنع عددًا كبيرًا من رجال الأدب واللغة، على مر عصور ازدهار الثقافة العربية من أن يجلسوا إلى تلاميذهم ويسمعوهم ما في صدورهم من علم وما في عقولهم من معرفة، وما تجود به خواطرهم من آداب.
стр. 206
الفصل الثاني: مجالس ثعلب
سلفت الإشارة إلى أن مجالس ثعلب تعتبر أول محاولة صادقة في تأليف هذا النوع النافع من الكتب، الذي اصطلح على تسميته بالأمالي، وقد سبق لنا الحديث عن شخصية المؤلف وعلمه الغزير، وأدبه الوفير وخلقه وشمائله، كما سبق الحديث عن كتابه "الفصيح". وها نحن أولاء نحاول أن نبسط أمامنا المجلس لنتتبع طريق إلقائها ومنهج إنشائها، وما قد حوت من آداب ولغة وبقية فروع المعرفة التي عرض لها العالم الكبير أبو العباس، ثعلب.
أولًا: أما كتاب "المجالس" أو "الأمالي" كما يسميه بعض المؤرخين وكما ورد في آخر كل فصل من فصول الكتاب، فهو وإن لم يصب من الشهرة ما أصاب كتاب الفصيح، فإن ذلك لا يعني الغض من شأن الكتاب؛ فالمجالس كتاب فريد في نوعه؛ لأنه تسجيل دقيق للدروس التي كان يلقيها ثعلب على تلاميذه، والتي تشتمل على شرح آيات قرآنية شريفة وتخريج مفرداتها، أو حديث نبوي شريف أو التمثل بالشعر من خلال نصوص جديدة أحسن العالم الجليل اختيارها لخدمة تلاميذه وأكثرها لشعراء ثقات مجيدين وإن يكونوا جميعًا مشهورين، أو أرجوزة أو حديث أعرابي، أو أعرابية.
ثانيًا: ولقد اقتضت المجالس أن يفيض الشيخ في دروسه فإذا استغلق معنى على أحد التلاميذ سأل أستاذه عمَّا استغلق عليه فهمه، ومن هنا فإن الكتاب يحوي ألوانًا من المحاورات اللطيفة، وفي بعض صفحات الكتاب نلاحظ أن الشيخ أبا العباس لم يكن يتردد في أن يجيب على سائله بقوله: لا أدري، وهذه خلة جليلة عرف بها الشيخ الكبير. وإن أبا عمر الزاهد يؤكد شيئًا من ذلك، فيقول: كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأل سائل عن شيء فقال: لا أدري، فقال له السائل: أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد؟ فقال له ثعلب: لو
стр. 207
كان لأمك بعدد ما "لا أدري" بعر لاستغنت١.
ثالثًا: والكتاب يعتبر الصورة الواضحة لمدرسة الكوفة النحوية، ذلك أن أبا العباس إمام مدرسة الكوفة هذه ورأس علمائها، ومن هنا كانت القضايا النحوية، واللغوية التي يتضمنها الكتاب -وما أكثرها- تعالج على طريقة الكوفيين، غير أن وجهات نظر البصريين كثيرًا ما ترددت أيضًا على صفحاته في كثير من المجالس من قبيل المعارضة، والمناقشة واستعراض آراء المدرسة المخالفة في الرأي.
رابعًا: أما عدد المجالس التي يضمها الكتاب من واقع العناوين المثبتة في النسخة المطبوعة فهي سبعة فقط، ولكن كل مجلس يشكل دائرة معارف أدبية صغيرة تضم الكثير من الأخبار المتعلقة بالأعلام العرب من خلفاء وأعيان وشعراء، وعلماء مع نصائح أو وصايا أو خطب أو محاورات، ونحن نشك في أنها سبعة فقط، إذ لا يتأتى أن يلقى هذا الحجم الكبير من المعرفة، وهذا الفيض الغامر من الدروس في سبعة مجالس فقط، خاصة وأن الكتاب مقسم على اثني عشر جزءًا، وهناك تداخل بين تقسيمه على أجزاء، وتقسيمه على مجالس. إنها ظاهرة تحتاج إلى مزيد من الدراسة تقع على عاتق الذين قاموا على تحقيق الكتاب.
