أحب إلينا أن نجاور أهلنا ... ويصبح منا وهو مرأى ومسمع
من الجوسق الملعون بالري لا يني ... على رأسه داعي المنية يلمع
يصيح عليه الديدبان فلا أرى ... نهاري ولا ليلى من الخوف أهجع
يقولون لي اصبر واحتسب قلت طالما ... صبرت ولكن ما أرى الصبر ينفع
فيا ليت أجري كان قسم فيهم ... ومن دوني الصمان والرمل أجمع
فكان لهم أجري هنيئًا وأصبحت ... بي البازل الكوماء في الرمل تضبع
ولأعرابي دخل الحضر فاشتاق البدو:
لعمري لأصحاب المكاكي بالضحى ... وسحم تنادي بالعشي نواعبه
أحب إلينا من فراخ دجاجة ... صغار ومن ديك تنوس غباغبه
مثله لآخر:
والله للنوم بوادي ذي غضًا ... مختلط فيه الحمام بالقطا
وقد جرت في روضة ريح الصبا ... وانحل في قيعانه خيط السما
أشهَى إلى قَلبيَ مِن ريح القرَى
أخذ أبو تمام قوله:
وانحل في قيعانه خيط السما" فقال:
"وانحل فيها خيط كل سماء"
والبيت الأول خير مما قال أبو تمام.
مثله لآخر:
وليت لنا بالجوز واللوز كمأة ... جناها لنا من بطن نخلة جان
стр. 317
وليت لنا بالديك صوت حمامة ... على فنن من أرض بيشة دان
وليت القلاص الأدم قد وخدت بنا ... بواد تهام في ربًا ومتان
بواد تهام تنبت السدر صدره ... وأسفله بالمرج والعلجان
وقريب منه لآخر:
يجيئوننا بالورد كل عشية ... وللشيح في عيني أذكى من الورد
ولا سيما إن كان من شيح تلعة ... بوادي سبيبٍ جاده صيب الرعد
فتلك لعمري نظرة لو نظراتها ... ستذهب وجدي أو تزيد على وجدي
ثالثًا: وكما تأثر الخالديان في حماستهما بموضوعات حماسة البحتري، فإنهما تأثرا كذلك بمنهج ابن المعتز في كتابه طبقات الشعراء، ذلك أن ابن المعتز قد ذكر أنه لا يأتي من نصوص الشعر لمن ترجم لهم إلا ذلك الذي لم يكن محفوظًا، أو شائعًا بين الناس، إن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية، ومن تبعهم من المخضرمين ونجتنب أشعار المشاهير لكونها في أيدي الناس، فلا نذكر منها إلا الشيء اليسير ولا نخليها من غرر ما روينا للمحدثين، ونذكر أشياء من النظائر إذا وردت والإجازات إذا عنت، ونتكلم على المعاني المخترعة والمتبعة".
ومن ثم فإن الكتاب يعتمد أكثر ما يعتمد على شعر الجاهليين، والمخضرمين، ويقلل من إيراد شعر غيرهم، وهذا بعينه هو طريق البحتري في حماسته.
رابعًا: إن الكتاب على نفاسته والجهد الذي بذل في تأليفه والسهر على جمع شواهده يعيبه أمران أساسيان منهجيان: الأمر الأول هو إغفال عناوين الموضوعات، وكان تلافي ذلك من اليسر بمكان لو أن المؤلفين فطنا إلى ذلك، وهي هفوة سقط فيها أكثر من مؤلف قديم قدير. والأمر الثاني هو ذكر شواهد أو أبيات الموضوع الواحد على مجموعات مفرقة في أماكن عدة من الكتاب، بل إنه كثيرًا ما تتكرر الأبيات نفسها بسبب الغفلة عن ذكرها في موضع سلف.
стр. 318
ومع ذلك كله فإن حماسة الخالديين الموسومة بالأشباه والنظائر من الكتب النفيسة التي تضم موضوعات ومختارات من الشعر العربي، يفيد منها المتأدب كل الفائدة ويستشف أساليب الشعراء وطريقة تناولهم للمعنى الواحد والموضوع الواحد على مسيرة قرون عدة بدأت بالجاهليين وانتهت بالعباسيين١.
стр. 319
٥- الحماسة الشجرية
إن صاحب الحماسة الشجرية، هو نفسه أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة المعروف بابن الشجري صاحب "الأمالي" التي مر حديثها في باب الأمالي الذي توفي عام ٥٢٤هـ بعد أن عمر عمرًا غير قصير وأنتج بين ما أنتج من آثار أدبية، هذه الحماسة التي تحمل اسمه مثلما حملته الأمالي أيضًا.
وينبغي لنا ألا نخلط بين حماسة ابن الشجري ومختارات أشعار العرب لابن الشجري فهما كتابان مستقل كلاهما عن الآخر، ذلك أن ديوان مختارات ابن الشجري لا يزال مخطوطًا، ويختلف في منهجه وطريقة اختياره اختلافًا جوهريًّا عن الحماسة. إنه خمسون قصيدة وبضع مقطوعات كلها لشعراء جاهليين باستثناء الحطيئة فإنه مخضرم، وهو يكاد يكون مجموعة دواوين صغيرة لبعض الشعراء الذين ذكرنا صفتهم، إنه يضم بين ما يضم من القصائد سبعًا لزهير، واثنتى عشرة لعبيد بن الأبرص وثلاث عشرة للحطيئة.
أما حماسة ابن الشجري فإنها امتداد طبيعي لسلسلة كتب الحماسة التي بدأ أبو تمام بتصنيفها ثم حذا حذوه تلميذه البحتري. وإنه لمن الطبيعي أن يتأثر ابن الشجري بمنهج كل من سابقيه أبي تمام والبحتري، ثم يزيد على منهجيهما ما أملته طبيعة مسيرة الزمن وتطور فن الشعر.
ذلك أن حماسة ابن الشجري أقرب من حيث التبويب إلى حماسة أبي تمام منها إلى
стр. 320
البحتري، وهي من حيث التفصيل أقرب إلى حماسة البحتري منها إلى أبي تمام، هذا فضلًا عن تغيرات في المنهج وتفصيلات في العرض وملاحظ في مجموعها سوف نسوق حديثها بعد قليل.
إنها من حيث العدد تبلغ تسعمائة وأربعًا وأربعين حماسية، ومن حيث التبويب تشمل الأبواب الآتية: باب الشدة والشجاعة، وباب اللوم والعتاب، وباب المراثي، وباب المديح، وباب الهجاء، وباب الأدب، وباب النسيب، وباب الصفات والتشبيهات، وباب الملح.
هذا ونود أن نستعرض حماسة ابن الشجري من خلال نظرة فاحصة لما اتسمت به من مواقف تتصل بالشعر والشعراء أملتها طبيعة الزمن، ولما وضح فيها من تغيرات في الموضوعات أملاها المنهج الذي اختاره المصنف لنفسه.
فأما من حيث الشعر والشعراء فإننا نلاحظ ما يلي:
أولًا: أولى ابن الشجري اهتمامًا كبيرًا للشعراء المحدثين، وبعض الأمويين فعمد إلى الإكثار من الاختيار لشعرهم بحيث يجعل منهم نجومًا لحماسته، وهم: أبو نواس، أبو تمام، البحتري، ابن الرومي، ابن المعتز، الشريف المرتضى. ومن الأمويين أكثر من الاختيار لكل من جرير والفرزدق، والأخطل.
ثانيًا: واصل ابن الشجري متابعة مسيرة الشعر حتى عصره، أي القرن السادس ولكن في تعثر شديد، فكان ضنينًا بالاختيار من شعر شعراء القرون الرابع، والخامس، والسادس، ففي الوقت الذي وفى فيه شعراء القرنين الثاني، والثالث حقهم من الاختيار لهم بدًّا وكأنه يخيل بشعراء القرن الرابع، فإذا ما اختار حماسيات لبعضهم فإنه يختار في بخل وحذر، اللهم إلا الشريف الرضي فإنه اختار له ثلاث عشرة مقطوعة أو حماسية، بل إنه مما يدعو إلى التعجب أن يتجاهل ابن الشجري أبا الطيب المتنبي شاعر العربية الكبير، فلا يأتي له إلا بمقطوعتين كل منهما بيتان قصد بهما تشبيهًا بلاغيًّا وليس هدفًا موضوعيًّا١. ويكاد يفعل الأمر نفسه مع أبي فراس الحمداني، لقد اختار له أربع قطع: واحدة في الغزل وأخرى في الرثاء واثنين في العتاب. أما الحماسة والفروسية، فإنه تجاهلهما تمامًا وكأن أبا فراس لا علاقة له بالحماسة ولا بالحرب ولا بالفروسية، وكأنهم لم يقل شيئًا من هذا القبيل في شعره، ولعمر الحق إذا لم يكن كل من أبي الطيب المتنبي، وأبي فراس الحمداني شعراء حرب
стр. 321
وفروسية وحماسة فمن يكون إذن لها؟
وأما شعراء القرن الخامس، فلا نكاد نرى له من الاختيارات إلا ما اختاره للشريف المرتضى الذي عاش نصف عمره الأدبي في القرن الرابع، ونصفه الآخر في القرن الخامس.
وأما شعراء القرن السادس، فكانوا أوفر حظًّا فقد اختار لاثنين منهمهما القاضي الأرجاني المتوفى سنة ٥٤٤هـ أي بعد عامين من وفاة ابن الشجري، وزيد بن الحسن الكندي ٥٢٠ - ٦١٣هـ، هذا ويمكن أن نشك في أن أبيات القاضي الأرجاني من اختيارات ابن الشجري فقد وردت في آخر قسم من الديوان تحت عنوان "الأشعار المزيدة على أصل الكتاب".
ثالثًا: لم يضن ابن الشجري على الشاعرات العربيات بنصيب جعله لهن في اختياراته، وإن كانت أكثر اختياراته لهن في الرثاء، فأورد مختارات فيهذا الباب لكل من رفاعة بنت شداد المرية، كبشة بنت الشيطان الكندية، سعدى بنت الشمردل، جنوب الهذلية، ليلى الأخيلية، الخنساء، مية أخت قبيصة بن ضرار، ليلى بنت طريف، وهي نفسها الفارعة بنت طريف الشيبانية: أورد لها ستة أبيات فقط من مرثيتها الفائية الرائعة، بنت ملاعب الأسنة ترثي أباها بأرجوزة ولم يذكر اسم الشاعرة.
وقد جاء بمقطوعة غزلية لرضا الهلالية، ومقطوعتين من الشعر المكشوف لأم الضحاك المحاربية.
إن ابن الشجري لم يزد إلا القليل على ذلك الذي أورده أستاذاه في حماسيتهما في بعض ناحية، وقصر عنهما في ناحية أخرى.
