← Указатели

Указатели · id 7248

مناهج التأليف عند العلماء العرب

مصطفى الشكعة

Полный текст (502 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الفصل الثالث: أمالي اليزيدي إن لأمالي اليزيدي نصيبًا من الشهرة لا يتفق مع فرصة الاطلاع عليها؛ ذلك لأنها غير متوفرة بين أيدي قراء العربية توفر كتب الأمالي الأخرى المشهورة التي نعرض لها في هذه الدراسة، فقد طبعت في الهند منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، ولم يتهيأ لكثير من الدارسين اقتناؤها بحيث يتيسر التوفر على قراءتها وبالتالي تنال ما هي جديرة به من ذيوع وشهرة أو خمول ونسيان. والحق أن صاحب هذه الأمالي قد قدم ألوانًا من الآداب، وأشتاتًا من الحكايات وأخبار من التاريخ بما يتفق وعنوان كتابه هذا، وهو قبل ذلك واحد من أسرة اليزيديين التي ضمت عددًا وافرًا من العلماء الفضلاء، والأدباء النجباء الذين أثروا المكتبة العربية بالعشرات العديدة من الكتب في فنون اللغة، والنحو، والتاريخ، والرواية والشعر. فأما صاحبنا مؤلف هذه الأمالي فهو أبو عبد الله، محمد بن العباس بن محمد اليزيدي المتوفى سنة ٣١٠هـ وقيل ٣١٣ عن اثنين وثمانين عامًا، وكان من الفضل والعلم بحيث روى عنه أبو بكر الصولي والزجاج وأبو الفرج الأصفهاني، وإن له من الكتب غير أماليه هذه: كتاب الخيل، كتاب مناقب بني العباس، كتاب أخبار اليزيديين "قومه"، مختصر في النحو. فإذا ما تناولنا أمالي اليزيدي بالدراسة والعرض فإننا يمكن أن نحصر منهجه ونلخص مادته فيما يلي من فقرات. أولًا: يغلب على الكتاب عنصر الشعر، فإن عددًا متتاليًا من صفحاته يبدو بين الحين والحين مشحونًا بعدد من القصائد، أو مجموعات من المقطوعات، والشعر الذي يضمه الكتاب لشعراء من مختلف العصور من جاهليين ومخضرمين وإسلاميين، وأمويين وعباسيين، ومنهم شعراء معروفون مشهورون مثل المهلهل والشماخ والخنساء، ومالك بن الريب وجرير والفرزدق وإسحاق الموصلي، ومنهم شعراء

стр. 212

مغمورون لم تدع أسماؤهم مع ما ذاع من أسماء من جمهور الشعراء. والكثير من الشعر الذي يرويه غير معروف قائله، وإنما هو يكتفي بذكر من سمعه منه، وهو غالبًا ما يكون عمه أبا العباس الفضل بن محمد. فإذا ما نظرنا في موضوعات الشعر التي مثل لها وجدنا أكثرها في الرثاء، والبقية في فنون أخرى كالمديح، والهجاء، والخمر، والحكمة، والسؤدد. ثانيًا: تضم أمالي اليزيدي نصوصًا غير قليلة من الراجز لرجاز معروفين مثل العجاج ورؤبة، وأبي نخيلة، ودكين، والمرار. والأراجيز تلقى على صفحة الكتاب إلقاء دون إبداء مناسبة أو تعليق أو حتى ذكر الموضوع الذي قيلت فيه. ثالثًا: أملى اليزيدي كثير من كلام الأعراب ومتشابهه، وغريبه، وحوشيه، وأخبارهم، ونوادرهم في الجاهلية والإسلام، كما أنه يأتي بشواهد شعرية ويشرح غريبها١. رابعًا: يكثر من ذكر الأخبار والأحداث التاريخية مثل بعض الغزوات، ويوم الجمل وعدد القتلى فيه وأسماء بعضهم٢ كما يذكر أخبار بعض الخوارج. ويهتم اليزيدي في هذا الجانب من أماليه بأخبار الخلفاء الراشدين وبخاصة الخلفاء عمر وعثمان وعلي. ويقص إحدى قصص الخليفة عمر المشهورة حين كان يستقصي أحوال رعيته ليلًا فسمع صوتًا في بيت فوقف خلف الباب ينصت، فإذا امرأة تردد لنفسها هذين البيتين: تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وغاب خليل كنت مما ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لحرك من هذا السرير جوانبه فلما أصبح بعث إلى المرأة فسألها عن زوجها فأخبرته أنه غازٍ وأنه قد طالت غيبته، فبعث الخليفة إلى إحدى بناته المتزوجات وسألها: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فسكتت: فقال: أتصبر سنتين؟ قالت: لا. قال: فسنة؟ قالت: لا. قال: فستة أشهر؟ قالت: نعم، وذاك كثير. فكتب عمر في إحضار زوج المرأة، وأمر ألا يغيب الأزواج في الغزاة عن ستة أشهر٣. وعن بني أمية يتحدث اليزيدي غير قليل عن ملوكهم وبخاصة معاوية وعبد الملك بن

стр. 213

مروان، وسليمان بن عبد الملك، وهو في ذكره الأخيرين يعرض لهما عرضًا كريمًا يظهرهما بمظهر الفروسية، والعدل الأمر الذي يجعلنا نتصور أن هواه كان أمويًّا، فهو يورد قول عبد الملك لبنيه: إياكم ودماء آل أبي طالب١ أو تصرف سليمان مع مظلوم اغتصبت أرضه فردها إليه مع مساحة مساوية لها٢. فإذا ما عرض لبني العباس، فإنه يكثر من ذكر مساوئ أبي جعفر المنصور، ويأتي له بالأخبار التي تنال منه مثل نسبة اللحن إليه في القرآن أو شدة بخله٣. خامسًا: يورد اليزيدي في أماليه بعض الأخبار التي تصور المجتمع البدوي من خطبة فتاة أو طلاق امرأة يحبها زوجها، أو مهر مقداره باطية خمر إلى غير ذلك من غرائب الأخبار التي تدخل تحت باب النوادر، وإن لم تكن في الكتاب من الكثرة بمكان. سادسًا: كان على اليزيدي أن يزين صفحات كتابه بين الحين والحين -مثلما فعل أكثر أصحاب المؤلفات والأمالي- بحديث شريف يرويه، ويذكر مناسبته ويشرح معناه. هذا وأمالي اليزيدي في جملتها لا تخضع لنمط معين من التأليف بل هي حشد للموضوعات التي ذكرنا في غير نظام أو ترتيب أو منهج أو إغراء للقارئ بالاستمرار في الإقبال عليها، ولكن طالب المعرفة في نطاق ما ينبغي أن يتصف به من صبر، وأن يتحلى به من جلد يستطيع أن يأخذ من هذه الأمالي شيئًا جديدًا وإن يكن غير كثير.

стр. 214

الفصل الرابع: أمالي القالي مدخل ... الفصل الرابع: أمالي القالي: لقد ألف أبو علي عددًا من الكتب النفيسة التي أهمها كتابه المشهور "الأمالي" وهو أول كتاب يحمل هذا الاسم صراحة، كما أنه في الوقت نفسه أشهر كتب الأمالي على الإطلاق. وليس كتاب الأمالي -على نفاسته- الأثر العلمي الوحيد لأبي علي القالي، وإنما كان لذلك العالم الجليل الذي وهب حياته كلها للعلم العديد من الكتب النفيسة المشهورة مثل كتاب "الممدود والمقصور والمهموز" و "كتاب الإبل" و "كتاب حلى الإنسان والخيل وشياتها" و "كتاب مقاتل الفرسان" و "كتاب تفسير السبع الطوال" و "كتاب البارع" في اللغة على حروف المعجم جمع فيه كتب اللغة ويقع في ثلاثة آلاف ورقة، وقد امتدحه تلميذه ومعاصره العالم اللغوي أبو بكر الزبيدي صاحب كتاب "مختصر العين" قائلًا: لا نعلم أحد من المتقدمين ألف مثله. إن أبا إسماعيل بن القاسم القالي لم يكن موضع تكريم الدولة الرسمية الأندلسية وحسب، وإنما كان موضع الإجلال بين العلماء وعامة الناس، وكان ممثلًا للثقافة المشرقية التي كانوا يتطلعون إليها ويتابعون كل جديد فيها، وقد امتدحه كثير من الشعراء وفي مقدمتهم الرمادي الشاعر الأندلسي المشهور قائلًا: روض تعاهده السحاب كأنه ... متعاهد من عهد "إسماعيل" قسه إلى الأعراب تعلم أنه ... أولى من الأعراب بالتفضيل حازت قبائلهم لغات فُرِّقت ... فيهم وحاز لغات كل قبيل فالشرق خالٍ بعده فكأنما ... نَزَلَ الخراب بربعه المأهول وكأنه شمس بدت في غربنا ... وتغيبت عن شرقهم بأفول

стр. 215

هذا وكان أبو علي نفسه على علمه الوفير، وأدبه الزاخر شاعرًا رقيقًا، له شعر رقيق يؤثر عنه ومداعبات عذبة جرت بينه وبين كبار علماء زمانه الأندلسيين الذين كانوا يحيطونه بالرعاية والاحترام. ومع كل الإجلال الذي لقيه القالي في الأندلس، وكل أسباب النعمة التي عاش فيها، ورغم السنوات الثلاثين التي عاشها هناك، فإنه لما حضرته الوفاة أحس بالغربة وأوصى أن يكتب على قبره هذان البيتان: صلوا لحد قبري بالطريق وودعوا ... فليس لمن وارى التراب حبيب ولا تدفنوني بالعراء فربما ... بكى إن رأى قبر الغريب غريبُ والأمالي يضم الكثير من الأخبار الأدبية ومختارات الأشعار، ومن الطريف أن كل ما حوى من أخبار وأشعار كان من آداب المشارقة، على الرغم من أن الكتاب أملي في الأندلس، ولكنه أراد أن يعلم الأندلسيين آداب المشارقة التي كانوا يهتمون بها كل الاهتمام. والكتاب أمالٍ حقيقية كان يمليها أبو علي القالي على تلاميذه يوم الخميس من كل أسبوع بقرطبة، وفي المسجد الجامع بالزهراء الضاحية الفخمة لقرطبة التي بناها عبد الرحمن الناصر، إن القالي يذكر ذلك صراحة في مقدمة الأمالي حين يقول: " ... فأمليت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة في قرطبة وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة". ويقدم المؤلف منهج كتابه، وأهم ما احتفل به من موضوعات فيقول مستطردًا "وأودعته فنونًا من الأخبار وضروبًا من الأشعار، وأنواعًا من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أني لم أذكر فيه بابًا من اللغة إلا أشبعته، ولا ضربًا من الشعر إلا اخترته، ولا فنًّا من الخير إلا انتخلته، ولا نوعًا من المعاني والمثل إلا استجدته، ثم لم أخله من غريب القرآن وحديث الرسول ﷺ ، على أنني أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد، وفسرت فيه من الاتباع ما لم يفسره بشر"١. والحقيقة أن الكتاب يقف من القارئ موقف المعلم، فما يكاد يرد فيه نص شعرًا أو نثرًا إلا وقد أتبعه المؤلف بشرح مستفيض، ونلاحظ أن أبا علي كان يعمد عمدًا إلى الإتيان بالنصوص الصعبة من شعر ونثر لكي يقوم على شرحها مفرداتها، وأما استغلق فهمه من معانيها وهو في ذلك ينهج نهج كل من المبرد في الكامل وثعلب في المجالس، وليس في ذلك كبير

