البلدان، كما كان أديبًا أريبًا ذا همة عالية في تحصيل المعارف، ومن ثم فقد ألف عددًا من الكتب ذات النفع الجليل، هي: أخبار الشعراء المتقدمين والمتأخرين١. معجم البلدان، معجم الشعراء، معجم الأدباء، كتاب المشترك وضعًا المختلف صقعًا، كتاب المبدأ والمآل في التاريخ، كتاب الدول، مجموع كلام أبي علي الفارسي، عنوان كتاب الأغاني، المقتضب في النسب، كتاب أخبار المتنبي. غير أن هذه الكتب على نفاستها تأتي في المرتبة بعد كتابيه النفيسين: معجم البلدان، ومعجم الأدباء.
стр. 352
منهج ياقوت في معجم الأدباء:
لقد اجتهد ياقوت كل الاجتهاد في أن يجعل كتابه هذا متميزًا إلى حد كبير عن بقية كتبه، وعن كتب من سبقه من المصنفين القدامى، ويذكر أن ذلك كان أملًا راوده منذ أن أحب الأدب وأغرم بأخبار العلماء، وشغف بأحوال الأدباء يبحث عن نكت أقوالهم بحث المغرم الصب والمحب من المحب، ويطوف على مصنف فيهم يشفي الغليل ويداوي لوعة العليل فما وجد في ذلك تصنيفًا شافيًا ولا تأليفًا كافيًا١، هذا على الرغم من العديد من العلماء السابقين عليه الذين أولوا هذا الموضوع الكثير من العناية من أمثال أبي بكر محمد بن عبد الملك التاريخي، وأبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه، وأبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، وأبي سعيد الحسن بن عبد الله المرزبان السيرافي، وأبي بكر محمد بن حسن الإشبيلي الزبيدي، وأبي المحاسن المفضل بن محمد بن مسعر المغربي، وعلي بن فضال المجاشعي، وكمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري، ويمكن أن نعرض منهج ياقوت ونستعرض معجمه عن الأدباء على النحو التالي:
أولًا: إن ياقوتا يذكر هؤلاء المؤلفين جميعًا، ولا يحدد من أسماء كتبه إلا القليل مثل شجرة الذهب في أخبار من ذهب للمجاشعي، الذي لا يعتني بالأخبار، ولا يعبأ بالوفيات، ومثل نزهة الألبا في أخبار الأدبا" للكمال بن الأنباري.
ويرى ياقوت أن كتاب أبي بكر الإشبيلي الزبيدي هو أفضل هذه الكتب جميعًا وأكثرها فوائد وأوفرها تراجم وفرائد.
ولكن هذه الكتب التي ذكرها جميعًا كانت حسب اعترافه مصادره في تأليفه كتابه الذي نحن بصدده، فما يكاد يذكر كتابًا منها حتى يقول: نقلنا فوائده، وبذلك تكون أكثر مصادر ياقوت في معجم الأدباء بعضًا معروف العنوان والمؤلف، والبعض الآخر معروفًا اسم مؤلفه
стр. 353
وإن حجب عنا -دون قصد- عنوان الكتاب.
غير أن هذه الكتب جميعًا على وفرة نفعها وجلال قيمتها، لم تكن لديه بالمنزلة التي يرتضيها، فحاول تأليف كتاب يرضي به طموحه العلمي شاملًا أخبار كل ذي ثقافة وجميع أصحاب المعرفة من النحويين، واللغويين، والنسابين والقراء المشهورين، والأخباريين، والمؤرخين، والوراقين، المعروفين، والكتاب، والمترسلين والخطاطين، والمؤلفين.