رابعًا: عمد ابن الشجري، وربما لأول مرة بين أصحاب دواوين الحماسة إلى رواية قصة يتمثل بطلها بلون معين من الشعر وهو الغزل، ويجعل من كل مثال يتمثل به مقطوعة مستقلة أو حماسية مستقلة، ولو كانت بيتًا واحدًا لا غير، وهي محاولة -كما ذكرنا- فريدة عند أصحاب كتب الحماسة، وقد يكون من الترويح على أنفسنا وعلى قارئنا أن نوردهذا المنزع الجديد في الحماسيات المتضمنة في قصة أو خبر١:
روى ابن دريد قال: أخبرنا الرياشي عن الأصمعي قال، حدثني منتجع بن نبهان قال أخبرني رجل من بني الصيداء من أهل الصريم قال: كنت أهوى جارية من باهلة فأخافني قومها وأخذوا علي المسالك، فخرجت ذات يوم فإذا حمامات يسجعن في أفنان أيكات متناوحات في سرارة واد فاستفزني الشوق، فركبت وأنا أقول:
стр. 322
دعت فوق أغصانٍ من الأيك غدوة ... مطوقة ورقاء في إثر آلف
فهاجت عقابيل الهوى إذ ترنمت ... وشبت ضرام الشوق بين الشراسف
بكت بجفون دمعها غير ذارف ... فأغرت جفوني بالدموع الذوارف
ثم سرت فأتيت أرضها فأواني الليل إلى حي، فخفت أن يكونوا من قومها فبت بالقفز فلما هدأت الرجل، ورنقت في عيني سنة إذا قائل يقول:
تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار
فتفاءلت -علم الله- ثم غلبتني عيناي فإذا آخر يقول:
ولاميَّ بعد اليوم إلا تعلة ... من الطيف أو تلقى لها منزلًا قفرا
فزادني ذلك قلقًا فمنت فإذا ثالث يقول:
لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار
فقمت وركبت ناقتي متنكبًا الطريق، فلما برق الفجر، إذا راعٍ من الشروق قد سرح غنمًا، وهو يتمثل:
كفى بالليالي مخلقات لجدة ... وبالموت قطاعًا حبال القرائن
فأظلمت علي الأرض، فتأملته فعرفته فقلت: فلان؟ فقال: فلان. قلت ما وراءك؟ قال: ضاجعت والله رملة الثرى، فما تملكت أن سقطت عن بعيري فما أفقت حتى حميت علي الشمس، فاستيقظت، وقد عقل الغلام ناقتي ومضى فكررت وأنا أقول:
يا راعي الضأن قد أبقيت لي كمدًا ... يبقى ويقلقني يا راعي الضأن
نعيت نفسي إلى نفسي فكيف إذن ... أبقى ونفسي في أثناء أكفان؟
وأما من حيث الملامح التي بدت لنا متغيرة عن سالف منهج الحماسات، فيمكن أن نلم بها في القضايا الآتية:
стр. 323
أولًا: إن باب الحماسة -باب الشدة والشجاعة- الذي عودنا أصحابها السابقون وبخاصة أبو تمام أن يكون أطول باب من أبواب هذا اللون من التصنيف، لم يعد أطول الأبواب عند ابن الشجري، فإن عدد حماسياته لم تزد على مائة وإحدى وثمانين في حين عدد الحماسيات جميعًا تسعمائة وأربع وأربعون. وليس ذلك هو ما لفت نظرنا وحده، وإنما هناك ظاهرة أخرى بدت واضحة في طريقة اختيار ابن الشجري لشعراء هذا الباب، فبعد أن كانت الأبيات تنتخب للشعراء الفرسان من جاهليين وإسلاميين دون ما سمة مذهبية لاحظنا أن صفة ابن الشجري الشيعية الهاشمية تنعكس على اختياراته في باب الشدة والشجاعة، فإلى جانب شعر عنترة، وعمرو بن معد يكرب، وشعراء المعلقات نجد شعرًا لكل من العباس، وأبي طالب ابني عبد المطلب١ وإن كان قد خص أبا طالب بخمس حماسيات، وعبد المطلب بحماسية واحدة، هذا فضلًا عن شعر وقعتي الجمل وصفين.
ولكن الرجل والحق يقال لم يغفل ذكر شعر بعض معارضي الشيعة، فقد اختار حماسيات لقطري بن الفجاءة رأس الخوارج، ونفر آخر من الشراة، بل إنه أتى بعدة حماسيات من شعر الصعاليك. ومهما يكن من أمر قصر هذا الباب نسبيًّا فإن به تلوينًا لا بأس به وتنويعًا وتفريعًا لشعر الحماسة، الأمر الذي دفع به إلى أن يجعل عنوان بابه الأول الشجاعة والشدة.
ثانيًا: عمد ابن الشجري إلى تفريع بعض أبواب حماسته تفريعًا فنيًّا فيه الكثير من التشويق، والتنويع بخاصة في بابي النسيب، والصفات والتشبيهات، وهذا الباب الثاني لنا معه حديث بعد قليل، فإذا ما عرضنا لباب الغزل وجدنا ابن الشجري يقسم هذا الباب إلى فصول عدة، جعل الفصل الأول لاختيارات من شعر العشاق المشهورين في نطاق حماسيات يبدون من خلالها شكواهم ولوعتهم ووجدهم وصبابتهم مثل المجنون، وقيس بن ذريح ويزيد بن الطثرية، وعروة بن حزام، وجميل بن معمر، وكثير بن عبد الرحمن، والأحوص، والعرجي، وبعض من أحسنوا القول في الغزل مثل سحيم، وأبي حية النميري، والحسين بن مطير. وفي الفصل نفسه يأتي بقطعتين من غزل النساء لأم الضحاك المحاربية، وقطعة لضاحية الهلالية. ولعل من الغرابة بمكان أن يختار ابن الشجري لأكثر الشعراء العشاق من عذريين وماديين ويغفل أو ينسى عمر بن أبي ربيعة في حين أتى بمقطوعات لتلميذيه الأحوص، والعرجي. إن هذا الفصل من باب الغزل يشتمل على غنائيات كثيرة مما يطرب له السمع، وتلذ الأذن ويهتز الوجدان.
стр. 324
وفي نطاق باب النسيب يفرد ابن الشجري، فصلًا لطيفًا يضم مقطوعات عدة قيلت في الحنين إلى الأوطان، ثم يتبعها بفصل آخر في الارتياح عند هبوب الريح، وآخر في الاشتياق عند لمعان البروق، وآخر في النزاع عند نوح الحمام، وغيره في الشوق عند حنين الإبل يتبعه بفصل في الطيف، والخيال أكثر مقطوعاته للبحتري، ولشدة إعجاب ابن الشجري بمن عرفوا بالشعراء المحدثين يجعل آخر فصل في باب النسيب هذا الوفير الفصول لمقطتفات أكثرها من شعر هؤلاء المعروفين بهذه الصفة.
إنه باب ممتع على كل حال من أبواب حماسة ابن الشجري.
ثالثًا: إن أكبر باب من أبواب هذه الحماسة، هو باب الصفات والتشبيهات، إنه باب جديد على الحماسات وأما الصفات فقد فهمنا أنه قصد بها الوصف ولا بأس في ذلك، ولكن أن يقرن المصنف الوصف بالتشبيه ويفرد لهما بابًا واحدًا وإن تعددت فصوله، فذلك شيء جديد على فن الحماسات إن جاز لنا أن نسمي هذا اللون من التصنيف فنًّا، لقد ضم هذا الباب ثلاثمائة وثماني وخمسين حماسية -أي مقطوعة أو قصيدة- وهذا يعني أن هذا الباب استغرق ثلث الديوان مضافًا إليه أربعًا وأربعين مقطوعة.
لقد فرضت طبيعة الباب، وتشعب موضوعاته على ابن الشجري أن يقدمه بهذا الطول، وأن يقسمه إلى فصول عدة هي حسب ترتيبها: فصل من صفات النساء، فصل في وصف النار، فصل في وصف التنائف والوحش، والإبل، والركب وأخبية السفر، الصفات، والتشبيهات في الليل والنجوم والمجرة والهلال والصبح، الصفات والتشبيهات في الرياض والمياه والنبات، الصفات والتشبيهات في السحاب والغيث والبرق، صفات آلة الحرب وتشبيهاتها، صفات الكتب والخط وآلته، صفات الشعر، الصفات في الشيب والشباب والخضاب، الصفات والتشبيهات الخمرية، التشبيهات الغزلية، تشبيهات المدح، تشبيهات الهجاء، تشبيهات وصفات في معانٍ مختلفة.
قد يبدو لنا أنه كان من الميسور على المصنف أن يختصر هذا الباب الطويل في ما لو رد الكثير من فصوله إلى أبوابها الأصيلة، ففصل النساء مثلًا يضم مقطوعات من عذوبة الريق، وطيب الحديث، والعين والنظر، والوجه والثغر، وحسن الحديث وطيبه، وهو فصل طويل نوعًا وكان من الممكن أن يدخل في باب النسيب الذي أفرد له المصنف بابًا سبق لنا استعراضه والحديث عنه. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن التشبيهات الغزلية.
وفصل تشبيهات المدح كان من الممكن أن يلحق بباب المديح، والشيء نفسه يمكن أن يقال بالنسبة إلى فصل تشبيهات الهجاء، وهكذا يكون ابن الشجري قد خرج عن جادة المنهج السليم، الذي انتهجه أبو تمام في حماسته طالما كان تبويبه أقرب ما يكون إلى أبي
стр. 325
تمام دون غيره من أصحاب الحماسات.
ولكن ابن الشجري ربما فكر في أن يجعل هذه الفصول المتنافر منها والمتآلف تحت عنوان أقرب ما يكون إلى علم البيان وهو التشبيهات، ومن ثم التمس لنفسه عذرًا فحشد هذا الشتات المتآلف والمتخالف تحت فصل واحد يجمعه عنوان التشبيهات.
أما بقية التفريعات الأخرى مثل فصل الليل والنجوم، والهلال والصبح، أو الرياض والمياه والنبات، أو السحاب والغيث والبرق، أو آلة الحر، أو الكتب والخط، أو الشعر، أو الشيب أو الخضاب، فإنه مما يمكن أن يجمع تحت باب واحد.
وأما فصل الخمر فأكثره لأبي نواس فقد أتى فيه وحده بتسع عشرة قصيدة أو مقطوعة، وجاء لغيره من بقية شعراء العربية بأربع عشرة قصيدة أو مقطوعة، ومع أن أبا نواس هو أشهر شعراء الخمراء فإن طبيعة منهج الاختيارات يقتضي التنوع، ولو شاء ابن الشجري لتمثل لشعراء مجيدين في هذا الفن من شعراء القرن الرابع الذين أهمل شأنهم، وأخمل ذكرهم وفي مقدمتهم كشاجم والوأواء الدمشقي والسري الرفاء والصنوبري، ولكل منهم في الخمر أبيات فريدة ومعانٍ مبتكرة، بل إن واحدًا منهم هو كشاجم قد ألف كتابًا أسماه "أدب النديم" ذكر فيه الكثير من شعر الخمر، من وصف وتشبيهات وصفات للنديم، والساقي، والاستضافة، والاستهداء إلى غير ذلك مما فضله المتأخرون من الشعراء وبرعوا في إجادة القول فيه.
على أنه من النصفة بمكان أن نذكر لابن الشجري في هذا الباب الأخير أمرين على جانب من الأهمية والخطورة:
الأمر الأول: هو تذوقه الفني للشعر وشفافيته الصافية في حسن الاختيار بحيث قدم في أكثر فصول هذا الباب الطويل نماذج من طرف الشعر وبديعه، وهل هناك ألطف من أبيات ابن الرومي وهو يصف غروب الشمس قائلًا١:
إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورسا مدعدعا
ولاحظت النوار وهي مريضة ... وقد وضعت خدًّا إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عواده عين مدنفٍ ... توجع من أوصابه ما توجعا
стр. 326
وظلت عيون النور تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا
والأمثلة والنماذج كثيرة متناثرة في فصول هذا الباب، تناثر الجوهر على صدر الحسناء.