خامسًا: وفي الكتاب بعض الأخبار الاجتماعية الطريفة، مثل قول أعرابية في وصف أبغض الرجال، وأبغض النساء أو وصية رجل لابنه في اختيار زوجه، أو حديث امرأة زوجت أولادها، ثم غابت عنهم هي الأخرى فترة من الزمن وعادت تسألهم عن زوجاتهم. إن مثل هذه القضايا على قدر ما تعطي صورة لمجتمع زمانها فإن أبا العباس يجعل منها وسيلة لتعليم تلاميذه؛ لأن الأمر لا يخلو من كلمات تحتاج إلى شرح وتعليق، واستطراد.
سادسًا: ويضم كتاب المجالس نماذج رائعة من عيون الشعر العربي لشعراء ممتازين موهوبين لشعراء مثل حسان بن ثابت، والنابغة الجعدي، والكميت، وابن هرمة، والحسين بن مطير، وقيس بن ذريح صاحب لبنى، وعروة بن حزام، ثم هو يورد بعد ذلك نماذج من الشعر الرفيع لشعراء غير مشهورين مثل خارجة بن فليح المكي، أو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أو عبيد الله بن شبيب، وكل قصيدة أو مقطوعة يجعل منها أبو العباس منطلقًا لدرسه. هذا فضلًا عن عشرات المقطوعات الشعرية الجيدة النفيسة لشعراء عاشوا في مختلف الأزمنة حتى زمان
стр. 208
الشاعر نفسه، وكلها اختيرت بعناية وافرة وذوق رفيع، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على الحس الأدبي المرهف الذي كان يتحلى به المؤلف.
سابعًا: وكذلك اهتم ثعلب بالأراجيز اهتمامًا كبيرًا، إذ الأراجيز -لصفتها البدوية الأعرابية- تعطيه فرصة كبيرة للشرح والتعليق والاستطراد. فمن الأراجيز التي أتى بها أرجوزة منظور بن حبة:
يا أيها المعتر بالضلال ... إن كنت في تنحل الأقوال
فاسأل فإن العلم بالسؤال ... من فارجون ليلة البلبال
وأرجوزة عبد الرحمن بن منصور، بن عمرو بن كلاب:
أشاقك الربع الخلاء المقفر ... غيره والدهر قد يغير
مر الجديدين وهيف مغبر ... ورائح يتبعه مهجر
وأرجوزة عمر بن عيسى البهدلي:
ضجت ولجت في العقاب والعذل ... صخابة ذات لسان وجدل
إلى غير ذلك من الأراجيز الكثيرة التي أوردها المؤلف مثل أرجوزة معروف بن عبد الرحمن وأرجوزة عمر ذي كلب، وأرجوزة ابن ميادة النونية، فضلًا عن أراجيز عديدة لرجاز كثيرين، الأمر الذي يجعل "المجالس" واحدًا من أهم الكتب التي اهتمت بفن الرجز، وعرض نصوصه أحسن عرض وشرحها أوفى شرح.
ثامنًا: ويتحدث الكتاب عن لهجات العرب في مواضع شتى ويجري مقارنات بين لهجات بعض القبائل، فيقول: ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجع قيس وعجرفية ضبة، وتلتلة بهراء.
ثم يستطرد أبو العباس شارحًا هذه القضايا من عنعنة وكشكشة، وكسكسة إلى آخر ما ذكر من عيوب القبائل.