إن ياقوتًا يوضح منهجه بهذا القول من مقدمة كتابه:
"وكنت مع ذلك أقول للنفس مماطلًا، وللهمة مناضلًا، رب غيث غب البارقة، ومغيث تحت الخافقة إلى أن هزم الياس الطمع، واستولى الجد على اللعب الولع، وعلمت أنه طريق لم يسلك، ونفيس لم يملك، فاستخرت الله الكريم واستنجدت بحوله العظيم، وجمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين والنسابين، والقراء المشهورين. والأخباريين والمؤرخين والوراقين المعروفين، والكتاب المشهورين، وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفًا، أو جمع في فنه تأليفًا، مع إيثار الاختصار، والإعجاز في نهاية الإيجاز ولم آلُ جهدًا في إثبات الوفيات، وتبيين المواليد والأوقات، وذكر تصانيفهم، ومستحسن أخبارهم، والأخبار بأنسابهم، وشيء من أشعارهم، فأما من لقيته أو لقيت من لقيه، فأورد لك من أخباره وحقائق أموره، ما لا أترك لك بعده تشوقًا إلى شيء من خبره، وأما من تقدم زمانه، وبعد أوانه، فأورد من خبره ما أدت الاستطاعة إليه، ووقفني النقل عليه، وفي تردادي إلى البلاد، ومخالطتي للعباد، وحذفت الأسانيد إلا ما قل رجاله، وقرب مناله مع الاستطاعة لإثباتها سماعًا وإجازة، إلا أنني قصدت صغر الحجم، وكبر النفع، وأثبت مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم، والمرجوع في صحة النقل إليهم، وكنت قد شرعت عند شروعي في هذا الكتاب أو قبله، في جمع كتاب في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء، ونسجتها على هذا المنوال، وسبكتها على هذا المثال، في الترتيب، والوضع والتبويب، فرأيت أكثر أهل العلم المتأدبين، والكبراء المتصدرين، لا تخلو قرائحهم من نظم شعر، وسبك نثر، فأودعت ذلك الكتاب كل من غلب عليه الشعر، فدون ديوانه، وشاع بذلك ذكره وشأنه، ولم يشتهر برواية الكتب وتأليفها، والآداب وتصنيفها، وأما من عرف بالتصنيف، واشتهر بالتأليف، وصحت روايته، وشاعت درايته وقل شعره، وكثر نثره، فهذا الكتاب عشه ووكره، وفيه يكون ثناؤه وذكره، وأجتزئ به عن
стр. 354
التكرار هناك، إلا النفر اليسير الذي دعت الضرروة إليهم، ودلتنا عنايتهم بالصناعتين عليهم، ففي هذين الكتابين أكثر أخبار الأدباء من العلماء والشعراء، وقصدت بترك التكرار، خفة محمله في الأسفار، وحيازة ما أهواه من هذا النشوار.
وهكذا يكون قد خص الأدباء، وكل من لهم بالأديب وشيجة، أو ربطتهم بالعلم مشاركة دون غيرهم بالترجمة، والرواية لهم والإخبار عنهم وذكر آثارهم العلمية، ومؤلفاتهم الأدبية الأمر الذي جعل هذا الكتاب من كتب التراجم متميزًا عن غيره بالتخصص، متفردًا عما سواه في نهجه وموضوعه.
ثانيًا: التزم ياقوت في ترتيب الأعيان والأدباء الذي ترجم لهم حروف المعجم التزامًا دقيقًا في الاسم، ثم في اسم الأب ثم في اسم الجد، فإن تطابقت الأسماء جعل التقدم في الذكر لمن تقدمت وفاته، وأما عن الأقطار والأمصار فلم يميز بين بلد وبلد ولا مصر ومصر، أو صقع وصقع وإنما ذكر أعيان الأدباء على امتداد رقعة العالم الإسلامي من أواسط آسيا شرقًا إلى شواطئ المحيط الأطلنطي غربًا من مغرب وأندلس، ويوضح ياقوت هذا النهج توضيحًا في قوله: "وجعلت ترتيبه على حروف المعجم، أذكر أولًا من أول اسمه "ألف" ثم من أول اسمه "باء" ثم "تاء" ثم "ثاء" إلى آخر الحروف، وألتزم ذلك في أول حرف من الاسم وثانيه وثالثه ورابعه، فأبدأ بذكر من اسمه "آدم" ألا ترى أن أول اسمه "همزة" ثم "ألف" ثم من اسمه إبراهيم؛ لأن اسمه "ألف" وبعد الألف "باء" ثم كذلك إلى آخر الحروف، وألتزم ذلك في الآباء أيضًا، فاعتبره، فإنك إذا أردت الاسم تجد له موضعًا واحدًا لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، اللهم إلا أن يتفق أسماء عدة رجال وأسماء آبائهم فإن ذلك مما لا حصر فيه إلا بالوفاة، فإني أقدم من تقدمت وفاته على من تأخرت، وأفردت في آخر كل حرف فصلًا أذكر فيه من اشتهر بلقبه على ذلك الحرف، من غير أن أورد شيئًا من أخباره فيه، إنما أدل على اسمه واسم أبيه، لتطلبه في موضعه، ولم أقصد أدباء قطر، ولا علماء عصر، ولا إقليم معين، ولا بلد مبين، بل جمعت للبصريين والكوفيين، والبغداديين، والخراسانيين والحجازيين، واليمنيين، والمصريين، والشاميين، والمغربيين، وغيرهم، على اختلاف البلدان، وتقارب الأزمان حسب ما اقتضاه الترتيب، وحكم بوضعه التبويب، لا على قدر أقدارهم في القدمة والعلم والتأخر والفهم٢.