والأمر الثاني الذي يلفت النظر في هذا الباب، هو اهتمام ابن الشجري وفطنته إلى الشعر المرتبط بأسباب الثقافة، والعلم كوصف الكتب والرسائل التي يتبادلها الأنداد والأصحاب والمتحابون، فهذا أبو محمد المهلبي الوزير يصف كتابًا بهذا الشعر الطريف١:
وفضضته فوجدته ... ليلًا على صفحات نور
مثل السوالف والجباه الـ ... ـبيض زينت بالشعور
وكنظم در كالثغو ... ر وكالعقود على النحور
أنزلنه مني بمنـ ... ـزلة القلوب من الصدور
أو قول أبي تمام في الغرض نفسه وهو أرق وأحلى من قول سابقه على رقته٢:
فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الزهر الجني
وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي
ولا يسعنا أن نتجاهل أبيات زيد بن الحسن الكندي، وهو يصف الدفاتر هذا الوصف الخلاب الفريد٣:
خرس تحدث آخرًا عن أول ... بعجائب سلفت ولسن أوائلا
سقيت بأطراف اليراع بطونها ... وظهورها طلًّا أحم ووابلا
تلقاك في حمر الثياب وسودها ... فتخالهن عرائسًا وثواكلا
стр. 327
وتريك ما قد فات من دهر مضى ... حتى تراه بعين فكرك ماثلا
وكان باستطاعة ابن الشجري أن يكثر من الإتيان بعديد النماذج لهذا اللون من شعر الثقافة والمثقفين، مثل وصف القلم لأبي تمام أو وصف الكتاب للعتابي، وغيرهم ممن أحسوا بجلال المعرفة وحلاوة العلم فصاغوا في أدواتهما شعرًا عذبًا جميلًا موافقًا.
رابعًا: أفرد ابن الشجري بابًا "بكامله" للملح لم يزد على أن أتى فيه بثلاث وثلاثين مقطوعة قصيرة أكثرها يمكن ردها إلى باب بعينه من أبواب الشعر -ولا بأس في ذلك- إلا أن منهجًا متكاملًا لا يستقيم بباب عدد حماسياته ثلاث وثلاثون، وباب آخر عدد حماسياته ثلاثمائة ثمان وخمسون أي ما ينوف عن عشرة أضعاف العدد.
وأكثر ملح هذا الباب ليست من الملاحة بمكان بل إن بعض ما جاء به مصنفنا في باب الهجاء ربما كان أكثر طرافة وأوفر ملاحة، على الرغم من سلاطة لسان قائله، مثال ذلك قول شاعر أغفل المصنف اسمه١:
إذا ولدت حليلة باهلي ... غلامًا زيد في عدد اللئام
ولو أن الخليفة باهلي ... لقصر عن مساعاة الكرام
أو قول الفرزدق٢:
لو أن قدرًا بكت من طول ما حبست ... على الجفوف بكت قدر ابن عمار
ما مسها دسم مذ فض معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار
ومهما يكن من أمر حماسة ابن الشجري فهي واحدة من أنفس الحماسات، التي وصلت إلينا وأثمنها قيمة وأرفعها قدرًا، يجد فيها الآمل بغيته وطالب الثقافة حاجته، والمتأدب زاده وعدته، وهي إحدى الثمار الجنية النفيسة التي تركها هذا العالم الجليل الذي سبق أن تحدثنا عن تحفته الأخرى "الأمالي" حسبما مر بنا ذلك في مكانه من هذا الكتاب.
стр. 328
٦- الحماسة البصرية:
إن هذه الحماسة، هي آخر الحماسات التي وصلت كاملة إلى أيدينا حتى الآن، جمعها صدر الدين، أبو الفرج بن الحسين البصري المتوفى سنة ٦٥٩هـ.
إننا لا نكاد نعرف شيئًا عن حياة أبي الفرج البصري هذا أكثر من أنه جمع ديوانه، وأهداه إلى الملك الناصر أبي المظفر يوسف بن عبد الملك العزيز بن الملك الظاهر أمير حلب سنة ٦٤٧هـ، وأن له مؤلفًا بعنوان "المناقب العباسية والمفاخر المستنصرية" في تاريخ الدولة العباسية.
ولسنا ندري على وجه التحقيق السبب الذي من أجله أهمل المؤرخون، وكتاب التراجم شأن أبي الفرج البصري، فأغفلوا ذكره وأخملوا شأنه.
بل إننا لا نكاد نلمس سببًا واضحًا لتسميةهذا الديوان من الحماسة باسم "الحماسة البصرية" إلا أن يكون المصنف قد نسبها إلى بلدته التي منها خرج وهي البصرة، على الرغم من أننا نستنتج أن أكثر مقامه كان في حلب.
وإذا كانت هذه الحماسة البصرية تعتبر من أكبر دواوين الحماسة عدة مقطوعات وقصائد وأوفرها عدد أبيات، وأكثرها احتواء للشعراء، فإننا لا نكاد نرى فيها جديد إلا القليل.
إنها تضم ألفًا وستمائة وثماني وأربعين حماسية بين مقطوعة وقصيدة، وربما كانت
стр. 329
المقطوعة بيتًا واحدًا، وربما ناهز عدد أبيات القصيدة عشرين بيتًا، ولا بأس في ذلك فإن أكثر مصنفي الحماسات قد نهجوا النهج نفسه. وإن عدد أبيات حماسياتها يزيد على ستة آلاف بيت، ومجموع الشعراء الذين وردت لهم فيها نماذج ومختارات من أشعارهم يناهزون خمسمائة شاعر، ولكنها مع ذلك صورة مهتزة لحماسة أبي تمام، وعالة على حماسة البحتري والخالديين وكتب الاختيارات التي صنفها المفضل الضبي، والأصمعي وأبو يزيد القرشي والحيوان للجاحظ.
ويمكن لنا أن نستعرض منهج هذه الحماسة أو بالأحرى نقدمها على النحو التالي:
أولًا: إنها من حيث عناوين أبوابها مطابقة كل المطابقة لعناوين أبي تمام في حماسته بزيادة بابين أحدهما في الإنابة والزهد مستمدًّا نهجه من بعض موضوعات البحتري في حماسته، والثاني جديد من ابتكار المصنف هو "باب ما جاء في أكاذيبهم وخرافاتهم".
هذا وقد قام صاحب الحماسة البصرية بغارة كبيرة على حماسة أبي تمام بحيث أخذ من باب الحماسة الكبرى وحده إحدى وأربعين قطعة، وقس على ذلك في بقية الأبواب، هذا فضلًا عن أن فصولًا بأكملها مثل الغزل، والرثاء، والهجاء تكاد تكون صورة أمينة لمثيلاتها عند أبي تمام وابن الشجري من حيث الحماسية، وصاحبها أو صاحبتها.
ثانيًا: إن أخطاء كثيرة تبدو واضحة من نسبة كثير من المقطوعات إلى أصحابها والشيء نفسه في نسبة الشعراء إلى قبائلهم، أضف إلى ذلك أخطاء أخرى في ربط كثير من الشعراء بأزمنتهم، فكثيرًا ما يذكر أن الشاعر أموي بينما هو مخضرم بين الجاهلية، والإسلام، أو مخضرم بين دولتي بني أمية، وبني العباس، والأمثلة لذلك أكثر من أن تحصى.
وبمناسبة الأزمنة، فإن المصنف بالرغم من أنه عاش حتى نهاية النصف الثاني من القرن السابع ٦٥٦هـ فقد وقف بشعراء حماسياته عند منتصف القرن الثالث الهجري عند دعبل الخزاعي وديك الجن، ولا نكاد نجد عنده أثرًا لشاعر بعد هذه الفترة رغم تطاول الأزمان ووفرة المصادر لديه إلا مقطوعة وحيدة للخالديين في وصف قلعة١. ومن ثم كانت فرصة المصنف في أن يفيد قارئه صغيرة طفيفة.
ثالثًا: وقع المصنف في الأخطاء المنهجية نفسها التي وقع فيها ابن الشجري، من حيث إيراد أكثر من باب في خدمة غرض واحد، وبمعنى أوضح كان من الأفضل منهجيًّا أن يجعل باب الهجاء وباب الأضياف بابًا واحدًا موضوعه الهجاء؛ لأن كل الحماسيات التي جاء بها تحت عنوان الأضياف مقسمة على فصلين تقع كلها في نطاق فن الهجاء وذلك باستثناء
стр. 330
المقطوعتين اللتين اختارهما من شعر الفرزدق والنجاشي الحارثي في نزول الذئب ضيفًا على كل منهما١. هذا ويمكن أن يقع باب مذمة النساء في النطاق نفسه وأن يميز بجعله فصلًا من فصول باب الهجاء.
رابعًا: أصاب أبو الفرج البصري كثيرًا من التوفيق في اختياراته التي ضمنها باب الصفات والنعوت، فقد أورد بعض غريب الأوصاف مثل وصف أبي حيان الأسدي للحية ذات الأجراس٢ أو وصف مرو بن شاس لحية أخرى٣، أو وصف أبي الشيص للهدهد٤، أو وصف كل من كعب الأشقري والخالديين لقلعة٥، أو وصف يحيى بن ثابت للديك، ولكنه لسوء الحظ لم يأت إلا ببيت واحد منها لم يف بالغرض هو قول الشاعر:
صوت النواقيس بالأسحار هيجني ... بل الديوك التي قد هجن أشواقي٦
ومن الغريب أن المقطوعة جاءت كاملة عند أبي تمام في حماسته في مكان لا ينسى؛ لأنها جاءت ختامًا لحماسياته. وإذا ما كان الأمر متعلقًا بوصف الديك فكان ينبغي للمصنف أن يلتفت إلى وصف الديك عند ديك الجن، خاصة وأنه تمثل له -أي لديك الجن- بمقطوعة في وصف سحابة، فكان من اليسير عليه لو كان باذلًا جهدًا أن يمتع قارئه وأن يزين مختاراته بقطعتين لا قطعة واحدة للشاعر ديك الجن يصف ديكًا.
خامسًا: أفرد مصنف الحماسة البصرية بابًا جديدًا للإنابة، والزهد، وجعل أكثر مختاراته من قول الجاهليين، مثل قس بن ساعدة، وحاتم الطائي، ولبعض المخضرمين، مثل لبيد، وأمية بن أبي الصلت، وتناسى المحدثين فلم يأت لهم إلا بمقطوعات قليلة: ثلاث لأبي العتاهية واثنين للعتابي وواحدة لأبي فراس، وكان من اليسير بمكان أن يجعل المصنف من هذا الباب واحدًا من أكثر أبواب حماسته ثراء وإمتاعًا، ولكنه كسول ضعيف الجهد قليل الالتفات يؤثر أن يكون عالة على من سبقوه، وليس مجددًا أو مبتكرًا في اختياراته.
سادسًا: ولعل الجديد الوحيد بين أبواب الحماسة هو ما أطلق عليه المصنف "باب ما جاء في أكاذيبهم وخرافاتهم" وقد أتى فيه باختيارات لعشرة شعراء كل مقطوعة تتصل بخرافة
стр. 331
أو عادة من عادات العرب واعتقاداتهم، أو بالأحرى أوابدهم، مثل الاعتقاد في وجود الغول وأنها إذا ضربت ضربة واحدة ماتت، فإذا ضربت ضربة أخرى عاشت١، أو زعمهم أنه إذا عافت البقر الماء لكدرته فإن الجن تكون راكبة الثيران فتمنع البقر عن الشرب٢.
هذا وقد ألحق المصنف بهذا الباب فصلًا في الترقيص -لعله مقحم عليه بعض الشيء- مكونًا من تسع مقطوعات جمعت مواضيع شتى بين تدليل الأبناء واسترضاء الأزواج وهجائهم والفخر والشكوى. وعلى طريقة الأقدمين في عدم الاستحياء من ذكر ما لا يتمشى مع الحياء أنهى المصنف فصل الترقيص بمقطوعة من بذيء القول ترقص امرأة بها موضع العفة منها.
