← Указатели

Указатели · id 7248

مناهج التأليف عند العلماء العرب

مصطفى الشكعة

Полный текст (502 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المفضليات: وهي كما يبدو من عنوانها من جمع واختيار المفضل الضبي المتوفى سنة ١٧٥هـ، والذي سبقت لنا دراسة مختصرة لحياته في مستهل هذا الكتاب، والحق أن المفضليات تعتبر أول جمع أو اختيار يسجل على صفحات قرطاس ويعلم به فرد بذاته، ومن ثم فإن المفضليات من حيث ارتباطها بمنهج هذا الكتاب يمكن أن يكون مكانها في باب الأمالي؛ لأنها أمليت على الأمير العباسي محمد بن جعفر المنصور الذي صار خليفة فيما بعد وتلقب بالمهدي، ويمكن أن يكون مكانها في باب كتب الحماسة واختيارات الشعراء -أعني هذا الباب-؛ لأنها تضم قصائد مختارة، ومن ثم آثرنا إثباتها وزميلات لها مثل مختارات الأصمعي "الأصمعيات" ومختارات القرشي "جمهرة شعراء العرب"، وديوان الهذليين هنا في هذا الباب لارتباطه بتدوين الشعر، وأول من حاول جمع اختيارات منه ونماذج. ويضم ديوان المفضليات التي بين أيدينا، ونعتمد عليها في هذه الدراسة مائة وثلاثين

стр. 282

قصيدة١، ويذكر محققا هذه النسخة أن عدد القصائد التي رويت بشرح أبي محمد الأنباري الكبير مائة وست وعشرون قصيدة وأنهما أضافا القصائد الأربع المكملة لعدد المائة والثلاثين من نسخ أخرى غير نسخة ابن الأنباري. وأما ابن النديم، فيذكر أن عدد قصائد المفضليات مائة وثمانٍ وعشرون قصيدة مختارة٢. على أن هناك شبه اتفاق على أن المفضليات التي بين أيدينا ليست جميعها من اختيار المفضل الضبي، وأن عدد القصائد التي قرأها المفضل على المهدي، ولقنه فهم تاريخ الأدب ونصوصه بواسطتها ثمانون فقط، ثم قرأها بعض أصحاب الأصمعي عليه، وقد أضافوا إليها بعض ما أعجبوا به من خيار الشعر وسألوه عن غريبه فزاد عددها٣. بل إن الطريف في الأمر أن المفضليات الثمانين ليست من اختيار المفضل نفسه، وإنما هي من اختيار إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي الذي خرج على المنصور هو وأخوه محمد، وآل الحسن كلهم أدب وفضل وشمائل وكانوا مقصد الشعراء وموئل القصاد، كان إبراهيم متواريًا عند المفضل، وكان يقضي وقته في القراءة تفاديًا للسأم الذي يشعر به صاحب الفراغ فعكف على كتب كان المفضل يقدمها إليه، فاختار إبراهيم سبعين قصيدة٤ ثم أضاف المفضل إليها عشرًا من اختياره هو فكانت الثمانين قصيدة التي حملت اسمه، وعرفت بالمفضليات، فلما احتفظ المنصور بالمفضل الضبي بعد أن قضى على ثورة بني الحسن كلفه أن يخرج ولده محمدًا في الشعر فعلمه من خلال القصائد التي اختيرت بعناية وذوق واهتمام. وإن أكثر قصائد المفضليات لشعراء جاهليين ومخضرمين وإسلاميين، ولكنهم على شهرة بعضهم من المقلين المجيدين في إنشائهم المجودين في شعرهم مثل أفنون التغلبي وبشامة بن عمرو، وبشر بن عمرو بن مرثد، وتأبط شرًّا، والشنفرى، والحصين بن الحمام المري، وأبي ذؤيب الهذلي، والحارث بن حلزة، وذي الإصبع العدواني، ومتمم بن نويرة، وعلقمة الفحل، وعامر بن الطفيل، والمثقب العبدي، والمخبل السعدي، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، والمسيب بن علس وغيرهم، وهي في أكثرها أسماء معروفة لخاصة

стр. 283

الدارسين دون عامتهم، ولكن لشعرهم وزنًا وعمقًا وفحولة في إطار من مقدرة القول وملكة الشعر. ومن الطريف أن المنصور نفسه كان ذا رأي في اختيار هذا اللون من الشعر لهذا الصنف من الشعراء المقلين، فقد كان المنصور واسع العلم والأخبار محبًّا للشعر وبخاصة الجيد منه، وكان كملك وأب يعد ولده لتولي الملك يشرف من بعيد على النهج الذي يسلكه مربي ولده والموضوعات التي يتفقه من خلالها، فقد مر ذات يوم بالمهدي يقرأ على أستاذه المفضل قصيدة المسيب بن علس العينية التي مدح بها القعقاع بن معبد بن زرارة عظيم بني تميم في الجاهلية والإسلام، والذي كان يقال له لكرمه وجوده "تيار الفرات" فلم يزل واقفًا من حيث لم يشعر به أحد حتى استوفى سماعها، ثم ذهب إلى مجلسه وبعث في طلب التلميذ الأمير والأستاذ العلامة، فلما حضرا أبدى المهدي إعجابه الشديد بحسن اختيار المفضل للشعر وأثنى عليه، ثم قال له: لو عمدت إلى أشعار المقلين واخترت لفتاك -أي للمهدي- لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابًا١ ومن هنا كانت المحافظة على هذا اللون الفخم من الشعر الجزل في القول، المكين في البناء. فلنتفقد بعض أبيات تلك القصيدة التي أعجبت المنصور والتي تأدب وتخرج عليها المهدي. يستهل المسيب مديحته بالنسيب البدوي فيقول: أرحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع من غير مقلية وإن جبالها ... ليست بأرمام ولا أقطاع إذ تستبيك بأصلتي ناعم ... قامت لتفتنه بغير قناع ومها يرف كأنه إذ ذقته ... عانية شجت بماء يراع أو صؤب غادية أدرته الصبا ... ببزيل أزهر مدمج بسياع

стр. 284

فرأيت أن الحكم مجتنب الصبا ... وصحوت بعد تشوق ورواع ويصف المسيب ناقته التي تحمله إلى ممدوحه بهذا الوصف العجيب: وإذا تعاورت الحصى أخفافها ... دوى نواديه بظهر القاع وكأن غاربها رباوة مخرم ... وتمد ثني جديلها بشراع وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... نبض الفرائض مجفر الأضلاع مرحت يداها للنجاء كأنما ... تكرو بكفي لاعب في صاع فعل السريعة بادرت جدادها ... قبل المساء تهم بالإسراع فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع* هذا وإنه مهما اخترنا من نماذج المفضليات وقدمناها فلن نشفي لقارئ غلة، فإن المفضليات من اللون الشعري ذي الأعماق والآفاق والذي لا يصبر عليه إلا من كان أعد لفهم الشعر، فإذا كان لديه هذا الاستعداد استطاع أن يتذوق طعمه وأن يسبر عمقه وأن يقدره حق قدره. إن هذا الشعر هو الذي جعل المهدي يجلس للشعراء في مصلاه يستمع إلى المجيد فيثيبه، وإلى المقلد فيرد عليه شعره، وربما سهر مسهدًا في بيت أو بيتين من الشعر الإنساني حتى يجد من يخفف عليه ويسري عنه.

стр. 285

الأصمعيات: إن الأصمعيات هي مجموعة القصائد التي اختارها عبد الملك بن قريب الأصمعي على نسق اختيار أستاذه المفضل الضبي، وإذا كانت مجموعة اختيار المفضل سميت

стр. 286

بالمفضليات لشهرته باسمه دون لقبه، فإن مجموعة عبد الملك الأصمعي سميت بالأصمعيات لشهرته بلقبه دون اسمه، والنسخة التي نعتمد عليها في هذه الدراسة هي نسخة الشنقيطي المنسوخة سنة ١٢٨٥هـ، عن نسخة قديمة عليها خط ابن الأنباري، ولقد قام على تحقيق هذه النسخة، وأشرف على طبعها المحققان أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون. وإذا كانت المفضليات التي مر ذكر حديثها تضم اثنتين وتسعين قصيدة، منها إحدى عشرة قصيدة مكررة في المفضليات للشعراء وأحيانًا للشاعر الواحد أكثر من قصيدة مكررة كما هو الحال بالنسبة لكل من حاجب بن حبيب الأسدي، زبان بن سيار المري، سنان بن أبي حارثة المري، عامر بن الطفيل، عبد قيس بن خفاف، فإن لكل واحد من هؤلاء الشعراء قصيدتين مكررتين في كل من المفضليات، والأصمعيات. وهناك شاعر واحد ذكرت له قصيدة واحدة مكررة في كل من المجموعتين، هو سبيع بن الخطيم. والحق أن للكتب جدودًا سعيدة، وحظوظًا كما أن للبشر جدودًا سعيدة وحظوظًا، فإن المفضليات من الشهرة والجريان على الألسنة والشفاه بحيث تتضاءل أمامها الأصمعيات، مع أن قارئ المجموعتين بإمعان وحيدة سوف يكون أكثر إعجابًا وأشمل طربًا بنماذج الأصمعيات منه بأختها المفضليات، فالأصمعي أديب حافظ راوية ظريف وقد انعكست شخصيته إلى حد كبير على مختاراته، أما مختارات المفضل فحادة جادة فحلة فخمة مليئة بالألفاظ التي يحتاج فهمها إلى كشاف أو معجم لغوي وليس الأمر كذلك في الأصمعيات، وربما كان الناس في الماضي يطربون للإنشاءات المليئة بالألفاظ الغريبة الكثيرة أكثر من طربهم بقريناتها السهلة العذبة، بل إن الأمر في ذلك في مقام التأكيد، وليس الترجيح فكان أن غلبت شهرة المفضليات حسن اختيار الأصمعيات تمامًا كما غلبت -فيما بعد- شهرة مقامات الحريري على صعوبة ألفاظها ووعورة سجعها، مقامات بديع الزمان على رقة أسلوبها وخصب خيالها وجمال إيقاعها.