ويضرب أبو العباس مثالًا للكشكشة التي هي جعل الشين مكان الكاف من خلال رجز لرجل من ربيعة في قوله:
علي فيما أبتغي أبغيش ... بيضاء ترضيني ولا ترضيش
وتطبي ود بني أبيش ... إذا دنوت جعلت تنئيش
وإن نأيت جعلت تدنيش ... وإن تكلمت حثت في فيش
حتى تنقى كنقيق الديش
ولكي نتخلص من الكشكشة فما علينا إلا أن نجعل مكان "الشين" كافًا حتى تعود إلينا
стр. 209
اللهجة المألوفة، فنقول:
علي فيما أبتغي أبغيك ... بيضاء ترضيني ولا ترضيك
... إلخ
تاسعًا: ويضمن أبو العباس مجالسه أو بالأحرى موضوعات تعليمه يكون التفريغ والاستطراد من خلالها ميسرًا حسبما ذكرنا، فيجعل موضوعه مثلًا حول الخيل وأجودها، أو حول التمر والرطب، أو صفة الأعراب للمطر والبرد فيحتل هذا الموضوع من كتابه ما يناهز العشر صفحات، أو صفة الأعراب للنبت والمرعى والغيثن ويفيض أبو العباس في ذلك أيضًا بحيث لا يجعل فيه مزيدًا لمستزيد، أو الماء والشجر ويأتي فيه أيضًا بالعجيب الغريب من الأسماء والصفات، ووصف الضب في شعر يستغلق فهمه على غير المختص لما فيه من ألفاظ غريبة وسمات لا يعرفها إلا من عاشر البدو وتعرف بالضب وأكله كما يأكله الأعراب.
عاشرًا: وكتاب المجالس ليس بعيدًا عن الأحداث التاريخية وروايتها والاهتمام بها، وإن مؤلفه يدلف بين الحين والحين إلى لب الأحداث التاريخية يعرضها عرض الثقات ويردد ما حولها من نصوص ويشرح ما قد أحاط بها من مواقف. إنه على سبيل المثال يعرض لمقتل الحسين، ولموقف أبي بكر من الأنصار، ولعلي زين العابدين بن الحسين، ولمعاوية وعتبة بن أبي سفيان يوم التحكيم، وكتاب معاوية إلى مروان في بيعة يزيد، ونصيحة المنصور لابنه المهدي في شأن أخلاق الخليفة، كل ذلك لا يشكل أخبارًا وأحداثًا تاريخية وحسب، وإنما يؤلف وثائق تاريخية بالغة الأهمية وإن بدت في نظر بعض الناس مجرد أخبار وشتيت روايات.
حادي عشر: وإن شخصية ثعلب الجادة الوقورة لم تمنعه من أن يطرز كتابه بطرفة من هنا أو نكتة من هناك أو خبر خفيف يزيح عن كاهل النفس مشقة الدرس ومتاعب التركيز، ففضلًا عن الأخبار الاجتماعية التي أشرنا إليها قبل قليل مثل وصف أعرابية لأبغض الرجال والنساء، أو حديث امرأة زوجت أولادها، بأبي ثعلب بكثير من الطرف الأدبية مثل مية مولاة معاوية وبعض نوادر السائلين معها، أو عروة بن أذينة وهشام بن عبد الملك، أو عمر بن أبي ربيعة وعبد الملك بن مروان، أو الأصمعي والرشيد في مواقف متعددة، أو خبر هلال بن الأسعر حتى جاع فذبح بعيره وأكله، أو ذم بغداد، هذا فضلًا عن أخبار الأعراب والأعرابيات وأقوالهم التي لا تخلو من غرابة.
وفي الوقت الذي يطرز ثعلب كتابه بهذه الطرائف، فإنه لا يغفل أن يزينه بالكثير من الأقوال الحكيمة التي جرت على ألسنة عقلاء العرب وحكمائهم، هذا فضلًا عن ذكر مواقف
стр. 210
عديدة لبعض الأعلام تتسم بالعقل، والحكمة التي تربي النفس، وتهذب الأخلاق.
إن مجالس ثعلب من الكتب العربية الباكرة الفريدة المثال من حيث التركيز على تعليم اللغة من خلال النص الحسن الانتقاء الذي يدل على ذوق فني رفيع، واختيار دقيق، فضلًا عن التدفق والفيض اللذين يصدران عن العالم الجليل أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وهو يعرض بضاعته العلمية النفيسة.