стр. 216

غرابة؛ لأن الرجل نشأ وتعلم في بغداد، وكان قريب العهد بالعالمين الكبيرين؛ لأنه ولد سنة ٢٨٨هـ أي في العقد نفسه الذي مات فيه القطبان الكبيران: المبرد وثعلب، وفي ذلك يقول أبو محمد بن حزم الأندلسي: كتاب نوادر أبي علي -يقصد الأمالي والنوادر- مبارٍ لكتاب الكامل الذي جمعه المبرد، ولئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوًا وخبرًا، فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعرًا. هذا والكتاب يتسم بالصعوبة والدسامة، فأبو علي يريد من خلاله أن يكرس صفة العمق والإفاضة والوفرة العلمية لعلماء المشرق الذين يمثلهم في الأندلس. وإذا كان لنا أن نزيد معرفة بالكتاب ومحتواه فإنه يمكن عرض ذلك في النقاط التالية: أولًا: أورد القالي الكثير من غريب القرآن إذ يتلو الآية، ثم يعرض لألفاظها ومعانيها مع تركيز على الجانب اللغوي١. ثانيًا: أورد المؤلف الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة في مقام استئناس، أو استشهاد مع شرحها، وإن كنا لاحظنا أنه لم يكثر من الأحاديث النبوية. ثالثًا: ضمن المؤلف كتابه -على طريقة علماء المشارقة- الكثير من كلام الحكماء وأحاديث البلغاء والوصايا بأنواعها، كوصايا الآباء لأبنائهم والأمهات لبناتهن، والعلماء للخلفاء. رابعًا: انفرد الكتاب دون غيره بذكر أحاديث ابن دريد المشهورة التي جعل كلا منها وسيلة لاستيعاب وحفظ أكبر قسط من الألفاظ الصعبة والمفردات غير الجارية على الألسنة. خامسًا: الكتاب غزير المحتوى للنصوص الشعرية في مختلف الموضوعات ولمختلف الشعراء، ومع عناية وذوق في اختيار النص وعرضه وشرحه. وقد اهتم بعدد غير قليل من الشعراء مثل عمر بن أبي ربيعة، وجميل بن معمر والسموأل بن عاديا وذي الأصبع العدواني وكعب بن سعد الغنوي، ونصيب، وأبي حية النميري وغيرهم كثيرين من مغمورين ومجهولين، كما أورد بعض المقصورات. سادسًا: اهتم أبو علي بالرجز -شأن جميع اللغويين- وضمن كتابه الكثير من أراجيز العرب، وبخاصة المرقصات منها وهو في ذلك شبيه بابن طيفور في "المنثور والمنظوم". سابعًا: اهتم المؤلف بالأمثال العربية، وأورد الكثير منها في مواطن عديدة من كتابه، مع شرحها، وبيان نشأتها والمناسبة التي تقال فيها. ثامنًا: منح المؤلف الموضوعات اللغوية والدراسات الصوتية من الجهد وقدم مادة

стр. 217

غنية في هذا الشأن، وذلك أن الطابع اللغوي هو السمة الأولى للكتاب، وهو في ذلك ينهج مناهج أربعة: أ- أن يورد أحاديث بعينها جرت على لسان إنسان بعينه في الموضوع الذي يراد طرق بابه مثل وصف أعرابي للنساء، أو وصف الشاب للفرس الذي اشتراه، ومن خلال الحديث الأول ينفذ المؤلف إلى صفات النساء، ومن خلال الحديث الثاني ينفذ المؤلف إلى الكلام على صفات الفرس، هذا فضلًا عن أحاديث كثيرة جرت على ألسنة الأعراب حفل بها الكتاب وقدم المؤلف من خلالها مفردات لغوية وفيرة١. ب- أن يطرق المؤلف موضوعه مباشرة حين يريد تقديم مفردات لغوية كأن يتحدث عن ترتيب أسنان الإبل وأسمائها، أو الفرس وصفاتها مع ذكر شواهد حيث استحسن ذكر الشاهد. وفي كثير من الأحيان يعمد إلى التوسع في سرده وشرحه، حتى إن صفة الفرس اقتضت منه ثماني صفحات من كتابه على سبيل المثال٢. جـ- يأتي بمادة لغوية بعينها ويحللها مثل مادة خ ل ف٣ - ح س س٤ - ع ق ب٥ - وت ر٦ ع ور٧ وهكذا. هـ- يعرض المؤلف للحروف التي تختلف رسمًا، وتتشابه نطقًا أو ذات المخارج الواحدة ويقدم عنها دراسة في نطاق الصوتيات والإدغام والإبدال مثل ما يكون بالهاء والخاء، أو الصاد والطاء، أو الدال، والطاء، أو التاء، والطاء، أو السين، والزاي، أو ما تعاقب فيه النون والميم، أو ما يقال بالهمز والواو، أو ما يقال بالهمز والواو، أو ما يقال بالياء والهمز، كما يفرد عدة أحاديث لأحرف الإبدال. تاسعًا: ضم الكتاب الكثير من خطب العرب في الجاهلية والإسلام ومغامراتهم وألوانًا من الحوار الفصيح جرت بين أعلام المشارقة من خلفاء، وعمال، وحكام، وأدباء، وأعيان.

стр. 218

عاشرًا: والكتاب يستهدف الثقافة العامة إلى جانب استهدافه الثقافة الخاصة، ومن ثم فإن ضم الكثير من الأخبار التاريخية الهامة الكبيرة والخطيرة التي تبدو صغيرة، كما تضمن العديد من أخبار بني أمية، وخلفائهم وعمالهم وشعرائهم وخصومهم والأحداث الهامة التي جرت في تاريخ العرب في الشرق جاهليه وإسلاميه وأحيانًا يتعدى ذلك إلى أخبار تاريخية هندية أو فارسية. حادي عشر: لم يفت المؤلف -وقد توسم الجد وصعوبة الموضوعات التي طرقها في أغلب صفحات الكتاب- أن يخفف عن القارئ كما فعل سابقوه من المشارقة بإيراد طرفة هنا وملحة هناك فيصيب بذلك هدفين: التسرية عن القارئ الذي يكون عرضة للسأم والملل، وإضافة معلومات فكهة إلى حصيلته في مجتمع كان للملحة خطرها في المحافل العامة والخاصة. هذا ونود أخيرًا أن نبدي ملاحظتين هامتين حول الكتاب، الأولى الدقة المتناهية في الإسناد والرواية إذ لا يكاد أبو علي يذكر نصًّا إلا وقد وصل إسناده إلى صاحبه، عن طريق الرواية الدقيقة، والثانية أن الكتاب نقل كثيرًا عن "الكامل", "مجالس ثعلب" و "بلاغات النساء" وبخاصة فيما يتعلق بأخبار النساء وفصاحتهن وصفاتهن ونوادرهن.

стр. 219

ذيل الأمالي والنوادر: بعد أن انتهى أبو علي القالي من كتابه هذا الذي أطلق عليه اسم "الأمالي" تجمعت لديه مادة علمية أخرى فأملاها على النسق نفسه وأطلق عليها اسم "ذيل الأمالي" ثم لم يلبث أن تجمعت لديه مادة أخرى من الأخبار، والقصائد، والدروس فقدمها تحت اسم "ذيل الأمالي" ثم لم يلبث أن تجمعت لديه مادة أخرى من الأخبار والقصائد، والدروس اللغوية فقدمها تحت اسم "النوادر". قد يوحي العنوان الجديد بتحول أو تغيير في طريقة الكتاب وعرضه ومادته، غير أن شيئًا ذا بال لا نكاد نحسه أو نلمسه في هذا السبيل اللهم إلا غلبة الأخبار على ما سواها من المواد التي ألفناها من أبي علي في "الأمالي" و "الذيل". على أن الملامح التي تربط بين الأمالي والذيل والنوادر متشابهة، والموضوعات مشتركة والسمات متقاربة، وليس ذلك بغريب طالما كان المؤلف واحدًا والهدف واحدًا والمنهاج واحدًا. ومهما كان الأمر فكتاب الأمالي لأبي علي القالي يعتبر سفارة ثقافية فريدة نفيسة فرضها أبو علي العقل الأندلسي والثقافة الأندلسية من واقع الثقافة المشرقية الكلاسيكية.

стр. 220

الفصل الخامس: كتاب الإمتاع والمؤانسة: يعتبر أبو حيان التوحيدي ٤٠٠هـ، واسمه الأصلي علي بن محمد بن العباس، واحدًا من ألمع مفكري العربية، وأدبائها حتى إنه لقب بفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، ذلك أن كتبه تجمع إلى عمق الفكرة أناقة العبارة ورشاقة الأسلوب، ومن أجل ذلك أيضًا، فضلًا عن انتهاجه مذهب المعتزلة فإن بعض المؤرخين يلقبونه بالجاحظ الثاني. وأبو حيان على نباهة شأنه كان سيء الحظ في حياته مضطهدًا محدود الرزق. عمل بالوراقة والنسخ حينًا، وفي خدمة الوزير ابن العميد ثم الوزير الصاحب بن عباد حينًا آخر، ولم يلق من أي منهما إلا كل إهمال واحتقار، الأمر الذي دفع به إلى أن يكتب فيهما كتابًا كبيرًا أسماه "أخلاق الوزيرين" أو "مثالب الوزيرين" نال من قدرهما بقسوة على ما فيهما من فضل وعلم ومروءة. لقد كان أبو حيان خصيب الفكر ثر العطاء متبحرًا بعمق في عديد من ألوان المعرفة، وألف أكثر من عشرين كتابًا من عيون الفكر العربي وآدابه، ولكن حين ضاقت به أسباب الرزق -على عمله الوفير- بحيث اضطر إلى أن يأكل حشيش الأرض، حقد على الناس جميعًا، وتبلور حقده عليهم في إحراق كتبه حتى يحرم الجمهرة فضله، ولم يسلم منها إلا ما كان منها من نسخ في أيدي الناس. ولقد حير أبو حيان المؤرخين من حيث أفكاره، وعقيدته فبينما يخلع عليه ياقوت الحموي لقب شيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء، يتهمه ابن الجوزي بالزندقة، ويجسم من خطره فيجعله أخطر الزنادقة جميعًا، يقول ابن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، والتوحيدي، والمعري، وشرهم التوحيدي؛ لأنهما صرحا ولم يصرح، أي لأن كلا من ابن الرواندي وأبي العلاء المعري أعلنا زندقتهما، وأما أبو حيان فلم يعلن زندقته أو يصرح بها.