стр. 287

جمهرة أشعار العرب وتأتي جمهرة أشعار العرب كمثال للجمع والاختيارات المبكرة للشعر العربي، فإذا كانت المعلقات هي المحاولة الأولى، والمفضليات هي المحاولة الثانية، والأصمعيات هي المحاولة الثالثة فإن جمهرة شعراء العرب لجامعها أبي زيد محمد بن أبي طالب الخطاب القرشي تعتبر المحاولة الرابعة.

стр. 288

ربما ذهب بعض الدارسين إلى وجوب وضعها في الفترة نفسها التي وضع فيها الضبي مفضلياته، ذلك أن البستاني في مقدمة الإلياذة حدد وفاة أبي زيد القرشي صاحب الجمهرة بسنة ١٧٠هـ وهذا التحديد بعيد كل البعد عن الحقيقة، ذلك أن من روى عنهم أبو زيد والمعاصرون له قد عاشوا في منتصف القرن الثالث الهجري، ذلك أن أبا زيد يذكر أحد الأخبار قائلًا: "وعن المقنع، عن أبيه، عن الأصمعي قال: دخلت البادية من ديار فهم، فقال لي رجل منهم: ما أدخل القروي باديتنا؟ فقلت: طلب العلم، قال: عليك بالعلم فإنه أنس في السفر، وزين في الحضر، وزيادة في المروءة، وشرف في النسب، وفي مثلهذا يقول الشاعر: عي الشريف يشين منصبه ... وابن اللئيم يزينه الأدب"١ وإنهذا الخبر على طرافته لا يعنينا كثيرًا من حيث كونه خبرًا، وإنما يعنينا من حيث الرواية التي تحدد لنا الفترة الزمنية التي عاش فيها صاحب الجمهرة، إن الأصمعي قد توفي سنة ٢١٦هـ وأبو زيد لم يرو عنه مباشرة وإنما روي عن جيلين بعده، وهما المقنع وأبوه، فإذا افترضنا أن بين كل جيل وسابقه خمسة وعشرين عامًا يكون أبو زيد قد عاش حوالي سنة ٢٥٠هـ يعني منتصف القرن الثالث. وعلى كل حال فإنه بالتأكيد لم يمت عام ١٧٠هـ كما ذكر البستاني، وإنما عاش على التأكيد بعد وفاة الأصمعي بجيلين، ولقد ذكرنا من قبل أن الأصمعي مات سنة ٢١٦هـ. وبذلك يتأكد لنا أن جمهرة أشعار العرب تمثل المرحلة الرابعة في اختيارات الشعر. وإذا كان كل من حماد والمفضل والأصمعي لم يقدم لاختياراته بدارسة أو مقدمة، فإن أبا زيد القرشي قد كتب مقدمة غير قصيرة لكتابه تجمع بين الصواب والخطأ، وتقرن الغث بالسمين، ففي مقدمته نسب شعرًا إلى سيدنا آدم ونسب شعرًا آخر إلى إبليس وإلى العمالقة وغيرهم من الأمم التي بادت مثل عاد وثمود، بل إنه ذكر طرائف كثيرة عن الجن وأشعارهم يمكن للقارئ أن يتسلى بها على ألا يأخذها مأخذ الحقيقة والجدية. غير أنه قدم فصولًا على جانب من القيمة وإن كانت قصيرة نوعًا في أخبار كبار شعراء الجاهلية مثل زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني، ولبيد وأعشى بكر بن وائل ومن قدموهم على غيرهم، كما ذكر أخبارًا قصارًا عن كل من عمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد. والرجل لغرامه بالأشعار التي جعلته ينسب بعضها إلى من ذكرنا من أصحاب عاد

стр. 289

وثمود وهود، لا يجد كبير حرج في أن ينسب شعرًا لكل خليفة من الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر، وعثمان، وعلي١. وفي مجال الإطراف يكتب القرشي فصلًا في شياطين الشعراء، ويذكر في ذلك بعض أسماء هؤلاء منهم: هبيد شيطان عبيد بن الأبرص ومدرك بن واعم شيطان الكميت إلى غير ذلك من الأخبار التي تحلو قراءتها إزجاء للوقت وطلبًا للسمر. ويورد أبو زيد في مقدمته أخبارًا عن الأعراب والشعراء وبعض ملوك بني أمية. ومهما كان الأمر فإن صاحب الجمهرة هو الوحيد بين أصحاب الاختيارات الأول الذي صنع مقدمة لمختاراته مجتهدًا في أن يسبغ عليها ثوبًا علميًّا ولو أنه قد تورط في بعض الخيالات ونأى عن بعض الحقائق. وربما كان صاحب الجمهرة هو أول أصحاب الاختيارات الذين قسموا حصيلة مختاراتهم إلى أقسام متعددة بأسماء مختلفة جذابة، فجعل قسمًا منها تحت اسم المعلقات، وأدرج المعلقات وأدرج تحته قصائد كل من امرئ القيس، زهير بن أبي سلمى، نابغة بني ذبيان، أعشى بكر بن وائل، لبيد بن ربيعة، عنترة بن شداد. والقسم الثاني من اختياراته وضعها تحت اسم المجمهرات، ومعناها المحكمة السبك، ذلك أن الناقة المتداخلة الخلق كأنها جمهور من رمل كانت تسمى المجمهرة، وهي تسمية ابتكرها أبو زيد اجتهادًا منه ولا علينا إذا ما تقبلناها في إطار منطقه، ووضع أبو زيد تحت المجمهرات قصيدة بعينها لكل من: عبيد بن الأبرص، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب. وهي من القصائد الجيدة الممتازة التي تتسم بالفحولة إنشاء والجزالة لفظًا وحبكًا. ومن البداهة بمكان أن كلا من أصحاب المجمهرات هذه، له قصائد أخرى عديدة جيدة. والقسم الثالث من الاختيارات أطلق عليها أبو زيد اسم "المنتقيات" وهي قصيدة منتقاة لكل من المسيب بن علس -وهي غير القصيدة التي أوردها المفضل الضبي- والمرقش الأصغر، والمتلمس "جرير بن عبد المسيح"، وعروة بن الورد، والمهلهل بن ربيعة، ودريد بن الصمة، والمنتخل بن عويمر الهذلي. والمجموعة الرابعة التي اختارها أبو زيد أسماها "المذهبات" وقدم لكل واحد من أصحابها قصيدة واحدة وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبو قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرئ القيس.

стр. 290

والملاحظ أنهم من الأوس والخزرج. والمجموعة الخامسة من مختارات القرشي في جمهرته وضعها تحت عنوان "أصحاب المراثي"، وجاء بسبع من المراثي الجيدة التي نال بعضها شهرة كبيرة، مثل القصيدة العينية لأبي ذؤيب الهذلي، والقصيدة اليائية لمالك بن الريب، التي رثى بها نفسه، والقصيدة العينية لمتمم بن نويرة، ومرثية ذي جدن الحميري في رثاء دولة حمير، ومرثية محمد بن كعب الغنوي في أخيه أبي المغوار الذي قتل في يوم ذي قار، ومرثية أعشى باهلة في أخيه "المنتشر" الذي قتله بنو الحارث بن كعب، ومرثية أبي زيد الطائي في أخيه الجلاح. والمجموعة السادسة التي اختارها القرشي وضعها تحت عنوان "أصحاب المشوبات" وربما قصد بذلك أنها قد شابها الكفر والإسلام، وهي رائية للنابغة الجعدي، ولامية كعب بن زهير "بانت سعاد" ولامية للقطامي عمير بن شييم، ولامية للحطيئة وقصيدة زايية للشماخ بن ضرار التي تناول فيها رحلة حمر الوحش، وقصيدة رائية لعمرو بن أحمر، وأخرى لتميم بن مقبل العامري. والمجموعة السابعة وضعها أبو زيد تحت عنوان "أصحاب الملحمات" وهي قصائد سبع شهيرة لسبعة من الفحول هم: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي، وذو الرمة، والكميت بن زيد الأسدي، والطرماح بن حكيم الطائي. والذي نلاحظه أن عددًا غير قليل من قصائد الجمهرة قد ورد عند كل من المفضل والأصمعي في مختاراتهما، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القرشي قد أبدى اهتمامًا بالشعراء المشهورين الفحول المكثرين مثل: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي، وذي الرمة، والقطامي، والحطيئة، والشماخ، والكميت، والطرماح، وهو في ذلك يخالف المفضل وصاحبه الأصمعي مخالفة جوهرية في منهج القصائد، فلا زلنا نذكر نصيحة أبي جعفر المنصور للمفضل الضبي حين أوصاه بأن يختار لتأديب ولده المهدي قصائد الشعراء المجيدين المقلين الأمر الذي لم يلتزمه أبو زيد القرشي في اختياراته التي أسماها الجمهرة. ومهما كان الأمر فإن في الجمهرة منهجًا وترتيبًا واختيارًا ونصوصًا، ما يميزها عن سابقاتها من محاولات الاختيار، ولكنها تظل حلقة متينة في هذه السلسلة الباكرة من اختيارات الشعراء التي إن تعددت عناوينها وتباينت أسماؤها فهي في آخر الأمر تقصد إلى الهدف نفسه، وتصل بنا إلى الموضوع الذي خصصنا له هذا الباب، وهو موضوع الاختيارات من شعر الشعراء.