стр. 355
والحق أن ترتيب التراجم في معجم الأدباء من الدقة بمكان، فقد جنب القارئ بدقته الكثير من المتاعب التي يتعرض لها حين يحاول الاستعانة بكتاب تراجم عظيم آخر، مثل "تاريخ بغداد" على سبيل المثال الذي لم نستطع أن نجد لترتيبه مفاتيح إلا في نطاق اجتهاد محدود وقواعد غير ثابتة يصدق بعضها، ويشذ أكثرها.
ومع استعراضنا لمعجم الأدباء كله، واستقراء ترتيبه لم تقع العين إلا على أخطاء قليلة لا تستحق الاحتفال، فقد وردت ترجمة "محمد بن واقد" على سبيل المثال بين ترجمة محمد بن عمر بن عبد العزيز، وترجمة محمد بن فتوح الأزدي١، وكذلك وردت ترجمة ميمونة أبو ربيعة الأصبهاني بين ترجمة مكي بن زيان المكسيني وترجمة منداد بن عبد الحميد الكرخي ٢، وواضح أن كلا من الترجمتين قد حشرت في غير موضعها حسب الترتيب الهجائي، ويقيننا أن هذا الخطأ قد وقع من محقق الكتاب وليس من المؤلف.
ثالثًا: يتأرجح ياقوت في صدد تقديم كتابه بين طيبة ذوي الوقار، وتواضع العلماء وبين فخر ذوي التيه وإدلال ذوي الخيلاء، وهو في تواضعه ربما كان أكثر إدلالًا من في خيلائه، ولكن في أسلوب الحكيم وسياق الأريب، إنه يقول متواضعًا طالبًا العفو عن الزلل والغفران عن الخطأ هذا القول العذب الطريف٣:
"وأنا قد اعترفت بقصوري، فيما اعتمدت عن الغاية وتقصيري عن الانتهاء إلى النهاية، فاسأل الناظر فيه ألا يعتمد العنت، ولا يقصد قصد من إذا رأى حسنًا ستره، وعيبًا أظهره، وليتأمله بعين الإنصاف لا الانحراف، فمن طلب عيبًا وجد وجد ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضا فقد، فرحم الله امرءًا قهر هواه وأطاع الإنصاف ونواه وعذرنا في خطأ إن كان منا، وزلل إن صدر عنا، فالكمال محال لغير ذي الجلال، فالمرء غير معصوم، والنسيان في الإنسان غير معدوم، وإن عجز عن الاعتذار عنا والتصويب، فقد علم أن كل مجتهد مصيب، فإنا وإن أخطأنا في مواضع يسيرة، فقد أصبنا في مواطن كثيرة، فما علمنا فيمن تقدمنا وأمنا من الأئمة القدماء إلا وقد نظم في سلك أهل الزلل وأخذ عليه شيء من الخطل وهم هم، فكيف بنا مع قصورنا واقتصارنا وصرف جل زماننا في نهمة الدنيا وطلب المعاش، وتنميق الرياش، الذي مرادنا منه صيانة العرض، وبقاء ماء الوجه لدى العرض.
وإنما تصديت لجميع هذا الكتاب لفرط الشغف والغرام، والوجد بما حوى والهيام، لا لسلطان أجتديه، ولا لصدر أرتجيه، غير أني أرغب إلى الناظر فيه أن يترجم علي ويعطف
стр. 356
جيد دعائه إلي، فذلك ما لا كلفة فيه عليه ولا ضرر يرجع به إليه، فربما انتفعت بدعوته وفزت بما قد أمن هو من مغرته.