ومجمل القول في الحماسة البصرية إن أهميتها لا تكمن فيما ضمته دفتاها مسبوق إليه، وإنما في كونها آخر "حماسة" تقع بين أيدينا من سلسلة الحماسات الكثيرة، التي توفر الأدباء العرب على مسرى تاريخنا الأدبي على تصنيفها وتقديمها كنماذج شعرية سائغة بين أيدي المتأدبين في فنون الشعر المختلفة لشعراء اختلفت أمزجتهم، وأزمنتهم وسمت أذواقهم ومشاعرهم.
стр. 332
الباب التاسع: كتب التراجم
الفصل الأول: الفهرست لابن النديم
مدخل
...
الباب التاسع: كتب التراجم:
الفصل الأول: الفهرست لابن النديم:
حين اتسع نطاق المعرفة، وكثر عدد الأعيان الذين لعبوا أدوارًا هامة في تاريخ الحياة العربية والمعرفة الإسلامية، والفنون الأدبية، كان من الطبيعي أن تتجه مناهج المؤلفين إلى الكتابة عن هؤلاء جميعًا بشكل يشفي الغلة ويروي الظمأ في نطاق دراسة علم بعينه أو عالم بذاته أو شاعر بتفرده. أو في نطاق كل ذلك مجتمعًا. فكان أن نشأت أنماط من الكتب التي تتولى الترجمة لأعيان العلماء وعظماء الشخصيات، وكان أهم تلك جميعًا كتب الطبقات، وكتب التراجم.
أما كتب الطبقات فإنها تترجم لجماعات من الأعيان اتَّحدت في الغالب مشاربهم، وتلاقت ثقافاتهم، وتوحدت تخصصاتهم، فهناك طبقات الشعراء، وطبقات الأدباء وطبقات المفسرين، وطبقات المحدثين، إلى غير ذلك من كتب الطبقات، وقد خصصنا طبقات الأدباء بباب منفرد في هذا الكتاب مضى قبل صفحات عدة.
وأما كتب التراجم فإنها في الأغلب لا تختص بفئة واحدة معينة متفقة المشارب، مشتركة أسباب المعرفة، وإنما تترجم لكل الأعيان من ملوك وسلاطين، ووزراء وقواد، وعلماء، وفلاسفة، وشعراء وأدباء، وفقهاء، وظرفاء إلى غير أولئك ممن تنطبق على الواحد منهم صفة عين من أعيان الزمان، وذلك باستثناء كتابين شهيرين هما كتاب "الفهرست" وكتاب "معجم الأدباء" الذي سوف يأتي ذكرهما بعد قليل ...
ونستطيع في ضوء ذلك أن نقسم كتب التراجم إلى خمسة أقسام محاولين أن نستعرض بعضًا منها في كل قسم من أقسامها تلك التي ذكرنا.
فأما القسم الأول، فإن له صفة الشمول بمعنى أنه يترجم للمادة العلمية نفسها ويعرف
стр. 333
بأعيان علمائها والمؤلفين في ميدانها، ويذكر أسماء الكتب التي ألفها هؤلاء العلماء كل في ميدانه، ويأتي على رأس هذا القسم من كتب التراجم كتاب الفهرست لابن النديم.
وأما القسم الثاني، فهو ما يتعلق بتراجم أعيان بلد بذاته بكل ما تعنيه كلمة "عين" من معنى، أي الرؤساء والوزراء والقضاة والفقهاء، والمحدثين والأدباء والشعراء والفلاسفة والمتصوفة والزهاد والنحاة والقواد ومن إليهم. وفي مقدمة كتب التراجم التي التزمت هذا المنهج من الترجمة لأعيان بلد بذاته كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ والذي سوف يأتي حديثه بعد قليل. ومنها أيضًا كتاب "در الحبب في تاريخ أعيان حلب" لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحنبلي، المتوفى سنة ٩٧١هـ، وهناك كتب كثيرة التزمت هذا المنهج من التأليف المختص ببلد بعينه.
وأما القسم الثالث، فقد عمد المؤلفون فيه إلى التخصص في الترجمة لأعيان فئة بذاتها هي جماعة العلماء من لغويين، وأدباء، وإخباريين، وفلاسفة، وغيرهم من أصحاب المؤلفات وخير كتاب يمثل هذا الصنف من كتب التراجم، هو كتاب "معجم الأدباء لياقوت الرومي المتوفى سنة ٦٣٦هجرية، وسوف يأتي حديثه بعد قليل.
وأما القسم الرابع، من كتب التراجم فقد تحرر مؤلفوه من التخصص العلمي ومن المحدودية بالترجمة لأعيان بلد بذاته فانطلقوا يترجمون لجميع الأعيان منذ أن وجد الأعيان العرب والأعلام المسلمون إلى زمان المؤلف نفسه، ويأتي في مقدمة هذه الكتب كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١هـ. وكتاب "الوافي بالوفيات" لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ، وكتاب "فوات الوفيات" الذي يعتبر ديلًا على وفيات الأعيان، وقد قام على تأليفه محمد بن شاكر الكتبي المتوفى سنة ٧٦٤هـ وسوف نتحدث عنهؤلاء جميعًا ومناهج كتبهم تفصيلًا فيماهو قادم من قول.
وأما القسم الخامس من كتب التراجم، فهو الذي رأى فيه مؤلفوه أن يحددوا أعيانهم بقرن بذاته من حيث الزمن، ولكنهم يطلقون لأنفسهم العنان من حيث المكان، فهو إذ يحددون فترة زمان أعيانهم بقرن بذاته يساحون على مساحة الأرض الإسلامية، من أقصى الهند وحدود الصين شرقًا إلى حدود الأطلنطي والأندلس غربًا ملتزمين جميعًا الترتيب الهجائي عند عرض أسماءهؤلاء الذين تناولوا سيرتهم بالترجمة والتعريف، ويأتي في مقدمةهذا القسم الخامس في التخصص في الترجمة لأعيان القرون كتاب "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لشيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني العالم الأجل الذي يعتبر واحدًا من ألمع وأعلم علماء زمانه المتوفى سنة ٨٥٢هـ، ومنها كتاب الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع للسخاوي المتوفى سنة ٩٠٥هـ، ومنها كتاب "الكواكب السائرة بأعيان
стр. 334
المائة العاشرة" لنجم الدين الغزي العالم الجليل صاحب التآليف التي تنوف على الثلاثين المتوفى سنة ١٠٦١هـ.
ومن هذا القسم من الترجمة في نطاق القرون كتاب "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" لعالم زمانه محمد أمين المحبي المتوفى سنة ١١١١هـ ولنا مع هذا الكتاب وقفة نرجو أن تكون مفيدة، فهو في نظرنا أقرب هذا الصنف من الكتب اتصالًا بالأدب واحتفالًا بالشعر وابتهاجًا بالأدباء وتمثلًا للشعراء.
هذا ومن المفيد أن نشير إلى كتابين قديمين نوعًا وآخرين معاصرين لعلماء أجلاء اجتهد كل منهم في أن يخرج للناس كتابًا في الطبقات والتراجم، وأسماء الكتب ومؤلفيها، فأما الكتابان القديمان نوعا فهما كتاب "مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده، وكتاب "كشف الظنون" لحاجي خليفة. وكل من المؤلفين عالم جليل قضى حياته في خدمة العلوم العربية والإسلامية على الرغم من أن كلا منهما تركي المولد واللسان.
وأما الكتابان المعاصران، فأولهما للأستاذ عمر رضا كحالة الدمشقي، وقد اختصه صاحبه بالترجمة لأصحاب التآليف من العلماء أسماه "معجم المؤلفين".
وأما الكتاب المعاصر الثاني الذي نعنيه فقد عمد صاحبه إلى المنهج العام الذي يعرف فيه بكل من ورد على خاطره من أعلام ثقافتنا حتى المستشرقين منهم، إنه كتاب "الأعلام" للعالم المحقق خير الدين الزركلي، ولئن اكتفى صاحب الأعلام بالترجمة القصيرة لكل علم من أعلامه فإنه يحاول جاهدًا أن يحيل القارئ إلى أكثر المراجع المتاحة التي تمكن الباحث من التوسع في التعرف بمن يريد التعرف به من الأعلام، وهو في الوقت نفسه حريص كل الحرص على أن يمد قارئه بتاريخي ميلاد ووفاة المترجم له ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، والكتاب في واقعه بمجلداته العشرة وباستدراكاته التي تشمل مجلدين آخرين يعتبر المفتاح لكل علم من أعلام الثقافة العربية وأعيان الحضارة الإسلامية ورواد التاريخ القومي، وفي رأينا أن هذا الكتاب الجليل ضرورة لا بد لكل باحث من أن يجعله في متناول يده على الرغم من القليل القليل من الهنات التي تفوت على الباحث المدقق مهما اشتد حرصه وزادت عنايته.
стр. 335
الفهرست لابن النديم
إن كتاب الفهرست يعتبر المحاولة الأولى في فن التراجم في التراث العربي والإسلامي، وهو مع بكورته زمنًا وأوليته من حيث المحاولة خرج إلى دنيا المعرفة شامخًا ثريًّا خصيبًا، بل إنه ليس المحاولة الأولى في التراجم وحسب بل إنه المحاولة الأولى في الببلوجرافيا العربية وبالتالي الببلوجرافيا العالمية من حيث الممارسة؛ لأن العرب كانوا من أصحاب السابقات في هذا الميدان من غيرهم.
فابن النديم -مؤلف الفهرست وهذا حاله- يعتبر رائد علم التراجم في الفكر الإسلامي والمكتبة العربية من حيث التأليف، وأما من حيث التطبيق فإن المكتبات الإسلامية الكبرى مثل مكتبة المستنصر في قرطبة، ودار الحكمة في القاهرة ودار العلم في بغداد فقط كانت تضارع أضخم المكتبات العالمية في زماننا هذا١، هذا فضلًا عن مكتبات الموصل، ودمشق، والبصرة، ونيسابور والري وأصبهان ومرو وغيرها من مكتبات المساجد والمدارس والمستشفيات.
إن شهرة ابن النديم من حيث كونه مؤلف أول كتاب عربي في التراجم، والببلوجرافيا واسعة عريضة، ولكن شخصه وسيرته لم يكونا موضع عناية أحد من كتاب التراجم الذين جاءوا بعده وإن استعانوا جميعًا بكتابه، ولا يدري أحد متى ولد أو مات. ولكننا نفهم من خلال كتابه "الفهرست" أمرين: الأول أنه ألف الكتاب على مراحل بدأها سنة ٣٧٧هـ حسبما هو واضح من مقدمته. والأمر الثاني أنه مات بعد سنة ٤٠٠هـ؛ لأنه يترجم لأعلام توفوا بعد
стр. 336
سنة الأربعمائة مثل ابن نباتة التميمي شاعر سيف الدولة الذي ينص المؤلف على أنه توفي بعد الأربعمائة١.