стр. 221

ومهما كان الأمر فإن أبا حيان عاش نيفًا وثمانين عامًا في شظف من العيش ومرارة الحرمان، ربما كان هو نفسه مسئولًا بعض الشيء عن ذلك، وتوفي سنة ٤٠٠هـ ووصل إلينا من كتبه حتى الآن: ١- الإمتاع والمؤانسة. ٢- الصداقة والصديق. ٣- المقابسات. ٤- الإشارات الإلهية. ٥- البصائر والذخائر. ٦- الهوامل والشوامل. ٧- مثالب الوزيرين، أو أخلاق الوزيرين. وكل هذه الكتب مطبوعة منشورة، وكلما ظهر له جديد من تلك الكنوز المخطوطة، التي لا تزال مدفونة في المكتبات الخاصة متفرقة من العالم سارع العلماء إلى تحقيقها ونشرها. كتاب الإمتاع والمؤانسة: إن لهذا الكتاب من عنوانه نصيبًا كبيرًا، فهو يمتع قارئه بما حوى من أدب وعلم" ويؤنسه بما ضم من طرف وحوار. لقد صنفنا هذا الكتاب مع مجموعة الأمالي والمجالس؛ لأنه تسجيل لأحاديث وأمالٍ ومحاضرات، ومناقشات ألقيت في أربعين ليلة، ألقاها أبو حيان على مسامع أبي عبد الله الحسين العارض بن أحمد بن سعدان وزير صمصام الدولة بن بويه في بغداد. لقد كان ذلك العصر عصر الندوات العلمية الدائمة التي تعقد في قصور الأمراء والوزراء، ومن أشهر هذه الندوات، ندوة عضد الدولة بن بويه في شيراز، وندوة ابن العميد في الري، وندوة الصاحب بن عباد في أصبهان، وندوة الوزير المهلبي في بغداد، وقد سبقتها في بغداد، ندوة ابن سعدان هذا الذي وزر لصمصام الدولة لمدة ثلاث سنوات على وجه التقريب بين ٣٧٣، ٣٧٥هـ. لقد كانت ندوة ابن سعدان تضم عددًا من مشاهير الأدباء، والفلاسفة، والشعراء، والرياضيين منهم ابن زرعة الفيلسوف، ومحمد بن محمد بن يحيى اليوزجاني المعروف بأبي الوفاء المهندس نابغة الهندسة والرياضة، وأبو سعد بهرام بن أردشير، ومسكويه عالم الأخلاق، وابن شاهويه، وابن حجاج الشاعر الماجن، وأبو عبيد الخطيب الكاتب. وأخيرًا

стр. 222

انضم إلى هذه الندوة صاحبنا أبو حيان، الأمر الذي جعل ابن سعدان يفاخر بها الندوات الأخرى التي كان يلتئم شملها عند من ذكرنا من الأمراء والوزراء. أما قصة هذا الكتاب فإن أبا الوفا المهندس الذي مر ذكره كان صديقًا لكل من أبي حيان، والوزير ابن سعدان، فقرب أبو الوفا أبا حيان إلى الوزير وجعله من سماره، فسامره أربعين ليلة عالج فيها أبو حيان الكثير من الموضوعات من أخبار أدبية، وشعر، ونثر، ولغة، وفلسفة، ومنطق، وأخلاق، وطبيعة، وإلهيات، وتفسير، وحديث، وبلاغة، وسياسة، وحيوان، وطعام، وشراب، ومجون، وغناء، وموسيقى، وتاريخ، وتحليل لشخصيات العصر من ساسة وعلماء وفلاسفة وأدباء، وتعرض للحياة الاجتماعية المعاصرة بالدراسة والعرض والتحليل، وكانت تجري في أثناء هذه الأحاديث مناقشات بين الوزير وأبي حيان تدل على ما كان لهذا الوزير من مشاركة في مختلف موضوعات الأدب واللغة والفلسفة والإلهيات، وكان أبو حيان يختتم كل ليلة من ليالي المسامرات هذه بملحة يطلبها منه الوزير ويسميها ملحة الوداع التي تكون تارة قصة فكهة قصيرة أو أبياتًا من الشعر طريفة. المهم أنه بعد أن انتهى أبو حيان من لياليه الأربعين التي سامر فيها الوزير، فطن أبو الوفاء المهندس إلى ما فيها من موضوعات نفيسة جديرة بالحفظ، خاصة ما حوته من مناقشات الفكر وخطرات العقل، وعطاء البديهة، وما قد عرضه أبو حيان نتيجة الدراسة والتحصيل وإعداد السابق، كل ذلك جعل أبا الوفاء المهندس يطلب من أبي حيان -لاجئًا إلى نوع من الضغط الأدبي- أن يكتب هذه المسامرات كل ليلة بليلتها، فاستجاب له أبو حيان، وكتب أحاديث الأربعين بكل ما حوت من فنون المعرفة، وتفاصيل المناقشات. هذا وكانت الليالي تختلف طولًا وقصرًا، كما أن موضوعًا واحدًا من موضوعات الحديث كان يستغرق أحيانًا أكثر من ليلة كما حدث في الليلتين الرابعة، والخامسة، فقد كان موضوع الحديث فيهما عن الكتاب وأعلامهم مع طرق موضوعات أدبية ونقدية، والليلتين التاسعة والعشرين والثلاثين حين كان الحديث في التفسير واللغة والنحو. وإذا كان لنا أن نستعرض بعض الليالي وما عولج فيها من موضوعات، ففي الليلة الرابعة والعشرين على سبيل المثال، عالج أبو حيان موضوع الزهد والأخلاق وقصص الزهد وأخبارهم. وفي الليلة الخامسة والعشرين طلب الوزير من أبي حيان أن يسمعه كلامًا في مراتب النظم والنثر، فقدم أبو حيان استعراضًا بديعًا عذبًا للنظم والنثر، مع حديث عن البلاغة والأدب. وفي الليلة السادسة والعشرين كان الحديث عن الكلمات القصار من حكم وأمثال،

стр. 223

فقدم أبو حيان حشدًا من مختارات الحكم نظمًا ونثرًا. وفي الليلة السابعة، والعشرين كان الحديث عن الصوفية، والتوكل على الله مع قصص لطيفة مأثورة، ثم عرج أبو حيان بناء على طلب الوزير إلى الحديث في المنطق، ثم في اللغة مع تطرق لموضوع الفأل والطيرة. وكانت الليلة الثامنة والعشرون ليلة طويلة، وساعد على طولها طبيعة الموضوع المطروق، فقد كان الحديث عن الغناء والقيان ومحبي الطرب وشعر الغناء، وما يتصل بهذا الموضوع من قريب أو بعيد. وبينما كانت الليلة الماضية حديثها القيان والقصف، والغناء فإن حديث الليلة التاسعة والعشرين كان في التفسير واللغة، ويستمر حديث اللغة والنحو فيستحوذ على الليلة الثلاثين. وفي الليلة الخامسة والثلاثين يكون الحديث عميق التناول؛ لأنه حديث عن النفس والروح وصفتهما، والفرق بينهما، وما الإنسان؟ وما الطبيعة؟ وما العقل؟ وما المعاد؟ ويتطرق الحديث إلى علم النفس، والفلسفة. وحديث الليلة الأربعين يتناول الشعر والشعراء والنقد، وعلم الكلام وأشتاتًا من الموضوعات مع مناقشات لطيفة وحوار عذب. الواقع أن كتاب الإمتاع والمؤانسة يعتبر نسيج وحده بين كتب "المجالس" و "الأمالي" وإن كنا نصنفه في كتب المجالس فهو إليها أقرب. إن أبا حيان شخصية خطيرة عندما يعرض لتحليل الأشخاص وعرض الموضوعات، ولقد كشف اللثام عن كثير من الموضوعات الاجتماعية والسياسية وحلل شخصيات عصره اللامعة من أمثال ابن العميد والصاحب بن عباد وأبي سليمان المنطقي. ومن الموضوعات الفريدة التي جاءت في الإمتاع والمؤانسة -على سبيل المثال- المناظرة الفريدة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي، وأبي بشر متى بن يونس في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، كما أن الإمتاع والمؤانسة هو أول كتاب يميط اللثام عن رسائل إخوان الصفا وأشخاص مؤلفيها. ولعل من أهم سمات الفكاهة في الكتاب تلك الملح التي كان ينهي بها أبو حيان حديثه بناء على رغبة الوزير، فمن تلك الملح النثرية قول أبي حيان: حدثنا ابن سيف الكاتب الراوية، قال: رأيت جحظة قد دعا بناء ليبني له حائطًا فحضر، فلما أمسك اقتضى البناء الأجرة، فتماسكا، وذلك أن الرجل طلب عشرين درهمًا، فقال جحظة: إنما عملت يا هذا نصف يوم وتطلب عشرين درهمًا؟ قال: أنت لا تدري، إني

стр. 224

قد بنيت لك حائطًا يبقى مائة سنة، فبينما هم كذلك اهتز الحائط وسقط، فقال جحظة: هذا عملك الحسن؟ قال: فأردت أن يبقى ألف سنة؟!! قال: لا، ولكن كان يبقى إلى أن تستوفى أجرتك. ومن الطرف الشعرية التي ختم بها أبو حيان إحدى لياليه روايته هذه الأبيات: إذا استمتعت منك بلحظ طرفي ... حيى نصفي ومات عليك نصفي تلذذ مقلتي ويذوب جسمي ... وعيشي منك مقرون بحتفي فلو أبصرتني والليل داجٍ ... وخدي قد توسط بطن كفي ودمعي يستهل من المآقي ... إذن لرأيت ما بي فوق وصفي إن كتاب الإمتاع والمؤانسة -حسبما وصفه أستاذنا أحمد أمين- أشبه شيء بألف ليلة وليلة ولكنها ليست ليالي للهو والطرب وكيد النساء ولعب الغرام، إنما هي ليالٍ للفلاسفة والمفكرين والأدباء١.

стр. 225

الفصل السادس: أمالي الشريف المرتضى: إن هذه الأمالي هي الأخرى من أرفع كتب الأمالي قيمة وأنفسها محتوى وأكثرها شهرة، وقد يطلق عليها اسم آخر، إنه الاسم الذي خلعه عليها مؤلفها "غرر الفوائد ودرر القلائد" وقد يختصر هذا الاسم الطويل فيعرف الكتاب باسم "الغرر والدرر". وإذا كان أبو علي القالي مؤلف أول كتاب في مجموعة الأمالي وأشهرها رفيع القدر سامي المكانة لدى ملوك الأندلس وعلمائها، فإن علي بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف المرتضى، كان في بغداد التي ولد فيها سنة ٣٥٥هـ ومات فيها سنة ٤٣٦ أعلى قدرًا وأوفر حظًّا، فقد كان مثال العالم المتبحر في العلوم الدينية، وعلم الكلام صاحب حظ وفير من العلم والثقافة والأدب، تولى منصب نقيب الطالبين بعد أن زهد فترة طويلة لانشغاله بالتحصيل والدرس والتأليف. لقد كان محل احترام الخلفاء العباسيين والأمراء البويهيين الذين كانوا الحكام الحقيقيين لبغداد، وكان واسع الثراء يملك ثمانين قرية تمتد بين بغداد وكربلاء يشقها نهر صغير، ولكنه كان يفيض من ثروته على العلماء والطلاب والمحتاجين، وكان كريمًا سخيًّا أديبًا ناقدًا صاحب ملحة، وفكاهة. ومن المآثر الجميلة التي تحكى عنه أن الأديب أبا الحسن علي بن أحمد الفالي -بالفاء- كان يمتلك نسخة جيدة من جمهرة ابن دريد فدعته الحاجة إلى بيعها، فباعها وكان المشتري الشريف المرتضى الذي دفع ستين دينارًا ثمنًا لها، فلما تصفحها وجد عليها أبياتًا بخط الفالي يبكي فراق نسخته العزيزة وفيها يقول١: أنست بها عشرين حولًا وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني

стр. 226

وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل شئوني فقلت ولم أملك سوابق عبرةٍ ... مقالة مكوي الفؤاد حزين وقد تخرج الحاجات يا أم مالكٍ ... كرائم من رب بهن ضنين فما إن وقعت عينا الشريف على الأبيات حتى أعاد النسخة إلى صاحبها وترك له الدنانير. هذا وكان الشريف نفسه شاعرًا رقيقًا ترك ديوانًا فقد مع ما فقد من آثاره العلمية والأدبية، ولكن مقاطع كثيرة جميلة قد حفظت في بطون الكتب التي ترجمت له، فمن رقيق أبياته قوله يتعشق نجدًا وقصد في الحقيقة حسان نجد: أحب ثرى نجد ونجد بعيدة ... ألا حبذا نجد وإن لم تفد قربا يقولون: نجد لست من شعب أهلها ... وقد صدقوا لكنني منهم حبًّا كأني وقد فارقت نجدًا شقاوةً ... فتًى ضل عنه قلبه ينشد القلبا ومن الأبيات العذبة التي يطرب لها محب الشعر قول الشريف المرتضى١: يا خليلي من ذؤابة قيس ... في التصابي رياضة الأخلاق عللاني بذكرهم تطرباني ... واسقياني دمعي بكأس دهاق وخذا النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق ويسمع هذه الأبيات شاعر طريف لعله كان من المحبين الولهين الذين يتعشقون لوعة السهر فيعلق قائلًا: المرتضى قد خلع ما لا يملك على من لا يقبل. وكان للمرتضى مكتبة كبيرة تمده بكل أسباب المتعة الفكرية بالإضافة إلى أملاكه الكثيرة التي كانت توفر عليه الوقت الذي يبذله الكادحون في الحصول على أسباب العيش، وقد قدر ما فيها من كتب بثمانين ألف كتاب، ولذلك استطاع الشريف أن يترك آثارًا علمية

