← Указатели

Указатели · id 7248

مناهج التأليف عند العلماء العرب

مصطفى الشكعة

Полный текст (502 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عثمان ولكن بألفاظ أخرى وهي قوله: لا حاجة لي به إن الشاعر لا حريم له١. إن تساؤلنا لا يزال قائمًا إزاء نسبة شاعر إسلامي إلى الجاهلية، وعلى النهج نفسه يجعل ابن سلام الكميت بن معروف الأسدي، وهو غير الكميت بن زيد من الطبقة العاشرة من الشعراء الجاهليين مع أن الشاعر عاش أكثر حياته في الإسلام، فلقد مات سنة ٦٠هـ ويسميه الكميت الأوسط تمييزًا له عن جده الكميت بن ثعلبة والكميت بن زيد الشاعر المتشيع المعروف المتوفى سنة ١٢٦. وابن سلام يقول عنه أي عن الكميت الأوسط: إنه أشعرهم قريحة. وهكذا ينهي ابن سلام تقديم الطبقات العشر من الشعراء الجاهليين وقد جهلنا كل الجهل الأساس الذي عليه رتبهم طبقات والأسباب التي من أجلها جعل المخضرمين والإسلاميين جاهليين. وفي القسم الأول نفسه من الكتاب أي القسم الخاص بالجاهليين يفرد ابن سلام بابًا لأصحاب المراثي من الشعراء ويجعلهم "طبقة بعد العشر طبقات" وهو باب قصير لم يشغل من كتابه أكثر من أربع صفحات ولم يشمل أكثر من ثلاثة شعراء وشاعرة. فأما الشعراء الثلاثة فمنهم جاهليان هما أعشى باهلة "عامر بن الحارث" وكعب بن سعد الغنوي، وأما الثالث فهو متمم بن نويرة الشاعر الفارس المخضرم، وأما الشاعرة فهي الخنساء "تماضر بنت عمرو بن الحارث" وهي مخضرمة صحبت أولادها الأربعة إلى موقعة القادسية ودفعت بهم إلى خضمها فخاضوها ببسالة وهم يرتجزون واستشهد أربعتهم، فلما بلغها خبر استشهادهم، قالت: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. ويفرد ابن سلام بابًا ثالثًا في القسم الأول من كتابه تحت عنوان شعراء القرى العربية، وهي المدينة، ومكة، والطائف، واليمامة، والبحرين، ويقول: وأشهرهن قرية المدينة أي شعراء المدينة، ويعدد من شعرائها حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وقيس بن الخطيم وأبا قيس بن الأسلت، ثم يقدم حسانًا عليهم جميعًا. ويعدد بعد ذلك شعراء مكة ويذكر منهم عبد الله بن الزبعري الذي حارب الدعوة الإسلامية وهجا المسلمين وألب عليهم العرب، كما يذكر منهم مسافر بن أبي عمرو وآخرين، ومن الطائف يعدد أربعة من بينهم أمية بن أبي الصلت الذي كان متحنفًا قبل الإسلام فلما جاءت الدعوة الإسلامية امتنع عن الإسلام، ويقول عنه ابن سلام إنه أشعرهم

стр. 247

أي أشعر أهل الطائف. ومن شعراء البحرين يعدد ثلاثة بينهم المثقب العبدي المتوفى سنة ٣٥ قبل الهجرة واسمه العائذ بن محصن بن ثعلبة، وقد مدح النعمان بن المنذر وعمرو بن هند. فإذا ما أراد الحديث عن شعراء اليمامة قال: "ولا أعرف باليمامة شاعرًا مشهورًا". هذا وقد أفرد ابن سلام قسمًا للشعراء اليهود ووصف شعر بعضهم بالجودة، وعدد منهم السموأل بن عادياء، والربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وهذان الأخيران ممن خاضوا معارك الشعر والحرب ضد المسلمين. وأما القسم الثاني من كتاب طبقات ابن سلام فقد خصصه للشعراء الإسلاميين ويعني بذلك الشعراء الذين عاشوا في عصر بني أمية ويقسمهم إلى طبقات عشر أيضًا يعمد في بعضها إلى النصفة والاعتدال حين يجعل جريرًا والفرزدق والراعي، والأخطل في الطبقة الأولى ويكثر من ذكر الاستشهاد بشعرهم وبخاصة في النقائض، وحين يجعل البعيث والقطامي وكثيرًا وذا الرمة في الطبقة الثانية. ولكنه يجحف كل الإجحاف حين يجعل جميل بن معمر، والأحوص في الطبقة السادسة، وحين يجعل عدي بن الرقاع وزيادًا الأعجم في الطبقة السابعة، ويشتط في الإجحاف حين يضع كبار الرجاز من أمثال أبي النجم العجلي، والعجاج وولده رؤبة في الطبقة التاسعة، وليس لدينا من تفسير لذلك إلا أن ابن سلام كان يكره الغزل ويحط من قدر الرجز. هذا وقد أهمل ابن سلام ذكر عمر بن أبي ربيعة على سمو قدره في الشعر وصدارته بين شعراء العرب، كما أنه جرد قريشًا من صفة الشعر مع أنها قد أنجبت خمسة من الشعراء العظام هم عمر والحارث المخزومي والعرجي وأبو دهبل وعبيد الله بن قيس الرقيات. لا بد أن ذلك الأمر قد غاب عن ذاكرة ابن سلام، وإذا كان ذلك كذلك فلا شك أنه قرأ آراء كل من جرير والفرزدق وهما يشكلان ذروة الشعر الإسلامي في نظره، حين قال الأول في شعر عمر لما سمع رائيته: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر، وحين قال الثاني أي الفرزدق لما سمعها أيضًا: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار ووقع عليه هذا. لقد أهمل ابن سلام شأن شاعرين آخرين عظيمين هما الطرماح بن حكيم شاعر الخوارج، والكميت بن زيد الأسدي صاحب الهاشميات الرائعة وشاعر آل البيت. ومهما كان الأمر، فهذه صورة الكتاب الأول الذي اهتم بالشعر والشعراء ولئن خانه

стр. 248

التوفيق في الإنصاف في ترتيب الشعراء فإن شفيعه للقارئين أنه قدم لنا المحاولة الأولى في التأليف المتخصص في موضوعات الشعر والشعراء.

стр. 249

الفصل الثاني: الشعر والشعراء لابن قتيبة: مر بنا قبل قليل تعريف بابن قتيبة العالم الواسع المعرفة المسهم في كل علم بطرف وافٍ ونصيب موفور، غير أننا هنا نعرض لابن قتيبة الأديب الناقد الدارس المهتم بشعر العرب والتأليف فيه، والتعريف بالشعراء الذين سبقوه أو عاشوا قريبًا من عصره. نذكر ونحن نكتب عن ابن قتيبة أننا قلنا إنه كان من أهل السنة يحتل المكانة التي يمثلها الجاحظ عند المعتزلة، والواقع أنهما كانا فرسي رهان، وإن كانت صفة الأديب المرح تغلب على الجاحظ، وصفة العالم الوقور تغلب على ابن قتيبة، وإذا كان ابن قتيبة قد ألف في الشعر والشعراء فإن الجاحظ بدوره قد أسهم في هذا الموضوع، ولكن يبدو أن إسهامه كان في شيء من الأنانية؛ لأنه ألف كتابًا أو بالأحرى رسالة عن الذين اسمهم "عمرو" من الشعراء، وكأنما تعمد أن يختار من اسمهم عمرو هؤلاء؛ لأن اسمه -أي الجاحظ- عمرو، ولعل تفسيرنا هذا أقرب إلى المنطق طالما أن الرسالة أو الكتاب قد فقدت. أما ابن قتيبة فقد قدم للشعر العربي والمهتمين به خدمات جليلة بكتابه الشعر والشعراء الذي نال تقديرًا وذيوعًا بين أمثاله من كتب الطبقات. على أن الأمر الجدير بالذكر أن ابن قتيبة لم يسهم في موضوع خدمة الشعر بهذا الكتاب وحده، وإنما ذكرت له تآليف أخرى في الشعر، وهي من جلال القدر وسمو التأليف بمكان حسبما يبدو من وصف المؤرخين لها، ومن تبويبها والأشعار التي بقيت منها وظلت مخطوطة لم تنشر حتى الآن. فمن هذه الكتب التي ألفها ابن قتيبة خدمة لشعر هذه الأمة "كتاب معاني الشعر الكبير" ويحتوي على اثني عشر كتابًا حسب التقسيم الذي اختطه ابن قتيبة لأقسام كتبه، أي أنه يضم اثني عشر بابًا أو قسمًا أو فصلًا، وهذه الأقسام التي ضمها كتاب معاني الشعر الكبير هي

стр. 250

كتاب الفرس، وكتاب الإبل، وكتاب الحرب، وكتاب الديار، وكتاب الرياح، وكتاب السباع والوحوش، وكتاب الهوام، وكتاب الأيمان والدواهي، وكتاب النساء والغزل، وكتاب النسب واللين، وكتاب تصحيف العلماء. إننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكتاب قد تضمن الشعر الذي قالته العرب في كل موضوع من الموضوعات السابقة، ولا بد أنه عمل من الطرافة والجهد والفائدة بمكان. ومن كتب ابن قتيبة في الشعر كتابه عيون الشعر، وهو أيضًا فيما يصفه من رآه يشمل عدة كتب أو أقسام هي: كتاب المراثي، كتاب القلائد، كتاب المحاسن، كتاب المشاهدة، كتاب الجواهر، كتاب المراكب. وهذه العناوين كلها طريفة لافتة للخواطر، وما دمنا نعرف قيمة ابن قتيبة العلمية والأدبية فإننا نستطيع أن نتصور كم هو طريف ذلك الكتاب الذي أطلق عليه كتاب "عيون الشعر" وهو فيما يبدو على نسق كتابه عيون الأخبار، والذي يقرأ كتاب "أدب الكاتب" الذي قدمنا دراسة مبسطة عنه قبل قليل، وكتاب "عيون الأخبار" ويقف على ما فيهما من ثروة شعرية نفيسة هائلة يستطيع أن يتخيل كم هو قيم نفيس كتاب عيون الشعر هذا الذي نحن بصدده. ويذكر بروكلمان لابن قتيبة كتابًا باسم "كتاب أبيات المعاني"١ ويقول: إنه غير كتاب عيون الشعر -ونحن نوافقه على ذلك- ولكننا نرجح أن هذا الكتاب هو نفسه "كتاب معاني الشعر الكبير"؛ لأن بروكلمان يذكر أن القسم الأول من هذا الكتاب -كتاب أبيات المعاني- مخطوط في أيا صوفيا، وهو أبيات المعاني في الخيل، ولما كان الكتاب الأول أو بالأحرى الفصل الأول من كتاب معاني الشعر الكبير هو "كتاب الفردوس" فقد تكون هذه قرينة عن أن الكتابين كتاب واحد وإنما أورده الرواة بعنوانين متقاربين. لننتقل بعد ذلك من الكتب غير المطروقة هذه إلى الكتاب الذي بين أيدينا، وهو كتاب الشعر والشعراء الذي يطلق عليه أحيانًا اسم طبقات الشعراء تمثلًا بكتاب ابن سلام؛ ولأنه يقدمهم على نظام الطبقات، كما أنه يسمى أحيانًا ديوان الشعراء. وابن قتيبة يقدم في كتابه "الشعر والشعراء" مائتين واثنين من الشعراء مرتبين ترتيبًا زمنيًّا، فهو يبدأ بامرئ القيس وينتهي بعلي بن جبلة المعروف بالمكوك المتوفى سنة ٢١٣هـ. وعلى عادة العلماء الكبار يقدم ابن قتيبة منهجًا لكتابه في المقدمة التي كتبها له، فيقول إنه كتب عن الشعراء المشهورين الذين يعرفهم جل أهل الأدب والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، ويقول: إنه أخبر فيه عن أزمانهم وأقدارهم وأحوالهم في أشعارهم،