أما مهنة ابن النديم فقد ذكر المؤرخون أنه كان وراقًا، والوراقة كانت مهنة كثير من الأدباء والعلماء. ولا يدخل في معنى الوراقة مجرد التجارة والكسب من الكتب كماهي الحال في أيامنا، فكما أن بين الناشرين في عصرنا علماء أفاضل، وأدباء مرموقين وفي الوقت نفسه يوجد بينهم مجرد مهنيين تجار، فكذلك كان الحال بين وراقي فترة التفجر العلمي الإسلامي والعربي. فياقوت الرومي صاحب المؤلفات الكثيرة الثمينة كان مع علمه الوفير وراقًا، وسعد بن علي المشهور بـ "دلال الكتب" ومؤلف "كتاب زينة الدهر" الذي جعله ذيلًا لدمية القصر -وصاحب غيره من المؤلفات- كان وراقًا، ومحمد بن شاكر الكتبي صاحب "فوات الوفيات" وغيره من المؤلفات الثمينة كان أيضًا وراقًا، وإذًا فابن النديم: محمد بن إسحق كان واحدًا منهؤلاء الوراقين العلماء الذين جعلوا من العلم زادًا لعقولهم، ومن تجارة الكتب ونشرها وتحقيقها وجمعها وتصويبها ومراجعتها وسيلة لكسب قوتهم وأسباب حياتهم.
стр. 337
منهج الكتاب:
لقد اعتمد ابن النديم منهج الترجمة للموضوعات والفنون وذكر الكتب، ومن خلالهما ينفذ إلى الترجمة لكل عالم في فنه وكل مؤلف في موضوعه. ويمكن عرض منهج ابن النديم في "فهرسه" على النحو التالي:
أولًا: استهدف المؤلف الدخول إلى موضوعه مباشرة دون مقدمات أو مداخل، وليس أدل على ذلك من مقدمته القصيرة التي قدم بها كتابه النفيس بقوله:
"النفوس -أطال الله بقاءك- تشرئب إلى النتائج دون المقدمات وترتاح إلى الغرض المقصود دون التطويل في العبارات، فلذلك اقتصرنا على هذه الكلمات في صدر كتابنا هذا إذا كانت دالة على ما قصدناه في تأليفه إن شاء الله، فنقول وبالله نستعين وإياه نسأل الصلاة على جميع أنبيائه، وعباده المخلصين في طاعته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فهذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم، الموجود فيها بلغة العرب وقلمها في
أصناف العلوم وأخبار مصنفيها، وطبقات مؤلفيها وأنسابهم وتاريخ مواليدهم ومبلغ
стр. 338
أعمارهم، وأوقات وفاتهم، وأماكن بلدانهم ومناقبهم ومثالبهم منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا، وهو سنة سبع وسبعين وثلاثمائة للهجرة"١.
فمن هذه المقدمة القصيرة نستطيع أن نلمح منهج المؤلف تمام الوضوح، وأنه عمد فيه إلى الإيجاز وادخر الإفاضة للمادة التي يضمها الكتاب.
ثانيًا: ويزيدنا المؤلف تعريفًا بماة كتابته في المحتوى الذي قدمه بنفسه في صدر كتابه حين قسم الكتاب إلى عشر مقالات، أو بالحري عشرة أبواب كبار، كل باب يضم عددًا من الفصول. وإن دل ذلك على المنهج وهذا المحتوى على شيء فإنما يدل على عقلية مرتبة، وفكر منظم وخطة منسقة، ذلك؛ لأن المؤلف يتدرج في عرض موضوعاته تدرجًا منطقيًّا، فهو يجعل المقالة الأولى لفنون ثلاثة، هي وصف لغات الأمم من العرب والعجم ونعوت أقلامها وأنواع خطوطها وأشكال كتاباتها، إذ بغير الخط لا تكون كتابة. ثم يثني المؤلف بالشرائع والمذاهب الإسلامية وكتبها، ومن هذا المنطلق ينعطف إلى علوم القرآن الكريم وأسماء الكتب المؤلفة في علومه وأخبار القراء وأسماء الرواة.
وينتقل ابن النديم بعد ذلك انتقالًا طبيعيًّا إلى المقالة الثانية، التي يضمن خلالها ثلاثة فصول عن النحو، والنحويين من بصريين، وكوفيين وأخبارهم وأسماء كتبهم.
ويجعل ابن النديم المقالة الثالثة، أو الباب الثالث، من الفهرست للأخبار، والآداب، والسير مضمنًا إياه أخبار الإخباريين، والرواة والنسابين، وأصحاب السير والأحداث وأسماء كتبهم. وأخبار القدماء والجلساء والمغنين والمضحكين وأسماء كتبهم.
ويخصص المؤلف المقالة الرابعة للشعر والشعراء ابتداء من الشعراء الجاهليين، وانتهاء بالشعراء المعاصرين له وصناع دواوينهم وأسماء رواتهم.
والمقالة الخامسة جعلها لعلم الكلام والمتكلمين من معتزلة ومرجئة وشيعة بفرقها وجبرية وخوارج وزهاد ومتصوفة وأخبارهم وأسماء كتبهم. وجعل المقالة السادسة في فنون الفقه والفقهاء والمحدثين وأخبارهم وأسماء كتبهم، والمقالة السابعة عن الفلاسفة والمناطقة والمهندسين، والموسيقيين، والرياضيين، والمنجمين، وصناع الآلات، وأصحاب الحيل والحركات، والأطباء، والمتطببين وأخبارهم وأسماء كتبهم. وجعل المقالة الثامنة عن الأسمار والخرافات والسحر والشعوذة وأصحاب هذه المهن إن صح أن تسمى مهنا وأخبارهم وأسماء كتبهم، هذا فضلًا عن كتب شتى لا يعرف مصنفوها ولا مؤلفوها.
стр. 339
وجعل ابن النديم المقالة التاسعة من كتابه في المذاهب والاعتقادات المعاصرة لزمانه من صابئة، وثنوية، ومنانية، وديصانية، وخرمية، ومزدكية وغيرها مع أخبار رجالها وأسماء كتبهم.
وأنهى ابن النديم كتابه بالمقالة العاشرة التي خصصها للكيمائيين، والصنعويين من الفلاسفة القدماء والمحدثين وأخبارهم وأسماء كتبهم.
ثالثًا: يعتبر الكتاب والحال كذلك دائرة معارف علمية أدبية فقهية في نطاق فن التراجم، والتراجم في مفهومه تراجم مادة وتراجم أعيان، بمعنى أنه يقدم المادة، ويعرف بها ثم بعلمائها وأعلامها تعريفًا مختصرًا، ولكنه شافٍ مؤدٍ للغرض، ثم يذكر أسماء كتبهم. وهو في هذا الميدان عالم ثقة، ورائد لكل من جاء بعده على مختلف مدارسهم. وهو بعد ذلك كله مبدع على اختصاره، مفصل على إيجازه، جماع ثقة للأخبار، معرف بارع بالأعلام والعلماء، صيرفي في معرفة الكتب وتصنيفها. ومن ثم فإن "فهرست" ابن النديم في عالم المعرفة العربية والتراجم العلمية، مثل قطعة من الجوهر صغيرة الحجم، والجرم، نفيسة القيمة، والمحتوى.
стр. 340
الفصل الثاني: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي:
تاريخ بغداد:
إن كتاب تاريخ بغداد واحد من أشهر كتب التراجم في ميدان الثقافة العربية والإسلامية، وهو بالإضافة إلى شهرته قمة شامخة الذروة من كتب التراجم صدق رواية وحسن عرض وثقة أخبار، وهو في الوقت نفسه رأس المدرسة التي تنهج الترجمة لأعيان مدينة بعينها، وهو في هذا المقام رأس أساتذة هذه المدرسة جميعًا*.
ومؤلف "تاريخ بغداد"هو الخطيب البغدادي واسمه كاملًا أحمد بن علي بن ثابت وكنيته أبو بكر، ومولده في غزية -منتصف الطريق بين الكوفة ومكة- سنة ٣٩٢هـ ووفاته في بغداد سنة ٤٦٣هـ. وصاحب تاريخ بغداد من الرواة الثقات والمحدثين الصادقين والعلماء الأجلاء والأدباء الأبيناء، رحل في سبيل العلم إلى مكة والبصرة والكوفة والدينور حتى إذا استقامت له أسباب المعرفة وتهيأت له مؤهلات الرواية وأسلس العلم له قياده جلس في جامع المنصور في بغداد يلقى دروسه على طالبي العلم. ومن الطريف أنه واحد من العلماء القليلين الذين أخذ عنهم أساتذتهم، فقد روى عنه من شيوخه، الأزهري، كما روى عنه آخرون كثيرون١.
وقد ثار عليه الحنابلة أكثر من مرة؛ لأنه كان ينكر الفقه على الإمام أحمد ويقول في ترجمته: أحمد بن حنبل سيد المحدثين. ويقول في ترجمة الشافعي: إنه تاج الفقهاء.
وكان الخطيب البغدادي عالمًا وقورًا حسن الشكل، وفير العلم في الفقه والحديث
стр. 341
والتاريخ واللغة والأدب والأخبار، يذكره ياقوت بقوله: ختم به ديوان المحدثين، ويذكره ابن خلكان فيقول: ومن العجب أنه كان في وقته حافظ المشرق، وأبو عمر يوسف بن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب حافظ المغرب، وماتا في سنة واحدة١.
ويذكر مؤرخو الخطيب البغدادي خبرًا ينم عن ذكائه وأهليته للرواية وقدرته على كشف الزيف وسرعة بديهته وقوة عارضته فضلًا عن حفظه للتاريخ. أما الخبر فهو أن أحد اليهود أظهر كتابًا ادعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنه خط علي بن أبي طالب ﵁، فعرض الكتاب على الخطيب فقال: هذا مزور، فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان مات يوم الخندق سنة خمس، وهكذا أثبت الرجل بمنطقه وعلمه بالتاريخ تزوير الكتاب٢.
ولم يكن مقام الخطيب كله في بغداد، فقد اضطر للاستثار والخروج منها لأسباب اختلف في ذكرها المؤرخون، ووفد إلى الشام، وأقام في "صور" مدة من الزمان تردد خلالها على القدس أكثر من مرة، ومر في طرابلس وحلب وأقام بهما وقتًا قليلًا، ثم عاد إلى بغداد قبل وفاته بعام واحد فوقف كل كتبه، وفرق أمواله في وجوه البر وعلى أهل العلم الحديث، وما لبث المرض أن حط عليه فمات في ذي الحجة سنة ٤٦٣هـ تاركًا من المؤلفات مائة كتاب على رواية ابن خلكان ٣ وستة وخمسين على رواية ياقوت الحموي ٤ في مختلف الفنون أهمها على الإطلاق "تاريخ بغداد".
على أن للخطيب البغدادي كتبًا أخرى مطبوعة غير تاريخ بغداد منها الكفاية والرواية في مصطلح الحديث، وتقييد العلم، والتطفيل. ومن كتبه المخطوطة: البخلاء، كتاب الخيل، الفوائد المنتخبة في الحديث، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ويقع في عشرة مجلدات، الفقيه والمتفقه في اثنى عشر جزءًا، الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة الأسماء والألقاب، تلخيص المتشابه في الرسم، كتاب التنبيه، والتوقيف في فضائل الخريف. وأما كتبه في الحديث فمن الوفرة والدقة بمكان، منها -غير ما ذكرنا- على سبيل المثال: الرحلة في طلب الحديث، شرف أصحاب الحديث، كتاب المؤتنف في تكملة المختلف والمؤتلف، كتاب التبيين لأسماء المدلسين، كتاب من حدث فنسي، كتاب رواية
стр. 342
الآباء عن الأبناء، كتاب الرواة عن مالك بن أنس، كتاب الاحتجاج للشافعي فيما أسند إليه والرد على الجاهلين بطعنهم عليه.