стр. 227

تناهز السبعين مؤلفًا ما بين كتاب وكتيب ورسالة شملت مواضيع عديدة من تفسير، وفقه، وعلم كلام، وأصول، وعقيدة، وتاريخ، وأدب ونقد وبلاغة ولغة بقي منها بين أيدينا الكتب الآتية: ١- الأمالي أو الغرر والدرر. ٢- الشهاب في الشيب والشباب. ٣- تنزيه الأنبياء. ٤- الانتصار، في الفقه. ٥- المسائل الناصرية، في الفقه. ٦- تفسير القصيدة المذهبية، وهي قصيدة للسيد الحميري. ٧- إنقاذ البشر من الجبر والقدر. هذا وينسب بعض المؤرخين إليه أنه جمع "نهج البلاغة" وأنه وضع الكثير مما فيه من الخطب ونسبها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهناك مؤرخون آخرون نسبوا هذا الأمر إلى شقيقه الشاعر المرهف والأديب المطبوع محمد بن الحسين المعروف بالشريف الرضي. أما الأمالي نفسها فهي تشمل ثمانين مجلسًا كان الشريف يلقي خلالها أماليه التي لم يكن يتحرى يومًا بعينه لإملائها، وإنما كانت تخضع للمناسبة، وكلما كان مستعدًّا لذلك. ويبدو أنه كان يعد نفسه لكل مجلس إعدادًا منظمًا مرتبًا، فنحن نستطيع أن نحس بروح التنسيق التي كان يقدم بها المرتضى أماليه: أولًا: إنه عادة يفتح المجلس بآية كريمة يختارها ثم يقوم بتفسيرها بشيء من الإبانة والإضافة، ولكن على مذهب المعتزلة أو أهل العدل كما كانوا يسمون أنفسهم، وقد كان الشريف معتزلي الفكر والعقيدة، وغالبًا ما كان الشريف ينتقل من الآية إلى تناول حديث نبوي شريف بالشرح والإبانة خاصة إذا كان هناك بين العلماء من قد اختلفوا في تأويله. ثانيًا: وكان الشريف في أماليه يهتم بالشعراء وأخبارهم، وأشعارهم، وما فيها من مبتكر جديد أو ترديد وتقليد لشعراء سابقين، ونحن لا نكاد نجد شاعرًا مرموقًا في الجاهلية، والإسلام حتى زمان الشريف إلا وعنه خبر أو نص أو دراسة، ومن بين هؤلاء جميعًا من خصهم الشريف بعناية ملحوظة وسلط عليهم الأضواء أمثال السيد الحميري، ومروان بن أبي حفصة والحسين بن مطير، وأبي حية النميري. ثالثًا: ومرات عديدة يختار الشريف في أماليه موضوعًا بعينه ويستعرض أقوال الشعراء

стр. 228

فيه، ولا ينسى قسطه من الإسهام فيه بشيء من شعره متى سنحت الفرصة بذلك، فيختار حينًا موضوع وصف الثغر والحديث، أو طيف الخيال، أو الزهد في الدنيا، أو الشيب، إلى غير ذلك من الموضوعات التي يعن له تصورها كأديب قارئ صاحب إلمام عريض ودراسة واسعة. رابعًا: والشريف على تقاه ومكانته لا يتردد في طرق بعض موضوعات الأدب المكشوف، والشعر الخليع في بعض الأحيان١. هذا وللشاعرات النساء قسط، ونصيب في الكتاب وإن لم يكن بالقدر الذي يشفي غلة أو يطفئ صدى. والشريف البلاغي حاضر في عدد كبير في موضوعات الأمالي، فكثيرًا ما عالج موضوعات بلاغية علاج البلاغي الناقد الأديب كأن يعقد فصلًا طريفًا موسعًا للتشبيه أو يعرض لموضوع الإيجاز والاختصار والحذف٢. وأمالي الشريف المرتضى مليئة بأخبار الخطباء المفوهين البلغاء، والذين وقفوا على المنابر فارتج عليهم، ومن نصوص الخطب أو الشعر يتخذ الشريف وسيلة لشرح معاني الكلمات الغريبة ويستطرد منها إلى دروس في علوم اللغة ولكن بشكل أقل كثيرًا من القالي في أماليه. ولما كان الشريف المرتضي صاحب مكانة دينية سامية بل صاحب دين، وإيمان فإن شخصيته المؤمنة تنعكس على الكثير من أبواب أماليه أو بالأحرى موضوعاتها، فهو يكثر من الكلام على مذهب أهل العد، ويتحدث عن المفكرين من أعلام الإسلام مثل الحسن البصري، وواصل بن عطاء رأس المعتزلة، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وبشر بن المعتمر٣. ومن منطلق الإيمان يعمد إلى فضح المتآمرين على الإسلام من زنادقة الشعراء والأدباء الذين يبدأون عنده من الوليد بن يزيد، ثم يمضي في ذكرهم وهم حماد الراوية، وحماد بن الزبرقان، وحماد عجرد، وابن المقفع، وأبو العيناء، وبشار بن برد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن الحارثي، وصالح بن عبد القدوس، ويأتي ببعض أخبارهم ومجونهم. والشريف المرتضي على رغم جدية أماليه غير متعسف ولا متزمت وإنما يربط أماليه بين

стр. 229

الحين والحين بملحة طريفة أو نادرة فكهة من تلك التي سبق أن وردت عند الجاحظ، أو المبرد مع إكثار من طرائف الأصمعي وأخباره. وهذا وإن الشريف قد ألقى آخر حلقة من سلسلة أماليه في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ٤١٣هـ وكانت سنه آنذاك ثمانية وخمسين عامًا، وأما السنوات الثلاث والعشرون التي عاشها بعد ذلك فلم يلق فيها من الأمالي إلا القليل التي ألحقت بآخر الكتاب، نحا فيها النحو نفسه ونهج النهج عينه. والأمر الذي لا شك فيه أن لأمالي المرتضى لونًا خاصًّا بها وذوقًا متميزًا، ونهجًا مختلفًا، وشخصية متماسكة، وإذا كانت هناك بعض السمات التي تربط بينها وبين مثيلاتها من أمالٍ ومجالس، فإن الأغلب على أمالي المرتضى شخصيتها المتميزة، وموادها النفيسة التي ربما كانت أخف على النفس وأقرب إلى القلب وأيسر على الخاطر، وأنشط على الإفادة والاستيعاب. فإن فرقًا كبيرًا نستطيع أن نلمسه بين أمالي القالي وأمالي المرتضى، أمالي الأول تتسم بروح الجدية والإغراب والعمد إلى إظهار الوفرة العلمية عمدًا، وأما الثاني ففي أماليه سمات شخصيته السمحة، الخالية من التعقيد، الواثقة من نفسها وعلمها وفي مجتمع يكن لها الاحترام الموروث والمكتسب، فإن منصب نقيب الطالبيين كان يحظى بالكثير من الاحترام والإجلال.

стр. 230

الفصل السابع: أمالي ابن الشجري: ابن الشجري عالم جليل كان فيما يقول ياقوت: أوحد زمانه وفرد أوانه في علم العربية، ومعرفة اللغة وأشعار العرب، وأيامها وأحوالها ١، وإذا كان كل من صاحبي الأمالي اللذين مر ذكرهما قد احتل مكانة رفيعة لدى السلطان وجمهرة العلماء، فاضلًا سمحًا كريمًا، فإن ابن الشجري كان امتدادًا لهذه الدرجة العلمية الظليلة، ولعله كان في خلقه، ومكانته، وعلمه أقرب إلى الشريف المرتضى منه إلى أبي علي القالي، فلقد كان ابن الشجري من الدوحة العلوية، وكان نقيبًا للطالبيين في الكرخ نيابة عن والده، كما كان بيته منتجع الطالب ومقصد المتأدب ومنتدى الفضل ودوحة العلم، وهو في هذه الخلات شبيه بالشريف المرتضى، ثم هو بعد ذلك شاعر أديب، ومؤلف في علوم العربية له تآليف جليلة القدر طيبة الأثر. إن اسمه كاملًا هبة الله بن علي بن محمد ... بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكنيته أبو السعادات، وشهرته ابن الشجري، وقد اختلف المؤرخون في هذه النسبة، وهل هي إلى "شجرة" قرية من ضواحي المدينة، أم إلى أحد أجداده الذي كان اسمه شجرة؟ فقد كان من الأسماء التي يسمي العرب بها أبناءهم اسم شجرة٢. لقد عمر أبو السعادات طويلًا حتى نيف على التسعين ٤٥٠-٥٤٤هـ كان أهلًا للفضل جادًّا في حياته، أنفقها كلها في العلم، وهو يصور الجد في قوله: لا تمزحن فإن مزحت فلا يكن ... مزحًا تضاف به إلى سوء الأدب

стр. 231

واحذر ممازحة تعود عداوةً ... إن المزاح على مقدمة الغضب ومن مثالياته التي صورها حكمه في شعره قوله: وتجنب الظلم الذي هلكت به ... أمم تود لو أنها لم تظلِمِ إياك والدنيا الدنية إنها ... دارٌ إذا سالمْتَهَا لم تَسْلَمِ أما مؤلفات ابن الشجري، فهي وإن لم تكن كثيرة العدد إلا أنها نفيسة القيمة عظيمة القدر خطيرة الشأن جليلة الأثر، وهي الأمالي - موضوع حديثنا- والحماسة التي حاكى في تأليفها حماسة أبي تمام، ومختار الشعراء، وهذه الكتب الثلاثة مطبوعة، وله أيضًا شرح التصرف المملوكي، وشرح اللمع لابن جني، وكتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه. وأما كتابه "الآمالي" فإنه أنفس كتبه، وهو من الكتب الممتعة، أملاه في أربعة وثمانين مجلسًا، ونهج فيه نهج الشريف الرضي في أماليه، وطرق موضوعات القرآن، والحديث والأخبار والشعر، والنثر، وأخبار الشعراء، والخطباء وطرزه بكثير من الحكم، والطرف، والملح، وتبدو في موضوعات الكتب سمة الأديب حينًا وسمة اللغوي النحوي حينًا آخر، وقد كان أبو السعادات مبرزًا في الميدانين، على أن قوسه في اللغة أوسط وسهمه في النحو أوفر. ومن الأحداث الغريبة أن ابن الشجري لما انتهى من إملاء كتابه حضر إليه أبو محمد عبد الله بن الخشاب الأديب اللغوي القارئ صاحب الخط الجميل، وطلب منه أن يسمع عليه "الأمالي" فاعتذر الشيخ عن ذلك، فانصرف ابن الخشاب غاضبًا، وتوفر على قراءة الكتاب محاولًا أن يرصد بعض الأخطاء، وكتب ردًّا على الأمالي مستعرضًا بعض ما ظنه خطأ فيه فوقع الرد في يد أبي السعادات الذي كتب ردًّا على الرد به وجوه خطأ ابن الخشاب، وجعله في كتاب صغير أسماه "الانتصار". فإذا ما تتبعنا مواد الدرس التي ألقاها ابن الشجري من خلال أماليه فإننا سوف نلاحظ أنه كان يجلس، لكي يملي ما عنده من مادة في موضوع بذاته، ولكنه لا يتقيد بالحديث في موضوعه تقيدًا كاملًا، بل يتصرف في مجلسه ويستطرد وينوع، فيجمع في مجلس النحو مثلًا طرائف وأخبارًا، وفي حديث الشعر قضايا نحوية ونكتًا لغويةً وأسمارًا، وفي تفسير القرآن الكريم يقدم شواهد شعرية، ويقف على قضايا لغوية حسبما تمليه طبيعة المجلس والمادة الملقاة، ولكننا نحس في الوقت نفسه أن ابن الشجري قد أعد نفسه إعدادًا علميًّا لمجلسه قبل مواجهة مستمعيه بحيث يبدو فيه التركيز والجدية، مع خلفية علمية وافرة وابتعاد عن