стр. 251

وقبائلهم وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم وعما يستحسن من أخبارهم ويستجاد من أشعارهم. كما يسجل ابن قتيبة على شعرائه ما أخذ عليهم من الغلط والخطأ في ألفاظهم ومعانيهم، ويذكر ما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون، كل ذلك يذكره ابن قتيبة مضافًا إليه أقسام الشعر وطبقاته. وابن قتيبة متواضع تواضع العلماء صريح غير متعالٍ ولا مدَّعٍ، فهو يقول إنه ترك غير المشهورين الذين لا يعرفهم إلا الخواص إذ إنه لا يعرف منهم إلا القليل، وحتى هؤلاء لا يعرف عنهم إلا القليل من الأخبار، وهو لذلك يقول إنه لا حاجة بالقارئ إلى أن يسمي له أسماء يستطيع أن يدل عليها بخبر أو زمان أو نسب أو نادرة، أو بيت يستجاد أو يستغرب. ويمضي ابن قتيبة في تواضع العلماء، قائلًا: "إن الشعراء المعروفين بالشعر عند قبائلهم في الجاهلية والإسلام أكثر من أن يحيط بهم محيط أو يقف وراء عددهم واقف ولو أنفد عمره في التنقيب عنهم واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال، ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من ملك القبيلة شاعر إلا عرفه ولا قصيدة إلا رواها"١. ويدلل ابن قتيبة على وفرة عدد الشعراء عند العرب، وكثرتهم بحيث يستحيل الإلمام بهم بقصة الفتيان الذين جاءوا إلى أبي ضمضم بعد العشاء، فقال لهم: "ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدث، قال: كذبتم، ولكن قلتم كبر الشيخ فنتلعبه عسى أن نأخذ عليه سقطة، فأنشدهم لمائة شاعر -وقيل لثمانين شاعرًا- كلهم اسمه عمرو. ويمضي ابن قتيبة معلقًا: فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس -أي بأكثرهم رواية للشعر وحفظًا له- وما أقرب من لا يعرفه من المسلمين بهذا الاسم أكثر ممن عرفه". ويمضي ابن قتيبة في التعريف بكتابه ومنهجه فيذكر أنه لم يذكر في كتابه إلا الشعراء الذين عرفوا بكونهم شعراء بحيث غلب عليهم الشعر دون غيره من فنون القول كما أنه يزن الشعراء بميزان سليم هو جودة شعر الشاعر، لا يشفع له أنه متقدم، ولا ينال من قدرته أنه متأخر، وهو في ذلك يخالف من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، أو من لا يأبه بالشعر الرصين ويحفل به؛ لأنه قيل في زمانه، ويعلل نظرته هذه بأن الله لم يقصر العلم والشعر والبلاغة على زمن دون غيره ولا خص قومًا دون قوم "بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره. فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدون محدثين، وكان أبو عمر بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن - أي

стр. 252

المحدث من الشعر- حتى هممت بروايته"١. وابن قتيبة لا يذكر الشاعر جزافًا ولا يثبت القصائد أو المقطوعات خبط عشواء وإنما هو يضع لنفسه مبدأ فيما يختار ويقدم من شعر فهو يذكر من رفعه الله بالمديح، ومن رفعه بالهجاء ويحدث عما أودعته العلوم من الأخبار النافعة والأنساب الصحاح، والحكم المساوية لحكم الفلاسفة، "والعلوم في الخيل، والنجوم وأنواعها والاهتداء بها، والرياح وما كان ميسرًا أو جلا، والبروق وما كان منها خلبًا أو صادقًا، والسحاب وما كان منها جهامًا أو ماطرًا وعما يبعث منه البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والداني على السمو". نحن إذن أمام عالم جليل في التخطيط لما يكتب قبل أن يبتدئ، ووضع المنهج لنفسه قبل أن يندفع في سكب الحبر على صفحات الكتاب، إنه يكتب بترتيب ويؤلف بتنسيق شأنه في ذلك شأن أي عالم محدث أو مؤلف حاذق. ولكن الأمر لا يقف بابن قتيبة عند حد تخطيط الفكرة وتنسيق المنهج، إنه يعرف حق المعرفة أنه لا ينبغي للمؤلف أن يطرق موضوعًا لا يكون له فيه مشاركة فعالة ودراية مفيدة، وخبرة هادية، ولما لم يكن من الضرورة بمكان لمن يتصدى لدراسة الشعر ونقده أن يكون شاعرًا فقد اقتضت الضرورة أن يكون على علم بأصول النقد وصاحب دربة بأوجه الجيد وأسباب الرديء وطبيعة الحسن ومخبر الرديء، ولذلك فإن ابن قتيبة يقدم دراسة جيدة بمقياس الجودة على زمانه في نقد الشعر، كل ذلك في مستهل كتابه، ويذكر أنه تدبر الشعر فوجده أربعة أضرب: ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه وضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، وضرب منه تأخر معناه وتأخر لفظه. ويضرب ابن قتيبة لكل ضرب من ضروب الشعر هذه التي ذكرها مثالًا بل أمثلة. ونحن إن قبلنا هذا التقسيم من ابن قتيبة فقد لا نتفق معه كثيرًا في الأمثلة التي ضربها تأييدًا لوجهة نظره، فهو -على سبيل المثال- حين يذكر الشعر الذي حسن لفظه فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى يتمثل بقول جرير: ولما قضينا من منًى كل حاجةٍ ... ومسح بالأركان من هو ماسح

стр. 253

وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولا ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الحديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح المؤسف حقًّا ألا يتنبه ابن قتيبة، وهو من هو علمًا وأدبًا ولماحية إلى ما في هذه الأبيات من رونق اللفظ وعمق المعاني، الأمر الذي جعل طائفة من المتأدبين المعاصرين تسير في دربه وتتخذ من هذا الحكم المجانب للصواب قضية تطلقها على هذه الأبيات دونما تبصر أو تعمق أو مراجعة. إن جريرًا يريد أن يقول إنه بعد انتهاء أداء الفريضة، وإعداد الرحال والانطلاق في الطريق إلى العودة إلى الأوطان كان الحديث هو الوسيلة لقطع وقت المسافر الذي يشعر بالملل والسأم في الوقت الذي أخذت فيه المطي تنهب الأباطح نهبًا فجعل الصورة مقلوبة أي جعل الأباطح تسيل تحت أعناق المطايا. إنها صورة رائعة المعنى قبل أن تكون عذبة اللفظ حلوة الصياغة. وابن قتيبة حين يذكر ضرب الشعر الذي جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه ويريد أن يتمثل لذلك يخطئه التوفيق كل الخطأ، إنه يتمثل بالبيت الوحيد الذي قاله لبيد في الإسلام؛ لأن لبيدًا كان كما تعرف في المرتبة العليا بين شعراء الجاهلية، فلما أسلم ترك الشعر وتنسك ولم يؤثر عنه أنه قال شعرًا في الإسلام غير هذا البيت الذي استشهد به ابن قتيبة على الشعر الذي جاد معناه وقصر لفظه، والبيت هو: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح إن البيت في واقعه متكامل الإنشاء والبنيان معنًى ولفظًا. إن ملاحظاتنا هذه على كل حال لا تنال من قدر ابن قتيبة الناقد ذي البصيرة الثاقبة في تقديم الشعر وتحليل القصيد، إنه يعرض لشعر المديح الذي جرت العادة أن يستفتح بالوقوف على الأطلال والدمن والبكاء، والشكوى، واستيقاف الرفيق، والتشبيب والرحلة إلى الممدوح فيقدم عنه دراسة موجزة ولكنها تنم عن ملكة ناقدة وخبرة عميقة وبصر بعيد وعلم بتقويم الشعر ومعاييره في نطاق الحدود النقدية على زمانه، ولنتركه يقدم هذه الدراسة الممتعة القصيرة بقلمه فيقول١: "وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها

стр. 254

بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد* في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر، عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليمل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسب، وضاربًا فيه بسهم، حلال أو حرام، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسرى الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة"**" التأميل وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشياء، وصغر في قدره الجزيل. فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع بالنفوس ظمأ إلى المزيد. فقد كان بعض الرجاز أتى نصر بن سيار والى خراسان لبني أمية١، فمدحه بقصيدة، تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات، فقال نصر: والله ما بقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفًا إلا وقد شغلته عن مديحي بتشبيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فأتاه فأنشده: هل تعرف الدار لأم الغمر ... دع ذا وحبر مدحة في نصر فقال: ولا هذا ولكن بين الأمرين. على أن ابن قتيبة يركز دراسته النقدية للشعر، ويتبعها للمنهج الذي وضعه لكتابه وجعله مقدمة واستهلالًا، وتظل الروح النقدية تتقلص رويدًا حتى تنعدم في متن الكتاب اللهم إلا في حالة رد معنى إلى شاعر سابق أو سحبه على شاعر لاحق. هذا وابن قتيبة يغفل في كتابه هذا عن تاريخ ولادة الشعراء وسنوات وفاتهم غفلة تامة.

стр. 255

بل إن هذه العدوى قد انتقلت منه إلى محقق الكتاب حينما كان يذكر ترجمة للشاعر موضوع الرواية في هامش الكتاب المطبوع، فيعرف بالشاعر ويكسل عن البحث عن سنة وفاته إلا إذا جاءته دون جهد مبذول. ومهما كان الأمر فكتاب الشعر والشعراء من الكتب التي لا يستغني عنها دارس أو باحث أو أستاذ في مجال الدراسات الأدبية.

стр. 256

الفصل الثالث: طبقات الشعراء لابن المعتز: إن هذا الكتاب سِفر نفيس لمؤلف يختلف عن بقية المؤلفين والأدباء؛ لأن مؤلف الكتاب شاعر مبدع وكاتب كبير، وهو إلى ذلك عالم جليل وناقد ذواقة، وهو بعد ذلك وقبله ملك سليل ملوك، إنه عبد الله بن الخليفة المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن أبي جعفر المنصور. إنه ينحدر من أصلاب ستة ملوك جلسوا على أشهر عروش الدنيا، وهو عرش بني العباس. ولكن كلا من عبد الله وأبيه كان سيء الحظ؛ لأن عبد الله تولى الخلافة ليوم واحد ثم قتل، وأبوه تولاها لفترة أربعين يومًا وقتل، بل إن جده المتوكل مات قتيلًا هو الآخر، إنه ثلاثي ملكي بائس منحوس، ولكن عبد الله إذا كان منحوسًا في دنيا السياسة وعلى دست العروش فقد كان سعيدًا مسعدًا في دنيا الأدب، ومحافل المعرفة وميادين الثقافة ومضامير الفنون. إن عبد الله قد رُبِّي كما كان يربى أبناء ملوك بني العباس، كان يستدعى لهم عظام أساتذة زمانهم حتى تستوي لهم أسباب المعرفة من دينية ودنيوية، وحتى تتهيأ لهم أطراف الثقافة، ففي الحسبان أن كل واحد منهم معدٌّ؛ لأن يكون ملكًا، وقد اشتهر جميع ملوك بني العباس بالثقافة والعلم والمعرفة باستنثاء المعتصم، فقد كان كل اهتمامه منصبًّا إلى قيادة الجيش وخوض المعارك، وفيما عدا ذلك فقد كانوا في مكانة سامية من المعرفة وعلى ذرى رفيعة من الثقافة بل كان منهم المأمون الذي عده بعض المؤرخين أبًا للثقافة والمعرفة. فعبد الله والحال كذلك كان له من الأساتذة من قد عدوا نجوم المعرفة على زمانه مثل محمد بن يزيد المبرد العالم الأديب اللغوي الكبير، وكان منهم أيضًا أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، ومحمد بن هبيرة الأسدي صاحب الفراء وأحمد بن صالح المشهور بابن أبي فنن.