وفي نطاق التيه والإدلال، يرق المؤلف في تيهه ويلتمس العذر لنفسه في إدلاله في نطاق الحجة المقبولة العبارة المستساغة ومن خلال عدة أبيات من الشعر المتوسط فيقول١:
ومع ما تقدم من اعتذارنا، ومر من تنصلنا، واستغفارنا، فقد رآني جماعة من أهل العصر وقد نظمت لآلئ هذا الكتاب، وأبرزته في أبهى من الحلي على ترائب الكعاب، فاستحسنوه والتمسوه لينسخوه، فوجدت في نفسي شحًّا عليهم، وبخلًا بعطف جيده إليهم؛ لأنه مني بمنزلة الروح في جسد الجبان، والسوداوين من العين والجنان، مع كوني غير راضٍ لنفسي بذلك المنع، ولا حامد لها على ذلك الصنع، لكنها طبيعة عليها جبلت، وسجية إليها جبرت، حتى قلت فيه مع اعترافي بقلة بضاعتي في الشعر، وعلمي بركاكة نظمي والنثر:
فكم قد حوى من فضل قول محبر ... ومن نثر مصقاع ومن نظم ذي فهم
ومن خبر حلو طريف جمعته ... على قدم الأيام للعرب والعجم
ترنح أعطافي إذا ما قرأته ... كما رنحت شرابها ابنة الكرم
ولو أنني أنصفته في محبتي ... لجلدته جلدي وصندقته عظمي
ولا عليه في ذلك كله فمن حق المبدع أن يتيه بما أبدع، وكتاب ياقوت يأتي بين الصفوة الممتازة من كتب التراجم التي لا يستغني عنها باحث، ولا يستطيع أن يغفل عن الانتفاع بها دارس، أو أديب.
رابعًا: أتبع ياقوت مقدمة الكتاب بدراسة طريفة في فصلين: فصل خصصه للحديث عن فضل الأدب وأهله ضمنه مجموعة ممتعة من الأخبار اللطيفة العذبة حول العلم والجهل، بعضها شعر وبعضها نثر، وهي في جملتها مختارات محبوكة نسج الحواشي بين نكتة، ووصية، ومقطوعة شعرية، ومحاورة عذبة بين العلم والأدب يرجح فيها ياقوت جانب الأدب
стр. 357
على جانب العلم، مع أقوال من بدائع الأصمعي ولطائف من بدائه التاريخي١، وأما الفصل الآخر فيخصصه لفضيلة علم الأخبار٢ مع نخبة من المحاورات والأسماء والأشعار التي جعلها المؤلف بمثابة التوابل اللذيذة، التي توضع على الطعام، فتحبب إلى المرء تناوله في شهية والإقبال عليه في رغبة والاغتراف منه في لذة وتحصيل قدر منه في متعة.
خامسًا: يضم الكتاب عددًا كبيرًا من التراجم قدرها ألف وخمس وستون ترجمة لأعلام الآداب، والمعارف على مساحة الأراضي الإسلامية، والعربية كلها منذ القرن الأول الهجري حتى زمان المؤلف بحيث إنه ترجم لبعض من رآهم والتقى بهم وتحدث إليهم.
وتبلغ الترجمة أحيانًا حدًّا من الطول بحيث تصلح أن تكون كتابًا بذاته، وتبلغ حدًّا من القصر أحيانًا أخرى بحيث لا تتعدى كلمات سبعًا أو ثمانٍ.
فمن التراجم الطويلة على سبيل المثال ترجمة الصاحب إسماعيل بن عباد التي استغرقت النصف الثاني كله من الجزء السادس من المعجم، ومنها ترجمة أحمد بن عبد الله بن سليمان المشهور بأبي العلاء المعري٣ ومنها ترجمة الحسن بن عبد الله المرزباني النحوي المشهور بأبي سعيد السيرافي٤، ومنها تلك التي لأسامة بن منقذ العالم الفارس الأمير الشاعر بحيث استغرقت ترجمته النصف الثاني بأكمله من الجزء الخامس من المعجم٥.