стр. 232

الترخص في القول أو السطحية في التناول، هذا وإن الروح العلمية والحس الأدبي لا يتخليان عن الرجل في كل مجالسه التي أحصيت بأربعة وثمانين مجلسًا، وإن كان الذي بين يدي منها ثمانية وسبعون لا غير، ومن الطريف أن أكثر هذه المجالس ينص قبل البداية في تسجيلها على اليوم والتاريخ، الذي ألقيت الأمالي فيهما. وإذا كان لنا أن نقدم صورة لأمالي ابن الشجري ومادتها فإننا يمكن أن نلفت النظر إلى أهم موضوعاتها على النحو التالي: أولًا: تفسير القرآن الكريم، فقد احتل التفسير عددًا من المجالس مثل الثامن، والتاسع، والعاشر، والسادس والسبعين، وبعض الفصول من المجلس الثالث والستين، والرابع والستين والتاسع والستين، وهذه المجالس الثلاثة الأخيرة قد خصصت لموضوعات أساسية أخرى، وكان التفسير القرآني فيها أمرًا فرعيًّا حسبما سنبين بعد قليل. فإذا ما تمثلنا لواحد من المجالس التي خصصت للتفسير مثل المجلس الثامن فإننا نجد ابن الشجري قد خصصه لتفسير الآية الكريمة: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ولعل أهم ملحظ نلحظه في طريقة تفسير صاحب الأمالي، أنه يبدأ من منطلق لغوي نحوي ويلح عليه إلحاحًا شديدًا ويقف عند القضايا النحوية مبديًا رأي كل من النحاة البصريين والكوفيين. وهو في تفسيره يستعين بالعديد من الآيات القرآنية الأخرى، ويستشهد بالكثير من الأبيات الشعرية التي تعينه في تفسيره وتخدم وجهة نظره. هذا وابن الشجري يعمد في تفسيره إلى الصيغة الجدلية، وهي طريقة المعتزلة في البرهان، كقوله: فإن قيل كذا قيل كذا، وهلم جرَّا١. وفي المجلس السادس والسبعين يفسر السورة الكريمة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . ولكنه في تفسيره يمزج الفكر الديني بالفروض والتكاليف بعلوم اللغة بفنون النحو بشواهد الأدب بقضايا الإعراب بمذاهب اللغويين والنحاة، مع الاستعانة بالعديد من الآيات القرآنية. على أن ابن الشجري لا يجد مجلسه قد استوفى درسًا، أو ربما أحس بأن الزمن الذي استغرقه تفسير الآية لا يشكل مجلسًا متكاملًا، فينتقل إلى مواضع أدبية وتقديم نماذج شعرية في وصف الأسد للمتنبي، ووصف الفرس للجعدي، ويذكر آراء ونظريات لأبي علي

стр. 233

الفارسي تتصل بالموضوع الذي يعرض له من قريب حينًا، ومن بعيد حينًا آخر، ويكمل المحاضر مجلسه، أو بالأحرى درسه، بأنماط من الموضوعات مترابطة ومتباعدة، توشى بالآية القرآنية حينًا، وبيت أو بيتين من الشعر أحيانًا، وبقضية نحوية حينًا ثالثًا حتى يستوفي مجلسه أو درسه أو إملاءه١. ثانيًا: والعنصر الثاني من عناصر الأمالي هو الشعر، وقد كان ابن الشجري يمنحه الكثير من العناية في التناول والبسطة في الشرح إلى المدى الذي يجعل مجلسًا بكامله لدراسة بيت واحد من الشعر كما هو الحال في المجلس الخامس، أو المجلس السادس، فالمجلس الخامس بأكمله يستغرق شرح بيت للشريف الرضي في مدح الطائع العباسي وفيه يقول: قد كان جدك عصمة العرب الألى ... فاليوم أنت لهم من الإعدام وإذا لم يكن البيت من جودة البناء ولا من رقة الشاعرية بمكان، فإنه من وجهة نظر ابن الشجري يؤدي غرضين على الأقل، الغرض الأول ينضوي تحت معنى التحية والتكريم للشريف الرضي يذكره في مجلسه لما بينهما من وشائج القربى وصلة المذهب، فضلًا عن أن كلا من الشريف وابن الشجري كان نقيبًا للطالبين رغم أن الفرق الزمني بينهما يزيد على قرن من الزمان، والغرض الثاني أدبي محض، فإن صاحب الإملاء يقضي مجلسه في شرح الكلمات، وإبانة مستبهم المعاني التي قصد الشاعر إليها، ويستطرد بالإتيان بنماذج لشعراء سابقين في المعنى نفسه أو قريبة منه، ويقوم على تحليل هذه النماذج الجديدة تحليلًا مفصلًا مطولًا فيه استطراد وإطناب٢. ويتكرر ذلك عند ابن الشجري أكثر من مرة عندما يجعل المجلس السادس كله لبيت المتنبي: وتراه أصغر ما تراه ناطقًا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم أو عندما يقضي المجلس الثاني عشر كله في تناول بيت للشاعر نفسه هو قوله: أي يوم سررتني بوصالٍ ... لم ترعني ثلاثة بصدود ولعلنا نلاحظ أن ابن الشجري لا يختار البيت لجمال ظاهر فيه، وإنما الأمر على

стр. 234

العكس، إنه يختاره لما يلتحف به البيت من غموض يحتاج إلى الاجتهاد في شرحه، وفهمه وتعليل معانيه، وهي نغمة كانت مستحبة في الشعر آنذاك وإن كان المنصفون من النقاد يرون ذلك عيبًا من عيوب شعر المتنبي، فالكلام المستغلق المعاني أبعد شيء عن البلاغة، ومن باب أولى يكون الشعر المبهم المعنى أبعد شيء عن الشعر الجيد. ولكن لا بأس من أن نطل على ابن الشجري في مجلسه السادس، وهو يتناول بيت المتنبي الذي مر ذكره قبل قليل، إن حديثه عن البيت يستغرق مجلسًا بأكمله حسبما ذكرنا ويحتل سبع صفحات كاملة من أماليه١، إنه يتحدث عن الرؤية من قوله "وتراه أصغر ما تراه" ويتساءل: هل هي رؤية العين أو رؤية القلب، ويطيل في صيغ الاستفهام، ويكثر من تعديد الأسئلة، ثم يتولى بعد ذلك الإجابة عنها إجابة مفصلة في نطاق النحو والصرف، مطولة في نطاق الاستشهاد والتأويل المعنوي الأدبي، مع التمثيل لكل ما يقول بآراء السابقين من الأدباء واللغويين مثل الأصمعي وابن الأعرابي، ويجيء بأمثلة لبعض الشعراء أو من كانوا يصطنعون الشعر مثل الأعشى، والكسائي، وكثير بن عبد الرحمن، وذي الإصبع العدواني، وطرفة، وامرئ القيس، هذا فضلًا عن شعر كثير لشعراء عديدين لم يذكر أسماءهم. وأحيانًا يقضي الشجري مجلسين متتاليين لدراسة عدة من الأبيات لشاعر واحد، فقد قضى المجلسين التاسع عشر والعشرين في شرح أبيات ثمانية لأعشى تغلب "ربيعة بن نجران" قالها في هجاء بني مروان والفخر عليهم، يتناولها من خلال المنهج اللغوي، والنحوي نفسه مع ذكر بعض الوقائع والأيام وأحداث التاريخ، والتمثل بشعر الآخرين٢. وأغلب الظن أن ابن الشجري كان ذا هدف في إيراد هذه الأبيات والإفاضة في شرحها في مجلسين يومي السبت السابع عشر من رجب، والرابع من شعبان سنة ٥٢٤هـ. إنه بحكم كونه طالبيًّا هاشميًّا يحمل عداوة ظاهرة أو مستترة لبني أمية لما فعلوه بآل البيت ولاغتصابهم الخلافة منهم، ومن ثم كان وقوفه طويلًا على أبيات أعشى ربيعة يحمل معنى التشفي والراحة النفسية، ذلك أن بني أمية قد مدحوا بما لم يمدح به غيرهم من الخلفاء أو الملوك الذين ولوا إمرة المسلمين بعدهم، لقد مدحهم جرير والأخطل، والفرزدق، والقطامي، وعدي بن الرقاع، بل لقد مدحهم بعض من كان يكن لهم الكراهية والموجدة مثل كثير عزة، لقد مدحهم الفحول الكبار بما خلدهم كممدوحين كبار، فلا غرابة أن يتصيد ابن الشجري -وهذا موقفه منهم- أبياتًا في هجائهم والفخر عليهم يعثر عليها عند شاعر ينتمي إلى الدين نفسه الذي كان ينتمي

стр. 235

إليه الأخطل شاعرهم الأول، فكل من الأخطل وأعشى ربيعة كان نصرانيًّا. وهي أبيات ذات فحولة وجزالة وطنين ورنين يقول فيها صاحبها: كأن بني مروان بعد وليدهم ... جلاميد ما تندى وإن بلها القطر وكانوا أناسًا ينفحون فأصبحوا ... وأكثر ما يعطونك النظر الشزر أأنسى إذا ما لم تنبكم كريهة ... وأدعى إذا ما هزهز الأسل الحمر ألم يك غدرًا ما فعلتم بشمعل ... وقد خاب من كانت سريرته الغدر كأين دفعنا عنكم من كريهةٍ ... ولكن أبيتم لا وفاء ولا شكر"*" ومن الأمالي الجديدة ذات الذوق الرفيع في اختيار الشعر ما أملاه ابن الشجري في المجلس الثالث والستين١، إنه يملي ويشرح قصيدة بائية قالها ابن نباتة السعدي في الفخر، أبياتها سبعة وثلاثون يقول في مستهلها: رضينا وما ترضى السيوف القواضب ... نجاذبها عن هامكم وتجاذب فإياكم أن تكشفوا عن رءوسكم ... ألا إن مغناطيسهن الذوائب نصون ثرى الأقدام عن وتراتها ... فتسرقه ريح الصبا وتسالب "**" وهبنا منعناه الصبا بركوبنا ... أنمنع منه ما تطاه الركائب إن ابن الشجري يشرح القصيدة شرحًا معتدلًا، وهو في تناوله هذه القصيدة يأخذ جانب الحس الأدبي أكثر مما يجنح إلى الإطناب اللغوي، وإن كان يعلل بعض الضرورات التي