стр. 257

هذا وكان عبد الله بن المعتز ذكيًّا أديبًا فطنًا نابهًا ذا نظرات وأعماق، ومن كانت هذه طبيعته وتلك نشأته، فإننا لا نتوقع منه مجرد شاعر أو مؤلف كتاب واحد لأبناء فنه، وإنما ترك عبد الله مجموعة من الكتب بينها الرائد الأصيل والقيم النفيس، لقد ألف ابن المعتز اثني عشر كتابًا في الأدب والشعر، والبديع، والصيد، والسرقات، والغناء، والطبقات وغيرها وها هي مؤلفاته١: ١- كتاب الزهر والرياض. ٢- كتاب البديع. ٣- مكاتبات الإخوان بالشعر. ٤- كتاب الجوارح والصيد. ٥- كتاب أشعار الملوك. ٦- كتاب الآداب. ٧- كتاب حلى الأخبار. ٨- كتاب طبقات الشعراء ٩- كتاب الجامع في الغناء. ١٠- كتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح. ١١- كتاب السرقات. ١٢- كتاب فصول التماثيل. ١٣- كتاب فيه أرجوزة في تاريخ بني العباس. ١٤- ديوان شعر كبير. إن هذا التراث الضخم من الآداب والفنون خلفه ابن المعتز للمعرفة وألفه على قصر حياته، إنه لم يعش أكثر من تسع وأربعين سنة هجرية فقد ولد سنة ٢٤٧ وقتل سنة ٢٩٦هـ، ولكن حياته على قصرها كانت حياة عريضة خصيبة رغم ما كان يتورط فيه من ملاذٍّ وإقبال على الشراب والمنادمة كما يفعل أكثر أبناء الملوك في كل زمان. على أن الذي يهمنا بصفة أصلية في هذا المجال هو كتابه طبقات الشعراء، وإنما ذكرنا هذه النبذة القصيرة عن حياته وصفاته حتى يكون تمثلنا لكتابه تمثلًا صحيحًا، فالكتاب غالبًا صورة لصاحبه. غير أننا ونحن نذكر كتاب طبقات الشعراء لابن المعتز لا بد لنا من أن نذكر كتابًا آخر

стр. 258

ألَّفه أديب معاصر له، وتكاد الصورة تتكرر لما حدث، ونحن نقدم الشعر والشعراء لابن قتيبة، ففي الوقت الذي كان فيه ابن قتيبة والجاحظ فرسي رهان في ميدان التأليف والمعرفة ويؤلف كل منهما في الشعر، الأول يكتب عن الشعر والشعراء وترفق به الأقدار حتى يصل إلينا، والثاني يكتب كتابه "من اسمه عمرو من الشعراء" ويضيع ولا يصل إلينا، نجد أن كلا من ابن المعتز وهو طبقات الشعراء فإنه يصل إلينا، وأما كتاب الثاني وهو "البارع" في أخبار الشعراء المولدين، فإنه ضاع ولم يصل إلينا، غير أن هناك فرقًا شاسعًا في القيمة الفنية بين كتيب الجاحظ "من اسمه عمرو من الشعراء" وكتاب ابن المنجم "البارع" فقد مجد المؤرخون الكتاب الثاني وذكروا الكثير من فضله وقيمته، فابن خلكان رأى الكتاب، ويقول عنه: "صنف كتاب "البارع" في أخبار الشعراء المولدين، وجمع فيه مائة وواحدًا وستين شاعرًا وافتتحه بذكر بشاد بن برد العقيلي وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، واختار فيه من شعر كل واحد عيونه.." وينقل ابن خلكان طرفًا من منهج الكتاب الذي أثبته صاحبه في مقدمته على المنوال الذي سار عليه كبار المؤرخين، وابن المنجم هارون هذا من أفاضلهم فيقول: "إني لما عملت كتابي في أخبار شعراء المولدين ذكرت ما اخترته من أشعارهم، وتحريت في ذلك الاختيار أقصى ما بلغته معرفتي وانتهى إليه علمي، والعلماء يقولون: دل على عاقل اختياره، وقالوا: اختيار الرجل من وفور عقله١. ويذكر ابن خلكان على لسان ابن المنجم أن هذا الكتاب أي البارع مختصر من كتاب ألفه قبل هذا في هذا الفن، وأنه كان طويلًا فحذف منه أشياء واقتصر على هذا القدر الذي هو مائة وواحد وستون شاعرًا. ويمضي ابن خلكان في تعريفه بالكتاب فيقول: إنه يغني عن دواوين الجماعة الذين ذكرهم، فإنه اختصر أشعارهم وأثبت منها زبدتها وترك زبدها، ويسجل صاحب الوفيات مرة أخرى أن كتاب الخريدة للعماد الأصفهاني وكتاب الحظيري وكتاب الدمية للباخرزي وكتاب اليتيمة للثعالبي -وهي من أمهات كتب الشعر وتراجم الشعراء- فروع عليه، وهو الأصل الذي نسجوا على منواله. وهذا القول الذي أذاعه ابن خلكان عن كتاب ابن المنجم كلام خطير جدًّا، فإذا كانت قيمة كل من التيمية والخريدة ودمية القصر والسلسلة المتفرعة منها ما تعلم خطرًا وقدرًا، وكان معنى ذلك أن كتاب "البارع" هو الأصل في كتب الشعر والشعراء أو طبقات الشعراء التي التزمت الترجمة لعصر بعينه، ولنا في ذلك رأي سوف نوضحه فيما يستقبل من حديث. إننا -وقد جنحنا في مجال الحديث عن ابن المعتز إلى ما يمكن أن يسمى استطرادًا

стр. 259

ضروريًّا- نرى أن ابن المعتز في تقدمته لكتابه يقول١: "خطر علي الخاطر في بعض الأفكار أن أذكار في نسخة ما وضعته الشعراء من الأشعار في مدح الخلفاء والوزراء والأمراء من بني العباس؛ ليكون مذكورًا عند الناس، متابعًا لما ألفه "ابن نجيم" قبلي بكتابه المسمى "بطبقات الشعر الثقات" مستعينًا بالله المسهل الحاجات وسميته طبقات الشعراء المتكلمين من الأدباء المحدثين". فنحن أمام قضيتين كلاهما على جانب من الأهمية، فيما يتعلق بكتاب طبقات الشعراء لابن المعتز، الذي هو في نظر الباحثين والمتأدبين من أهم كتب الطبقات وفي صدر الصفوة منها لما له من مميزات كثيرة سوف نعرض لها بعد قليل. القضية الأولى أن الهدف من الكتاب كانت الترجمة لمن مدح بني العباس من الشعراء حتى زمن ابن المعتز، وتبعًا لذلك فإن ابن المعتز يكون قد أهمل في كتابه الشعراء الذين لم يمدحوا بني العباس مهما خطر شأنهم ونفس شعرهم، وهذا يفسر لنا لماذا بدأ ابن المعتز كتابه بالشاعر ابن هرمة السكير الذي بلغ به الدلال عند الخليفة العباسي بحيث يجعله يكتب إلى عامله بالمدينة ألا يوقع عليه حد الخمر إذا ضبط سكران حسب القصة الطريفة المروية في كتب الأدب، ويثني ابن المعتز في كتابه بالحديث عن بشار بن برد الذي كان على كراهيته لبني العباس صاحب قصائد طويلة عديدة في المهدي، ثم يثلث بالحديث عن السيد الحميري الذي كان على تشدده في تشيعه وإيمانه برجعة محمد بن الحنفية يمدح المنصور وبني العباس. ويظل ابن المعتز يقدم الدراسة تلو الدراسة حتى ينهي كتابه بالحديث عن الشاعرات على عهد بني العباس متوقفًا عند فصل الشاعرة. وأما القضية الثانية فهي ما ذكره ابن المعتز من أنه أنشأ كتابه متابعًا لما ألفه ابن نجم قبله بكتابه المسمى "بطبقات الشعر الثقات" وكان أول ترجمة اشتمل عليها كتاب ابن نجيم هي ترجمة بشار بن برد. إننا الآن أمام مشكلة ينبغي أن نصل فيها إلى حل، فهل ابن نجيم الذي سار على دربه ابن المعتز هو نفسه ابن المنجم سالف الذكر، إن الفرق كبير بين الاسمين من حيث الرنين والكتابة بحيث أن وقوع اللبس فيهما لا يعتبر من الأمور التي يسهل تصورها، ولكن محقق كتاب طبقات ابن المعتز يعتبرهما شخصًا واحدًا وليس أمامه إلا دليل واحد، وهو أن كلًّا من الكتابين أي كتاب البارع وكتاب "طبقات الشعر الثقات" قد استهل ترجماته ببشار بن برد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلا بد أنه -أي محقق طبقات ابن المعتز قد حاول أن يصل

стр. 260

إلى ترجمة أو معرفة شيء عن ابن نجيم في كتب التراجم وتاريخ الأدب فلم يوفق إلى ذلك، ومن ثم فقد اعتبر الكتابين كتابًا واحدًا وأن ابن نجيم الذي أخذ عنه ابن المعتز هو نفسه ابن المنجم صاحب البارع. ولقد حاولنا من جانبنا أن نعثر على من اسمه ابن نجيم في جميع ما هدانا إليه تفكيرنا وما أسعفتنا به خبرتنا من مظانٍّ فلم نعثر على مؤلف في الشعر بهذا الاسم، ومن ثم فنحن نميل إلى تصور صحة ما ذهب إليه محقق ابن المعتز من أن ابن نجيم هو نفسه ابن المنجم هارون بعد تحريف المهملين من النساخ، ونزيد على ذلك بأننا نتصور أن كتاب "طبقات الشعر الثقات" الذي أورد ابن المعتز ذكره وأخذ عنه، هو الكتاب الكبير الذي ألفه هارون ابن المنجم والذي نعته بالطول ورأى أن يختصره "فاختصر أشعارهم، وأثبت منها زبدتها وترك زبدها". ثم رأى ابن المنجم أن يضع اسمًا جديدًا لكتابه المختصر فاختار له اسم "البارع" في إخبار الشعراء المولدين. إن هذا الذي سطرناه إنما هو من ضرب الاستنتاج القائم على حدود المنطق حتى يظهر غير ذلك، وحتى نعثر في كتب التراجم أو الطبقات، أو تاريخ الأدب على من اسمه ابن نجيم. هذا ونحب أن نشير إلى أن هارون بن المنجم هذا كان حافظًا راوية للأشعار حسن المنادمة لطيف المجالسة ومات في ريعان شبابه سنة ٢٨٨هـ أي قبل ابن المعتز بثماني سنوات، وله من الكتب غير ما ذكرنا "كتاب النساء" وما جاء فيهن من الأخبار، ومحاسن ما قيل فيهن من الأشعار، هذا فضلًا عن كونه شاعرًا بذاته وفي شعره لمحات رقة مع أخذ بأسباب رعونة الشباب فهو القائل: الغانيات عهودهن ... إلى انصرام وانقضاب من شاب شبن له المود ... ة بالخديعة والكذاب ما دمت في ورق الصبا ... وغصونه الخضر الرحاب فافخر بأيام الصبا ... واخلع عذارك في التصابي واعط الشباب نصيبه ... ما دمت تعذر بالشباب هذا هو هارون المنجم رأس مدرسة أصحاب الطبقات الذين تخصصوا في تقديم شعراء بعينهم قالوا في غرض بعينه محدود بفترة زمنية وحدود مكانية. هذه الوقفة الطويلة مع ابن المنجم وتحديد معالم شخصيته كانت أمرًا لا مفر منه قبل أن

стр. 261

ندلف إلى لب الحديث عن كتاب طبقات الشعراء لابن المعتز. لقد عرف ابن المعتز عند طائفة من جمهرة الدارسين بأنه الشاعر المترف الملكي في أسلوبه ونهجه وتفكيره، وبناء صيغته ورسم صوره وانتقاء ألفاظه واختيار كلامه، وهذا صحيح كل الصحة، إلا أن لابن المعتز وجهًا آخر هو وجه الأديب العالم الناقد الذواقة الراوية الذي كان يتقمص شخصية العالم ويلبس لباس الوقار ويرتدي قميص التواضع عندما يعمد إلى كتابة الجد الخطير من الكتب أو القضايا، فهو حين يستهل كتابه طبقات الشعراء ويقدم له، يقول: أفقر العباد إلى الله عبد الله بن المعتز بالله المتوكل على الله ... إلخ. وآية ذلك الكتب الاثنا عشر التي ألفها وعددناها في صدر هذا الحديث والتي أشهرها دون شك كتاباه: "طبقات الشعراء" و "البديع" اللذان طبقت شهرتهما الآفاق، وهما بذلك جديران؛ لأنهما يعتبران نوعًا من الإنجاز العلمي الرائد الرفيع مما لا يفترض فيه أن ينجز مثل هذا العمل الرائع لسببين ظاهرين، السبب الأول أنه أمير أعد نفسه للملك والأمراء يعدون أنفسهم للملك بطريق الثقافة وليس بطريق التأليف، والملوك المؤلفون قلة نادرة لا تكاد تعي منهم ذاكرتي غير أبي الفدا ملك حماة صاحب كتاب التاريخ المعروف باسمه من المشارقة، والسبب الثاني أن ابن المعتز لم يعمر كما عمر غيره من عمالقة المؤلفين الذين لم تكن أعمارهم في المتوسط تحد بأقل من السبعين عامًا، وتمتد أحيانًا إلى المائة وما فوقها، لقد ولد العالم الشاعر الأمير الخليفة سنة ٢٤٧هـ وقتل ٢٩٦هـ فيكون قد عاش تسعة وأربعين عامًا هجريًّا، ولم يخل معظمها من اضطهاد وأذى على رغم كونه أميرًا مما اضطره إلى مصانعة من هم دونه مقامًا، وأقل منه رتبة فمدحهم بشعره وهنأهم في المناسبات السقيمة مثل ما فعل مع عبد الله بن عبد الله بن طاهر أو الوزراء من أبناء أسرة الوهبيين. وإذن فحياة ابن المعتز مليئة بالبركة والسعة والعمق من ناحية الإنتاج الفكري والعلمي، كما كانت عريضة من حيث اللهو واقتناص اللذات. وأما اسم الكتاب كاملا كما ذكره ابن المعتز، وسماه بنفسه فهو "طبقات الشعراء المتكلمين من الأدباء المتقدمين"١، على أن الذين عرضوا للكتاب بعد ذلك بالشرح أو التحقيق أسموه تارة "طبقات الشعراء المحدثين" وتارة أخرى أطلقوا عليه "طبقات الشعراء" وهو الاسم الذي سار عليه جمهرة الدارسين من بعد، وعرف به حتى الآن. إن طبقات الشعراء هو ثالث كتاب كبير مشهور مطبوع بين أيدينا لهذا اللون من الدراسة بعد ابن سلام وابن قتيبة، وهو السادس بين الكتب المشهورة، ولكن لعبت يد الضياع ببعض