стр. 291

٥- شعر القبائل: إن شعر القبائل من الكثرة بمكان والوفرة بمكان، ما من قبيلة إلا وكان لها عدد من الشعراء المبرزين فضلًا عن أولئك الذين كانوا يجيدون الشعر في نطاقها دون أن ينالوا حظًّا من الشهرة أو قسطًا من الاهتمام. ومع ذلك فقد اهتم الرواة بجمع شعر القبائل يجوسون خلال ديارهم يسمعون أخبارهم ويروون أشعارهم، وأشهر من نعرف من جامعي شعر القبائل الأصمعي، وأبو عمرو إسحاق بن مرار الذي كان يجاور شيبان للتأدب فيها فنسب إليها وصار فيما بعد من الأئمة الأعلام في اللغة والشعر والرواية، ولكن نال من شأنه في الأخيرة اشتهاره بشرب النبيذ. والذي يعنينا من شأن أبي عمرو أنه كان أحد المهتمين بجمع شعر القبائل. فلقد جمع وحده شعر نيف وثمانين قبيلة، وكان كلما فرغ من شعر قبيلة وقدمه للناس كتبًا مصحفًا وجعله بمسجد الكوفة حتى كتب نيفًا وثمانين مصحفًا بخط يده١. ولم يكن جمع شعر القبائل هو العمل العلمي الوحيد الذي عمله أبو عمرو، فإن له أعمالًا أخرى علمية مجيدة منها "كتاب الخيل"، "وكتاب اللغات" ويعرف أيضًا بكتاب الحروف وأحيانًا أخرى يعرف بكتاب الجيم، وله أيضًا "كتاب النوادر الكبير"، و"كتاب غريب الحديث"، و"كتاب النخلة"، و"كتاب الإبل، و"كتاب خلق الإنسان". ولا يستكثرن أحدهذه الأعمال -وخصوصًاهذا القدر الضخم من شعر القبائل- لأنه كان هو وأقرانه العلماء من أولي العزم والقوة. هذا فضلًا عن كونه وهب عمرًا مديدًا مباركًا فلقد عاش مائة وستة عشر عامًا، وقيل مائة وعشرة أعوام وتوفي سنة ١٢٣هـ في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم الموصلي.

стр. 292

شعر الهذليين: إنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي قام بها العلماء والرواة من جمع شعر القبائل، فإنه لم يصل إلينا منها إلا شعر قبيلتين اثنتينهما مضر وهذيل، فأما مضر فلا يزال ما وصل إلينا من شعرها مبعثرًا في خزائن المخطوطات لم يشهد النور بعد. وأما شعر الهذليين فهو مطبوع في ديوان من مجلدين مع شرح أبي سعيد الحسن السكري المتوفى سنة ٢٧٥هـ، وكان معاصرًا دون شك لأبي زيد القرشي صاحب جمهرة شعراء العرب التي مر ذكرها، والتي حوت بعض

стр. 293

قصائد لشعراء من هذيل. ويضم المجلد الأول من ديوان شعر الهذليين شعر أحد عشر شاعرًا أشهرهم أبو ذؤيب -بطبيعة الحال- وأبو جندب، ومعقل بن خويلد، ومالك بن خالد. وإن أكثرهم عدد قصائد وفحولة قول هو أبو ذؤيب فإن له وحده في هذا الجزء من الديوان ثلاثًا وثلاثين قصيدة وأرجوزة واحدة أولاها وأولى قصائد الديوان قصيدته العينية المشهورة التي قالها في رثاء أولاده الخمسة، حين ماتوا جميعًا بالطاعون في مصر والتي مطلعها: أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع وهي من عيون قصائد الرثاء في الشعر العربي، ولا يكاد كتاب أدب نفيس يخلو منها. هذا وقد ضم هذا المجلد الأول خمس عشرة قطعة بين قصيدة ومقطوعة لأبي جندب، وإحدى وعشرين أخرى لمعقل بن خويلد، واثنتى عشرة قصيدة لمالك بن خالد، وتسع عشرة قصيدة مشتركة بين صخر الغي، وأبي المثلم؛ لأن أكثرها نقائض بينهما. ويضم المجلد الثاني من الديوان قصائد لاثنين وخمسين شاعرًا وشاعرة واحدة هي عمرة أخت ذي الكلب ترثيه بقصيدة مطلعها١: سألت بعمرو أخي صحبه ... فأقطعني حين ردوا السؤالا على أن أكثر هؤلاء الشعراء قولًا لم تصل عدد قصائده إلى عشر باستثناء أبي صخر الهذلي -الذي تعدل شهرته شهرة أبي ذؤيب ولا يقل شعره جودة عن شعر ابن عمه- فإن له في الديوان عشرين قصيدة أتى بها الشارح متتابعة وجعلها آخر ما أورده من شعر الهذليين٢. وإذا كانت هذيل واحدة من القبائل المشهورة بجودة الشعر ووفرته في الجاهلية والإسلام، فإنه يبدو أن أكثر شعرها في الجاهلية قد فقد وضاع؛ لأن ما بين دفتي ديوان الهذليين هذا الذي نتحدث عنه من شعر أكثره للإسلاميين منهم وأقله للجاهليين.

стр. 294

الفصل الثاني: كتب الحماسة مدخل ... الفصل الثاني: كتب الحماسة: بعد اختبارات أبي الخطاب القرشي التي أطلق عليها عنوان "جمهرة شعراء العرب" بدأ هذا الاتجاه في الاختيارات يأخذ اسمًا آخر ومنهجًا شبه ثابت. لقد عمد كل من أصحاب "الاختيارات" السابقين إلى تسمية مجموعته الاسم الذي يرتضيه لها حسبما مر بنا في الفصل السابق، فلما جمع أبو تمام اختياراته جعل كل مجموعة تشترك في غرض بعينه تحت العنوان الذي قيلت فيه وهي الحماسة، المراثي، الأدب، النسيب، الهجاء، الأضياف، المديح، السير والنعاس، الصفات، الملح، مذمة النساء، ولما لم يجد أبو تمام اسمًا بعينه صالحًا؛ لأن يكون عنوانًا لكتاب يضم كلهذه الأغراض من الاختيارات، فقد اختار اسم المجموعة الأولى وهي الحماسة وجعلها عنوانًا للكتاب كله من قبيل تسمية الكل باسم الجزء، ومن ثم صار اسم الكتاب الحماسة. أصبحت اختيارات الشعر بعد ذلك تقليدًا عند كبار الشعراء والأدباء، فأخذ كل من هؤلاء يختار مجموعة من شعر الشعراء السابقين عليه زمنًا ويطلق عليها اسم "الحماسة" فظهر بعد ذلك حماسة البحتري، حماسة الخالدين أبي عثمان سعيد وأبي بكر محمد ابني هاشم الخالدي وكانا شاعرين من شعراء سيف الدولة، وتعرف حماستهما أيضًا باسم "الأشباه والنظائر"، وهناك أيضًا "الحماسة الشجرية" لأبي السعادات هبة الله علي بن حمزة بن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢هـ، و"الحماسة البصرية" التي جمعها صدر الدين بن أبي الفرج بن الحسين البصري المتوفى سنة ٦٥٩هـ وكان قد قدمها إلى الملك الناصر أمير حلب سنة ٦٤٧هـ.

стр. 295

ومن الطريف أن أحد شارحي حماسة أبي حاتم بل أفضلهم من وجهة نظرنا على الأقل -أبا علي المرزوقي- قد خصص فصلًا قصيرًا للفظ "حماسة" استهل به الباب الأول من حماسة أبي تمام، فقال: الحماسة الشجاعة، والفعل منه حمس بفتح ثم كسر، ورجل أحمس، وكانت العرب تسمي قريشًا حمسًا لتشددهم في أحوالهم دينًا ودنيا، وتسمى بني عامر الأحامس. وقال ابن دريد: وبنو حماس قبيلة من العرب وكذلك بنو حميس. وهكذا تطور منهج الاختيار فأصبح يشمل موضوعات متنوعة تجتمع كل مجموعة من القصائد، أو المقطعات ذات الغرض الواحد في باب بذاته، فتكونت لدينا هذه الثروة النفيسة من الشعر العربي المختار بعنوان "الحماسات" التي تشكل زادًا لكل أديب، وريا لكل من يهدف إلى التعرف بنماذج من تراث قومه الشعري.

стр. 296

حماسة أبي تمام: من مأثور القول عن ذوق أبي تمام وثقافته -وما أكثر ما قيل في ثقافته وذوقه وموهبته- أن الحسن بن رجاء قال: ما رأيت أحدًا قط أعلم بجيد الشعر قديمه وحديثه من أبي تمام. وإن هذا الرأي في علم أبي تمام بالشعر وجيده وروائعه قد أجمع عليه الذين ترجموا له ابتداء من أبي بكر الصولي في كتابه "أخبار أبي تمام" مرورًا بأصحاب الطبقات من أطال منهم ومن أوجز إلى عصرنا الحاضر. فإذا ما دعت الضرورة أبا تمام، لأن يختار شيئًا من شعر العرب كنماذج لموضوعاته المختلفة، فإننا نتوقع في غير شك حشدًا من الشعر المختار، وعددًا من القصائد المنتقاة وأشتاتًا من المقطعات المصطفاة. وأما كيف اختار أبو تمام حماسته ولماذا؟ فمرد ذلك إلى المصادفة المحضة، ذلك أن أبا تمام كان قد توجه إلى خراسان ليمدح عبد الله بن طاهر بن الحسين، ولما كان في طريق عودته مارًّا بهمذان استضافه أبو الوفاء بن سلمة أحد فضلاء المدينة وأكرم وفادته، وكان الفصل شتاء، وأصبح أبو تمام ذات يوم ليجد الثلوج قد تراكمت وسدت المنافذ والدروب، فأصاب الحزن صدر أبي تمام وسأل مضيفه عن المدة التي يذوب فيها الثلج، وتمهد المسالك والدروب، فقال له المضيف: وطن نفسك على هذا المقام فإن الثلج لا ينحسر إلا بعد زمان غير قصير. وهنا لم يجد أبو تمام بدًّا من أن يتوفر على القراءة في مكتبة مضيفه فجمع خلال تلك المدة فصولًا من الشعر ضمت منه فنونًا وفصولًا فأطلق عليها اسم "الحماسة" على