يقابل هذه التراجم المفصلة البالغة الطول تراجم أخرى بالغة القصر إلى المدى الذي يكاد يصاب المعجم بسبب قصرها بالخلل، ولكن لم يكن لدى ياقوت من حيلة في ذلك، فهو يرى أن ذكر الشيء القليل مهما بلغ من ضآلة خير من عدمه فمن التراجم البالغة القصر على سبيل المثال، تلك التي أوردها لأحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير، يقول فيها ما نصه: "من تلاميذ عبد القادر الجرجاني، له شرح كتاب اللمع"٦ أو تلك التي ترجم بها لجعفر بن هارون بن إبراهيم النحوي الدينوري، وفيها يقول: "أبو محمد، روى عنه ابن شاذان في شوال سنة أربع وأربعين وثلاثمائة"٧. أو تلك التي ترجم بها لمحمد بن الحسن البرجي
стр. 358
الأديب الأصفهاني، وفيها يقول "قال ابن مندة: مات في محرم سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة"١ أو ترجمته للحسين بن أحمد بن بطَّويه، وهي أطراف التراجم القصيرة جميعًا؛ لأن المؤلف يقول فيها ما نصه: "لا أعلم من أمره شيئًا" ٢ ثم ينسب إليه مقطوعتين من الشعر، واحدة في ثلاثة أبيات والأخرى في بيتين.
هذا وقد يكون من الطرافة بمكان أن نذكر أن أسماء قليلة بعينها قد استولت من الكتاب على نصيب الأسد، أو أكثر بل إنها أربعة أسماء بالذات هي على الترتيب الأبجدي أحمد، والحسن وعلي، ومحمد. "فالأحمدون" استولوا على ثلثي الجزء الثاني فضلًا عن الأجزاء الثالث والرابع والخامس بأكملها. و "الحسنون" استولوا على كل من الجزءين الثامن والتاسع بأكملهما باستثناء أربع تراجم قصيرة في آخر التاسع. و "العليون" استولوا على الربع الأخير من الجزء الثاني عشر وكل من الأجزاء الثلاثة التالية له، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر باستثناء ثلاث تراجم قصيرة في آخر الجزء الخامس عشر، و "المحمدون" استولوا على ثلثي الجزء السابع عشر الأخيرين، وكل الجزء الثامن عشر، والثلث الأول من الجزء التاسع عشر، وبعملية حسابية صغيرة يتبين أن أصحاب هذه الأسماء الأربعة من العلماء قد استغرقوا أحد عشر جزءًا من الكتاب كله البالغ عدد أجزائه عشرين جزءًا.
على أن ذلك الذي نذكره حول هذه الأسماء وسيادتها واستيلائها على ناصية العلم ليس إلا من باب الملاحظة العابرة، وهي في مجموعها أسماء لطيفة مباركة.
هذا ملخص سريع لمنهج كتاب معجم الأدباء ومحتواه للعالم الهاوي الأريب الأديب النشط المبارك الإنتاج على الرغم من صغر سنه نسبيًّا، وزحمة أعماله وكثرة أسفاره ومشاكل الرق التي كابدها في أول حياته. إنه كتاب ثمين في قيمته، فريد في جوهره، خصيب في عطائه، كريم في فيضه، إنه عطاء العلم وفيض الأدب ممثلًا فيمن ترجم لهم بعناية وإحكام مستعينًا بالمصادر التي يطمئن إليها ذاكرًا أصحابها كلما سنحت له الفرصة أن يذكرهم، والكتاب من الشهرة والقيمة بحيث لا يستغني عنه باحث أو طالب علم، أو أديب، أو معلم.
стр. 359
الفصل الرابع: وفيات الأعيان
وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان:
لعل هذا الكتاب هو أشهر كتب التراجم عامة منها ما تخصص في تراجم أبناء بلد بعينه أو ما اشتمل على تراجم عامة بغض النظر عن الزمان والمكان، ولا يكاد يدانيه شهرة من كتب التراجم إلا كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
وهذا الكتاب وأقرانه لا يستطيع التوفر على تصنيفها إلا العلماء من أولي العزم للصبر الذي يحتاج إليه مؤلفه، فضلًا عن سعة في العلم وتبحر في الأدب وتمكن من اللغة، ومعرفة بالتاريخ وثقة في الرواية وحسن سمعة بين الناس.