стр. 262

منها وترتيبها هكذا: طبقات ابن سلام الجمحي، ثم من اسمه عمرو من الشعراء للجاحظ، ثم الشعر والشعراء لابن قتيبة، ثم البارع لهارون بن المنجم، ثم من سمي عمرًا من الشعراء في الجاهلية والإسلام، والورقة لمحمد بن داود الجراح وزير ابن المعتز خلال يوم خلافته، وقد تم تحقيقه وتهيئته للطبع على يد المستشرق كرنكو في ليبسك، ثم كتاب الطبقات لابن المعتز هذا الذي بين أيدينا. وإذا كان لنا أن نزيد طبقات ابن المعتز تعريفًا فإننا يمكن أن نذكر ما يمتاز به عن الكتب السابقة له بما يلي: أولًا: أن الكتاب تخصص في عصر بعينه فذكر شعراءه، وهم الشعراء الذين مدحوا بني العباس واتصلوا بهم بمن في ذلك الشعراء من مخضرمي الدولتين، فأولئك المخضرمون الذين مدحوا بني العباس أمثال ابن هرمة وابن ميادة وسديف وغيرهم، فضلًا عن بقية الشعراء الذين عاشوا إلى زمن تأليفه الكتاب، وكل أولئك قد قدم لهم ابن المعتز شيئًا من أشعارهم وأطرافًا من أخبارهم بحيث بلغ مجموع الشعراء الذين كتب عنهم مائة واثنين وثلاثين شاعرًا. ثانيًا: يعترف ابن المعتز بأنه لا يهتم بكل شعر الشعراء وأخبارهم، فذلك موجود في دواوينهم - ولا شك أنها كانت موفورة طوع اليدين على أيامه- وإنما هو يقدم من الشعر ما ليس موجودًا إلا عند الخواص، وهو بذلك يقدم من هذا الشعر غير المعروف للجمهرة قصائد أو مقطوعات١. ثالثًا: طبيعة الأديب الناقد الكامنة في شخصية ابن المعتز جعلته يقدم كتابه بأسلوب رخي رضي شائق، ثم هو بعد ذلك ينقد ويزن ويبدي رأيه في القصائد أو المقطعات طبقًا لمعايير نقدية صالحة مقبولة، وهو حسن الاختيار جيد الانتقاء. رابعًا: برغم أن الكتاب كتاب طبقات إلا أنه لم يهمل الأحداث التاريخية الدقيقة التي ربما لم يلتفت إليها جمهرة المؤرخين؛ لأنها في نظرهم لم تكن تعني شيئًا خطيرًا، ولكنها من وجهة نظر مؤرخ الأدب تعني الكثير، وتشكل مفاتيح لقضايا كثيرًا ما كانت تبدو مغلقة، فهو يؤرخ للأحداث بعامة والمرتبطة بقصائد بعينها بخاصة كما هو الحال عند الحديث عن سديف وأبي نخيلة الراجز، إنه كثيرًا ما يذكر الشيء المهم الذي أهمله التاريخ. خامسًا: يذكر ابن المعتز في "طبقاته" بعض القصص والأخبار بأسلوب مترسل لطيف ويصف ألوانًا من الحياة الاجتماعية على زمانه ويصور زوايا بعينها من المجتمع بشيء من رقة

стр. 263

الأديب وانطباع الإنسان فيجمع بين قصص المجون التي حدثت، والقصص الإنسانية المتعلقة بالأدباء والتي يمس بعضها أوتار القلوب مسًّا عميقًا مثل قصة محمود الوراق وجاريته سكن١. سادسًا: يعمد ابن المعتز إلى ذكر أطراف من المساجلات الشعرية التي كانت تحدث بين سابقيه اللهم إلا ما ذكروه من نقائص، والمساجلات بطبيعة الحال لون أرقى من النقائض وأرق وأنظف وأعطر. سابعًا: يذكر ابن المعتز بين الحين والحين طرفًا أدبية وملحًا اجتماعية ونكات تدفع الابتسامات إلى الشفاه دفعًا، وهو في ذلك لم يخرج عن منهج موضوعه، ولكنه لا شك رتب ذلك في نطاق سلامة منهجه حتى يبعد الملل عن نفس قارئه ويثير الفضول إلى متابعة قراءة ما يقدم من أدب، ويحلق عنصر تشويق وإمتاع لمتابعي كتبه٢. ثامنًا: وامتدادًا للعنصر السابق من عناصر ميزات طبقات ابن المعتز ما يرمي به المؤلف في طريق القارئ وأما عينيه من أبيات للحمقى تثير الضحك والإشفاق أو قصائد للشعراء الهزليين الفكهين الذين ينتزعون الضحك انتزاعًا من أعماق القلوب، وفي أقل القليل يكون هذا الشعر عامل تسرية ومبعث ترفيه، على أن المؤلف قد لا يحتشم في بعض الأحيان ولكنها قليلة -فيأتي بشعر ماجن ولكن في مقام الإضحاك أيضًا. وأما المآخذ التي يمكن أن تسجل على كتاب طبقات ابن المعتز، فلعل أهمها أنه كان به شيء من الأنانية، وقليل من البعد عن الموضوعية، فهو يهمل ذكر عدد كبير من الشعراء عن عمد مع أن بعضهم مدحوا قومه وهم من الشعراء الأعلام وفي مقدمتهم ابن الرومي وديك الجن ويحيى بن زياد الحارثي. ولكن لعل لابن المعتز عذرًا في أن يخلي كتابًا ألفه من قوم أنف أن يكونوا نجومًا على صفحاته، فابن الرومي كان معاديًا لابن المعتز، وكان يعيش في كنف القاسم بن عبيد الله الذي كان واحدًا من الذين أوقعوا بابن المعتز كثيرًا من الأذى. هذا ولا يستطيع ابن المعتز -وهو محق في ذلك كل الحق- أن ينسى لابن الرومي هجاءه في أبيه المعتز بالله يوم أن خلع عن كرسي الخلافة، وابن الرومي سليط اللسان مر الهجاء. إن ابن المعتز لا يستطيع أن ينسى قوله في أبيه:

стр. 264

دع الخلافة يا معتز عن كثب ... فليس يكسوك منها الله ما سلبا أترتجي لبسها من بعد خلعكها ... هيهات هيهات فات الضرع ما حلبا تا لله ما كان يرضاك المليك لها ... قبل احتقابك ما أصبحت محتقبا فكيف يرضاك بعد الموبقات لها ... لا كيف، لا كيف إلا المين والكذبا إن ابن المعتز، وهو إنسان له مشاعر البنوة وعزة الإمارة لا يؤاخذ إذا ما أهمل ذكر ابن الرومي في كتاب ألفه. وقد يكون لابن المعتز رأي مقبول في إهمال ذكر الشاعر عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن، فابن المعتز أمير عربي هاشمي من بيت الملك الهاشمي الذي ذاق المتاعب، وغرق في الفتن بسبب تآمر الشعوبيين، وكان ديك الجن من أكثر الناس كراهية للعرب، وأشدهم عصبية عليهم وشعوبية ضدهم، ومن ثم فقد يكون هذا هو السبب في إهمال شأنه. وأما بالنسبة لإهمال ذكر يحيى بن زياد الحارثي، فإنه كان من كبار الزنادقة بل كان كبيرهم، وكانت صفة الزنديق على عهده لا تنصرف إلى أحد إلا إلى يحيى الحارثي، وكان يحيى على زندقته موسومًا بالظرف، فكان الناس إذا وصفوا إنسانًا بالظرف قالوا: هو أظرف من الزنديق، يعنون بذلك يحيى الحارثي. وابن المعتز رغم انغماسه في الترف وتورطه في المجون فما عرف عنه انحراف في عقيدته ولا ترخص فيها، وهو لذلك ربما كره أن يذكر في كتابه إنسانًا كان يتفاخر بزندقته ويعلنها على الناس في غير ما تحرج ولا تحشم. بقي بعد ذلك أن ابن المعتز لم يكن يذكر سنوات وفاة شعرائه إلا نادرًا، إنه لم يكن يرى أن ذلك شيء ضروري بالنسبة إليه؛ لأنه يؤرخ لمجموعة من الشعراء في فترة محددة بما يزيد قليلًا على قرن واحد من الزمان، فهو لذلك كان يصرف اهتمامه إلى الفترة الزمنية التي عاشها الشاعر لا إلى التاريخ المحدد الذي يحد ميلاده ووفاته. ومهما كان الأمر فكتاب طبقات الشعراء لابن المعتز يمثل لونًا فريدًا من التأريخ للشعراء ودراسة شعرهم، وهو بعد ذلك يعتبر بداية للتخصص في ميدان كتب طبقات الشعراء.

стр. 265

الفصل الرابع: معجم الشعراء للمرزباني: إنه أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ٢٩٧-٣٨٤هـ وقد مر حديثه، وأما كتابه الذي نعنيه هنا في جملة طبقات الشعراء فهو "معجم الشعراء" ولعل كلمة معجم تصلح لأن تكون عنوانًا لقاموس لغوي أكثر من صلاحها عنوانًا لكتاب ألفه صاحبه للتعريف بالشعراء، والترجمة لهم، وتقديم نماذج لأشعارهم، ولكن المرزباني أقدم على هذه التسمية وفي ذهنه المقصد المعجمي، فكما أن المعجم اللغوي يعرف بمعنى الكلمة، فإن معجم الشعراء يعرف بالشاعر بشكل أو بآخر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد يمكن القول أيضًا إن المرزباني قد اعتمد أول حروف المعجم وهو العين مفتاحًا لتقديم أسماء شعرائه، وهو والأمر كذلك لم يلتزم التقسيم الزمني أو التحديد الموضوعي حين قدم الشعراء. أما وإن حروف المعجم تبدأ بالعين حسبما هو معروف فإن المرزباني قدم أول ما قدم من شعراء أولئك الذين تبدأ أسماؤهم بحرف العين، التي كادت أن تحل محل الأسماء، وهو يعني الأسماء بحقائقها وليس بالكنى أو أسماء الشهرة أو الصفات، فالقطامي مثلًا لا يجيء تحت حرف القاف وغنمًا يقدمه المؤلف تحت العين؛ لأن اسمه الحقيقي عمير بن شييم، والفرزدق على سبيل المثال لا يجيء تحت حرف الفاء وإنما يقدمه المؤلف تحت الهاء؛ لأن اسمه الحقيقي همام بن غالب، وأبو سعد المخزومي يقدمه المؤلف تحت اسمه الأصيل عيسى بن خالد بن الوليد، ومن ثم فإنه يصعب على القارئ الوصول إلى موضع شاعر ذي كنية أو صفة ما لم يكن يعرف اسمه الأصيل كما هو الحال في القطامي والفرزدق، وهذا يشكل بطبيعة الحال عيبًا من عيوب الكتاب. نعود إلى الحديث عن ترتيب الشعراء في المعجم فنجد أن المؤلف قد ابتدأ بالشعراء الذين تبدأ أسماؤهم بحرف العين حسبما سلف القول، ثم يثني بأولئك الذين تبدأ أسماؤهم بحرف الفاء، ثم القاف، ثم الكاف فاللام فالميم فالهاء فالياء، وهكذا تتوالى الأسماء بعد العين