стр. 343
منهج كتاب تاريخ بغداد:
إنه بيت القصيد في هذا الفصل وإنما -كعادتنا- وكنهج علمي سليم نجد من الضرورة بمكان التعريف بالمؤلف تعريفًا سريعًا حتى يسبر قارئ كتبه غوره، ويلم بأطراف علمه وطبيعة ثقافته، وإن المؤرخين وكتاب التراجم والطبقات حين يترجمون للخطيب البغدادي يقولون: لو لم يكن له إلا "التاريخ" -يعني تاريخ بغداد- لكفى، فلنعرض إذن لمنهج الكتاب وطبيعته على النسق الذي تعودنا السير عليه والنهج الذي اخترناه لأنفسنا مسلكًا أقرب إلى اليسر للإلمام بالكتاب والإبانة عن مزاياه والإشارة إلى ما فاته فيما إذا كان قد فاته شيء ذو بال.
أولًا: لخص المؤلف منهجه لكتابه الطويل -أول الأمر- في سطور قصيرة موجزة غير مطولة، مجملة غير مفصلة وذلك في قوله:
"هذا كتاب تاريخ مدينة السلام وخبر بنائها، وذكر كبراء نزالها، وذكر وارديها وتسمية علمائها. ذكرت من ذلك ما بلغني علمه وانتهت إلي معرفته، مستعينًا على ما يعرض من جميع الأمور بالله الكريم، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال: سمعت عمر بن أحمد بن عثمان يقول: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت عبد الأعلى يقول: قال لي الشافعي: يا يونس دخلت بغداد؟ قلت: لا. قال: ما رأيت الدنيا١.
كان ذلك هو منهج الخطيب في تأليفه كتابه الكبير: تاريخ المدينة لفضلها وخبر ساكنيها والوافدين عليها من العلماء في منهج من أدق المناهج، وهو منهج أهل الحديث في تحقيق الأخبار قبل روايتها، وقد مر بنا القول إن المؤلف كان كبير محدثي عصره، وإنه كان حجة في التمييز بين الصحيح، والمدلس من الأخبار.
ثانيًا: أفرد المؤلف فصلًا غير قصير تحدث فيه عن بغداد منذ أن كانت أرضًا من أراضي السواد، ثم فكرة المنصور العباسي في بنائها. ومن الحديث، عن السواد ينطلق إلى الحديث، عن فتح العراق، وفارس أيام الخليفة عمر بن الخطاب، ثم يورد مناقب أهل بغداد وظروفهم معرضًا بالأحاديث المدلسة التي رويت في الطعن على أهاليها.
ويدفع به حديث تاريخ بغداد إلى الكلام على أبي جعفر المنصور بانيها ومنشئها
стр. 344
وتخطيط المدينة وبناء الكرخ والرصافة وبعض القصور مثل قصر الخلد والقصر الحسني والتاج ودار الخلافة، وأنهار بغداد وجسورها في شيء غير كثير من التفصيل.
ثانيًا: يبدأ المؤلف في الترجمة للأعلام أو الأعيان الذين سلفت الإشارة إلى صفاتهم فيجعل ذكر المدائن وتسمية من وردها من الصحابة منطلقًا لترجماته، فيرتب الصحابة على حسب درجاتهم بادئًا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب جاعلًا له الترجمة الأولى، ثم يثني بالترجمة للحسن بن علي، ويثلث بأخيه الحسين، ثم يجعل القائد الفاتح سعد بن أبي وقاص صاحب الترجمة الرابعة، ومن بعده عبد الله بن مسعود ثم عمار بن ياسر ثم أبا أيوب الأنصاري، وهكذا يمضي في الترجمة للصحابة الذين وردوا المدائن -وهي في قلب العراق الذي أصبحت بغداد عاصمة له -الواحد بعد الآخر حتى يكملهم خمسين عدًّا بعبد الله بن الحارث بن ببة.
رابعًا: فإذا انتهى الخطيب البغدادي من ذكر الصحابة الذين وردوا المدائن، وقد قرن أخبارهم بالفصل التاريخي الخاص بمدينة السلام يقول: "لم تخل بلد المدائن فيما مضى من أهل الفضل، وقد كان به جماعة ممن يذكر بالعلم فبدأنا بذكر الصحابة مفردًا عمن سواهم، وأما التابعون ومن بعدهم، فإنا سنورد أسماءهم في جملة البغداديين عند وصولنا إلى ذكر كل واحد منهم إن شاء الله تعالى١.
ويمضي صاحب "التاريخ" في سرد من سوف يتناول ترجمتهم في كتابه الكبير البالغ أربعة عشر مجلدًا، فيذكر أنهم "الخلفاء والأشراف والكبراء والقضاة والفقهاء والمحدثون والقراء والزهاد والصلحاء والمتأدبون والشعراء من أهل مدينة السلام الذين ولدوا فيها أو في سواها من البلدان ونزلوها، وذكر من انتقل منهم عنها ومات ببلدة غيرها، ومن كان بالنواحي القريبة منها، ومن قدمها من غير أهلها، وما انتهى إلى معرفة كناهم وأنسابهم ومشهور مآثرهم وأحسابهم ومستحسن أخبارهم ومبلغ أعمارهم، وتاريخ وفاتهم، وبيان حالاتهم، وما حفظ فيهم من الألفاظ وعن أسلاف أئمتنا الحفاظ من ثناء ومدح، وذم وقدح، وقبول وطرح، وتعديل وجرح. جمعت ذلك كله وألفته أبوابًا مرتبة على نسق المعجم من أوائل أسمائهم، وبدأت منهم بذكر من اسمه محمد تبركًا برسول الله ﷺ ، ثم أتبعته بذكر من ابتدأ اسمه حرف الألف وثنيت بحرف الباء ثم ما بعدها من الحروف على ترتيبها إلى آخرها ليسهل إدراك ذلك على طالبيه وتقرب معرفته من مبتغيه، فإني رأيت الكتاب الكثير الإفادة، المحكم الإجادة، ربما أريد منه الشيء فيعمد من يريده إلى إخراجه فيغمض عن موضعه، ويذهب
стр. 345
بطلب زمانه، فيتركه وبه حاجة إليه وافتقار إلى وجوده"٢.
وهكذا أبان العالم الجليل عن منهجه في إيراد تراجمه إبانة دقيقة، وكأنما قد كابد ما يكابده كل باحث -حتى نحن المحدثين- حين يريد الرجوع إلى موضوع بعينه في متاهات كتب التاريخ والطبقات والآداب والعلوم والتراجم، وقد أغنانا عن مزيد من التفصيل إلا في القليل.
وقد كان الخطيب صاحب فضل بين أصحاب التراجم حين استن سنة البداية بالترجمة للمحمدين من الأعلام تبركًا برسول الله ﷺ ، وتبعه في ذلك كثيرون من أصحاب التراجم الذين جاءوا من بعده وفي مقدمتهم صلاح الدين الصفدي في كتابه "الوافي بالوفيات" الذي سنقف معه وقفة غير قصيرة.
خامسًا: احتوى تاريخ بغداد على "٧٨٣١" سبعة آلاف وثمانمائة وإحدى وثلاثين ترجمة على مسرى المجلدات الأربعة عشر، عدد المحمدين فيه ألف وخمسمائة وتسع وسبعون ترجمة ابتداء بمحمد بن إسحاق صاحب السيرة وانتهاء بمحمد بن ياسر أبي عبد الله البزار، وقد استغرقت تراجم المحمدين هؤلاء مجلدين ونصف مجلد من الكتاب هي نصف الأول والمجلدان الثاني والثالث بأكملهما. يضاف إليها ثلاثمائة وست عشرة ترجمة لمحمدين آخرين عاد إلى ترجمتهم فغطى بهم النصف الثاني من المجلد الخامس لسبب غير واضح، إذ كان المنهج الأمثل أن يأتي بهم جميعًا متصلين متلاحقين.
إن عدد المحمدين المترجم لهم في الكتاب إجمالًا يبلغ والحال كذلك ألفًا وثمانمائة وخمسًا وتسعين ترجمة تستغرق -حسبما ذكرنا- مجلدات ثلاثة كاملة هي نصف الأول والمجلدات الثاني والثالث ونصف المجلد الخامس، وهو الفريق الأخير من المحمدين الذين وردت ترجمتهم في المجلد الخامس تبدأ أسماؤهم بمحمد بن حنيفة القصبي وتنتهي بمحمد بن عبد الله بن عبيد الله أبي الحسين المقرئ المؤدب.
سادسًا: بعد أن ينتهي الخطيب البغدادي من ذكر العدد الوفير من المحمدين أو بالأحرى الدفعة الكبرى من المحمدين في المجلدات الثلاثة الأولى يثني بالترجمة لأعلام "الأحمدين" بادئًا بأحمد بن أحمد بن محمد بن عبيد الله الطالقاني ورقم ترجمته "١٥٨٠" ألف وخمسمائة وثمانون، وانتهاء بأحمد بن العباس المؤدب الصوفي ورقم ترجمته "٢٧١٣" ألفان وسبعمائة وثلاثة عشر، فيكون عدد الأحمدين الذين أورد الخطيب ترجمتهم ألفًا ومائة وثلاثا وثلاثين ترجمة شملت المجلد الرابع جميعه ونصف المجلد الخامس.
стр. 346
سابعًا: ينتقل المؤلف رأسًا من الترجمة للأحمدين إلى الترجمة للأعلام من "الإبراهيميين" مسقطًا عددًا كبيرًا من الأعلام الذين تضعهم طبيعة التكوين الأبجدي لأسمائهم قبل إبراهيم مثل أبان وغيره، وهو بذلك قد فضل أن يترجم لمن تتفق أسماؤهم مع أسماء الأنبياء من الأعلام، ويتبع ترجمة الأعلام من مادة إبراهيم بالأعلام من مادة إسماعيل، ثم إسحاق.
فإذا كان المجلد السابع فإنه يبدأه بالترجمة لمن اسم الواحد منهم "أيوب" ويتبعه بالأدارسة، ويتبع الأدارسة بمن اسمه "أسد" وبذلك يكون قد شذ عن القاعدة التي اختطها لنفسه بالابتداء بذكر من طابقت أسماؤهم أسماء الأنبياء.
غير أنه لا يلبث أن يعود إلى أسماء الأنبياء في حرف الهمزة مترجمًا لمن كانت أسماؤهم "إسرائيل" ثم "آدم". وبعد ذلك يمضي في حرف الهمزة غير مرتبط بالترتيب الهجائي للحرف الذي يليها في بنية اسم العلم، فيترجم لمن اسمه "أصرم" ثم "أسود" ثم "أشعب" ثم "أبان" ثم "أشجع" ثم "أسباط" ثم "أسيد" ثم "أزاد" ثم "أنس" ثم "أنيس" ثم "أحيد" ثم "الأحوص" ثم "أسامة" ثم "أزهر"١.
وإذا ما انتقلنا إلى حرف الحاء مثلًا وجدناه يبدأ بمن اسمه "حسن" ثم لا يكاد ينتهي من الحسنين حتى يترجم لمن يحملون اسم الحسين، وكلا الاسمين من الوفرة بمكان، وأغلب ظننا أنه بدأ حرف الحاء بالحسنين تبركًا بهما تبركه باستفتاح الكتاب بالتراجم لمن يتشرفون بحمل اسم جدهما ﵊.