стр. 297

اعتبار أن أول أبواب المجموعة كان في هذا الضرب من قول الشعر حسبما مر بنا قبل قليل، وليس هناك ثمة شك في أن عنوان "الحماسة"، هو من اختيار أبي تمام نفسه، وليس من ابتكار الدارسين المتأخرين. وهذه الحماسة تضم ثمانمائة وإحدى وثمانين قصيدة أو مقطوعة، أو حماسية وتسمى بالحماسة الكبرى، تمييزًا لها عن حماسة أخرى للشاعر، أصغر حجمًا وأقل من حيث عدد القصائد، والمقطوعات تعرف حينًا بالحماسة الصغرى وحينًا آخر بالوحشيات، وإن لم يكن بينهما كبير فرق في الأبواب والموضوعات. ذكرنا أن أبواب حماسة أبي تمام تشمل موضوعات الحماسة، والمراثي، والأدب بمعنى السلوك والتربية، والنسيب، والهجاء، والأضياف، والمديح، والسير والنعاس، والصفات، والملح، وذم النساء. إي أن باب الحماسة وما قيل فيه من شعر يفوز بنصيب الأسد من حيث عدد القصائد والمقطوعات التي قيلت فيه، وقد بدأ أبو تمام اختياراته الحماسية بالقصيدة المشهورة لأحد بني العنبر١: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانَا إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة بانا قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... قاموا إليه زرافات ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا وهذه الأبيات من أكثر ما قيل في الشعر العربي إثارة للحماس عن طريق الامتهان

стр. 298

المقنع وتوليدًا للغيرة وإحياء للنخوة في قوم متكاسلين عن نصرة أحد بني قومهم. وينهي أبو تمام مختاراته "حماسته" بالمقطوعة رقم ٨٨١ وفيها يروي لشاعر لم يذكر اسمه١: صوت النواقيس بالأسحار هيجني ... بل الديوك التي قد هجن تشويقي كأن أعرافها من فوقها شرف ... حمر بنين على بعض الجواسيق على نعانع سالت في بلاعمها ... كثيرة الوشي في لين وترقيق كأنما لبست أو ألبست فنكًا ... فقلصت من حواشيه عن السوق* وإذا كانت آخر الأبواب في "الحماسة" باب مذمة النساء فإن هذه المقطوعة الأخيرة لا تمت إلى ذلك الموضوع بسبب، بل هي في وصف الديكة، ولذلك فإن الشارح لا يفوته أن يستدرك على ذلك، فيقول: "وهذه المقطوعة وما قبلها، باب الصفات أولى بهما فاتفق وقوعهما هنا، وهذا آخر الاختيار، والحمد لله رب العالمين وصلواته على النبي محمد وآله أجمعين". هذا ونود أن نشير في مقام التعريف بحماسة أبي تمام إلى أمور عدة هامة: أولًا: الذوق الرفيع الذي اتسم به اختيار أبي تمام للقصيدة، أو المقطوعة من حيث تصويرها للغرض الذي اختيرت من أجله، وهذا يبين مدى الجهد الذي بذله أبو تمام في انتقاء هذه المختارات فضلًا عن موهبته وجلده، وهو يعمد إلى الشعر الجيد الذي يفي بالغرض الذي جمعه ونال إعجابه بسببه بغض النظر عن شهرة الشاعر أو غمرته. ومن ثم فإن كثيرًا من قصائد الحماسة ومقطوعاتها لشعراء مغمورين، بل أحيانًا لشعراء غير معروفة أسماؤهم، وإن هذه الإجادة في الانتقاء والبراعة في الاختيار جعلتا التبريزي أحد شارحي "الحماسة" بنسب إلى بعض المتأدبين قولهم: إن أبا تمام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره٢.

стр. 299

هذا وأكثر المختارات قليلة عدد الأبيات يتراوح أكثرها بين الستة والتسعة، غير أنها في بعض الأحيان تطول حتى تصل إلى اثنين وعشرين بيتًا كما هو الحال في قصيدة عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي اللامية القافية التي ينسبها بعض الرواة إلى السموأل بن عادياء١ وأحيانًا تتقلص المقطوعة فتصبح بيتًا واحدًا كما هو الحال في القطعة رقم ٨٥١ وهي لشاعر غير معروف: إذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... على الرجل المسكين كاد يموت أو القطعة رقم ٨٥٤ وهي الأخرى لشاعر غير معروف، يقول: وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يضرى بنا فيعود وهاتان القطعتان -أعني البيتين- جاءنا في باب الملح٢. ثانيًا: نود أن نلفت النظر إلى أنه ليس صحيحًا ما ذكره بروكلمان، وهو يتحدث عن حماسة أبي تمام من أنه قصر اختياره على شعراء الجاهلية والإسلام، فإن أبا تمام وسع دائرة اختياره ابتداء من الشعراء الجاهليين وانتهاء بشعراء معاصرين له، مرورًا بطبيعة الحال بالإسلاميين، والأمويين، ومخضرمي الدولتين من أمثال أبي حية النميري والحسين بن مطير الأسدي، معرجًا على رواد المرحلة العباسية من أمثال مسلم بن الوليد، وأبي نواس، وأبي العتاهية، وأبي الشيص، ومنصور النمري. وأكثر هؤلاء قد عاصروه، بل إن منصورًا النمري ولد معه في سنة واحدة ١٨٨هـ، وماتا معًا في سنة واحدة هي سنة ٢٣١هـ، بل إنه جاء بإحدى المختارات التي يشتبه في أنها لدعبل الخزاعي الذي عمر طويلًا وولد قبل مولد أبي تمام ومات بعد موته ١٤٨-٢٤٦هـ، بل إنه هجا صاحب الحماسة وربما كان ذلك السبب الرئيسي -فيما لو صحت الرواية- في عدم نسبة الحماسية لشاعر بعينه ٣. ثالثًا: خص أبو تمام موضوع الحماسة وحده بمائتين وإحدى وستين حماسية، فإذا كانت المختارات كلها ثمانمائة وإحدى وثمانين حماسية، يكون موضوع الحماسة يشكل أكثر من ربع الكتاب، ومن ثم يكون أكثر شعرائه من الجاهليين والإسلاميين، الأمر الذي أوقع بروكلمان في الخطأ الذي سبقت الإشارة إليه قبل قليل، وتكون تسمية الكتاب بهذا العنوان الذي أطلقه عليه جامعه تسمية مناسبة. والموضوع الذي يلي "الحماسة" من حيث

стр. 300

عدد المقطوعات أو الحماسيات -حسبما يسمِّيها المؤلف أو الشارح- هو الغزل الذي يجمع له أبو تمام مائة وأربعين مقطوعة، وتأتي بعد ذلك حماسيات المراثي وعدها مائة وسبع وعشرون، وتتوزع بقية الحماسيات على بقية الأغراض التي جاءت في صدر حديثنا عن موضوعات كتاب الحماسة. رابعًا: إذا كانت المرأة قد جرى ذكر مذمتها في باب من أبواب الكتاب، فإن أبا تمام لم يهمل شعرها. بل اختار للمرأة العربية نماذج من رفيع الشعر ورائعه بثها خلال أبواب الديوان، وإن كان قد ركز عليها كشاعرة تحسن الرثاء وتجيده في صدق وعمق، وهذا الأمر في حد ذاته ينصف المرأة العربية ويكرمها كأم وأخت وزوجة وابنة، لقد أورد أبو تمام في باب الرثاء أكثر من عشرين مقطوعة وقصيدة قالتها المرأة العربية في رثاء أب أو أخ أو أم أو زوج أو ابن، ومن هؤلاء الشاعرات قتيلة بنت النضر بن الحارث ترثي أباها، وزينب بنت الطئرية ترثي أخاها زيد، وعمرة الخثعمية ترثي ابنيها، وعمرة بن مرداس ترثي أخاها عباسًا، وبطة بنت عاصم، والعوراء بنت سبيع، وعاتكة بنت زيد بن نفيل، وغيرهن كثيرات. حبذا لو كان أبو تمام خص شعر المرأة بباب منفرد فإن أكثر ما قالته المرأة العربية ضاع بين ما ضاع من كنوز شعر الآخرين١. خامسًا: نالت حماسة أبي تمام من اهتمام الرواة، والشراح أكثر مما ناله شعره، فقد شرحها عدد كبير من العلماء يزيدون على العشرين. قد لا يعنينا أمرهم جميعًا. وإنما يعنينا أن من أشهر من قام على شرحها أبا بكر الصولي المتوفى ٣٣٥هـ وأبا القاسم الآمدي صاحب الموازنة المتوفى ٣٧١هـ وأبا الفتح ابن جني المتوفى ٣٩٢هـ، وأبا هلال العسكري المتوفى ٣٩٥هـ، وأبا علي أحمد بن محمد المرزوقي المتوفى ٤٢١هـ، وأبا العلاء المعري المتوفى ٤٤٩هـ، وأبا الحسن علي بن سيده المتوفى ٤٥٨هـ، وأبا الفضل الميكالي المتوفى ٤٧٥هـ وأبا زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي المتوفى ٥٠٢هـ، وأبا الفضل علي الطبرسي المتوفى ٥٤٨هـ، وأبا المحاسن مسعود بن علي البيهقي المتوفى ٥٤٤هـ، وأبا البقاء عبد الله بن الحسين العكبري المتوفى ٦١٦ شارح ديوان المتنبي. ومن الشروح الحديثة شرح الأستاذ محمد سعيد الرافعي الذي يشك في نسبته إليه، ويرجح أنه للشيخ إبراهيم الدلجموني٢، وشرح الشيخ سيد المرصفي. إننا اكتفينا بذكر الأعلام فقط من الشراح دون من لم تألف آذان الجمهرة سماع