стр. 266

في ترتيبها الطبيعي المعروف. وإذا كان لنا أن نتتبع طريقة عرض المؤلف لشعرائه من خلال حرف من الحروف وليكن حرف العين على سبيل المثال فإننا نلاحظ أنه بدأ باسم عمرو، وأتى بمائة وثلاثة وسبعين شاعرًا اسم كل منهم عمرو، وابتدأ بعمرو بن عبد مناف، وهو الاسم الحقيقي لهاشم بن عبد مناف جد الرسول ﷺ ، ولم يأت له بأكثر من مصراع في أرجوزة له هو قوله: عذت بما عاذ به إبراهيم وفي الوقت نفسه يذكر كنية هاشم، وهي أبو نضلة، ولما كان عمرو بن عبد مناف قد لقب هاشمًا؛ لأنه هشم الثريد لقومه أيام الجدب والمجاعة، فإن المؤلف يورد بيت مطرود بن كعب الخزاعي الذي يفيد أن عمرًا هو نفسه هاشم يقول فيه: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنِتُون عجاف١ ويفعل المؤلف بطرفة بن العبد ما فعله بهاشم بن عبد المطلب، فيذكره مع الطائفة التي اسمها "عمرو" من الشعراء، ذلك أن اسمه الحقيقي عمرو بن عبد بن سفيان، وإنما لقب بطرفة لقوله هذا البيت: إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروفة لم تشدد ويبدو لنا أن عددًا كبيرًا من شعراء العرب كانوا يحملون اسم عمرو، فمؤلفنا يذكر بين ما ذكر من الشعراء الذين تبدأ أسماؤهم بحرف العين مائة وثلاثة وسبعين عمرًا، ولقد أسلفنا القول أن لكل من محمد بن داود بن الجراح والجاحظ كتابًا مفردًا تحت عنوان "من سمي عمرًا من الشعراء". وتحت حرف العين أيضًا يذكر المرزباني اثنى عشر شاعرًا يحملون اسم "عمير" منهم من هو مشهور كبير، ولكن تحت اسم آخر كالقطامي "عمير بن شييم" ومنهم من فاتته الشهرة كعمير بن جيدع العجلي -وجيدع هي أمه- ويذكر له هذه الأبيات٢ تركت أخا البطاح على ثلاث ... يكوس كأنه بكر عقير*

стр. 267

وتتبعه بصائر واردات ... كما قدت من الجزر السيور فلا تفخر علي فإن عجلًا ... لها عدد إذا حسبوا كثير ويورد المرزباني شاعرين تحت اسم "عويمر" وسبعة تحت اسم "عمارة"، وثمانية عشر تحت اسم "عدي" منهم من هو معروف مشهور كعدي بن الرقاع العاملي الشاعر الدمشقي في عصر بني أمية، ومنهم من ليس كذلك مثل عدي بن حاتم الطائي الذي كان يكنى بأبي طريف، وفي مقام التعريف به يذكر المرزباني أنه وفد على النبي ﷺ وأسلم، فلما قامت حركة الردة ثبت على إسلامه، ويذكر المرزباني لقاء له مع الخليفة عمر بن الخطاب، يقول عدي أثناءه: أتعرفني يا أمير المؤمنين؟ فيقول له الخليفة: نعم، أنت الذي آمن إذ كفروا ووفى إذ غدروا، وكان عدي مع الخليفة علي بن أبي طالب يوم الجمل وفقئت عينه في المعركة، وقد عمر حتى بلغ المائة والعشرين، وقد عبر عن كبر سنه بشعر إنساني رقيق، ذلك أنه لما استولى المختار بن أبي عبيد على الكوفة، وكان بينه وبين عدي شجار، هم عدي أن يخرج إليه ولكنه لم يستطع أن يفعل لكبر سنه وضعف جسمه فأنشأ يقول: أصبحت لا أنفع الصديق ولا ... أملك ضرًّا للشانئ الشرس وإن جرى بي الجواد منطلقًا ... لم تملك الكف رجعة الفرس١ ومع حرف العين يذكر المرزباني، سبعة عشر شاعرًا يحملون اسم "عثمان" وقد جعل الخليفة الثالث عثمان بن عفان واحدًا منهم وأورد له شعرًا جليل المعنى مما يتمشى مع خلق عثمان الرفيع٢، ثم ذكر المؤلف أحد عشر شاعرًا تحت اسم "عيسى" منهم عيسى بن خالد بن الوليد المشهور بأبي سعيد المخزومي الذي تهاجى ودعبل الخزاعي في معركة شعرية حامية مثيرة طريفة٣ ومنهم عيسى بن موسى بن محمد، وهو من مشايخ بني هاشم ورءوس العباسيين وكان السفاح عهد له بالخلافة العباسية بعد المنصور، ولكن المنصور آثر ابنه محمدًا بها ونقض العهد، فقام عيسى مهددًا في شعر من أجود فن القول:

стр. 268

بدت لي أمارات من الغدر شمتها ... أظن رواياها ستمطركم دما وما يعلم العالي متى هبطاته ... وإن سار في ريح الغرور مسلما أتهضمني حقًّا تراه مؤخرًا ... بحكم إلهي حين صرت مقدمًا سننت انتقاض العهد فاصبر لمثله ... بنقضك من عهدي الذي كان أُبرِما وكأنما أحس المرزباني أن صفات عيسى ومكانته قد تحجبه عن عالم الأدب كواحد من أجود الذين يقولون شعرًا في العربية فحرص على أن يورد له أكثر من أنموذج شعري، ولكنه شعر مرتبط بحياة الشاعر السياسية والحربية والمحنة التي حلت به بإقصائه عن ولاية العهد وبالتالي عن تولي الخلافة، فمن قوله هذا الذي يضعه في صف الشعراء الفرسان الفحول: صليت بنار الحرب آلام لفحها ... ولم يصلها منصورها ونصيرها أقاتل عنهم عصبة ما أردتها ... بسوء، كبيرٌ في العيون صغيرها أقطِّع أرحامًا علي أعزةً ... وأسدي مكيداتٍ لها وأنيرها فلما وضعت الأمر في مستقره ... ولاحت به شمس تلألأ نورها دفعت عن الحق الذي أستحقه ... وسارت بأوساق من العذر عِيرها١ ويمضي المرزباني في التعريف بشعرائه ممن تبدأ أسماؤهم بحرف العين فيذكر سبعة شعراء تحت اسم "العباس"، واثنين تحت اسم "عتبة"، وثلاثة تحت اسم "عتاب" بينهم بطبيعة الحال "عتاب بن ورقاء" ويذكر لعتاب بن ورقاء أسمى قصائده، وهل هناك أسمى من وصف القلم. إن المرزباني يورد لعتاب بن ورقاء قصيدته في وصف القلم التي منها٢:

стр. 269

لك القلم الذي لم يجر إلَّا ... أبان لك العدو من الولي إذا استرعفته ألقى سوادًا ... على القرطاس أبهى من حلي فيا طوبى لمن أولى إليه ... بإحسان وويل للمسي شباة سنانه في الخطب أمضى ... وأنفذ من شباة السمهري وتحت اسم "عِتبان" بكسر العين، يورد المرزباني شاعرًا واحدًا هو عتبان بن أصيلة الشيباني١، وهو من الشعراء الفحول غير المشهورين. ويمضي المؤلف في عرض شعرائه الذين يختلفون عدًّا بين القلة والكثرة على هذا الترتيب "عيينة" ثم "عياض" ثم "عصام" ثم "عاصم" ثم "عصمة" ثم "عصم" بالضم فالسكون، ثم "عوف" ثم "عابس" ثم "عياش" ثم "علي" وقد ذكر منهم -أي من اسمهم علي- تسعة وأربعين ثم "العلاء" ثم "عطية" ثم "عطاء" ثم "عطاف" ثم "العوام" ثم "عقيل" بفتح العين، ثم "عقيل بضم العين، ثم "عجلان" ثم "عائذ" ثم "عباءة" ثم "علباء" ثم علبة" ثم "عدل" ثم "عش" ثم "عرنس" ثم "عزيز" ثم "عنبر"، ثم "علاته" ثم "عرعرة" ثم "عتيك" ثم "عويذ" بالضم فالفتح. وهذا ولم يلتزم المرزباني في معجمه خطة التمثيل لكل شاعر بشيء من شعره، ففي حالات غير قليلة كان يكتفي بذكر اسم الشاعر، وبعض خبره حسبما فعل مع "عمارة بن عطية" فإن كل الذي قاله عنه هو: "لقيه الأصمعي وأخذ عنه"٢ وحسبما فعل مع "علي بن عبد الكريم المدائني" فلم يزد على أن قال في خبره: يتشيع ويكثر من مدح آل البيت ﵈"٣ بل إن المرزباني لم يأت في التعريف بعدي بن وداع الأزدي الشاعر بأكثر من صفة "الأعمى". إن مثل هذه الحالات يمكن أن تشكل نقدًا لمنهج المرزباني في طريقة تأليفه الكتاب، إذ ما الذي يمكن أن يستفيده طالب معرفة عن شاعر كل ما قدم عنه المؤلف من تعريف أنه كان أعمى، أو أنه كان يتشيع لآل البيت ويكثر من مدحهم دون أن يأتي ببيت واحد من شعر الشاعر؟! ويعمد المؤلف من ناحية أخرى إلى الإطالة نسبيًّا في التعريف بشعراء آخرين، ربما

стр. 270

لإعجابه الشخصي بشعرهم حسبما فعل مع ابن الرومي، أو علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم، أو علي بن الجهم. تلك ملاحظة هامة حول منهج المؤلف، وأما الملاحظة الثانية، فهي أن الأسماء التي تبدأ بحرفين اثنين هما العين والميم قد احتلت ثلاثمائة وخمسًا وسبعين صفحة من صفحات الكتاب البالغ عددها بضعًا وخمسمائة صفحة، احتل حرف العين مائة وثلاثًا وسبعين صفحة، واحتل حرف الميم مائتين واثنتين من الصفحات. هذا ويبدو لنا أن الكتاب لم يطبع كاملًا، وأن ذلك الذي بين أيدينا منه إنما يشكل جزءًا من الكتاب وليس الكتاب كله، وإلا فأين الشعراء الذين تقع أسماؤهم بين الهمزة والظاء وهم من الكثرة بمكان، خاصة وأن المؤلف حاول أن يغطي بعمله الشعراء الجاهليين المخضرمين والإسلاميين، والأمويين، والعباسيين، هذا رأي عن لنا ونحن نقدم منهج المرزباني في معجم الشعراء، ربما قال قائل إنه من الجائز أن يكون المرزباني قد استغنى من ذكر عدد كبير من الشعراء؛ لأنه قدمهم في مؤلف آخر من مؤلفاته -وما أكثرها- ومن ثم فلم يرد أن يكرر نفسه في أكثر من مؤلف، فقد سبق القول بأنه ألف كتابًا عن الشعراء المشهورين المحدثين سماه "المستنير" يقع في عشرة آلاف ورقة أي خمسة آلاف صفحة من الحجم المتوسط بحروف المطبعة المعاصرة، بدأه بذكر بشار بن برد وانتهى به عند عبد الله بن المعتز. غير أن هذا الافتراض يقع في جانب التخمين وهو على الأغلب غير صحيح؛ لأن الكتاب الذي بين أيدينا تنقصه مقدمة المؤلف، وكان المؤلفون الكبار -والمرزباني في مقدمتهم- يحرصون على أن يكتبوا مقدمات لكتبهم يوضحون فيها مقاصدهم ومناهجهم، ولقد فعل ذلك المرزباني في كتابه "الموشح" الذي سوف يأتي ذكره في مكانه من هذا الكتاب وكتب له مقدمة نفيسة ممتعة، ومن ثم فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن ما بين أيدينا من "معجم الشعراء" ليس إلا نصف الكتاب وليس جميعه. والحق أنه مهما كانت هناك من مآخذ أو هنات حول كتاب "معجم الشعراء" فإنه ينبغي الالتفات إلى أن المؤلف، قد عمد إلى منهجه عمدًا، إنه معجم وحسب، لم يقصد من خلاله أن يترجم للشاعر أو ينقده، فإنه تناول هذه الأمور في كتب أخرى له، تناول الترحمة في "المستنير" وتناول النقد في "الموشح" الذي هو بين أيدينا نرجع إليه عند الحاجة فنصيب منه نفعًا كثيرًا وفوائد جليلة.