إن شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان مؤلف "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" كان جامعًا لكل هذه الصفات، لقد عاش بين سنتي ٦٠٨-٦٨١هـ، وكان مولده بإربل وحصل فيها ما استطاع من ألوان العلم والمعرفة، وتتلمذ لمشهوري علمائها، ثم أصبح أستاذًا لكثير من العلماء والفضلاء وعلامة في الأدب والشعر وأيام الناس، ووصف بأنه كان كثير الاطلاع جليل المذاكرة وافر الحجة ذا هيبة ومكانة عند الناس.
وإذا كانت الرحلة تفيد في تحصيل المعرفة، وتزيد المرء من تجارب الحياة، فقد رحل ابن خلكان، وسكن فترة من الزمان في كل من الموصل وحلب ومصر حيث تولى فيها نيابة القضاء، ثم رحل إلى الشام حيث تولى القضاء فيها للشافعية. ومن الطريف أن قضاة المذاهب الأربعة الشافعية والأحناف والمالكية والحنابلة كان كل واحد منهم -وابن خلكان منهم- يلقب بشمس الدين فقال في ذلك بعض شعراء دمشق الظرفاء:
أهل دمشق استرابوا ... من كثرة الحكام
стр. 360
إذ هم جميعًا شموس ... وحالهم في ظلام١
غير أن ابن خلكان كان يتمتع من بين هؤلاء جميعًا بمكانة خاصة من الاحترام في قلوب الناس، فقد عزل من قضاء دمشق، ثم أعيد بعد سبع سنوات، فكانت عودته مصدر راحة لنفوس الدمشقيين وصارت هذه المناسبة من الأهمية بحيث قال الأدباء فيها شعرًا طريفًا، فإن سعد الدين الفارقي يقول في ذلك:
أذقت الشام سبع سنين جدبًا ... غداة هجرته هجرًا جميلًا
فلما زرته من أرض مصر ... مددت عليه من كفيك نيلًا
هذا ولابن خلكان نفسه شعر جيد طريف المعاني متعدد الأوزان أورد له كل من صاحب "الوافي بالوفيات" و "فوات الوفيات" شيئًا كثيرًا يصلح للدراسة. وتمنينا لو سمح المقام هنا بذكر شيء منه، غير أن أكثره لسوء الحظ في موضوع ينبو عن الذوق، ويخرج عن المألوف إذ إنه في شعر الغلمان، وهو أمر كان يجمل بعالم كبير مثل ابن خلكان أن يترفع عنه، ويسمو بنفسه عن التدني إليه.
فإذا ما انتقل الحديث بنا إلى كتاب ابن خلكان الذي سماه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان مما ثبت بالنقل والسماع، أو أثبته العيان" نجده عنوانًا مفرط الطول الأمر الذي جعل المتأدبين والدارسين يعرفونه بالمقطع الأول من عنوانه "وفيات الأعيان".
والكتاب يترجم للنابهين من الناس في المحيط الإسلامي والعربي، أيا كانت صفاتهم أو أمكنتهم أو عصورهم، وليس لطائفة واحدة أو بلدة بعينها كما هو الحال في نسق آخر من كتب التراجم، إنه يترجم للجميع من ملوك ووزارء وأئمة ومحدثين، وفقهاء، وعلماء، وفلاسفة ومتصوفة وأطباء وقضاة وولاة وقواد وكتاب وشعراء، وندماء وظرفاء وشهيرات النساء وكل من يقع السؤال عنه.
هذا ويضع المؤلف مقدمة لكتابه يبين فيها منهجه في تأليفه كأحسن وأدق وأحدث ما يكون المنهج العلمي بمراحله المتكاملة. إنه يبدأ بالقراءة سنوات عديدة وفي أثناء ذلك يجمع المادة التي يستمد منها موضوعات كتابه، وهو يتثبت من صحتها وأمانة رواتها، ويوردها مرتبة على حروف المعجم ويبين لماذا اختار هذا السبيل دون غيره. ويتوقع أن قارئًا سوف يلاحظ أنه لم يترجم للصحابة والتابعين فيذكر في منهجه السبب الذي من أجله استثناهم فلم
стр. 361
يضمن كتابه أخبارهم، وفي تواضع العلماء الأصلاء يذكر ابن خلكان أنه غير معصوم من الخطأ، ويرجو ممن يجيئون بعده من أهل -مثابين- أن يصلحوا ما يكون قد وقع فيه من خطأ. بل إنه لا يغفل عن أن يذكر أنه ألف الكتاب في القاهرة في شهور سنة ٦٥٤ الهجرية.