стр. 301

أسمائهم الأمر الذي يدل على مدى أهمية وشهرة حماسة أبي تمام ومدى إعجاب المتأدبين بها وإقبالهم عليها. ولعل خير ما بين يدي القراء المعاصرين من الشروح شرحان هما شرح المرزوقي، وشرح التبريزي، وكلاهما من الإتقان والإحاطة بمكان، وقد كتب كل منهما مقدمة نفيسة لشرحه وإن كان شرح التبريزي يتسم بالاهتمام اللغوي والقضايا النحوية، وشرح المرزوقي يهتم بالتناول الأدبي، والتذوق الفني ووضع المعنى الشارد بين يدي القارئ في يسر وبساطة. ولعل ما يتميز به شرح المرزوقي، هو تلك المقدمة النقدية الطويلة التي تناولت قضايا فن القول من شعر، ونثر في نطاق أحكام نقدية بارعة غير مغفل الحديث عن أبي تمام الشاعر، متحدثًا عن عمود الشعر عند العرب معرفًا به مبينًا عناصره ضاربًا المثل إثر المثل، الأمر الذي يجعل قارئ شرح المرزوقي يرزق فائدتين ويخرج بحصيلتين فائدة المقدمة، وحصيلة النص والشرح.

стр. 302

٣- حماسة البحتري إن أبا عبادة، الوليد بن عبيد المشهور بالبحتري الشاعر، المبدع الرقيق كان تلميذًا لأبي تمام وإليه ينتمي في القربى والمحتد، فكل منهما طائي، وكل منهما أيضًا مدح الكثير من الطائيين الذين تولوا مراكز مرموقة في الدولة العباسية فضلًا عن مدحهما الخلفاء أنفسهم، وقد كان البحتري مثالًا نبيلًا في الولاء لأستاذه أبي تمام، وحينما نضج شعره ورق وذاع وجرى على الألسنة، وأنشد في المحافل والمنتديات حاول بعض المتأدبين أن يجاملوه بتفضيل شعره على شعر أبي تمام، فكان البحتري -وفاء منه لأستاذه- يقول: والله ما أكلت الخبز إلا به. وكان البحتري يحتذي مسيرة أبي تمام في فنه وإن اختلف معه في ديباجة الشعر وصوغه، ولكنه وقد رأى أستاذه انتخب تلك الاختيارات الشعرية الرائعة وأسماها "الحماسة" لم يرد أن يتخلف عنه في هذا الصنيع، وأقبل على دواوين الشعراء وصدور الرواة وحرك حافظته النثرية الغنية، واختار العديد من القصائد والمقطوعات وضمنها كتابًا أطلق عليه نفس عنوان كتاب اختيارات أستاذه وسماه أيضًا: الحماسة. والجدير بالذكر أن البحتري ليس غريبًا على التأليف فضلًا عن الاختيار والتصنيف، فقد ذكر له كثير من مترجمي حياته أنه ألف كتابًا عرف باسم "كتاب معاني الشعر"١.

стр. 303

وإذا كانت اختيارات البحتري قد حملت اسم "الحماسة" عنوانًا لها فإن ذلك يعني أنه اقتفى أثر أبي تمام في إطلاق اسم الجزء على الكل، فإن البحتري استهل "حماسته" بالعديد من الأبواب في ذكر شعر الحماسة، فإذا كان أبو تمام قد استهل حماسته بالقصيدة المشهورة: لو كنت من مازن لم تسبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا فإن البحتري يستهل حماسته بأبيات عمرو بن الإطنابة الخزرجي التي يقول فيها١: أبت لي عفتي وأبى إبائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإعطائي على المعسور مالي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي وأدفع عن مكارم صالحات ... فأحمي بعد عن عرضٍ صحيح وهي أبيات ربما فاقت في سمو معانيها، وشدة حماستها معاني أبيات العنبري التي افتتح بها أبو تمام حماسته، إن هذه الأبيات الحماسية التي استهل بها البحتري حماسته كانت السبب فيما يروى عن معاوية بن أبي سفيان في ثباته يوم صفين وعدم فراره، قد روي عنه أنه قال: لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين وهممت بالفرار فما منعني إلا قول ابن الإطنابة: أبت لي عفتي وأبي إبائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح إلى آخر الأبيات: وإذا كان أبو تمام قد جعل "حماسته" في أحد عشر بابًا، فإن البحتري قد جعل "حماسته" في مائة وأربعة وسبعين بابًا، ولكن شتان الفرق بين الباب عند أبي تمام وبينه عند البحتري، فهو عند الأول أطول ويحتوي على موضوعات فرعية أكثر، ولكن الذي لا شك فيه أن حماسة البحتري أكبر من حماسة أبي تمام من حيث عدد المقطوعات والقصائد التي ضمتها دفتا كل منهما، فإذا كانت حماسة أبي تمام تضم ثمانمائة وإحدى وثمانين حماسية ما

стр. 304

بين قصيدة ومقطوعة، فإن حماسة البحتري تضم ألفًا وأربعمائة وأربعًا وخمسين حماسية ما بين قصيدة ومقطوعة. ونستطيع أن نوضح منهج حماسة البحتري وملامحها على الوجه التالي: أولًا: عمد البحتري إلى الإكثار من وضع عناوين لأبواب حماسياته بحيث صارت إلى العدد الكبير الذي ذكرناه قبل قليل ربما ليعين القارئ على الانتفاع بهذه المختارات وييسر له طريق الانتفاع بها، فهو يجعل للشيب والشباب على سبيل المثال سبعة أبواب تبدأ من الباب المائة والستة عشر، وتنتهي عند الباب المائة والثاني والعشرين، وهذه الأبواب السبعة تضم مائة وسبعًا وثلاثين حماسية. بل إن البحتري -في نطاق منهجه الذي ييسر من خلاله على القارئ- يجعل عناوين أبواب الشيب والشباب على النحو التالي: الباب رقم ١١٦ يتمثل فيه بما قيل في الشباب والشيب بإحدى وأربعين حماسية، ويجعل الباب رقم ١١٧ فيما قيل عن الاعتذار عن الشيب، والباب رقم ١١٨ فيما قيل في مدح الشباب، والباب ١١٩ فيما قيل في قبح الصبابة بذي الشيب، والباب ١٢٠ في مدح الشباب وذم الشيب، وكل باب من هذه التي ذكرنا -باستثناء الباب ١١٦ - يضم ثماني حماسيات، ثم يجعل الباب رقم ١٢١ فيما قيل في مدح الشيب وذم الشباب، ويأتي فيه بست حماسيات، ثم يجعل الباب رقم ١٢٢ فيما قيل في الكبر والهرم ويضم سبعًا وثلاثين حماسية. إن البحتري قصد في منهج وضع اختياراته إلى التفصيل عمدًا، بل إنه جعل من الحماسة نفسها -التي احتلت بابًا واحدًا عند أبي تمام- تمثل عنده خمسة عشر بابًا على الترتيب التالي ابتداء بالأول وانتهاء بالباب الخامس عشر: فيما قيل في حمل النفس على المكروه، فيما قيل في الفتك، فيما قيل في الإصحار للأعداء والمكاشفة لهم وترك التستر منهم، فيما قيل في مجاملة الأعداء وترك كشفهم عما في قلوبهم، فيما قيل في الإطراق حتى تمكن الفرصة، فيما قيل في بقاء الإحنة ونمو الحقد وإن طال الزمن، فيما قيل في الأنفة والامتناع عن الضيم والخسف، فيما قيل في ركوب الموت خشية العار، فيما قيل في الاستسلام على الذل بعد الامتناع، فيما قيل في التحريض على القتل بالثأر وترك قبول الدية، فيما قيل في الامتناع عن الصلح، فيما قيل في التشمير عند الحرب ورفض النساء، فيما قيل في إدراك الثأر والاشتفاء من العدو، فيما قيل في ذم الفرار والتعبير به، فيما قيل في استطابة الموت عند الحرب. بل إن البحتري يغلو في إطالة عنوان الباب غلوًّا شديدًا يخرجه عن طبيعة كونه عنوانًا،