стр. 271

الفصل الخامس: بقية الطبقات حسب التدرج الزمني: إنه من الفائدة بمكان أن نعرض لذكر كتب الطبقات التي ترجمت للشعراء على أساس منهجي متخصص، سواء أكان ذلك على أساس الفترة الزمانية، أو البقعة المكانية، أو التجميع لشعراء يحملون اسمًا واحدًا كمحمد أو عمرو بعد أن قدمنا أصحاب الطبقات الذين حشدوا أكبر عدد من الشعراء في كتبهم- وإن يهملوا جانب التسلسل التاريخي -وهم ابن سلام المتوفى سنة ٢٣٢هـ في كتابه "طبقات الشعراء" وابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦هـ في كتابه "الشعر والشعراء" ونضيف إليهم مصنفًا ثالثًا، هو محمد بن عمران بن عبد الله المرزباني المتوفى ٣٨٤هـ في كتابه "معجم الشعراء"، وبهذه المناسبة فإن المرزباني يقارب كلا من ابن قتيبة والجاحظ غزارة علم وسعة أفق وتعدد معرفة ووفرة تأليف. وقد قالوا عنه إنه جاحظ زمانه، غير أنه مختلف تمامًا عن الجاحظ وابن قتيبة في السلوك، فقد كان كل من الجاحظ وابن قتيبة متحفظين سلوكًا متمسكين دينًا، وأما المرزباني فكان يضع أمامه المحبرة وقنينة النبيذ يكتب ويشرب حسبما مر القول إبان الحديث عن شخصيته العلمية. نعود إلى طبقة المتخصصين من أصحاب طبقات الشعراء ونحاول أن نرتبهم تاريخيًّا وأن نعرف بمن لم نعرف به منهم بعد. ١- هارون بن يحيى المنجم ٢٥١-٢٨٨هـ صاحب كتاب "البارع" وكتابه يعتبر أو لكتب الطبقات التي اختصت بفترة زمانية بعينها، فقد مر بنا أنه ابتدأه ببشار بن برد واختتمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، وجملة من ترجم له مائة وواحد وستون شاعرًا، وقد كان الكتاب معروفًا لكثير من أصحاب كتب التراجم، ورآه ابن خلكان ووصفه وصفًا مفصلًا، ومن نظرة إلى تاريخ ولادة هارون ووفاته نلحظ أنه مات شابًّا في السابعة والثلاثين، ومع ذلك فكتابه يعتبر أساس كتب التراجم ذات الطابع المتخصص. ٢- عبد الله بن المعتز ٢٤٧-٢٩٦هـ وقد مر الحديث عنه، وعن كتابه طبقات الشعراء بما فيه الكفاية.

стр. 272

٣- محمد بن داود الجراح ٢٤٣-٢٩٦هـ وكان صديقًا لابن المعتز ووزيره خلال اليوم الذي ولي فيه العرش على ما مر بنا قبل قليل، وله كتابان في الطبقات لكل منهما صبغة تخصص بعينه، فأما كتابه الأول، فهو في "من اسمه عمرو من الشعراء" والتخصص هنا يقع في نطاق الاسم دون الزمانية أو المكانية أو الموضوعية، والكتاب محقق ومعد للطباعة حسبما مر بنا قبل قليل، وأما الكتاب الثاني لابن الجراح، فهو كتاب "الورقة" وقد حققه أستاذنا المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام والأستاذ عبد الستار فراج، وهو بين أيدي القارئين، وقد ضم ترجمة لثلاثة وستين شاعرًا وشاعرة، كلهم ممن اتصلوا ببني العباس، بينهم عدد من مخضرمي الدولتين، غير أن الكتاب صغير الحجم مختصر الترجمات، وإن كان ذلك لا يحط من قدره، فكثير مما به من الأخبار والأشعار قد انفرد بها مثلما فعل ابن المعتز. ٤- عبد الملك بن محمد الثعالبي ٣٥٠-٤٢٩هـ صاحب يتيمة الدهر وواحد وعشرين كتابًا آخر من رفيع المعرفة لغة وأدبًا وتاريخًا وفنًّا كلها مطبوعة سبقت الإشارة إليها فضلًا عن عدد آخر من الكتب المخطوطة يناهز الثمانية. واليتيمة تعتبر أولى طبقات الشعراء ذات الصفة الموسوعية، وإن كان ابن خلكان جعلها هي وغيرها من الكتب الجليلة التالي ذكرها فروعًا من كتاب "البارع" الذي مر ذكره. على أن كتاب اليتيمة قد قارب حد الشمول في ترجمته لشعراء القرن الرابع، جاعلًا لكل مصر من الأمصار الإسلامية قسمًا من كتابه، مبتدئًا من بلاد الجبل وما وراء النهر شرقًا، مارًّا بالعراق العجمي، والعراق العربي، والشام والجزيرة، ومصر وإفريقية، والأندلس مطيلًا مسهبًا عند من ينبغي الوقوف والإطالة عندهم مثل المتنبي وابن العميد، والصاحب بن عباد وأبي إسحاق الصابي، وأبي فراس وغيرهم من صفوة شعراء العربية في القرن الرابع غير أنه يختصر في بعض الأحيان ويغفل بعض الأعيان، كما فعل حين لم يشر إلى الصنوبري شاعر الطبيعة الأول وإمام مدرستها في الشعر العربي. هذا ولا تزال اليتيمة بأقسامها الأربعة الثمينة، العمدة لكل من يرغب في تثقيف نفسه في أدبنا في القرن الرابع الهجري وقد أعجب بها الأدباء والباحثون والشعراء قديمًا وحديثًا مما جعل أبا الفتوح بن قلاقس الإسكندري يقول فيها: أبيات شعر اليتيمة ... أبكار أفكار قديمة ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سميت اليتيمة ٥- علي بن الحسن الباخرزي المتوفى ٤٦٧هـ صاحب "دمية القصر وزهرة أهل العصر" ونلاحظ أن التسمية من حيث الصياغة جاءت على وزن "يتيمة الدهر" وإن كانت مركبة من سجعتين مما يوحي بأن مؤلفها قد جعلها امتدادًا أو ذيلًا ليتيمة الدهر.

стр. 273

والباخرزي -شأنه في ذلك شأن الثعالبي النيسابوري- لم يكن مجرد مؤلف لكتاب طبقاته، ولكنه كان شاعرًا أديبًا كاتبًا محدثًا فقيهًا، فقد كان ملازمًا للشيخ أبي محمد الجويني، والد إمام الحرمين الجويني. وللباخرزي مشاركة وافرة في قول الشعر، ويذكر ابن خلكان أن شعره مجلد كبير تغلب عليه الجودة والمعاني الغريبة. وفي الحق أن شعره صورة دقيقة لشعراء عصره الذين أوغلوا في الصنعة إيغالًا شديدًا ولكنه مع ذلك لم يخل من طرافة مثال ذلك قوله في شدة البرد: كم مؤمن قرصته أظفار الشتا ... فغدا لسكان الجحيم حسودا وترى طيور الماء في وكناتها ... تختار حر النار والسفودا وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عودًا وحرق عودا ونحن نلاحظ، فضلًا عن طرافة المعاني، التلاعب بالألفاظ من جناس بين "عقيق وعقود" و "حرك وحرق"، كما نلاحظ أيضًا اللف والنشر في البيت الأخير. فإذا كان لنا أن ننعطف إلى الحديث ثانية عن "دمية القصر" فهي واحدة من حلقات سلسلة الطبقات بعد حلقة "يتيمة الدهر". وقد ذكر ابن خلكان أن أبا الحسن علي بن زيد البيهقي، قد وضع كتابًا يعتبر ذيلًا للدمية أسماه "وشاح الدمية" وإن كان هذا الكتاب، الذي نعتقد أنه من الفائدة بمكان، لم يصل إلينا لسوء الحظ. ٦- سعد بن علي بن القاسم الأنصاري الوراق الحظيري الملقب بأبي المعالي المعروف بدلال الكتب المتوفى سنة ٥٦٨هـ صاحب "زينة الدهر وعصرة أهل العصر وذكر ألطاف شعر العصر" ولعلنا نلاحظ هنا أيضًا أن اسم الكتاب طويل نوعًا، ويتكون من ثلاث سجعات، ومن ثم كان اختصاره أمرًا مطلوبًا لدى جمهور الأدباء فأطلقوا عليه جزءًا منه فقال "زينة العصر". وزينة الدهر تعتبر ذيلًا على دمية القصر للباخرزي، أو بالتعبير السوي هي حلقة ثمينة في السلسلة العظيمة لكتب طبقات الشعراء المخصصة في عصر بذاته. ولعلنا نلاحظ أن قرنًا كاملًا من الزمان يشكل الفارق بين الباخرزي، والحظيري، ومن

стр. 274

هنا كانت مادة الحظيري في "زينة الدهر" تمثل التخصص الزمني في قرن بذاته بدأ من حيث انتهى الباخرزي وانتهى قبيل وفاة المؤلف. والحظيري عاش ومات في أطراف بغداد في موضع يقال له الحظيرة، وكان أديبًا شاعرًا، وله ديوان شعر، ذكر ابن خلكان أطرافًا منه بدت سقيمة في نظري رغم إعجابه بها؛ ربما لأن اختيارها كان في فن من فنون الغزل الذي ترفضه الأذواق وتنكره الأخلاق. غير أن الطريف في أمر الحظيري أنه كان وراقًا ودلال كتب، ومع ذلك قدم لأدبنا عدة مؤلفات غير "الزينة" منها "لمح الملح" و "الإعجاز في الأحاجي والإلغاز"، ومعنى ذلك أن الأدب والتأليف، والكتابة كانت متاحة لمن له القدرة على ذلك، ولم تكن مقصورة على طبقة بعينها تحتكر تسويد الصفحات اقتحامًا دون ما استعداد أو تأهل أو تخصص، فتؤذي أذواق الناس بما تفرضه على أذهانهم، متخفين وراء لقب أو محتمين بجاه سلطان. ٧- عماد الدين محمد بن محمد صفي الدين المشهور باسم العماد الأصفهاني ١٩هـ-١٩٧هـ وقد قدم العمل الأدبي الكبير الذي أسماه: خريدة القصر وجريدة العصر". وليست الخريدة هي العمل العلمي والفني الوحيد لعماد الدين الأصفهاني، بل إن له تآليف عديدة قيمة تأخذ شكل الموسوعات مثل كتاب "البرق الشامي في أخبار صلاح الدين وفتوحاته" وله ديوان رسائل، وديوان شعر، وله أيضًا كتاب "نصرة الفترة وعصرة القطرة" في أخبار الدولة السلجوقية. وسوف نلحظ أن العماد متأثر كل التأثر بأسلوب زمانه من حيث الصناعة البديعية التي لم تكن تنسحب على أعماله الفنية وحدها من شعر وكتابة، وإنما انسحبت أيضًا على عناوين كتبه مثل كتابنا هذا الذي نقدم له "خريدة القصر وجريدة العصر" فالمجانسة واضحة بين خريدة وجريدة وبين القصر والعصر، وهي أكثر وضوحًا وتصنعًا في كتابه "نصرة الفترة وعصرة القطرة" الذي مر ذكره قبل قليل. وغلو العماد في صناعته الفنية لم يكن يخلو أحيانًا من طرافة، فهو صاحب الأبيات التي تعتبر مثالًا صارخًا للصنعة البديعية في قوله موجهًا أبياته إلى القاضي عبد الرحيم البيساني: أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك والجو منه مظلم ... لكن أنارته السنا بك يا دهر لي عبد الرحيم ... فلست أخشى مس نابك بل إنه كثيرًا مما عمد إلى الأحاجي في اصطناعه الإطراف الأدبي كإنشاء جمل تقرأ طردًا وعكسًا، فقد رأى القاضي الفاضل، وهو يمتطي صهوة جواده، فقال له، فيما يظن البعض أنها بديهية: سر فلا كبا بك الفرس. وإذا نظرنا إلى هذه الجملة وقرأناها من اليسار إلى اليمين