стр. 236

يبيحها الشعر مثل "تطاه" فأبدل الشاعر الهمزة ألفًا لينة، ولم يستشهد بشعر شعراء آخرين غير مرتين اثنتين، مرة بيتين للأبيوري في تشبيهه السيوف باللجين قبل الضرب بها، وبالعسجد بعد الضرب بها في قوله: ولله در السيف يجلو بياضه ... غياهب يوم قاتم الجو أربدا بمعترك يلقى به الموت بركه ... يسل لجينًا ثم يغمد عسجدا١ ومرة أخرى ببيت لشاعر لم يذكر اسمه: نصف النهار، الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدري ولأن ابن الشجري قد اقتصر على المعاني الأدبية في شرح القصيدة، فإنه لم يستوفِ بها الوقت المحدد للدرس رغم طولها، فعمد إلى الانتقال إلى تفسير الآية الكريمة ﴿أولئك أصحاب الجنة﴾ حسبما مر بنا عند حديثنا عنه مفسرًا. ومن مجالس الشعر المجلس الرابع والستون٢ وهو يعرض فيه قصيدة في لقاء الأسد، ذكر أنها أجود شعر قيل في مثل هذا الموقف، ونسب القصيدة إلى من اسمه بشر بن عوانة العبدي ومطلعها: أفاطم لو رأيت ببطن خبتٍ ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرَا إذن لرأيت ليثًا أمَّ ليثًا ... هزبرًا أغلبًا لاقى هزبرًا وابن الشجري صادق في قوله إن هذه القصيدة من أحسن الشعر الذي قيل في لقاء الأسد، ونسب روايتها إلى بديع الزمان الهمذاني سماعًا من ابن أخته محمد بن عبد السلام القزويني. وفات ابن الشجري أنه ليس هناك شاعر اسمه بشر بن عوانة العبدي، فبشر هذا اسم لشخص وهمي جعل منه بديع الزمان المهذاني بطلًا لإحدى أقاصيصه في الحب والبطولة والتضحية في سبيل من يريد الزواج منها، وهي ابنة عمه فاطمة التي هي بدورها شخصية وهمية، وهذه الأقصوصة الممتعة التي يكتبها بديع الزمان وضمنها هذه القصيدة

стр. 237

الرائية عنوانها "المقامة البشرية" وهي وغيرها من مقامات بديع الزمان تعتبر الأصل الحقيقي للقصة العربية القصيرة، وليس بالصحيح ما ذكره بعض من لم يطلعوا على تاريخ أجدادهم من المحدثين من أن القصة القصيرة وافدة علينا من الغرب الأوربي١. إن بديع الزمان بمكره وظرفه ألبس قصيدته ثوبًا منسوجًا من ألفاظ تحتاج إلى شرح، حتى تبدو القصيدة وكأنها جاهلية حقيقية، الأمر الذي جعل ابن الشجري يقف أمامها وقفات طويلة متوفرًا على شرح الألفاظ، والإفاضة في طرح المعاني المستفادة مع وقفات نحوية ولغوية عديدة، ورطه فيها مكر بديع الزمان وسعة حيلته في نحل القصيدة ونسبتها إلى شاعر جاهلي موهوم. ثالثًا: وهذا العنصر الثالث هو عنصر النحو واللغة ونصيبهما من أمالي ابن الشجري، والحق أن نصيبهما كبير، فصبغة الرجل صبغة لغوية نحوية على نسق الرعيل الأول من كبار المؤلفين الذين كانوا يحتفلون باللغة وقضاياها والنحو ومسائله أكثر من احتفالهم بالقضايا الأدبية، ونحن إذا نظرنا في مجموعة المجالس التي احتوتها أمالي ابن الشجري، وجدناه يعقد المجلس الأول لعرض مسائل نحوية عدة والإجابة عنها فيقول مثلًا: "إنما وجب بناء ما قبل ياء المتكلم على الكسر؛ لأنهم لو أعربوه لم تسلم الياء مع الضم والفتح، إذ الضم يقتضي قلبها إلى الواو، والفتح يقتضي قلبها ألفًا، فإن قيل قد فعلوا ذلك في نحو: يا غلامًا، قيل إنما فعلوا ذلك في النداء" ويستطرد ابن الشجري في ذكر الأسباب وإيراد الأمثلة، ويناقش بعض آراء النحاة واللغويين كابن جني وغيره في قضايا مماثلة. ويخصص ابن الشجري المجلس الثاني من أماليه للغة من نحو وصرف، فيتحدث في إفاضة عن التثنية وفلسفتها ومعناها وضرورتها وأقسامها، وهذا المجلس يشكل فصلًا لغويًّا لطيفًا، شواهده آيات قرآنية، وأبيات منتقاة من الشعر العذب، وأحكام شرعية وبعض الطرائف٢. ويعقد صاحب الأمالي مجلسين هما الثلاثون والحادي والثلاثون للحديث في النحو خاصة، ويتناول بعض القضايا المشوقة مثل علة حذف نون المثنى عند الإضافة، أو الحديث عن الخلاف في اسم المفعول من قال، وباع، ولماذا هو مقول في الأول ومبيع في الثاني، وأصل كل منهما في صيغته الأصلية على مفعول قبل الحذف، وأي الحروف حذفت ولماذا؟ مع ذكر مذهب كل من الخليل وسيبويه والأخفش. والبحث في جملته طريف على ما فيه من

стр. 238

جفاف الموضوع وتعقده١. ويطلق ابن الشجري نفسه على سجيتها، فإذا بها تفرغ لأبواب اللغة من نحو وصرف ثمانية وعشرين مجلسًا متتابعة ابتداء من المجلس الرابع والثلاثين إلى المجلس الثاني والستين، فيجعل المجلس الرابع والثلاثين -على سبيل المثال- في الحديث عن الاستخبار، والاستفهام، ثم يتحدث عن أقسام الاستفهام، ثم نتقل إلى عقد فصل عن الأمر، وفصل آخر عن النهي. وأحيانًا يعقد مجلسين متتاليين لموضوع واحد، قد يبدو في ظاهره بسيطًا، ولكنه في حقيقته طويل معقد، فقد جعل صاحب الأمالي المجلسين الخامس والخمسين والسادس والخمسين للقول في الترخيم، وهو يكثر في الفصلين من ضرب الأمثلة الكثيرة ويحاول أن يقعد قواعد للترخيم في نطاق جهد مبذول ودرس مكدود، بل إن الترخيم لغلبته على ابن الشجري فإنه يبدأ به قبل المجلسين المذكورين، لقد بدأه في النصف الثاني من مجلسه الرابع والخمسين، وفيه عرف به لغة وتمثيلًا، وكان المجلس نفسه قد بدئ بدرس في حذف الياء من أم وعم٢. وابن الشجري وإن لم يتبع مذهبًا نحويًّا معينًا، فإنه يميل في أكثر أحكامه إلى آراء البصريين دون الكوفيين، فالمجلس التاسع والخمسون يعقده للحديث في "التعجب" ويرجح مذهب البصريين، كما يعقد المجلس الستين للحدث عن "نعم وبئس" ويفعل الشيء نفسه من أخذ برأي البصريين، وترجيحه على رأي الكوفيين. ولا يكاد ابن الشجري ينصرف إلى الشعر والأدب في مجالس عدة حتى يعادوه الحنين إلى اللغة والنحو والصرف، فيجعل مجالسه التاسع والستين حتى الخامس والسبعين كلها في هذا اللون من الثقافة اللغوية، ويتناول موضوعاته برشاقة، وعمق في الوقت نفسه، إنه يجعل المجلس التاسع والستين للحديث عن الظروف، وهو من خلال ذلك يدلف إلى شواهد من القرآن الكريم، فيفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ويركز على لفظ "قريب" وتعليل مجيئها في صيغة المذكر، ثم يستطرد فيفسر قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ويذكر القراءات التي جاءت في "بينكم" وهي الشاهد في الآية الكريمة، ويعالج حركتها وهي هل منصوبة أو مرفوعة، ويذكر من قرأها منصوبة وتعليله للنصب، ومن قرأها مرفوعة وتعليل الرفع٣.

стр. 239

وهكذا يظل ابن الشجري يغازل اللغة وفنونها من نحو وصرف في موضوعاتها العديدة البسيطة حينًا المعقدة أحيانًا حتى نهاية المجلس الخامس والسبعين. ومهما كان الرأي في المنهج الذي اتبعه ابن الشجري -إذ لا نكاد نلمس له منهجًا واضحًا- فإنه كان فياض العلم وافر المعرفة كثير المحفوظ واسع الاطلاع يحتفل بتلاميذه فيعد نفسه إعدادًا حسنًا قبل مجلسه الذي يلقي أثناءه أماليه. ثم هو بعد ذلك يتنفس اللغة أكثر مما يتنفس الأدب، إننا نحس به مرتاحًا منسابًا متخصصًا حين يقدم على الحديث في اللغة وعلومها، وليس الأمر كذلك حين يتناول قصيدة شعرية أو قضية أدبية.

стр. 240

الباب السابع: طبقات الشعراء الفصل الأول: طبقات ابن سلام الجمحي مدخل ... الفصل الأول: طبقات ابن سلام الجمحي: الشعر العربي في حقيقته يعتبر الشعر الوحيد بين كل فنون الشعر العالمي من حيث طول الفترة التي عاشها عيشة ممتدة موصولة الأسباب، فمنذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا لم ينقطع إنشاده وإنشاؤه يومًا واحدًا أي أن عمره يمتد إلى ستة عشر قرنًا موصولة من الزمان صادف خلالها فترات من القوة والنشاط والازدهار، كما صادف أيضًا فترات من الزمان عصبية انحط فيها مستواه وتخلخلت عرى أسباب قوته، ودوافع نشاطه ومباعث تألقه. ومهما كان الأمر فما زلنا نردد شعر امرئ القيس والنابغة وزهير باللذة نفسها التي نردد بها شعر شوقي ومطران وناجي في مصر، والزهاوي والرصافي وحافظ جميل في العراق، والأخطل الصغير والشاعر القروي في لبنان، وعمر أبي ريشة وبدوي الجبل في سورية، وأبي القاسم الشابي في تونس مارين بشعراء الأحقاب الزمنية من المبرزين الموهوبين في صدر الإسلام، وعهد بني أمية وزمان بني العباس وشعر الأندلس، وشعر العصر المملوكي إلى غير ذلك من عهود وأمكنة، شعر مفهوم للجميع لم يحدث للغته انكسار أو تغير كما حدث بين اليونانية القديمة والحديثة أو اللاتينية ومتفرعاتها، أو حتى الفارسية وتغيرها. هو إذن ظاهرة خالدة ذلك الشعر العربي الذي يوجد في طبيعته ما يحافظ عليه، ويحول بينه وبين أن يندثر على كثرة ما ضاع منه ووفرة ما أهمله الرواة وأضاعه المهملون. لم يكن الشعر يدون في أول أمره على صفحات ونعني بذلك عصوره الباكرة في الجاهلية وصدر الإسلام وبني أمية، وإنما كان يحفظ في صدور الرواة، فكان لكل شاعر روايته وأحيانًا يكون للشاعر الواحد أكثر من راوية، وكان هذا الراوية بمثابة الديوان، ولكنه ديوان متحرك من البشر يكبر ويهرم وتتعرض ذاكرته للضعف الذي يؤدي إلى النسيان،

стр. 241

والنسيان قد يؤدي بالشعر الذي في الحافظة إلى الضياع ما لم يتلقه راوية آخر. لم يكن الحال والأمر كذلك ليستمر طويلًا، وبخاصة بعد أن أخذت أسباب الرقي الفكري تعم المجتمع الإسلامي. وعرف العرب الكتابة والقراءة. فكان من الطبيعي أن تولد ظاهرة التدوين، التدوين في كل مجال في الحديث وفي الأحكام وفي الشعر أيضًا، وكان الشعراء المحدثون على عهد بني العباس يكتبون شعرهم ويجمعونه في دواوين، أما الشعر السابق على تلك الفترة فكان إعادة تدوينه مع التعريف بأصحابه ومدى تقدم الواحد منهم على أقرانه أو تخلفه عنهم، أي دراستهم على أنهم طبقات يتفاوتون جودة ورداءة، نقول كان ذلك ضرورة أملتها طبيعة التطور فبدأت الحياة الأدبية تثمر، وظهر بعض العلماء الذين تحملوا هذا العبء كل على قدر استطاعته. هذا وينبغي أن نلفت النظر بشدة إلى الدقة الكبيرة التي كان الشعر يروى بها في نطاق من أمانة الرواية واهتمام الرواة، وإذا وجدت حالات انتحال أو خطأ في الرواية فليس معنى ذلك أن المسألة كانت ظاهرة متفشية، وإنما هي حالات قليلة جرت في فترة بعينها ابتغاء كسب المال، وأما الأصل فهو الرواية الصحيحة الدقيقة ذات النهج الواضح، ولعل أمة من الأمم لم تحتفل بالرواية الصادقة، ووضع أصول لها كما فعل المسلمون عند اهتمامهم بجمع الحديث الشريف. إن الذين جمعوا الشعر لم يكونوا بعيدين كثيرًا عن الذين جمعوا الحديث ورووه، وقد وجد المدلس، والوضاع عند كل من الفريقين، فليس معنى وجود بعض المدلسين والوضاعين بين المحدثين أن حديث رسول الله لم يرو رواية صالحة، وبالتالي لا يعني وجود طبقة أو بالأحرى عدد من الوضاعين والملفقين في نطاق رواية الشعر أن الشعر المروي القديم قد فقد شيئًا من قيمته ومدى نسبته إلى أصحابه.