стр. 305

مثل الباب الأربعين وعنوانه يطول هكذا: فيما قيل في من يدنو من إخوانه إذا استغنى ويتباعد إذا افتقر، ويزيده غناه إكرامًا لمن افتقر. أو مثل الباب المائة والستين وعنوانه بهذا الطول: فيما قيل في إسعاف الكريم بحاجته، وترك احتقاره إن تحامل الدهر عليه رجاء أن تعود العاقبة بما يسره. وقس على ذلك كثير. ثانيًا: جعل البحتري الأخلاق والتربية -فيما نرجح- هدفًا من أهدافه في جميع اختياراته، وذلك أن حماسته تخلو من الشعر الماجن أو الملح التي تخدش الحياء كتلك التي أورد أبو تمام كثيرًا منها في حماسته. إننا إذا نظرنا إلى أبواب حماسيات البحتري وجدنا بينها الكثير الوفير مما يحفز على فعل المكارم، ويجنب التردي في المزالق، فمن بين أبواب كتابه تلك الموضوعات: ما قيل في إخلاف الوعد، ما قيل في صحة المودة وحفظ الإخاء، ما قيل في إخلاص المودة وإدامتها، ما قيل في رعاية الأمانة وترك الخيانة، ما قيل في ذم عاقبة البغي والظلم، ما قيل في الحرص والشره وذمهما، ما قيل في المطامع وإنها تذل صاحبها، ما قيل في جر صغير الأمر للكبير، ما قيل في الغدر والخيانة وذمهما، ما قيل في الوفاء وحمده، ما قيل في إنجاز الوعد وترك المطل، هذا قليل من كثير من أبواب الأخلاق والشمائل في حماسة البحتري، وكل باب من هذه الأبواب يحتوي على العديد من النماذج الشعرية التي اصطلح بعض الشرح على تسميتها حماسات. هذا وكثير من الحماسات تزيد على عشرين بيتًا١ وأحيانًا كثيرة تكون الحماسية بيتًا واحدًا، وهو منهج مشابه لأبي تمام في هذا النحو حسبما مر عند حديثنا عن حماسة أبي تمام. ثالثًا: خص البحتري شعر المرأة العربية بباب طويل هو الباب الأخير من حماسته ولكنه اقتصر على إيراد المراثي من شعرهن، وهي مراث من الشعر الرفيع لشاعرات بعضهن معروفات مشهورات لجمهرة الدارسين المتخصصين مثل ليلى بنت طريف المعروفة بالفارعة، ومثل الخنساء، وليلى الأخيلية، وبعض آخر منهن غير مشهورات مثل عمرة الهذلية، وطيبة الباهلية وسلمى بنت الأحجم، وزينب بنت الطثرية، وأروى بنت الحباب، وقتيلة بنت النضر بن الحارث، وكلهن يرثين أبا أو أخا أو زوجًا باستثناء ليلى الأخيلية فإن رثاءها كان في صاحبها توبة الحميري، وقصتهما مشهورة معروفة. وإذا كانت قصائد ليلى الأخيلية والفارعة والخنساء معروفة بالجودة والجزالة وقوة السبك، فإن ذلك لا يعني أن الأخريات أقل منهن جودة شعر وبراعة قول. فهذه طيبة الباهلية ترثي زوجها فتقول٢:

стр. 306

عشنا جميعا كغصني بانة سمتا ... حنيًا على خير ما تنمي له الشجر حتى إذا قيل قد عمت فروعهما ... وطال قنواهما واستنصر الثمر أخنى على واحدي ريب الزمان ولا ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر فأذهب حميدًا على ما كان من حدث ... فقد ذهبت فأنت السمع والبصر وما رأيتك في قوم أسر بهم ... إلا وأنت الذي في القوم تشتهر كنا كأنجم ليل بيننا قمر ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر وهذه سلمى بنت الأحجم ترثي إخوتها فتقول١: رعوا من المجد أكنافًا إلى أمدٍ ... حتى إذا كملت أظماؤهم وردوا ميت بمصر وميت بالعراق وميت ... بالحجاز منايا بينهم بدد كانت لهم همم فرقن بينهم ... إذا القعادد عن أمثالها قعدوا بذل الجميل وتفريج الجليل وإعـ ... ـطاء الجزيل إذا لم يعطه أحد وهذه زينب بنت الطثرية ترثي أخاها يزيد بن الطثرية فتقول٢: أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... مقيمًا وقد غالت يزيد غوائله فتى قد قد السيف لا متضائل ... ولا رهل لباته وبآدله

стр. 307

فتىً لا يرى خرق القميص بخصره ... ولكنما توهي القميص كواهله فتىً ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يومًا دمًا فهو آكله يسرك مظلومًا ويرضيك ظالمًا ... وكل الذي حملته فهو حامله إذا القوم أموا بيته فهو عامد ... لأحسن ما أقواله وهو فاعله إذا نزل الأضياف كان عذوَّرًا ... على الحي حتى تستقر مراجله إذا كان حين الجد يرضاك جده ... وذو باطل إن شئت أرضاك باطله مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض هنديًّا طويلًا حمائله وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... وأنت على من مات بعدك شاغله إن ثمة فرقًا كبيرًا في طريقة الاختيار بين كل من أبي تمام والبحتري، فحين يورد أبو تمام اختيارات من الشعر الذي قيل في ذم المرأة ويجعله في باب مستقل بذاته من أبواب حماسته، ويبعثر شعرها النفيس في الأبواب الأخرى، أو يضمنه باب الرثاء دون الإشارة إليه في عناوين أبواب حماسته ومحتوياتها، يخصص البحتري في حماسته بابًا كاملًا يأتي فيه بنماذج جيدة رائعة لشعر المرأة نفسها وإن قصره على الرثاء. حبذا لو كان توسع في بابه هذا فجعله يشمل أغراضًا أخرى من شعر النساء. رابعًا: على الرغم من أن البحتري أتى في حماسته بمختارات تكاد تصل إلى ضعف مختارات أبي تمام من حيث العدد، إلا أنه، أي البحتري، وقف باختياراته عند شعراء مخضرمي الدولتين. لقد وقف عند مطيع بن إياس المتوفى سنة ١٦٦هـ وأكثر من الاختيار لمعاصر مطيع وصديقه صالح بن عبد القدوس الذي توفي أو قتل قبل صاحبه بست سنين، وجاء له بخمس وأربعين قطعة -وهو عدد كبير- مفرقة على الأبواب المختلفة، وإن اختيار هذا العدد الكبير من المقطوعات لصالح بن عبد القدوس يشكل قرينة واضحة على أن البحتري استهدف من وراء اختياراته الحكمة وغرس الخلق الكريم، فقد كان "صالح" على

стр. 308

الرغم مما اتهم به من زندقة صاحب شعر عذب المعاني، نفيس القيمة، موشى بالحكمة والأخلاق. نقول: إن البحتري وقف باختياراته عند بعض المخضرمين، وليس كلهم فليس يذكر الحسين بن مطير ولا ابن ميادة ولا مروان بن أبي حفصة، وكل هؤلاء شعراء مجيدون من مخضرمي الدولتين، وهو بالتالي لم يذكر أحدًا من الكبار العباسيين، ولم يختر لهم على الرغم من أن شعر كثير منهم يعتبر كله اختيارات كالعتابي والخريمي ومسلم بن الوليد وأشجع السلمي وأبي العتاهية، وفي النهاية أستاذه وموجهه أبي تمام. أما حماسة أبي تمام، فلم يغفل صاحبها عن أن يأتي بكثير من الاختيارات النفيسة لعدد غير قليل من الشعراء المعاصرين له، وهذه ميزة كبرى، ميزة السبق الزمني على الرغم من أن أبا تمام مات قبل البحتري بأكثر من نصف قرن من الزمان. وأخيرًا وبعد هذا العرض وتلك المقارنة السريعة فإن صاحب السبق فضلًا، وللمتبع أيضًا فضل، وإن هذه تكمل تلك بالنسبة للدارس المحصل، غير أن حماسة البحتري -والحق يقال- لم تلق ما هي خليقة به من الاحتفال حتى الآن، ففي الوقت الذي حظيت فيه حماسة أبي تمام بالعدد الوفير من الشراح من أعلام القدامى والمحدثين، فإن حماسة البحتري، وهذه قيمتها، وتلك نفاستها لم تجد حتى الآن من يعطيها جزءًا يسيرًا من الاهتمام التي حظيت به أختها حماسة أبي تمام.

стр. 309

٤- حماسة الخالديين "الأشباه والنظائر " الخالديان شاعران أخوان أحدهما محمد وكنيته أبو بكر توفي ٣٨٠هـ، والثاني سعيد وكنيته أبو عثمان توفي ٣٧١هـ، وهما ابنا هاشم بن وعلة الخالدي نسبة إلى الخالدية، وهي قرية من أعمال الموصل. والخالديان الشقيقان كانا يمثلان ظاهرة أدبية فريدة، فقد كانا يكتبان القصيدة فتنسب إليهما معًا، وتروى لهما دون أن يعرف أي منهما أنشأها، وليس من شك في أن الأخوين كانا يشتركان في إنشائها وإن يكن أحدهما مصمم فكرتها وراسم منهجها وواضع خطوطها الأولى، ولكن ذلك لم يمنع من أن تنسب قصائد أخرى إلى كل منهما على حدة. وإذا كانت القصائد تنسب إليهما معًا في أكثر الأحوال، فكذلك نسبت أعمالهما الأدبية وكتبهما التي ألفاها إليهما معًا، ومنها هذا الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه. وقليلون أولئك الذين جمعوا بين الشعر والتأليف في أدبنا العربي، ومن هذا القليل الشاعران الشقيقان الخالديان اللذان ما افترقا في حل وإقامة ولا في ظعن أو سفر، فحينما أرادا الثقافة ارتحلا معًا إلى بغداد، واستمعا معًا إلى أحاديث ابن دريد وجحظة البرمكي وأبي بكر الصولي وابن الخياط، وشاركا معًا في ارتياد المنتديات الأدبية والمجالس الثقافية، وحضرا في بغداد المناظرة الطريفة النفيسة التي جرت بين أبي بشر متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي في منتدى الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وكان موضوع