ولكننا لا نلبث أن نعود إلى نقطة عدم الالتزام بالترتيب الهجائي لبنية الاسم باستثناء الحرف الأول منه وهو الحاء، ذلك أنه بعد الحسين يذكر أسماء "حماد" ثم "حميد" ثم "حامد" ثم "حمدان" ثم "حمدون" ثم "حمزة" ثم "حفص" ثم "الحارث" ثم "الحكم" وهكذا يبدو أن الرجل لا يلتزم من الترتيب الهجائي غير الحرف الأول من الاسم الأول، الأمر الذي يعرض الباحث عن عين من الأعيان أو علم من الأعلام إلى مشقة كبيرة في البحث عنه من خلال الحرف الأول من اسمه.
ثامنًا: هناك ملاحظة قد تيسر للباحث أمر بحثه للوصول إلى الكشف عن العلم الذي يبحث عنه، إذا كان هذا العلم يحمل اسم نبي من الأنبياء، فحرف السين مثلًا يبدأ بمن اسمه "سليمان"٢ وحرف الميم يبدأ بمن اسمه "موسى" وحرف الهاء يبدأ بـ"هارون" وحرف الياء
стр. 347
يبدأ بـ"يحيى" ثم "يعقوب" ثم "يونس" ثم يشذ عن القاعدة، فيذكر "يزيد" ثم يعود مرة ثانية إليها فيذكر "يونس"، ثم ينطلق في ذكر بقية الأسماء التي تبدأ بحرف الياء على غير ترتيب.
ومما ييسر على الباحث أيضًا أمره في الأسماء المعبدة، أن المؤلف يبدأ بالعبادلة "من اسمه عبد الله" وهم كثيرون "٤٠٢ من الأسماء" ثم يثني بعباد الرحمن، ثم بمن اسمهم "عبيد الله" ثم "عبد الملك" ثم "عبد العزيز" ثم "عبد الواحد" ثم "عبد الوهاب" ثم "عبد الصمد" ثم "عبد السلام" ثم "عبد الأعلى" ثم "عبد الكريم" ثم "عبد الرحيم" ثم "عبد الباقي" ثم "عبد الرازي" ثم من اسمه "عبيد" ثم "عبادة" ثم "عبد الجبار" ثم "عبدوس" ثم "عبد الغفار" ثم "عبيدة" ثم "عبد المؤمن" ويمضي بنا المؤلف في ذكر ترجمة بقية ما عبد من الأسماء في غير ما نهج واضح أو غرض ظاهر.
ولكنه لا يكاد ينتهي من ذكر المعبدة من الأسماء، حتى ينتقل إلى ذكر من اسمهم "عيسى" والأمر يبدو والحال كذلك أنه من باب التبرك بسيدنا عيسى ﵇ على اعتبار أنه رسول كريم، وعبد عزيز من عباد الله الكرام.
وتكريم الأسماء يبقى ماثلًا في ذهن المؤلف إذ إنه يتبع ذكر تراجم من اسمهم "عيسى" بمن تماثل أسماؤهم أسماء الخلفاء الراشدين: عمر -وهو كثير جدًّا- ثم عثمان ثم علي وهو أوفر كثرة.
ويتبع ترجمة "العليين" بمن اسمه "عباس" ثم "عمرو" ثم "عامر" ثم "العلاء" ثم "عاصم" ثم "عمار" ثم "عكرمة" ثم "عقبة" ثم "عمران"، ويمضي المؤلف بعد ذلك في ذكر من بدأت أسماؤهم بالعين في غير ما التزم لطبيعة الترتيب الهجائي لحروف الاسم بعد أن استوفى غرضه من تقديم من رأى أنهم أهل للتقديم.
تاسعًا: يعقد الخطيب البغدادي في القسم الأخير من المجلد الرابع عشر من كتابه فصلين متميزين، أحدهما لمن عرف بكنيته دون اسمه، إذ إن كثيرًا من الأعلام عرفوا بكناهم دون أن تعرف أسماؤهم، أو أن تكوين اسم الواحد منهم كنية في حد ذاته، كأن يكون اسمه "أبو إبراهيم" أو "أبو اليزيد" أو "أبو العينين" وهذا شائع في كثير من البلدان العربية وبخاصة مصر. وأول من ترجم لهم الخطيب البغدادي في باب الكنى أبو المؤمن الوائلي "ترجمة رقم ٧٦٨٩" وآخرهم أبو بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد المازني "ترجمة رقم ٧٧٩٩" فيكون عدد الأسماء التي ترجم لها بالكنى مائة اسم وعشرة أسماء.
وأما الفصل الخاص الثاني الذي أشرنا إليه فقد جعله المؤلف للنساء من أهل بغداد اللائي ذكرن بالفضل، ورواية العلم وعددهن إحدى وثلاثون من فضليات النساء وشهيراتهن.
أولاهن: الخيزران زوجة المهدي "ترجمة رقم ٧٨٠٠" وآخرهن: خديجة بنت محمد بن علي
стр. 348
الواعظة المعروفة بالشاهجانية.
وكتاب تاريخ بغداد واحد من أنفس وأدق وأصدق كتب التراجم بصفة عامة وتراجم أبناء البلد الواحد بصفة خاصة. والمؤلف بحكم شهرته بالرواية، ومعرفته بالشعر وتبحره بالأدب يرصع تراجمه العديدة التي بلغت سبعة الآف وثمانمائة وإحدى وثلاثين ترجمة بالخبر الأدبي الطريف والنص الشعري الأنيق، والعبارة البارعة والصوغ الأنيق الذي جعل الكتاب لازمًا لكل متأدب ضروريًّا لكل مؤرخ، على الرغم مما في منهج ترتيب تراجمه من صعاب سبقت الإشارة إليها.
стр. 349
الفصل الثالث: معجم الأدباء لياقوت الرومي:
معجم الأدباء:
إذا ذكرت كتب التراجم فإن كتاب معجم الأدباء يأتي في مقدمتها شهرة ونفعًا، ويتربع على رأسها أهمية وخطرًا، ذلك أنه يمتاز عن غيره من كتب التراجم التي ذكرنا في هذا الباب بأنه كتاب متخصص في تراجم الأدباء، وبخاصة ذوي التآليف منهم، وليس الأمر كذلك في بقية كتب التراجم التي قدمنا؛ ذلك لأنها اهتمت بكل الأعيان على اختلاف شخصياتهم وصفاتهم ونوازعهم، ومقاماتهم من خلفاء وملوك وعلماء، وفقهاء ومحدثين وزهاد وصوفيين وقضاة ووزراء، وقواد وحجاب وكتاب وشعراء وفلاسفة وأطباء إلى غير ذلك من الأعلام والأعيان. أما هنا في هذا الكتاب فليس ثمة مكان إلا لعالم، وليس من ترجمة أخرى إلا لأديب صاحب تآليف ولذلك كان الكتاب في جوهره مثلما هو في مخبره اسمًا على مسمى.
وأما مؤلف الكتاب فهو بدوره من الشهرة بمكان، إنه ياقوت بن عبد الله الحموي. والواقع أن نسبة الحموي لا تعني أن هذا العالم الجليل ذو صلة ما بمدينة حماه الجليلة في القطر الشامي، ذلك أن ياقوت مولود ببلاد الروم حوالي سنة ٥٧٥هـ، ومن ثم فإنه يعرف بياقوت الرومي، أما صفة الحموي فهي نسبة إلى الرجل الذي ابتاعه، وهو بغدادي اسمه عسكر بن أبي نصر إبراهيم الحموي، ولذلك فإنه تجدر الإشارة هنا إلى الخطأ الذي يقع فيه كثير من المتأدبين حينما يربطون بين ياقوت ومدينة حماة، فقد ذهب عدد منهم إلى أنه حموي المولد وفي مقدمتهم ابن العماد١.
إن عالمنا الجليل كان يلقب بشهاب الدين، ويكنى بأبي عبد الله، وهو على الأغلب لم يكن يعرف من أبوه ومن ثم جعل اسمه ياقوت بن عبد الله، وإذن فهو رومي المولد، حموي
стр. 350
المولى، بغدادي الدار.
لقد رغب عسكر مولى ياقوت في أن يعلم فتاه مبادئ القراءة والكتابة، والحساب حتى يساعده في ضبط أمور تجارته، وكان الأرقاء يتاجرون لمواليهم ويرتحلون ويبيعون ويشترون، فقام ياقوت بالعديد من الأسفار، وكان في الوقت نفسه مغرمًا بالعلم فتعلم شيئًا من النحو واللغة وتحسين الخط.
وما لبث ياقوت أن نال حريته، وانعتق من عقال الرق بعد جفوة جرت بينه وبين سيده فلم يجد ما يتكسب به قوت يومه غير النسخ بالأجرة، ولعل عملية النسخ هذه هي السبب في الخير الوفير الذي فاضت به ملكة ياقوت في التأليف فترك لنا من الكتب القيمة ما سوف يأتي حديثه بعد حين.
ويبدو أن عسكرًا احتاج مرة أخرى إلى ياقوت فطلب إليه معاودة الاتجار له فوافق ياقوت إلى ذلك العرض، وما إن عاد من سفرته الرابحة حتى كان عسكر قد فارق الحياة فأعطي ياقوت أسرة مولاه ما أرضاها من المال واستبقى لنفسه منه ما يستطيع أن يجعله بداية لاستثمار ورأس مال للاتجار.
وفي سنة ٦٠٣هـ ترك ياقوت بغداد واتجه إلى دمشق، وأقام في أسواقها غير أنه كان متأثرًا بمذهب الخوارج شديد التحامل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فصدر عنه في مناظرة مع أحد البغداديين في دمشق ما لا يليق من القول في حق الخليفة الراشد، وتألب الناس عليه فلم يجد بدًّا من أن يغادر دمشق هاربًا بعد إقامة طويلة فيها إلى حلب، ومن حلب انتقل إلى الموصل، وظل يضرب في أكناف الأرض متجهًا إلى إريل ومنها إلى خراسان فاستوطن مرو وعمل فيها بالتجارة التي كانت الكتب تشكل جانبًا منها. ثم عن له أن يخرج من مرو إلى نسا فخوارزم. ويتصادف أن يخرج التتار خروجهم المشئوم وهو في تلك المدينة الأخيرة سنة ٦١٦هـ، فلا يجد ياقوت بدًّا من أن ينجو بنفسه فيهرب حتى تلقي به عصا الترحال في الموصل ممزق النفس معذب الخاطر. ومن الموصل يكتب رسالة إلى القاضي جمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم القفطي وزير صاحب حلب يصف فيها حاله وما حل به من متاعب وما تعرض له من مخاطر تعتبر نفحة من الأدب الرفيع بمعيار ذلك الزمان١. ثم تتهيأ لياقوت أسباب السفر إلى حلب مرورًا بسنجار فأقام بظاهر حلب منذ وصوله إليها حوالى ٦١٧ إلى أن وافاه أجله فيها سنة ٦٢٦هـ.
لقد أفاد ياقوت من الأسفار فائدة جليلة ساعدته على تأليف بعض كتبه خاصة كتاب
стр. 351
البلدان، كما كان أديبًا أريبًا ذا همة عالية في تحصيل المعارف، ومن ثم فقد ألف عددًا من الكتب ذات النفع الجليل، هي: أخبار الشعراء المتقدمين والمتأخرين١. معجم البلدان، معجم الشعراء، معجم الأدباء، كتاب المشترك وضعًا المختلف صقعًا، كتاب المبدأ والمآل في التاريخ، كتاب الدول، مجموع كلام أبي علي الفارسي، عنوان كتاب الأغاني، المقتضب في النسب، كتاب أخبار المتنبي. غير أن هذه الكتب على نفاستها تأتي في المرتبة بعد كتابيه النفيسين: معجم البلدان، ومعجم الأدباء.