هذا ومن الأهمية بمكان أن نذكر أن عددًا من الأخبار متشابه في كامل المبرد، ومجالس ثعلب، والمنثور والمنظوم لابن طيفور الذي سيأتي حديثه بعد حين.
стр. 211
الفصل الثالث: أمالي اليزيدي
إن لأمالي اليزيدي نصيبًا من الشهرة لا يتفق مع فرصة الاطلاع عليها؛ ذلك لأنها غير متوفرة بين أيدي قراء العربية توفر كتب الأمالي الأخرى المشهورة التي نعرض لها في هذه الدراسة، فقد طبعت في الهند منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، ولم يتهيأ لكثير من الدارسين اقتناؤها بحيث يتيسر التوفر على قراءتها وبالتالي تنال ما هي جديرة به من ذيوع وشهرة أو خمول ونسيان.
والحق أن صاحب هذه الأمالي قد قدم ألوانًا من الآداب، وأشتاتًا من الحكايات وأخبار من التاريخ بما يتفق وعنوان كتابه هذا، وهو قبل ذلك واحد من أسرة اليزيديين التي ضمت عددًا وافرًا من العلماء الفضلاء، والأدباء النجباء الذين أثروا المكتبة العربية بالعشرات العديدة من الكتب في فنون اللغة، والنحو، والتاريخ، والرواية والشعر. فأما صاحبنا مؤلف هذه الأمالي فهو أبو عبد الله، محمد بن العباس بن محمد اليزيدي المتوفى سنة ٣١٠هـ وقيل ٣١٣ عن اثنين وثمانين عامًا، وكان من الفضل والعلم بحيث روى عنه أبو بكر الصولي والزجاج وأبو الفرج الأصفهاني، وإن له من الكتب غير أماليه هذه: كتاب الخيل، كتاب مناقب بني العباس، كتاب أخبار اليزيديين "قومه"، مختصر في النحو.
فإذا ما تناولنا أمالي اليزيدي بالدراسة والعرض فإننا يمكن أن نحصر منهجه ونلخص مادته فيما يلي من فقرات.
أولًا: يغلب على الكتاب عنصر الشعر، فإن عددًا متتاليًا من صفحاته يبدو بين الحين والحين مشحونًا بعدد من القصائد، أو مجموعات من المقطوعات، والشعر الذي يضمه الكتاب لشعراء من مختلف العصور من جاهليين ومخضرمين وإسلاميين، وأمويين وعباسيين، ومنهم شعراء معروفون مشهورون مثل المهلهل والشماخ والخنساء، ومالك بن الريب وجرير والفرزدق وإسحاق الموصلي، ومنهم شعراء
стр. 212
مغمورون لم تدع أسماؤهم مع ما ذاع من أسماء من جمهور الشعراء. والكثير من الشعر الذي يرويه غير معروف قائله، وإنما هو يكتفي بذكر من سمعه منه، وهو غالبًا ما يكون عمه أبا العباس الفضل بن محمد.
فإذا ما نظرنا في موضوعات الشعر التي مثل لها وجدنا أكثرها في الرثاء، والبقية في فنون أخرى كالمديح، والهجاء، والخمر، والحكمة، والسؤدد.
ثانيًا: تضم أمالي اليزيدي نصوصًا غير قليلة من الراجز لرجاز معروفين مثل العجاج ورؤبة، وأبي نخيلة، ودكين، والمرار. والأراجيز تلقى على صفحة الكتاب إلقاء دون إبداء مناسبة أو تعليق أو حتى ذكر الموضوع الذي قيلت فيه.
ثالثًا: أملى اليزيدي كثير من كلام الأعراب ومتشابهه، وغريبه، وحوشيه، وأخبارهم، ونوادرهم في الجاهلية والإسلام، كما أنه يأتي بشواهد شعرية ويشرح غريبها١.