فلنستمع إلى ابن خلكان، وهو يقدم لنا بنفسه في مقدمة كتابه المنهج الذي اتبعه، والطريق الذي سلكه في تأليف الكتاب١:
"هذا مختصر في التاريخ، دعاني إلى جمعه أني كنت مولعًا بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ وفياتهم وموالدهم، ومن جمع منهم كل عصر، فوقع لي منه شيء حملني على الاستزادة وكثرة التتبع، فعمدت إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن، وأخذت من أفواه الأئمة المتقنين له ما لم أجده من كتاب، ولم أزل على ذلك حتى حصل عندي منه مسودات كثيرة في سنين عديدة، وغلق على خاطري بعضه فصرت إذا احتجت إلى معاودة شيء منه لا أصل إليه إلا بعد التعب في استخراجه، لكونه غير مرتب، فاضطررت إلى ترتيبه، فرأيته على حروف المعجم أيسر منه على السنين، فعدلت إليه، والتزمت فيه تقديم من كان أول اسمه الهمزة، ثم من كان ثاني حرف من اسمه الهمزة أو ما هو أقرب إليها، على غيره، فقدمت إبراهيم على أحمد؛ لأن الباء أقرب إلى الهمزة من الحاء، وكذلك فعلت إلى آخره، ليكون أسهل للتناول، وإن كان هذا يفضي إلى تأخير المتقدم وتقديم المتأخر في العصر، وإدخال من ليس من الجنس بين المتجانسين، لكن هذه المصلحة أحوجت إليه.
ولم أذكر في هذا المختصر أحدًا من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا من التابعين ﵃، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثيرة من الناس إلى معرفة أحوالهم، وكذلك الخلفاء: لم أذكر أحدًا منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب، لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ونقلت عنهم، أو كانوا في زمني ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي بعدي.
ولم أقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة، مثل العلماء أو الملوك أو الأمراء، أو الوزراء أو الشعر، بل كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه ذكرته وأتيت من أحواله بما وقفت عليه، مع الإيجاز كيلا يطول الكتاب، وأثبت وفاته ومولده إن قدرت عليه، ورفعت نسبه على ما ظفرت به، وقيدت من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه، وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة، أو نادرة، أو شعر، أو رسالة ليتفكه به متأمله ولا يراه
стр. 362
مقصورًا على أسلوب واحد فيمله، والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إذا كان مفننًا.
وبعد أن صار كذلك لم يكن بد من استفتاحه بخطبة وجيزة للتبرك بها، فنشأ من مجموع ذلك هذا الكتاب، وجعلته تذكرة لنفسي، وسميته كتاب "وفيات الأعيان"، وأنباء أبناء الزمان، مما ثبت بالنقل أو السماع، أو أثبته العيان" ليستدل على مضمون الكتاب بمجرد العنوان.
فمن وقف عليه من أهل الدراية بهذا الشأن ورأى فيه خللًا فهو المثاب في إصلاحه بعد التثبت فيه، فإني بذلت الجهد في التقاطه، من مظان الصحة، ولم أتساهل في نقله ممن لا يوثق به، بل تحريت فيه حسبما وصلت القدرة إليه.
وكان ترتيبي له في شهور سنة أربع وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة مع شواغل عاتقة، وأحوال عن مثل هذا متضايقة، فليعذر الواقف عليه، وليعلم أن الحاجة المذكورة ألجأت إليه؛ لأن النفس تحدثها الأماني من الانتظام في سلك المؤلفين بالمحال، ففي أمثالهم السائرة "لكل عمل رجال" ومن أين لي ذلك والبضاعة من هذا العلم قدر منذور، والمتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور، حرسنا الله تعالى من التردي في مهاوي الغواية، وجعل لنا من العرفان بأقدارنا أمنع وقاية بمنه وكرمه، آمين".