стр. 310

المناظرة النحو العربي والمنطق اليوناني. وحينما غادرا بغداد غادراها إلى حلب والتحقا بندوة سيف الدولة الحمداني، وشاركا في محافله الأدبية وحلقاته الشعرية التي أمها كبار شعراء العربية في ذلك الزمان مثل المتنبي وأبي فراس، والنامي، والناشي، وابن نباتة السعدي والوأواء الدمشقي، وأبي الفرج الببغاء، والسري الرفاء وغيرهم من صفوة علماء الأدب واللغة كأبي علي الفارسي، والحسين بن خالويه وأبي الطيب النحوي، وأبي بكر الخوارزمي فضلًا عن المعلم الثاني أبي نصر الفارابي الذي أسهم في هذه الندوة لفترة من الزمان. وحينما أراد سيف الدولة أن يعهد بمكتبته الثمينة إلى من يحسن إعدادها وتنسيقها والسهر عليها، وتغذيتها بكل جديد عهد إلى الأخوين معًا أبي بكر محمد، وأبي عثمان سعيد لكي يقوما بهذا العمل الجليل، فأغنيا مكتبة سيف الدولة، وأغنيا المكتبة العربية عامة بما ألفا من كتب جليلة الفائدة أتاحتها لهما فرصة لزومهما للمكتبة وعكوفهما عليها، فألفا معًا وجمعا هذه الكتب: كتاب التحف والهدايا، كتاب شعر المحدثين، كتاب أخبار أبي تمام ومحاسن شعره، اختيار شعر البحتري، اختيار مسلم بن الوليد وأخباره، اختيار شعر ابن المعتز والتنبيه على معانيه. وفي مجال التاريخ الأدبي الاجتماعي ألفا كتاب أخبار الموصل وكتاب الديارات. هذا وينسب إليهما كتاب مطبوع نكثر من الانتفاع به هو كتاب المختار من شعر بشار، هذا فضلًا عن كتاب الحماسة. إنهما في كتبهما هذه ليسا مجرد جامعين ولكن رأيهما يبدو واضحًا فيما يقدمان من مؤلفات، وذلك من واقع التنبيه إلى مواطن المعاني عند ابن المعتز أو أخبار هؤلاء الشعراء. هذا ومن الفائدة بمكان أن ننوه بهما كشاعرين تعرضا لتهمة خطيرة، هي سرقة شعر السري الرفاء ونسبته إليهما، وقد كان كل من الأخوين من ناحية والسري الرفاء من ناحية أخرى قد خاضا معركة شعرية شغلت معاصريهم وقسمتهم قسمين: قسما يؤيد السري الرفاء وقسمًا آخر يؤيد الشاعرين الأخوين، وحينما نذكر كلمة المعاصرين فإنما نهدف إلى الشمول الذي يدخل فيه أهل الشام، وأهل العراق. لقد مدح الخالديان أبا البركات لطف الله بن ناصر الدولة، فاتهمهما السري بأن ما قالاه فيه من مديح مسروق منه وكتب إليه قصيدة يقول في بعضها: إن توجاك بدر فهو من لججي ... أو ختماك بياقوت فأحجاري باعا عرائس شعري بالعراق فلا ... تبعد سباياه من عونٍ وأبكار

стр. 311

والله ما مدحا حيًّا ولا رثيا ... ميتًا ولا افتخرا إلا بأشعاري ولكن جانبهما كان الأرجح عند الخاصة، ودليل ذلك أن أبا إسحاق الصابي بعلمه وفضله وأدبه مدحهما شعرًا وزكاهما نثرًا. فإذا ما تركنا شخصية المؤلفين -وكان من الضرورة بمكان أن نعرف بهما هذا التعريف السريع- وانتقلنا إلى استعراض الكتاب نفسه فإننا نستطيع أن نعرضه من خلال هذه الوجوه: أولًا: ذهب محقق الكتاب١ إلى أن هذا الذي بين أيدينا هو "كتاب الأشباه والنظائر" للخالديين وليس "كتاب الحماسة" وبالتالي يكون هناك كتابان للمؤلفين يحمل أولهما عنوان "الحماسة" ويحمل الثاني عنوان "الأشباه والنظائر" وتمنينا لو استطاع الأستاذ المحقق أن يأتي برأي شافٍ، وينتهي إلى حكم قاطع ودليل مقنع، فهو وإن اجتهد في التدليل على رأيه اجتهادًا حميدًا لم يستطع أن يضع في خواطرنا من الأسباب ما نقره بها على رأيه، وقد يثبت المستقبل صدق حدسه ومشكور اجتهاده إذا ظهر الكتاب الذي أنكر وجوده. والواقع الذي نراه أن كتاب الأشباه والنظائر للخالديين هو نفسه كتاب حماسة الخالديين حسبما ذكر ابن النديم، وهو معاصر للمؤلفين. ثانيًا: إن استهلال الكتاب والمعاني أو الموضوعات الأولى التي عالجها متصلة كل الاتصال بموضوع الحماسة، تمامًا كما افتتح كل من أبي تمام والبحتري "حماسته" بهذا الضرب من الشعر. يبدأ الخالديان حماستهما هكذا٢: قال المهلهل بن ربيعة: بكره قلوبنا يا آل بكر ... نغاديكم بمرهفة النصال لها لون من الهامات جون ... وإن كانت تغادى بالصقال ونبكي، حين نذكركم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي ثم يستطرد قائلًا: "أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا المعنى، ومثله قول الحصين بن الحمام المري:

стр. 312

نفلق هامًا من رجالٍ أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما وأخذه بعضهم فقال: قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللًا ... ولئن قتلت لأوهنن عظمي وأخذه مالك بن مطفوف السعدي، فقال: قتلنا بني الأعمام يومًا أوارة ... وعز علينا أن نكون كذلكا هم أخرجونا يوم ذاك وجردوا ... علينا سيوفًا لم يكن بواتكا وأخذه حرب بن مسعر فقال: ولما دعاني لم أجبه لأنني ... خشيت عليه وقعة من مصمم فلما أعاد الصوت لم أك عاجزًا ... ولا وكلًا في كل دهياء صيلم عطفت عليه المهر عطفة محرج ... صؤولٍ ومن لا يغشم الناس يغشم وأوجرته لدن الكعوب مقوّمًا ... فخر صريعًا لليدين وللفم وغادرته والدمع يجري لقتله ... وأوداجه تجري على النحر بالدَّم فأخذ هذا المعنى ديك الجن، فقال في جارية كان يحبها فقتلها: قمر أنا استخرجته من دجنةٍ ... لبليتي وجلوته من خدره فقتلته وله علي كرامة ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره

стр. 313

عهدي به ميتًا كأحسن نائم ... والحزن ينحر عبرتي في نحره وإلى المعنى الأول نظر أبو تمام في قوله: قد انثنى بالمنايا في أسنته ... وقد أقام حياراكم على اللقم جذلان من ظفر حران أن رجعت ... أظفاره منكم مخضوبةً بدم ومن هذا المعنى أخذ البحتري قوله: إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها ويبدي صاحبا الحماسة رأيهما في تناول كل من البحتري والمهلهل للمعنى قائلين: بيت البحتري أطرف وأبدع من بيت المهلهل، إلا أنه -أي المهلهل- أرشده إلى المعنى ودل عليه، ويستطردان قائلين: ومثله قول القتال الكلابي: فلما رأيت أنه غير منتهٍ ... أملت له كفي بلدن مقوم فلما رأيت أنني قد قتلته ... ندمت عليه أي ساعة مندم بهذا المثال من الأشباه والنظائر استهل الخالديان حماستهما فعنوان الكتاب الحماسة، وهو يجمع المتشابه والمتناظر من معاني الشعر وموضوعاته، ومناسباته، وهو نسق البحتري نفسه في حماسته. وإذا كان البحتري يأتي بالمقطعات أو القصائد المتشابهة أو المتناظرة -على حد تعبير الخالديين- تحت عنوان معين، فإن الخالديين يفعلان ذلك ولكن -قصورًا منهما- بغير عنوان، فالحماسية الثانية المتسلسلة المعاني المتشابهة المتناظرة في الحماسة أيضا، إنهما يبدآنها هكذا١: قال الحكم بن عبدل الأسدي:

стр. 314

إذا كنت جارًا خائفًا ومحولًا ... ولا قيت عمران بن ورقاء فانزل هو الغيث والشهر الحرام وضامن ... لك الدهر إن أخنى عليك بكلكل ويتبع الخالديان هذين البيتين بقولهما في غير ما تعليق، أو تعليل أو تنبيه قال عمرو بن براقة الهمداني: تقول سليمى لا تعرض لتلفةٍ ... وليلك من ليل الصعاليك نائم وكيف ينام الليل من جل ماله ... حسام كلون الملح أبيض صارم كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم متى تجمع القلب الذكي وصارمًا ... وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالم ومن يطلب المال الممنع بالقنا ... يعش ماجدًا أو تخترمه الخوارم ثم يستأنفان عرض بضاعتهما قائلين: ومثله: ومن يطلب المال الممنع بالقنا ... يعش مثريًا أو يود فيما يمارس* إذا جر مولانا علينا جريرة ... صبرنا لها، إنا كرام دعائم وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يال همدان ظالم ثانيًا: إن الخالديين في كتابهما الحماسة قد عمدا -لكي يميزاه عن حماسة البحتري- إلى إضافة عبارة "الأشباه والنظائر" ولكنهما مع ذلك لم يصيبا من هذه العبارة المضافة شيئًا

стр. 315

ذا بال، فإن الموضوعات التي طرقاها شبيهة كل الشبه بعناوين أبواب حماسيات البحتري، والفرق بين الكتابين من هذه الناحية أن البحتري وضع عناوين لأبوابه، وأما الخالديان فإنهما لم يفعلا شيئًا من ذلك، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن البحتري مرتب الفكر ذو أسلوب ومنهج في التأليف، وليس الأمر كذلك عند الخالديين. إن مجموعة الأبيات المتسلسلة المتناظرة التي تطلب من المرء أن يرحل من دار أو مقام يلقى فيه الهوان١ هي نفسها موضوع من موضوعات حماسة البحتري، وإن موضوع وصف حديث النساء٢ أيضًا يضاهي إحدى موضوعات حماسيات البحتري بل أبي تمام، فالبحتري أتى بباب في شعر المرأة العربية في الرثاء، وأبو تمام جاء بمقطوعات قالها الشعراء في مذمة المرأة، والخالديان جاءا بموضوع يضم مقطوعات وأبياتًا في وصف حديث المرأة ورقته. وموضوعات حماسة الخالديين فيها طرافة وحسن انتقاء، وتسلسل لطيف رغم قطعهما الموضوع فجأة للانتقال إلى موضوع آخر. فمن موضوعاتهما الطريفة: فضل البدو على الحضر٣ ويتبعان ذلك مباشرة بموضوع "فضل البدوية على الحضرية"٤، ومن موضوعاتهما الطريفة أيضًا ما قيل في "الأماني"٥ ومنها وشاية الطيب والحلي على أصحابها٦. لنستعرض بضاعة الخالديين التي أورداها في فضل البدو على الحضر: قال بعض الأعراب وغزا في أيام الفتوح إلى ناحية خراسان، واعتل فكان في قصر من قصور الري وجاشت الديلم، وكان في كل يوم ينادي المنادي بالنفير، فقال: لعمري لجو من جواء سويقة ... أسافله ميت وأعلاه أجرع به العين والآرام والأدم ترتعي ... وأم الرئال والظليم المجنع