стр. 242

طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي: إن محمد بن سلام الجمحي، هو أول من ألف كتابًا على هذا النحو في طبقات الشعراء، ونحن لا نعرف تاريخ ولادة ابن سلام على وجه التحديد، وإذا كان كل من الخطيب البغدادي وياقوت يذكر أنه مات سنة ٢٣١ أو ٢٣٢هـ وأنه مات كبيرًا، وذكر صاحب تاريخ بغداد أن ابن سلام قدم على الحسين بن فهم سنة ٢٢٢هـ فاعتل علة شديدة فما تخلف عنه أحد، وأهدى إليه الأجلاء أطباءهم، وكان ابن ماسويه الطبيب المشهور ممن أهدى إليه، أي ممن دعوا إلى فحص علته، فلما جسه ونظر إليه قال له: ما أرى من العلة كما أرى من الجزع، فقال: والله ما ذاك لحزني على الدنيا مع اثنتين وثمانين وسنة، ولكن الإنسان في غفلة حتى يوقظ بعلة، ولو وقفت بعرفات وقفة، وزرت قبر رسول الله ﷺ زورة، وقضيت أشياء

стр. 243

في نفسي لرأيت ما اشتد علي من هذا قد سهل. فقال له ابن ماسويه: لا تجزع فقد رأيت في عرقك من الحرارة الغريزية وقوتها ما إن سلمك الله من العوارض بلغك عشر سنين أخرى١. ومن الطريف أن يوافق القدر كلام الطبيب ابن ماسويه، فيعيش ابن سلام عشر سنوات أخرى ويموت سنة ٢٣٢هـ ويكون قد عمر تبعًا لذلك اثنين وتسعين عامًا، وبحسبة بسيطة يكون ابن سلام الجمحي قد ولد سنة ١٤٠هـ، ونحن لا نعرف من اهتم بجمع الشعر والتأليف فيه من قد ولد في هذا التاريخ أو قبله. ويذكر ياقوت الحموي أن لابن سلام فضلًا عن طبقات الشعراء كتاب غريب القرآن٢. وإن مثل ابن سلام، وهو مقدم على تأليف كتاب طبقات العشراء لا بد له أن يكون متسلحًا بالرواية، رواية الشعر ورواية الحديث. وتذكر المصادر التي ترجمت له أنه كان محدثًا، وأن الشيخ الجليل الإمام ابن حنبل قد أخذ عنه، وإن كانت هناك أخبار تشكك في قدره كمحدث؛ لأنه كان يرمي بالقدر، ومن ثم فقد قيل عنه: إنما يكتب عنه الشعر وأما الحديث فلا. وإن الذي نهتم له هنا هو الشعر، فقد روى الرجل الشعر وهو أيضًا أول من ألف فيه، وهو إلى جانب ذلك أي إلى جانب كونه راوية، يذكر عنه أنه أخباري نحوي لغوي من مدرسة البصرة، ونستطيع أيضًا أن نلمح لديه سمات النقد التي تتمشى مع طبيعة مثل هذا الفن في أول نشأته. ولابن سلام رأي في الشعر وله معايير في تمييز الجيد من الرديء، والصحيح من المنحول فيقول، وكأنه أراد أن يقدم لكتابه بدراسة مختصرة عن الشعر: "وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم، والصناعات منها ما تثقفه العين ومنها ما تثقفه الأذن ومنها ما تثقفه اليد ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا يعرف جودتها بلون ولا مس ولا طراز ولا حس ولا صفة ويعرفها الناقد عند المعاينة فيعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرغها. ومنه البصر بغريب النخل والبصر بأنواع المتاع وضروبه واختلاف بلاده وتشابه لونه ومسه وذرعه، حتى يضاف كل صنف منها إلى بلده الذي خرج منه، وكذلك بصر الرقيق فتوصف الجارية، فيقال ناصعة اللون جيدة الشطب نقية الثغر حسنة العين والأنف جيدة النهود طريفة اللسان واردة الشعر، فتكون هذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار

стр. 244

وتكون أخرى بألف دينار، وأكثر لا يجد واصفها مزيدًا على هذه الصفة، قال ابن سلام وإن كثرة المدارسة تعين على العلم قال محمد. قال خلاد بن يزيد الباهلي لخلف بن حيان أبي محرز، وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله: "بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تروى؟ قال له: هل تعلم أنت منها ما إنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم، قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم منك بالشعر؟ قال: نعلم قال: فلا تنكر أن يعرفوا من ذلك ما لا يعرفه أنت، قال: ابن سلام. وقال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر واستحسنه فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال له: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته فقال لك الصراف: إنه رديء هل ينفعك استحسانك له"١. وأما الكتاب من حيث تقسيمه فهو قسمان: قسم جاهلي وقسم إسلامي، ويفهم من بعض كلام المؤلف أنهما كانا كتابين: أمي جاهلي ألفه وانتهى منه ثم ألحقه بالقسم الثاني، وهو الخاص بالشعراء الإسلاميين. والكتاب من حيث منهجه ينطبق على عنوانه كل الانطباق، فقد قسم الشعراء جميعًا من جاهليين وإسلاميين إلى طبقات متتابعة كل حسب قيمتها الغنية من وجهة نظره وتبعًا لمعاييره الخاصة التي لم يفصح عنها كل الإفصاح وإنما جعل نفسه كالخبير الذي يميز الجيد من الرديء والصيرفي الذي يميز الدينار الصحيح من الدينار المزيف. لقد قسم ابن سلام الشعراء الجاهليين إلى عشر طبقات، جعل امرأ القيس والنابغة الذبياني وزهيرًا والأعشى في الطبقة الأولى وحدهم دون غيرهم، ولعل ذلك يفسر لنا القضية النقدية المبكرة التي تجيب على سؤال عن أفضل الشعراء الجاهليين، فكانت الإجابة: امرؤ القيس إذا ركب، وزهيرًا إذا رغب، والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب. وفي الطبقة الثانية من الشعراء الجاهليين يضع ابن سلام الحطيئة وكعب بن زهير، ولسنا ندري إلى أي جانب من الصواب هو محق في حكمه، فإنه لكل من الشاعرين صفة أخرى غير الجاهلية، فلقد شهد كلامهما الإسلام واعتنقه، ومن ثم فإنهما يعتبران شاعرين مخضرمين، وهي التسمية الصحيحة علمًا أن لكل منهما شعرًا كثيرًا في الإسلام وبخاصة الحطيئة رغم رقة دينه وارتداده بعد وفاة الرسول. ولكنه ما لبث أن آمن أو تظاهر بالإيمان وعاش إلى ما بعد عهد عمر بن الخطاب. وفي الطبقة الثالثة يضع النابغة الجعدي وأبا ذؤيب الهذلي والشماخ بن ضرار، ولبيد بن ربيعة، وأربعتهم شعراء فحول ولكن اعتراضنا على أن نسبتهم إلى الجاهلية لا تزال قائمة،

стр. 245

فكلهم أسلموا وعاشوا في الإسلام طويلًا، بل إن منهم من عاش في الإسلام خمسين سنة مثل النابغة الجعدي الذي هجر الخمر، والأوثان قبل الإسلام، ثم أسلم وأدرك صفين مع علي بن أبي طالب، ومنهم من حضر الفتوحات وأبلى فيها بلاء حسنًا، وهو أبو ذؤيب الهذلي واسمه خويلد بن خالد بن محرث ومات سنة ٢٧هـ بعد أن شهد فتح إفريقية، والشماخ بن ضرار من كبار الشعراء المخضرمين وألمعهم، وقد بايعه الحطيئة قبل أن يموت، وقال وهو يحتضر: أبلغوا الشماخ عني أنه أشعر غطفان، وأما لبيد فإنه رغم إسلامه وأنه عمر بعد الإسلام طويلًا فإنه احترامًا لتدينه أقلع عن قول الشعر منذ أن أسلم، ولم يقل غير بيت واحد هو: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلح الجليس الصالح وكان كريمًا جوادًا وهو صاحب المعلقة المشهورة: عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها وقد يكون ابن سلام على حق في نسبته لبيدًا إلى الشعراء الجاهليين فشعره كله جاهلي أما شخصيته فإسلامية أو بالأحرى مخضرمة. ويمضي ابن سلام على رسله في هذا التصنيف الذي تفرد به فيجعل طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة -وهم من الشعراء في الذروة- من الطبقة الرابعة. ويضع عمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد والحارث بن حلزة في الطبقة السادسة ولا يذكر سببًا لتأخير هؤلاء الثلاثة المبرزين وزحزحتهم إلى هذا السفح البعيد كثيرًا عن القمة. وبين شعراء الطبقة التاسعة يضع ابن الجمحي سحيمًا عبد بني الحسحاس وكان ذلك مثارًا لتساؤلنا عن السبب الذي جعل الجمحي يضع سحيمًا في موكب الشعراء الجاهليين مع أنه ولد في أوائل عصر النبوة ورآه الرسول، ويقال إنه أعجب بشعره وكان عبدًا حبشيًّا يجيد الشعر ولا يجيد النطق، وكان كلما أعجب ببيت شعر له قال: أحسنك والله أي أحسنت والله، ولقد قتله سادته بنو الحسحاس سنة ٤٠هـ؛ لأنه كان يشبب بنسائهم، وقد قص ابن سلام بنفسه بعض الأبيات التي أنشدها لعمر بن الخطاب، وهي أبيات جيدة رغم خبث غرضها، وكان عبد الله بن أبي ربيعة قد اشتراه وكتب بذلك إلى عثمان بن عفان وذكر له أنه -أي العبد- شاعر، فكان رد عثمان عليه أن أردده فلا حاجة بنا إليه فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه أنه إذا شبع أن يشبب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم١، ويذكر ابن سلام قول