стр. 275

وجدناها هي نفسها التي نكتبها من اليمين إلى اليسار، وتمضي الرواية، فتقول: إن القاضي الفاضل كان من الذكاء بحيث التقط التحية فرد عليها على الفور بمثلها، قائلًا: دام علا العماد، وهذه الجملة شبيهة بجملة العماد من حيث قراءتها طردًا وعكسًا. فإذا ما عدنا إلى الخريدة وجدناها تشمل الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى السنة ٥٧٢هـ وهي السنة التي انتهى فيها العماد من تأليفها. ولا ترجع قيمة الخريدة إلى تغطية هذه الفترة من الزمان التي تناهز ثلاثة أرباع القرن وحسب، وإنما تكمن قيمتها في كونها قد غطت المساحة المكانية المترامية الأطراف من الأرض الإسلامية فضمت كل شعراء العراق والعجم والشام، والجزيرة، ومصر، والمغرب، فجعل العماد قسمًا لكل قطر من هذه الأقطار بحيث ضم الكتاب أربعة أقسام، وكل قسم يشتمل على عدة أجزاء، فهناك القسم الخاص ببلاد الشام، والقسم الخاص بمصر وصقلية والمغرب والأندلس، والقسم الخاص بشعراء العراق، والقسم الخاص ببلاد العجم وفارس وخراسان. ويذكر العماد كل بلدة أو مدينة ويتبعها بشعرائها فيتحدث في قسم الشام عن شعراء حمص وحماة وشيزر، فالمعرة، وحلب، ومنبج، وحران، ويتعدى ذلك فينشئ بابًا يخص به شعراء جزيرة بني ربيعة وديار بكر وما يجاورها. ومن الطريف أنه يلحق شعراء الحجاز وتهامة واليمن بالقسم الثالث الخاص ببلاد الشام. ولم يقف جهد العماد الأصفهاني عند مجرد الشعر الذي يصل إليه إنما كان يتنقل من مكان إلى مكان، ومن قطر إلى قطر يقابل الشعراء والرواة، ويسمع منهم ويناقشهم، ثم يقوم بعملية تدوينه البارعة. وإذا كان البيهقي قد ألف ذيلًا على دمية الباخرزي أسماه وشاح الدمية، فإن العماد الأصفهاني قد أنشأ بنفسه ذيلًا لخريدته أسماه "السيل على الذيل"، ولعله في ذلك قد آثر أن يستدرك ما فاته بنفسه بدلًا من أن يستدرك عليه غيره كما فعل البيهقي مع الباخرزي. وتمر فترة طويلة من الزمان تناهز الأربعة قرون أو أكثر قليلًا قبل أن تستأنف حلقات هذه الموسوعات الرائعة من كتب طبقات شعراء العربية، ولكن قبل أن ننتقل هذه النقلة الواسعة فإن أمرًا على جانب كبير من الخطورة يلفت نظرنا بحيث لا يستطيع أن نهمل ذكره، أو نتفادى خطره، ذلك أننا إذا أمعنا النظر في أسماء ونسبة كبار هؤلاء المؤلفين فإننا سوف نجد الثعالبي منتسبًا إلى "نيسابور"، والباخرزي منتسبًا إلى "باخرز" وهي بلدة من نواحي نيسابور أيضًا، والعماد الأصفهاني منتسبًا إلى "أصفهان" بل هو مولود فيها، تمامًا كما أن الباخرزي مولود في باخرز والثعالبي مولود في نيسابور، وهي قصة إن دلت على شيء فإنما تدل على سحر في أدبنا تغلغل في نفوس كل من اشتغل به من عرب أو عجم، فملك عليهم

стр. 276

كل أسباب اهتمامهم، وملأ عليهم كل نواحي حياتهم، ففنوا فيه وأصبحوا نساكًا في محرابه، وتوفروا عليه بمجامع خواطرهم وفيض عواطفهم وذوب قلوبهم، بحيث قدموا لنا هذه الموسوعات الرائعة الخالدة، ذلك أن الوطن وأن اللغة وأن الأدب كانت كلها للمسلمين جميعًا، وليست لطائفة دون الأخرى من عرب أو عجم أو سود أو بيض، وأن الثقافة العربية كانت من السماحة بحيث استقطبت كل هذه الأجناس، وأن الأدب العربي كان من رحابة الصدر وسعة الأفق بحيث بسط جناحيه على هؤلاء جميعًا، فاستظلوا بظله ونعمه بفيئه فكانت ظلاله، وأفياؤه من الحنان، والرفق، والإيحاء، والخصوبة بحيث جعلت العطاء وفيرًا والحصاد مباركًا. ٨- أبو العباس أحمد بن محمد، شهاب الدين الخفاجي المتوفى سنة ١٠٦٩هـ، وهو أحد القضاة المصريين الذين جابوا الأقطار الإسلامية وانتقلوا بين ديارها، فأتاحت له ثقافته كما ساعدته همته على أن ينشئ العديد من الكتب النافعة، وفي مقدمتها كتابه "ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا" و "شفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل" و "شرح درة الغواص في أوهام الخواص للحريري" و "نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض" و "عناية القاضي وكفاية الراضي" وهي حاشية على تفسير البيضاوي. وهذه الكتب جميعًا مطبوعة برد حياضها المتأدبون وينهل من فيضها الباحثون. هذا وله كتب مخطوطة لم تخرج إلى النور بعد، مثل "خبايا الزوايا بما في الرجال من البقايا" و "ريحانة الندمان" و "ديوان الأدب في ذكر شعراء العرب" و "السوائح"، كما أن له ديوان لا يزال مخطوطًا. فالخفاجي، وهذه مؤلفاته ومخلفاته، علم من أعلام اللغة والأدب، وهو قاض جليل في مدن الخلافة العثمانية عاش متقلدًا القضاء متنقلًا بين الولايات في مصر ودمشق وحلب وسلانيك والبلقان، على أن أهم ما يعنينا من تلك المؤلفات في هذا المقام هو كتابه "ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا" الذي قدم فيه نماذج مختارة من التعريف بشعراء الشام ومصر والمغرب وجزيرة العرب، ولكن عمله هذا الجليل لم يكن من الاتساع بمكان، فجاء من بعده عالمان جليلان رسمًا على منواله وأتما عمله، هما المحبي وابن معصوم. ٩- محمد أمين بن فضل الله محب الله المحبي المتوفى سنة ١١١١هـ، ولعل شهرة المحبي ترتبط بعمله العلمي الكبير الجليل "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" وهو أكبر المراجع التي نستشيرها حينما نحاول الإلمام بشخصية من شخصيات ذلك القرن، كما أن له، وهذا هو الذي يعنينا، كتاب "نفحة الريحانة ورشحة طلا الحانة". وهو الحلقة من حلقات كتب طبقات الشعراء المتممة لكتاب الخفاجي الذي مر ذكره: "ريحانة الألبا". وقد اتسع المحبي في "نفحته" اتساعًا فيه عمق وشمول. والكتاب ضخم كبير، ظهرت منه حتى

стр. 277

الآن عدة مجلدات أثبتت قيمتها للباحث في ميدان الدراسات الأدبية في القرن الحادي عشر، والمحبي بنص في مقدمته على أنه قد وجد بعض النقص في كتاب الخفاجي وربما بعض الإغفال، فكان ذلك هو السبب في تأليفه كتابه الكبير الذي أسماه، كما مر بنا، "نفحة الريحانة ورشحة طلا الحانة" وكأنما هو يعترف بفضل الخفاجي ويحمد له عمله: "الريحانة" ومن ثم فقد اعتبر كتابه الكبير نفحة من نفحات الخفاجي فسماه "نفحة الريحانة" وزاد "ورشحة طلا الحانة". على أن "نفحة الريحانة" مرتب على ثمانية أبواب: الباب الأول يشتمل على "محاسن شعراء دمشق ونواحيها" ويختص الثاني "بنوادر أدباء حلب" ويتناول الثالث "نوابغ بلغاء الروم"، ويتضمن الباب الرابع "ظرائف ظرفاء العراق والبحرين" والباب الخامس في "لطائف لطفاء اليمن" والسادس من "عجائب نبغاء الحجاز" والسابع في "غرائب فقهاء مصر" والثامن في "نجائب أذكياء المغرب". ولا يفوتنا أن نذكر أن مؤلفنا الكبير كان هو الآخر صورة لزمانه الذي ولع أدباؤه بالصنعة ولعًا لافتًا للأنظار حتى في عناوين كتبهم. فنلاحظ أن مؤلفنا يقول: محاسن شعراء، ونوادر أدباء، ونوابغ بلغاء، وظرائف ظرفاء، ولطائف لطفاء وعجائب نبغاء ... إلخ مما مر بنا من عناوين أبوابه وقد التزم صيغتين للسجع بعينهما، هما: "فعائل فعلاء". على أنه مما لا ينبغي غض الطرف عنه أن للمحبي فضلًا عن كتابيه الكبيرين: "خلاصة الأثر" و"نفحة الريحانة" كتبًا أخرى ذات وزن وقيمة في الأدب، واللغة منها: "قصد السبيل بما في اللغة من دخيل"، وهو لا شك بذلك متمم ومذيل لكتاب الخفاجي "شفاء العليل في ما في كلام العرب من الدخيل"، ومشى فيه على حروف المعجم حتى بلغ حرف الميم. كما أن للمحبي أيضًا كتاب "ما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه" و"جني الجنتين في تمييز نوعي المثنيين" و"الأمثال"، وكل من "الأمثال" و"المضاف والمضاف إليه" لا يزالان مخطوطين. هذا وإن له ديوان شعر مخطوطًا، وهو في ثقافته ومؤلفاته، كأنما يحذو حذو سلفه الخفاجي. وإذن فهناك وجوه شبه كبيرة بين كل من العالمين الأديبين بل إنهما متشابهان في الوظيفة التي وليها كل منهما، والأماكن التي تنقلا فيها على اختلاف زمانهما، فالأول ينتسب إلى النصف الأول من القرن العاشر، والثاني ينتسب إلى النصف الثاني منه، وإلى طرف من القرن الثاني عشر. ١٠- ابن معصوم وهو علي بن أحمد بن محمد معصوم الذي يعرف أيضًا بعلي خان بن مرزا، المتوفى سنة ١١١٩هـ. وهو كما نرى في تاريخ وفاته معاصر للمحبي، غير أنهما،

стр. 278

وإن تعاصرا زمانًا، فقد اختلفا إقامة ومكانة، فالمحبي دمشقي، وأما ابن معصوم فهو شيرازي الأصل مكي المولد، هندي الإقامة شيرازي الوفاة، وكما أخذ المحبي على الخفاجي بعض النقص في كتاب "ريحانة الألبا" فإن ابن معصوم قد أدرك الإدراك نفسه وأخذ على الخفاجي إهماله جماعة من مجيدي الشعراء ومفيدي البلغاء على حد تعبيره، ولكنه في الوقت نفسه يلتمس له العذر في ذلك لبعد دياره عن ديارهم وأن الليالي لم تأته بأسمائهم. ومن ثم فقد قام باستدراك النقص الذي رآه وضمنه كتابه "سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر" وهو في سلافته قد نهج تقسيمًا مشابهًا لتقسيم المحبي. وإن كان المحبي أغزر وأوفر وأوسع مادة وشعرًا ورأيًا. المهم أن صاحب "السلافة" اختار من ترجم لهم من أهل المائة الحادية عشرة، وجعلهم في خمسة أقسام: القسم الأول جعله في محاسن أهل "الحرمين الشريفين" وجعل الثاني في "الشام ومصر ونواحيهما" والثالث في "اليمن" والرابع في "العجم والبحرين والعراق" والخامس في "أهل المغرب". ولم يقتصر نشاط ابن معصوم، على رغم كونه أعجميًّا، على "سلاسة العصر" وحدها، ولكنه مؤلف لمجموعة أخرى من الكتب الأدبية مثل "أنوار الربيع" وهو مطبوع و "سلوة الغريب" الذي وصف فيه رحلته إلى حيدر أباد كما أن له ديوان شعر. ولما كان ابن معصوم من أعلام الشيعة على زمانه، وله في مذهبه مشاركة ودراسة، فقد ألف كتابًا لا يزال مخطوطًا تحت عنوان "الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة". وإذا كان لنا أن نلخص سلسلة طبقات الشعراء في "طبقات الشعراء" لابن المعتز، ثم "من اسمه عمرو من الشعراء" و "الورقة" لا بن داود الجراح، ثم "يتيمة الدهر" للثعالبي، ثم "دمية القصر وزهرة أهل العصر" للباخرزي، ثم "زينة الدهر" لسعد بن علي المعروف بالحظيري الوراق، ثم "خريدة القصر وجريدة العصر" للعماد الأصفهاني، ومعها كتابه "السيل على الذيل" ثم "ريحانة الألبا وزهرة أهل الدنيا" للشهاب الخفاجي، ثم "نفحة الريحانة ورشحة طلا الحانة" للمحبي، ثم "سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر" لابن معصوم. إن هذه السلسلة من الكتب النفيسة القيمة هي لنوع واحد من الطبقات، ولكن هناك أيضًا كتب أخرى للاختيار من شعر الشعراء نفيسة القيمة، وفيرة المادة شهيرة الفائدة بدأت بالقصائد التي اختارها المفضل الضبي للمهدي العباسي وسماها "المفضليات" ثم تتابعت السلسلة في مختارات الأصمعي التي سماها "الأصمعيات" وغيرها، ثم المختارات التي سميت بكتب الحماسة بادئة من القرن الثالث الهجري بحماستي أبي تمام والبحتري، منتهية بحماسة البارودي في القرن الماضي، ولنا في هذا الشأن حديث قريب.