стр. 316

أحب إلينا أن نجاور أهلنا ... ويصبح منا وهو مرأى ومسمع من الجوسق الملعون بالري لا يني ... على رأسه داعي المنية يلمع يصيح عليه الديدبان فلا أرى ... نهاري ولا ليلى من الخوف أهجع يقولون لي اصبر واحتسب قلت طالما ... صبرت ولكن ما أرى الصبر ينفع فيا ليت أجري كان قسم فيهم ... ومن دوني الصمان والرمل أجمع فكان لهم أجري هنيئًا وأصبحت ... بي البازل الكوماء في الرمل تضبع ولأعرابي دخل الحضر فاشتاق البدو: لعمري لأصحاب المكاكي بالضحى ... وسحم تنادي بالعشي نواعبه أحب إلينا من فراخ دجاجة ... صغار ومن ديك تنوس غباغبه مثله لآخر: والله للنوم بوادي ذي غضًا ... مختلط فيه الحمام بالقطا وقد جرت في روضة ريح الصبا ... وانحل في قيعانه خيط السما أشهَى إلى قَلبيَ مِن ريح القرَى أخذ أبو تمام قوله: وانحل في قيعانه خيط السما" فقال: "وانحل فيها خيط كل سماء" والبيت الأول خير مما قال أبو تمام. مثله لآخر: وليت لنا بالجوز واللوز كمأة ... جناها لنا من بطن نخلة جان

стр. 317

وليت لنا بالديك صوت حمامة ... على فنن من أرض بيشة دان وليت القلاص الأدم قد وخدت بنا ... بواد تهام في ربًا ومتان بواد تهام تنبت السدر صدره ... وأسفله بالمرج والعلجان وقريب منه لآخر: يجيئوننا بالورد كل عشية ... وللشيح في عيني أذكى من الورد ولا سيما إن كان من شيح تلعة ... بوادي سبيبٍ جاده صيب الرعد فتلك لعمري نظرة لو نظراتها ... ستذهب وجدي أو تزيد على وجدي ثالثًا: وكما تأثر الخالديان في حماستهما بموضوعات حماسة البحتري، فإنهما تأثرا كذلك بمنهج ابن المعتز في كتابه طبقات الشعراء، ذلك أن ابن المعتز قد ذكر أنه لا يأتي من نصوص الشعر لمن ترجم لهم إلا ذلك الذي لم يكن محفوظًا، أو شائعًا بين الناس، إن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية، ومن تبعهم من المخضرمين ونجتنب أشعار المشاهير لكونها في أيدي الناس، فلا نذكر منها إلا الشيء اليسير ولا نخليها من غرر ما روينا للمحدثين، ونذكر أشياء من النظائر إذا وردت والإجازات إذا عنت، ونتكلم على المعاني المخترعة والمتبعة". ومن ثم فإن الكتاب يعتمد أكثر ما يعتمد على شعر الجاهليين، والمخضرمين، ويقلل من إيراد شعر غيرهم، وهذا بعينه هو طريق البحتري في حماسته. رابعًا: إن الكتاب على نفاسته والجهد الذي بذل في تأليفه والسهر على جمع شواهده يعيبه أمران أساسيان منهجيان: الأمر الأول هو إغفال عناوين الموضوعات، وكان تلافي ذلك من اليسر بمكان لو أن المؤلفين فطنا إلى ذلك، وهي هفوة سقط فيها أكثر من مؤلف قديم قدير. والأمر الثاني هو ذكر شواهد أو أبيات الموضوع الواحد على مجموعات مفرقة في أماكن عدة من الكتاب، بل إنه كثيرًا ما تتكرر الأبيات نفسها بسبب الغفلة عن ذكرها في موضع سلف.

стр. 318

ومع ذلك كله فإن حماسة الخالديين الموسومة بالأشباه والنظائر من الكتب النفيسة التي تضم موضوعات ومختارات من الشعر العربي، يفيد منها المتأدب كل الفائدة ويستشف أساليب الشعراء وطريقة تناولهم للمعنى الواحد والموضوع الواحد على مسيرة قرون عدة بدأت بالجاهليين وانتهت بالعباسيين١.

стр. 319

٥- الحماسة الشجرية إن صاحب الحماسة الشجرية، هو نفسه أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة المعروف بابن الشجري صاحب "الأمالي" التي مر حديثها في باب الأمالي الذي توفي عام ٥٢٤هـ بعد أن عمر عمرًا غير قصير وأنتج بين ما أنتج من آثار أدبية، هذه الحماسة التي تحمل اسمه مثلما حملته الأمالي أيضًا. وينبغي لنا ألا نخلط بين حماسة ابن الشجري ومختارات أشعار العرب لابن الشجري فهما كتابان مستقل كلاهما عن الآخر، ذلك أن ديوان مختارات ابن الشجري لا يزال مخطوطًا، ويختلف في منهجه وطريقة اختياره اختلافًا جوهريًّا عن الحماسة. إنه خمسون قصيدة وبضع مقطوعات كلها لشعراء جاهليين باستثناء الحطيئة فإنه مخضرم، وهو يكاد يكون مجموعة دواوين صغيرة لبعض الشعراء الذين ذكرنا صفتهم، إنه يضم بين ما يضم من القصائد سبعًا لزهير، واثنتى عشرة لعبيد بن الأبرص وثلاث عشرة للحطيئة. أما حماسة ابن الشجري فإنها امتداد طبيعي لسلسلة كتب الحماسة التي بدأ أبو تمام بتصنيفها ثم حذا حذوه تلميذه البحتري. وإنه لمن الطبيعي أن يتأثر ابن الشجري بمنهج كل من سابقيه أبي تمام والبحتري، ثم يزيد على منهجيهما ما أملته طبيعة مسيرة الزمن وتطور فن الشعر. ذلك أن حماسة ابن الشجري أقرب من حيث التبويب إلى حماسة أبي تمام منها إلى

стр. 320

البحتري، وهي من حيث التفصيل أقرب إلى حماسة البحتري منها إلى أبي تمام، هذا فضلًا عن تغيرات في المنهج وتفصيلات في العرض وملاحظ في مجموعها سوف نسوق حديثها بعد قليل. إنها من حيث العدد تبلغ تسعمائة وأربعًا وأربعين حماسية، ومن حيث التبويب تشمل الأبواب الآتية: باب الشدة والشجاعة، وباب اللوم والعتاب، وباب المراثي، وباب المديح، وباب الهجاء، وباب الأدب، وباب النسيب، وباب الصفات والتشبيهات، وباب الملح. هذا ونود أن نستعرض حماسة ابن الشجري من خلال نظرة فاحصة لما اتسمت به من مواقف تتصل بالشعر والشعراء أملتها طبيعة الزمن، ولما وضح فيها من تغيرات في الموضوعات أملاها المنهج الذي اختاره المصنف لنفسه. فأما من حيث الشعر والشعراء فإننا نلاحظ ما يلي: أولًا: أولى ابن الشجري اهتمامًا كبيرًا للشعراء المحدثين، وبعض الأمويين فعمد إلى الإكثار من الاختيار لشعرهم بحيث يجعل منهم نجومًا لحماسته، وهم: أبو نواس، أبو تمام، البحتري، ابن الرومي، ابن المعتز، الشريف المرتضى. ومن الأمويين أكثر من الاختيار لكل من جرير والفرزدق، والأخطل. ثانيًا: واصل ابن الشجري متابعة مسيرة الشعر حتى عصره، أي القرن السادس ولكن في تعثر شديد، فكان ضنينًا بالاختيار من شعر شعراء القرون الرابع، والخامس، والسادس، ففي الوقت الذي وفى فيه شعراء القرنين الثاني، والثالث حقهم من الاختيار لهم بدًّا وكأنه يخيل بشعراء القرن الرابع، فإذا ما اختار حماسيات لبعضهم فإنه يختار في بخل وحذر، اللهم إلا الشريف الرضي فإنه اختار له ثلاث عشرة مقطوعة أو حماسية، بل إنه مما يدعو إلى التعجب أن يتجاهل ابن الشجري أبا الطيب المتنبي شاعر العربية الكبير، فلا يأتي له إلا بمقطوعتين كل منهما بيتان قصد بهما تشبيهًا بلاغيًّا وليس هدفًا موضوعيًّا١. ويكاد يفعل الأمر نفسه مع أبي فراس الحمداني، لقد اختار له أربع قطع: واحدة في الغزل وأخرى في الرثاء واثنين في العتاب. أما الحماسة والفروسية، فإنه تجاهلهما تمامًا وكأن أبا فراس لا علاقة له بالحماسة ولا بالحرب ولا بالفروسية، وكأنهم لم يقل شيئًا من هذا القبيل في شعره، ولعمر الحق إذا لم يكن كل من أبي الطيب المتنبي، وأبي فراس الحمداني شعراء حرب
следующие страницы →