стр. 352
منهج ياقوت في معجم الأدباء:
لقد اجتهد ياقوت كل الاجتهاد في أن يجعل كتابه هذا متميزًا إلى حد كبير عن بقية كتبه، وعن كتب من سبقه من المصنفين القدامى، ويذكر أن ذلك كان أملًا راوده منذ أن أحب الأدب وأغرم بأخبار العلماء، وشغف بأحوال الأدباء يبحث عن نكت أقوالهم بحث المغرم الصب والمحب من المحب، ويطوف على مصنف فيهم يشفي الغليل ويداوي لوعة العليل فما وجد في ذلك تصنيفًا شافيًا ولا تأليفًا كافيًا١، هذا على الرغم من العديد من العلماء السابقين عليه الذين أولوا هذا الموضوع الكثير من العناية من أمثال أبي بكر محمد بن عبد الملك التاريخي، وأبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه، وأبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، وأبي سعيد الحسن بن عبد الله المرزبان السيرافي، وأبي بكر محمد بن حسن الإشبيلي الزبيدي، وأبي المحاسن المفضل بن محمد بن مسعر المغربي، وعلي بن فضال المجاشعي، وكمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري، ويمكن أن نعرض منهج ياقوت ونستعرض معجمه عن الأدباء على النحو التالي:
أولًا: إن ياقوتا يذكر هؤلاء المؤلفين جميعًا، ولا يحدد من أسماء كتبه إلا القليل مثل شجرة الذهب في أخبار من ذهب للمجاشعي، الذي لا يعتني بالأخبار، ولا يعبأ بالوفيات، ومثل نزهة الألبا في أخبار الأدبا" للكمال بن الأنباري.
ويرى ياقوت أن كتاب أبي بكر الإشبيلي الزبيدي هو أفضل هذه الكتب جميعًا وأكثرها فوائد وأوفرها تراجم وفرائد.
ولكن هذه الكتب التي ذكرها جميعًا كانت حسب اعترافه مصادره في تأليفه كتابه الذي نحن بصدده، فما يكاد يذكر كتابًا منها حتى يقول: نقلنا فوائده، وبذلك تكون أكثر مصادر ياقوت في معجم الأدباء بعضًا معروف العنوان والمؤلف، والبعض الآخر معروفًا اسم مؤلفه
стр. 353
وإن حجب عنا -دون قصد- عنوان الكتاب.
غير أن هذه الكتب جميعًا على وفرة نفعها وجلال قيمتها، لم تكن لديه بالمنزلة التي يرتضيها، فحاول تأليف كتاب يرضي به طموحه العلمي شاملًا أخبار كل ذي ثقافة وجميع أصحاب المعرفة من النحويين، واللغويين، والنسابين والقراء المشهورين، والأخباريين، والمؤرخين، والوراقين، المعروفين، والكتاب، والمترسلين والخطاطين، والمؤلفين.
إن ياقوتًا يوضح منهجه بهذا القول من مقدمة كتابه:
"وكنت مع ذلك أقول للنفس مماطلًا، وللهمة مناضلًا، رب غيث غب البارقة، ومغيث تحت الخافقة إلى أن هزم الياس الطمع، واستولى الجد على اللعب الولع، وعلمت أنه طريق لم يسلك، ونفيس لم يملك، فاستخرت الله الكريم واستنجدت بحوله العظيم، وجمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين والنسابين، والقراء المشهورين. والأخباريين والمؤرخين والوراقين المعروفين، والكتاب المشهورين، وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفًا، أو جمع في فنه تأليفًا، مع إيثار الاختصار، والإعجاز في نهاية الإيجاز ولم آلُ جهدًا في إثبات الوفيات، وتبيين المواليد والأوقات، وذكر تصانيفهم، ومستحسن أخبارهم، والأخبار بأنسابهم، وشيء من أشعارهم، فأما من لقيته أو لقيت من لقيه، فأورد لك من أخباره وحقائق أموره، ما لا أترك لك بعده تشوقًا إلى شيء من خبره، وأما من تقدم زمانه، وبعد أوانه، فأورد من خبره ما أدت الاستطاعة إليه، ووقفني النقل عليه، وفي تردادي إلى البلاد، ومخالطتي للعباد، وحذفت الأسانيد إلا ما قل رجاله، وقرب مناله مع الاستطاعة لإثباتها سماعًا وإجازة، إلا أنني قصدت صغر الحجم، وكبر النفع، وأثبت مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم، والمرجوع في صحة النقل إليهم، وكنت قد شرعت عند شروعي في هذا الكتاب أو قبله، في جمع كتاب في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء، ونسجتها على هذا المنوال، وسبكتها على هذا المثال، في الترتيب، والوضع والتبويب، فرأيت أكثر أهل العلم المتأدبين، والكبراء المتصدرين، لا تخلو قرائحهم من نظم شعر، وسبك نثر، فأودعت ذلك الكتاب كل من غلب عليه الشعر، فدون ديوانه، وشاع بذلك ذكره وشأنه، ولم يشتهر برواية الكتب وتأليفها، والآداب وتصنيفها، وأما من عرف بالتصنيف، واشتهر بالتأليف، وصحت روايته، وشاعت درايته وقل شعره، وكثر نثره، فهذا الكتاب عشه ووكره، وفيه يكون ثناؤه وذكره، وأجتزئ به عن
стр. 354
التكرار هناك، إلا النفر اليسير الذي دعت الضرروة إليهم، ودلتنا عنايتهم بالصناعتين عليهم، ففي هذين الكتابين أكثر أخبار الأدباء من العلماء والشعراء، وقصدت بترك التكرار، خفة محمله في الأسفار، وحيازة ما أهواه من هذا النشوار.
وهكذا يكون قد خص الأدباء، وكل من لهم بالأديب وشيجة، أو ربطتهم بالعلم مشاركة دون غيرهم بالترجمة، والرواية لهم والإخبار عنهم وذكر آثارهم العلمية، ومؤلفاتهم الأدبية الأمر الذي جعل هذا الكتاب من كتب التراجم متميزًا عن غيره بالتخصص، متفردًا عما سواه في نهجه وموضوعه.
ثانيًا: التزم ياقوت في ترتيب الأعيان والأدباء الذي ترجم لهم حروف المعجم التزامًا دقيقًا في الاسم، ثم في اسم الأب ثم في اسم الجد، فإن تطابقت الأسماء جعل التقدم في الذكر لمن تقدمت وفاته، وأما عن الأقطار والأمصار فلم يميز بين بلد وبلد ولا مصر ومصر، أو صقع وصقع وإنما ذكر أعيان الأدباء على امتداد رقعة العالم الإسلامي من أواسط آسيا شرقًا إلى شواطئ المحيط الأطلنطي غربًا من مغرب وأندلس، ويوضح ياقوت هذا النهج توضيحًا في قوله: "وجعلت ترتيبه على حروف المعجم، أذكر أولًا من أول اسمه "ألف" ثم من أول اسمه "باء" ثم "تاء" ثم "ثاء" إلى آخر الحروف، وألتزم ذلك في أول حرف من الاسم وثانيه وثالثه ورابعه، فأبدأ بذكر من اسمه "آدم" ألا ترى أن أول اسمه "همزة" ثم "ألف" ثم من اسمه إبراهيم؛ لأن اسمه "ألف" وبعد الألف "باء" ثم كذلك إلى آخر الحروف، وألتزم ذلك في الآباء أيضًا، فاعتبره، فإنك إذا أردت الاسم تجد له موضعًا واحدًا لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، اللهم إلا أن يتفق أسماء عدة رجال وأسماء آبائهم فإن ذلك مما لا حصر فيه إلا بالوفاة، فإني أقدم من تقدمت وفاته على من تأخرت، وأفردت في آخر كل حرف فصلًا أذكر فيه من اشتهر بلقبه على ذلك الحرف، من غير أن أورد شيئًا من أخباره فيه، إنما أدل على اسمه واسم أبيه، لتطلبه في موضعه، ولم أقصد أدباء قطر، ولا علماء عصر، ولا إقليم معين، ولا بلد مبين، بل جمعت للبصريين والكوفيين، والبغداديين، والخراسانيين والحجازيين، واليمنيين، والمصريين، والشاميين، والمغربيين، وغيرهم، على اختلاف البلدان، وتقارب الأزمان حسب ما اقتضاه الترتيب، وحكم بوضعه التبويب، لا على قدر أقدارهم في القدمة والعلم والتأخر والفهم٢.
стр. 355
والحق أن ترتيب التراجم في معجم الأدباء من الدقة بمكان، فقد جنب القارئ بدقته الكثير من المتاعب التي يتعرض لها حين يحاول الاستعانة بكتاب تراجم عظيم آخر، مثل "تاريخ بغداد" على سبيل المثال الذي لم نستطع أن نجد لترتيبه مفاتيح إلا في نطاق اجتهاد محدود وقواعد غير ثابتة يصدق بعضها، ويشذ أكثرها.
ومع استعراضنا لمعجم الأدباء كله، واستقراء ترتيبه لم تقع العين إلا على أخطاء قليلة لا تستحق الاحتفال، فقد وردت ترجمة "محمد بن واقد" على سبيل المثال بين ترجمة محمد بن عمر بن عبد العزيز، وترجمة محمد بن فتوح الأزدي١، وكذلك وردت ترجمة ميمونة أبو ربيعة الأصبهاني بين ترجمة مكي بن زيان المكسيني وترجمة منداد بن عبد الحميد الكرخي ٢، وواضح أن كلا من الترجمتين قد حشرت في غير موضعها حسب الترتيب الهجائي، ويقيننا أن هذا الخطأ قد وقع من محقق الكتاب وليس من المؤلف.
ثالثًا: يتأرجح ياقوت في صدد تقديم كتابه بين طيبة ذوي الوقار، وتواضع العلماء وبين فخر ذوي التيه وإدلال ذوي الخيلاء، وهو في تواضعه ربما كان أكثر إدلالًا من في خيلائه، ولكن في أسلوب الحكيم وسياق الأريب، إنه يقول متواضعًا طالبًا العفو عن الزلل والغفران عن الخطأ هذا القول العذب الطريف٣:
"وأنا قد اعترفت بقصوري، فيما اعتمدت عن الغاية وتقصيري عن الانتهاء إلى النهاية، فاسأل الناظر فيه ألا يعتمد العنت، ولا يقصد قصد من إذا رأى حسنًا ستره، وعيبًا أظهره، وليتأمله بعين الإنصاف لا الانحراف، فمن طلب عيبًا وجد وجد ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضا فقد، فرحم الله امرءًا قهر هواه وأطاع الإنصاف ونواه وعذرنا في خطأ إن كان منا، وزلل إن صدر عنا، فالكمال محال لغير ذي الجلال، فالمرء غير معصوم، والنسيان في الإنسان غير معدوم، وإن عجز عن الاعتذار عنا والتصويب، فقد علم أن كل مجتهد مصيب، فإنا وإن أخطأنا في مواضع يسيرة، فقد أصبنا في مواطن كثيرة، فما علمنا فيمن تقدمنا وأمنا من الأئمة القدماء إلا وقد نظم في سلك أهل الزلل وأخذ عليه شيء من الخطل وهم هم، فكيف بنا مع قصورنا واقتصارنا وصرف جل زماننا في نهمة الدنيا وطلب المعاش، وتنميق الرياش، الذي مرادنا منه صيانة العرض، وبقاء ماء الوجه لدى العرض.
وإنما تصديت لجميع هذا الكتاب لفرط الشغف والغرام، والوجد بما حوى والهيام، لا لسلطان أجتديه، ولا لصدر أرتجيه، غير أني أرغب إلى الناظر فيه أن يترجم علي ويعطف