стр. 279

الباب الثامن: الاختيارات الشعرية والحماسات الفصل الأول: المراحل الأولى في الاختيارات السموط أو المعلقات: سلف القول إن الشعر كان يحفظ في صدر الشعراء وصدور رواتهم غير مكتوب أو مدون، وكان لكل شاعر صديق يحفظ شعره ويرويه الناس، وكان شعر شاعر ما ينتقل من جيل إلى جيل من خلال الرواية التي كانت صادقة أمينة على الأغلب، اللهم إلا حين كانت ذاكرة الراوية تخونه في بيت أو بيتين في قصيدة بعينها، أو أن تصيبه الشيخوخة فيعتور ذاكرته بعض الضعف، وحتى في هذه الحالة الأخيرة، وقبل أن تشيخ الذاكرة، كانت ذاكرة شابة أخرى تلتقط من الراوية كل ما عنده أو أكثر، وبهذا النهج أمكن المحافظة على قدر غير قليل من الشعر العربي. وحين شاعت الكتابة بين الناس بدأ الرواة والمتأدبون يسجلون ما في حوافظهم من شعر لهذا الشاعر، أو ذاك أو لشعراء هذه القبيلة أو تلك، فجمعت منتخبات لشعراء أفراد، وقصائد لشعراء القبائل، واختيارات لكبار الشعراء. وكان أول من أقدم على مثل هذا العمل من الرواة حماد بن سابور بن المبارك الذي يعرفه المتأدبون باسم حماد الراوية الذي توفي على الأرجح سنة ١٥٥هـ. لقد كثرت الأخبار حول ضخامة القدر الذي كان يحفظه من شعر الأقدمين، وكان ملوك بني أمية يبعثون إليه في العراق ليزورهم في الشام ويروي لهم مما يحفظ، أو يجيب عما يسألون، وله قصص طريفة مع كل من يزيد وهشام ابني عبد الملك ومع الوليد بن يزيد١.

стр. 280

على أن الذي نهتم له هنا هو أن حمادًا هذا كان أول من دون شعرًا، فقد جمع القصائد الجاهلية المشهورة وسماها المعلقات أو السموط، وهناك اختلاف في عدد المعلقات التي جمعها وأصحابها، وهل هي خمس أو سبع أو عشر. غير أن هناك اتفاقًا في الروايات على أن خمسًا منها من جمعه وهي معلقات امرئ القيس، وطرفة، ولبيد، وزهير، وعمرو بن كلثوم، والمعلقتان الأخريان المختلف عليهما هما قصيدتا عنترة والحارث بن حلزة، أو قصيدتا النابغة الذبياني والأعشى. وإن كان المفضل الضبي يرى أن المعلقتين السادسة والسابعة هما للنابغة والأعشى حسبما ذكر بروكلمان١. ولقد لقيت المعلقات من عناية الدارسين والشارحين ما لم تنله أي مجموعة، أو ديوان من دواوين الشعراء ربما باستثناء ديوان المتنبي، وهي أحيانًا تذكر بعنوان المعلقات العشر أو القصائد العشر بإضافة قصيدة عبيد بن الأبرص إلى القصائد التسع التي مر ذكرها. على أن أهم الشروح التي كتبت لهذه القصائد وأجودها هي شروح الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦هـ وأبي بكر الأنباري المتوفى ٣٢٧هـ ويحيى بن علي التبريزي المتوفى ٥٠٢هـ.

стр. 281

المفضليات: وهي كما يبدو من عنوانها من جمع واختيار المفضل الضبي المتوفى سنة ١٧٥هـ، والذي سبقت لنا دراسة مختصرة لحياته في مستهل هذا الكتاب، والحق أن المفضليات تعتبر أول جمع أو اختيار يسجل على صفحات قرطاس ويعلم به فرد بذاته، ومن ثم فإن المفضليات من حيث ارتباطها بمنهج هذا الكتاب يمكن أن يكون مكانها في باب الأمالي؛ لأنها أمليت على الأمير العباسي محمد بن جعفر المنصور الذي صار خليفة فيما بعد وتلقب بالمهدي، ويمكن أن يكون مكانها في باب كتب الحماسة واختيارات الشعراء -أعني هذا الباب-؛ لأنها تضم قصائد مختارة، ومن ثم آثرنا إثباتها وزميلات لها مثل مختارات الأصمعي "الأصمعيات" ومختارات القرشي "جمهرة شعراء العرب"، وديوان الهذليين هنا في هذا الباب لارتباطه بتدوين الشعر، وأول من حاول جمع اختيارات منه ونماذج. ويضم ديوان المفضليات التي بين أيدينا، ونعتمد عليها في هذه الدراسة مائة وثلاثين

стр. 282

قصيدة١، ويذكر محققا هذه النسخة أن عدد القصائد التي رويت بشرح أبي محمد الأنباري الكبير مائة وست وعشرون قصيدة وأنهما أضافا القصائد الأربع المكملة لعدد المائة والثلاثين من نسخ أخرى غير نسخة ابن الأنباري. وأما ابن النديم، فيذكر أن عدد قصائد المفضليات مائة وثمانٍ وعشرون قصيدة مختارة٢. على أن هناك شبه اتفاق على أن المفضليات التي بين أيدينا ليست جميعها من اختيار المفضل الضبي، وأن عدد القصائد التي قرأها المفضل على المهدي، ولقنه فهم تاريخ الأدب ونصوصه بواسطتها ثمانون فقط، ثم قرأها بعض أصحاب الأصمعي عليه، وقد أضافوا إليها بعض ما أعجبوا به من خيار الشعر وسألوه عن غريبه فزاد عددها٣. بل إن الطريف في الأمر أن المفضليات الثمانين ليست من اختيار المفضل نفسه، وإنما هي من اختيار إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي الذي خرج على المنصور هو وأخوه محمد، وآل الحسن كلهم أدب وفضل وشمائل وكانوا مقصد الشعراء وموئل القصاد، كان إبراهيم متواريًا عند المفضل، وكان يقضي وقته في القراءة تفاديًا للسأم الذي يشعر به صاحب الفراغ فعكف على كتب كان المفضل يقدمها إليه، فاختار إبراهيم سبعين قصيدة٤ ثم أضاف المفضل إليها عشرًا من اختياره هو فكانت الثمانين قصيدة التي حملت اسمه، وعرفت بالمفضليات، فلما احتفظ المنصور بالمفضل الضبي بعد أن قضى على ثورة بني الحسن كلفه أن يخرج ولده محمدًا في الشعر فعلمه من خلال القصائد التي اختيرت بعناية وذوق واهتمام. وإن أكثر قصائد المفضليات لشعراء جاهليين ومخضرمين وإسلاميين، ولكنهم على شهرة بعضهم من المقلين المجيدين في إنشائهم المجودين في شعرهم مثل أفنون التغلبي وبشامة بن عمرو، وبشر بن عمرو بن مرثد، وتأبط شرًّا، والشنفرى، والحصين بن الحمام المري، وأبي ذؤيب الهذلي، والحارث بن حلزة، وذي الإصبع العدواني، ومتمم بن نويرة، وعلقمة الفحل، وعامر بن الطفيل، والمثقب العبدي، والمخبل السعدي، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، والمسيب بن علس وغيرهم، وهي في أكثرها أسماء معروفة لخاصة

стр. 283

الدارسين دون عامتهم، ولكن لشعرهم وزنًا وعمقًا وفحولة في إطار من مقدرة القول وملكة الشعر. ومن الطريف أن المنصور نفسه كان ذا رأي في اختيار هذا اللون من الشعر لهذا الصنف من الشعراء المقلين، فقد كان المنصور واسع العلم والأخبار محبًّا للشعر وبخاصة الجيد منه، وكان كملك وأب يعد ولده لتولي الملك يشرف من بعيد على النهج الذي يسلكه مربي ولده والموضوعات التي يتفقه من خلالها، فقد مر ذات يوم بالمهدي يقرأ على أستاذه المفضل قصيدة المسيب بن علس العينية التي مدح بها القعقاع بن معبد بن زرارة عظيم بني تميم في الجاهلية والإسلام، والذي كان يقال له لكرمه وجوده "تيار الفرات" فلم يزل واقفًا من حيث لم يشعر به أحد حتى استوفى سماعها، ثم ذهب إلى مجلسه وبعث في طلب التلميذ الأمير والأستاذ العلامة، فلما حضرا أبدى المهدي إعجابه الشديد بحسن اختيار المفضل للشعر وأثنى عليه، ثم قال له: لو عمدت إلى أشعار المقلين واخترت لفتاك -أي للمهدي- لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابًا١ ومن هنا كانت المحافظة على هذا اللون الفخم من الشعر الجزل في القول، المكين في البناء. فلنتفقد بعض أبيات تلك القصيدة التي أعجبت المنصور والتي تأدب وتخرج عليها المهدي. يستهل المسيب مديحته بالنسيب البدوي فيقول: أرحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع من غير مقلية وإن جبالها ... ليست بأرمام ولا أقطاع إذ تستبيك بأصلتي ناعم ... قامت لتفتنه بغير قناع ومها يرف كأنه إذ ذقته ... عانية شجت بماء يراع أو صؤب غادية أدرته الصبا ... ببزيل أزهر مدمج بسياع

стр. 284

فرأيت أن الحكم مجتنب الصبا ... وصحوت بعد تشوق ورواع ويصف المسيب ناقته التي تحمله إلى ممدوحه بهذا الوصف العجيب: وإذا تعاورت الحصى أخفافها ... دوى نواديه بظهر القاع وكأن غاربها رباوة مخرم ... وتمد ثني جديلها بشراع وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... نبض الفرائض مجفر الأضلاع مرحت يداها للنجاء كأنما ... تكرو بكفي لاعب في صاع فعل السريعة بادرت جدادها ... قبل المساء تهم بالإسراع فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع* هذا وإنه مهما اخترنا من نماذج المفضليات وقدمناها فلن نشفي لقارئ غلة، فإن المفضليات من اللون الشعري ذي الأعماق والآفاق والذي لا يصبر عليه إلا من كان أعد لفهم الشعر، فإذا كان لديه هذا الاستعداد استطاع أن يتذوق طعمه وأن يسبر عمقه وأن يقدره حق قدره. إن هذا الشعر هو الذي جعل المهدي يجلس للشعراء في مصلاه يستمع إلى المجيد فيثيبه، وإلى المقلد فيرد عليه شعره، وربما سهر مسهدًا في بيت أو بيتين من الشعر الإنساني حتى يجد من يخفف عليه ويسري عنه.

стр. 285

الأصمعيات: إن الأصمعيات هي مجموعة القصائد التي اختارها عبد الملك بن قريب الأصمعي على نسق اختيار أستاذه المفضل الضبي، وإذا كانت مجموعة اختيار المفضل سميت
следующие страницы →