رابعًا: يكثر من ذكر الأخبار والأحداث التاريخية مثل بعض الغزوات، ويوم الجمل وعدد القتلى فيه وأسماء بعضهم٢ كما يذكر أخبار بعض الخوارج.
ويهتم اليزيدي في هذا الجانب من أماليه بأخبار الخلفاء الراشدين وبخاصة الخلفاء عمر وعثمان وعلي. ويقص إحدى قصص الخليفة عمر المشهورة حين كان يستقصي أحوال رعيته ليلًا فسمع صوتًا في بيت فوقف خلف الباب ينصت، فإذا امرأة تردد لنفسها هذين البيتين:
تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وغاب خليل كنت مما ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لحرك من هذا السرير جوانبه
فلما أصبح بعث إلى المرأة فسألها عن زوجها فأخبرته أنه غازٍ وأنه قد طالت غيبته، فبعث الخليفة إلى إحدى بناته المتزوجات وسألها: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فسكتت: فقال: أتصبر سنتين؟ قالت: لا. قال: فسنة؟ قالت: لا. قال: فستة أشهر؟ قالت: نعم، وذاك كثير. فكتب عمر في إحضار زوج المرأة، وأمر ألا يغيب الأزواج في الغزاة عن ستة أشهر٣.
وعن بني أمية يتحدث اليزيدي غير قليل عن ملوكهم وبخاصة معاوية وعبد الملك بن
стр. 213
مروان، وسليمان بن عبد الملك، وهو في ذكره الأخيرين يعرض لهما عرضًا كريمًا يظهرهما بمظهر الفروسية، والعدل الأمر الذي يجعلنا نتصور أن هواه كان أمويًّا، فهو يورد قول عبد الملك لبنيه: إياكم ودماء آل أبي طالب١ أو تصرف سليمان مع مظلوم اغتصبت أرضه فردها إليه مع مساحة مساوية لها٢.
فإذا ما عرض لبني العباس، فإنه يكثر من ذكر مساوئ أبي جعفر المنصور، ويأتي له بالأخبار التي تنال منه مثل نسبة اللحن إليه في القرآن أو شدة بخله٣.
خامسًا: يورد اليزيدي في أماليه بعض الأخبار التي تصور المجتمع البدوي من خطبة فتاة أو طلاق امرأة يحبها زوجها، أو مهر مقداره باطية خمر إلى غير ذلك من غرائب الأخبار التي تدخل تحت باب النوادر، وإن لم تكن في الكتاب من الكثرة بمكان.
سادسًا: كان على اليزيدي أن يزين صفحات كتابه بين الحين والحين -مثلما فعل أكثر أصحاب المؤلفات والأمالي- بحديث شريف يرويه، ويذكر مناسبته ويشرح معناه.
هذا وأمالي اليزيدي في جملتها لا تخضع لنمط معين من التأليف بل هي حشد للموضوعات التي ذكرنا في غير نظام أو ترتيب أو منهج أو إغراء للقارئ بالاستمرار في الإقبال عليها، ولكن طالب المعرفة في نطاق ما ينبغي أن يتصف به من صبر، وأن يتحلى به من جلد يستطيع أن يأخذ من هذه الأمالي شيئًا جديدًا وإن يكن غير كثير.
стр. 214
الفصل الرابع: أمالي القالي
مدخل
...
الفصل الرابع: أمالي القالي:
لقد ألف أبو علي عددًا من الكتب النفيسة التي أهمها كتابه المشهور "الأمالي" وهو أول كتاب يحمل هذا الاسم صراحة، كما أنه في الوقت نفسه أشهر كتب الأمالي على الإطلاق.
وليس كتاب الأمالي -على نفاسته- الأثر العلمي الوحيد لأبي علي القالي، وإنما كان لذلك العالم الجليل الذي وهب حياته كلها للعلم العديد من الكتب النفيسة المشهورة مثل كتاب "الممدود والمقصور والمهموز" و "كتاب الإبل" و "كتاب حلى الإنسان والخيل وشياتها" و "كتاب مقاتل الفرسان" و "كتاب تفسير السبع الطوال" و "كتاب البارع" في اللغة على حروف المعجم جمع فيه كتب اللغة ويقع في ثلاثة آلاف ورقة، وقد امتدحه تلميذه ومعاصره العالم اللغوي أبو بكر الزبيدي صاحب كتاب "مختصر العين" قائلًا: لا نعلم أحد من المتقدمين ألف مثله.