стр. 246

عثمان ولكن بألفاظ أخرى وهي قوله: لا حاجة لي به إن الشاعر لا حريم له١. إن تساؤلنا لا يزال قائمًا إزاء نسبة شاعر إسلامي إلى الجاهلية، وعلى النهج نفسه يجعل ابن سلام الكميت بن معروف الأسدي، وهو غير الكميت بن زيد من الطبقة العاشرة من الشعراء الجاهليين مع أن الشاعر عاش أكثر حياته في الإسلام، فلقد مات سنة ٦٠هـ ويسميه الكميت الأوسط تمييزًا له عن جده الكميت بن ثعلبة والكميت بن زيد الشاعر المتشيع المعروف المتوفى سنة ١٢٦. وابن سلام يقول عنه أي عن الكميت الأوسط: إنه أشعرهم قريحة. وهكذا ينهي ابن سلام تقديم الطبقات العشر من الشعراء الجاهليين وقد جهلنا كل الجهل الأساس الذي عليه رتبهم طبقات والأسباب التي من أجلها جعل المخضرمين والإسلاميين جاهليين. وفي القسم الأول نفسه من الكتاب أي القسم الخاص بالجاهليين يفرد ابن سلام بابًا لأصحاب المراثي من الشعراء ويجعلهم "طبقة بعد العشر طبقات" وهو باب قصير لم يشغل من كتابه أكثر من أربع صفحات ولم يشمل أكثر من ثلاثة شعراء وشاعرة. فأما الشعراء الثلاثة فمنهم جاهليان هما أعشى باهلة "عامر بن الحارث" وكعب بن سعد الغنوي، وأما الثالث فهو متمم بن نويرة الشاعر الفارس المخضرم، وأما الشاعرة فهي الخنساء "تماضر بنت عمرو بن الحارث" وهي مخضرمة صحبت أولادها الأربعة إلى موقعة القادسية ودفعت بهم إلى خضمها فخاضوها ببسالة وهم يرتجزون واستشهد أربعتهم، فلما بلغها خبر استشهادهم، قالت: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. ويفرد ابن سلام بابًا ثالثًا في القسم الأول من كتابه تحت عنوان شعراء القرى العربية، وهي المدينة، ومكة، والطائف، واليمامة، والبحرين، ويقول: وأشهرهن قرية المدينة أي شعراء المدينة، ويعدد من شعرائها حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وقيس بن الخطيم وأبا قيس بن الأسلت، ثم يقدم حسانًا عليهم جميعًا. ويعدد بعد ذلك شعراء مكة ويذكر منهم عبد الله بن الزبعري الذي حارب الدعوة الإسلامية وهجا المسلمين وألب عليهم العرب، كما يذكر منهم مسافر بن أبي عمرو وآخرين، ومن الطائف يعدد أربعة من بينهم أمية بن أبي الصلت الذي كان متحنفًا قبل الإسلام فلما جاءت الدعوة الإسلامية امتنع عن الإسلام، ويقول عنه ابن سلام إنه أشعرهم

стр. 247

أي أشعر أهل الطائف. ومن شعراء البحرين يعدد ثلاثة بينهم المثقب العبدي المتوفى سنة ٣٥ قبل الهجرة واسمه العائذ بن محصن بن ثعلبة، وقد مدح النعمان بن المنذر وعمرو بن هند. فإذا ما أراد الحديث عن شعراء اليمامة قال: "ولا أعرف باليمامة شاعرًا مشهورًا". هذا وقد أفرد ابن سلام قسمًا للشعراء اليهود ووصف شعر بعضهم بالجودة، وعدد منهم السموأل بن عادياء، والربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وهذان الأخيران ممن خاضوا معارك الشعر والحرب ضد المسلمين. وأما القسم الثاني من كتاب طبقات ابن سلام فقد خصصه للشعراء الإسلاميين ويعني بذلك الشعراء الذين عاشوا في عصر بني أمية ويقسمهم إلى طبقات عشر أيضًا يعمد في بعضها إلى النصفة والاعتدال حين يجعل جريرًا والفرزدق والراعي، والأخطل في الطبقة الأولى ويكثر من ذكر الاستشهاد بشعرهم وبخاصة في النقائض، وحين يجعل البعيث والقطامي وكثيرًا وذا الرمة في الطبقة الثانية. ولكنه يجحف كل الإجحاف حين يجعل جميل بن معمر، والأحوص في الطبقة السادسة، وحين يجعل عدي بن الرقاع وزيادًا الأعجم في الطبقة السابعة، ويشتط في الإجحاف حين يضع كبار الرجاز من أمثال أبي النجم العجلي، والعجاج وولده رؤبة في الطبقة التاسعة، وليس لدينا من تفسير لذلك إلا أن ابن سلام كان يكره الغزل ويحط من قدر الرجز. هذا وقد أهمل ابن سلام ذكر عمر بن أبي ربيعة على سمو قدره في الشعر وصدارته بين شعراء العرب، كما أنه جرد قريشًا من صفة الشعر مع أنها قد أنجبت خمسة من الشعراء العظام هم عمر والحارث المخزومي والعرجي وأبو دهبل وعبيد الله بن قيس الرقيات. لا بد أن ذلك الأمر قد غاب عن ذاكرة ابن سلام، وإذا كان ذلك كذلك فلا شك أنه قرأ آراء كل من جرير والفرزدق وهما يشكلان ذروة الشعر الإسلامي في نظره، حين قال الأول في شعر عمر لما سمع رائيته: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر، وحين قال الثاني أي الفرزدق لما سمعها أيضًا: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار ووقع عليه هذا. لقد أهمل ابن سلام شأن شاعرين آخرين عظيمين هما الطرماح بن حكيم شاعر الخوارج، والكميت بن زيد الأسدي صاحب الهاشميات الرائعة وشاعر آل البيت. ومهما كان الأمر، فهذه صورة الكتاب الأول الذي اهتم بالشعر والشعراء ولئن خانه

стр. 248

التوفيق في الإنصاف في ترتيب الشعراء فإن شفيعه للقارئين أنه قدم لنا المحاولة الأولى في التأليف المتخصص في موضوعات الشعر والشعراء.

стр. 249

الفصل الثاني: الشعر والشعراء لابن قتيبة: مر بنا قبل قليل تعريف بابن قتيبة العالم الواسع المعرفة المسهم في كل علم بطرف وافٍ ونصيب موفور، غير أننا هنا نعرض لابن قتيبة الأديب الناقد الدارس المهتم بشعر العرب والتأليف فيه، والتعريف بالشعراء الذين سبقوه أو عاشوا قريبًا من عصره. نذكر ونحن نكتب عن ابن قتيبة أننا قلنا إنه كان من أهل السنة يحتل المكانة التي يمثلها الجاحظ عند المعتزلة، والواقع أنهما كانا فرسي رهان، وإن كانت صفة الأديب المرح تغلب على الجاحظ، وصفة العالم الوقور تغلب على ابن قتيبة، وإذا كان ابن قتيبة قد ألف في الشعر والشعراء فإن الجاحظ بدوره قد أسهم في هذا الموضوع، ولكن يبدو أن إسهامه كان في شيء من الأنانية؛ لأنه ألف كتابًا أو بالأحرى رسالة عن الذين اسمهم "عمرو" من الشعراء، وكأنما تعمد أن يختار من اسمهم عمرو هؤلاء؛ لأن اسمه -أي الجاحظ- عمرو، ولعل تفسيرنا هذا أقرب إلى المنطق طالما أن الرسالة أو الكتاب قد فقدت. أما ابن قتيبة فقد قدم للشعر العربي والمهتمين به خدمات جليلة بكتابه الشعر والشعراء الذي نال تقديرًا وذيوعًا بين أمثاله من كتب الطبقات. على أن الأمر الجدير بالذكر أن ابن قتيبة لم يسهم في موضوع خدمة الشعر بهذا الكتاب وحده، وإنما ذكرت له تآليف أخرى في الشعر، وهي من جلال القدر وسمو التأليف بمكان حسبما يبدو من وصف المؤرخين لها، ومن تبويبها والأشعار التي بقيت منها وظلت مخطوطة لم تنشر حتى الآن. فمن هذه الكتب التي ألفها ابن قتيبة خدمة لشعر هذه الأمة "كتاب معاني الشعر الكبير" ويحتوي على اثني عشر كتابًا حسب التقسيم الذي اختطه ابن قتيبة لأقسام كتبه، أي أنه يضم اثني عشر بابًا أو قسمًا أو فصلًا، وهذه الأقسام التي ضمها كتاب معاني الشعر الكبير هي

стр. 250

كتاب الفرس، وكتاب الإبل، وكتاب الحرب، وكتاب الديار، وكتاب الرياح، وكتاب السباع والوحوش، وكتاب الهوام، وكتاب الأيمان والدواهي، وكتاب النساء والغزل، وكتاب النسب واللين، وكتاب تصحيف العلماء. إننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكتاب قد تضمن الشعر الذي قالته العرب في كل موضوع من الموضوعات السابقة، ولا بد أنه عمل من الطرافة والجهد والفائدة بمكان. ومن كتب ابن قتيبة في الشعر كتابه عيون الشعر، وهو أيضًا فيما يصفه من رآه يشمل عدة كتب أو أقسام هي: كتاب المراثي، كتاب القلائد، كتاب المحاسن، كتاب المشاهدة، كتاب الجواهر، كتاب المراكب. وهذه العناوين كلها طريفة لافتة للخواطر، وما دمنا نعرف قيمة ابن قتيبة العلمية والأدبية فإننا نستطيع أن نتصور كم هو طريف ذلك الكتاب الذي أطلق عليه كتاب "عيون الشعر" وهو فيما يبدو على نسق كتابه عيون الأخبار، والذي يقرأ كتاب "أدب الكاتب" الذي قدمنا دراسة مبسطة عنه قبل قليل، وكتاب "عيون الأخبار" ويقف على ما فيهما من ثروة شعرية نفيسة هائلة يستطيع أن يتخيل كم هو قيم نفيس كتاب عيون الشعر هذا الذي نحن بصدده. ويذكر بروكلمان لابن قتيبة كتابًا باسم "كتاب أبيات المعاني"١ ويقول: إنه غير كتاب عيون الشعر -ونحن نوافقه على ذلك- ولكننا نرجح أن هذا الكتاب هو نفسه "كتاب معاني الشعر الكبير"؛ لأن بروكلمان يذكر أن القسم الأول من هذا الكتاب -كتاب أبيات المعاني- مخطوط في أيا صوفيا، وهو أبيات المعاني في الخيل، ولما كان الكتاب الأول أو بالأحرى الفصل الأول من كتاب معاني الشعر الكبير هو "كتاب الفردوس" فقد تكون هذه قرينة عن أن الكتابين كتاب واحد وإنما أورده الرواة بعنوانين متقاربين. لننتقل بعد ذلك من الكتب غير المطروقة هذه إلى الكتاب الذي بين أيدينا، وهو كتاب الشعر والشعراء الذي يطلق عليه أحيانًا اسم طبقات الشعراء تمثلًا بكتاب ابن سلام؛ ولأنه يقدمهم على نظام الطبقات، كما أنه يسمى أحيانًا ديوان الشعراء. وابن قتيبة يقدم في كتابه "الشعر والشعراء" مائتين واثنين من الشعراء مرتبين ترتيبًا زمنيًّا، فهو يبدأ بامرئ القيس وينتهي بعلي بن جبلة المعروف بالمكوك المتوفى سنة ٢١٣هـ. وعلى عادة العلماء الكبار يقدم ابن قتيبة منهجًا لكتابه في المقدمة التي كتبها له، فيقول إنه كتب عن الشعراء المشهورين الذين يعرفهم جل أهل الأدب والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، ويقول: إنه أخبر فيه عن أزمانهم وأقدارهم وأحوالهم في أشعارهم،
следующие страницы →