إن أبا إسماعيل بن القاسم القالي لم يكن موضع تكريم الدولة الرسمية الأندلسية وحسب، وإنما كان موضع الإجلال بين العلماء وعامة الناس، وكان ممثلًا للثقافة المشرقية التي كانوا يتطلعون إليها ويتابعون كل جديد فيها، وقد امتدحه كثير من الشعراء وفي مقدمتهم الرمادي الشاعر الأندلسي المشهور قائلًا:
روض تعاهده السحاب كأنه ... متعاهد من عهد "إسماعيل"
قسه إلى الأعراب تعلم أنه ... أولى من الأعراب بالتفضيل
حازت قبائلهم لغات فُرِّقت ... فيهم وحاز لغات كل قبيل
فالشرق خالٍ بعده فكأنما ... نَزَلَ الخراب بربعه المأهول
وكأنه شمس بدت في غربنا ... وتغيبت عن شرقهم بأفول
стр. 215
هذا وكان أبو علي نفسه على علمه الوفير، وأدبه الزاخر شاعرًا رقيقًا، له شعر رقيق يؤثر عنه ومداعبات عذبة جرت بينه وبين كبار علماء زمانه الأندلسيين الذين كانوا يحيطونه بالرعاية والاحترام. ومع كل الإجلال الذي لقيه القالي في الأندلس، وكل أسباب النعمة التي عاش فيها، ورغم السنوات الثلاثين التي عاشها هناك، فإنه لما حضرته الوفاة أحس بالغربة وأوصى أن يكتب على قبره هذان البيتان:
صلوا لحد قبري بالطريق وودعوا ... فليس لمن وارى التراب حبيب
ولا تدفنوني بالعراء فربما ... بكى إن رأى قبر الغريب غريبُ
والأمالي يضم الكثير من الأخبار الأدبية ومختارات الأشعار، ومن الطريف أن كل ما حوى من أخبار وأشعار كان من آداب المشارقة، على الرغم من أن الكتاب أملي في الأندلس، ولكنه أراد أن يعلم الأندلسيين آداب المشارقة التي كانوا يهتمون بها كل الاهتمام.
والكتاب أمالٍ حقيقية كان يمليها أبو علي القالي على تلاميذه يوم الخميس من كل أسبوع بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء الضاحية الفخمة لقرطبة التي بناها عبد الرحمن الناصر، إن القالي يذكر ذلك صراحة في مقدمة الأمالي حين يقول: " ... فأمليت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة في قرطبة وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة".
ويقدم المؤلف منهج كتابه، وأهم ما احتفل به من موضوعات فيقول مستطردًا "وأودعته فنونًا من الأخبار وضروبًا من الأشعار، وأنواعًا من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أني لم أذكر فيه بابًا من اللغة إلا أشبعته، ولا ضربًا من الشعر إلا اخترته، ولا فنًّا من الخير إلا انتخلته، ولا نوعًا من المعاني والمثل إلا استجدته، ثم لم أخله من غريب القرآن وحديث الرسول ﷺ ، على أنني أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد، وفسرت فيه من الاتباع ما لم يفسره بشر"١.
والحقيقة أن الكتاب يقف من القارئ موقف المعلم، فما يكاد يرد فيه نص شعرًا أو نثرًا إلا وقد أتبعه المؤلف بشرح مستفيض، ونلاحظ أن أبا علي كان يعمد عمدًا إلى الإتيان بالنصوص الصعبة من شعر ونثر لكي يقوم على شرحها مفرداتها، وأما استغلق فهمه من معانيها وهو في ذلك ينهج نهج كل من المبرد في الكامل وثعلب في المجالس، وليس في ذلك كبير