إننا من خلال هذه المقدمة، أو هذا المنهج نستطيع أن نوضح أهم ميزات الكتاب وفوائده على النحو التالي:
أولًا: يضم الكتاب ثمانمائة وخمسًا وخمسين ترجمة لأعلام المسلمين والعرب وكل من يمكن السؤال عنهم من رجال ونساء على مساحة العالم الإسلامي كله من بخارى سمرقند وحدود الصين شرقًا إلى المغرب والأندلس غربًا. هذا من حيث المكان، وأما من حيث الزمان، فإنه يغطي الحقب الزمنية منذ القرن الأول الهجري حتى قرابة نهاية القرن السابع الهجري، وهي الفترة التي توفي فيها المؤلف.
ثانيًا: يذكر الكتاب سنة الميلاد ومكانه لكل عين يترجم له، كما يذكر سنة الوفاة ومكانها، وإذا كان هناك اختلاف بين المؤرخين في سني الوفاة أو الميلاد، فإنه يذكر هذا الخلاف، ثم يرجح ما يرى أنه الصواب، مثال ذلك قوله عن إبراهيم النخعي، وهو أول من ترجم له: "توفي سنة ست وقيل خمس وتسعين للهجرة وله تسع وأربعون سنة وقيل ثمان وخمسون سنة، والأول أصح"١.
ثالثًا: التزم المؤلف ذكر من يترجم لهم بحسب ترتيب الحروف الهجائية في الاسم
стр. 363
الأول فقط دون الاسم الثاني -أي اسم الأب- فإن أول من ترجم له هو إبراهيم بن حارثة ابن سعد بن ... النخع الفقيه الكوفي النخعي، والمترجم له الثاني هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، والثالث إبراهيم بن أحمد إسحاق المروزي الشافعي، ولو كان ابن خلكان سار على مطلق الترتيب الهجائي المعجمي سيرًا سليمًا لكان اتبع ذلك في كل من اسم الشخص المترجم له ثم اسم أبيه وبالتالي يكون المترجم له الثالث إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي مكان إبراهيم بن حارثة النخعي. وأما آخر من ترجم لهم، فهو يونس بن يوسف المخارقي.
وإذا كان المؤلف قد فاته هذا الترتيب الحديث فإنه يعوضنا بتدقيقه في ضبط الأسماء والكنى والألقاب، والنسب، وأسماء البلدان التي ترد متصلة بالمترجم له، أو بمكان مولده أو وفاته ضبطًا صحيحًا سليمًا وبذلك يسهم إسهامًا ذا أهمية وخطر في أن يحسن الدارس نطق الأعلام.
رابعًا: يذكر المؤلف الأحداث الكبرى والأمور ذات الخطر المتصلة بحياة المترجم، مكارمه إن كان حاكمًا ونماذج من شعره إن كان شاعرًا، وأخرى من كتابته إن كان كاتبًا، ومؤلفاته إن كان عالمًا وهكذا.
لقد كان لياقوت فضل كبير على العلم والعلماء حين نقل كثيرًا من صفحات مؤلفات ثمينة ضاعت مع الزمان، فحفظ لنا نماذج تعلن عن طبيعتها، وأسلوبها ومحتواها فيساعد بذلك المهتمين والمحققين.
وعلى سبيل المثال يذكر ابن خلكان في ترجمته لابن عبد البر أبي عمر يوسف بن عبد الله كتبه التي ألفها، ويذكر من بين كتبه كتاب "بهجة المجالس وأنس المجالس" وينقل منه ثلاث صفحات تفصح عن قيمة الكتاب١. لقد ظل قراء العربية يشتاقون إلى قراءة هذا الكتاب منذ عهد ابن خلكان حتى سنة ١٩٦٢م أي قبل نحو عشر سنوات حتى عثر عليه مخطوطًا ونشر الجزء الأول من أجزائه الثلاثة٢.
وهكذا نجد ابن خلكان حين يترجم لعين من الأعيان يورد أهم ما يتصل بشخصه من أحداث أو أخبار أو طرائف أو نصوص شعرية أو نثرية أو مؤلفات، وهو من الكتب العمد في التراجم العامة في المكتبة العربية.
стр. 364
فوات الوفيات:
قديمًا قالوا: "الكتاب يقرأ من عنوانه" ولعلّ هذا المثل لا يكتمل انطباقه على شيء قدر انطباقه على كتاب "فوات الوفيات" أي ما فات ابن خلكان ذكره في كتابه "وفيات الأعيان".
إن مؤلف فوات الوفيات ينص على ذلك نصًّا في مقدمته لكتابه فيقول " ... إن علم التاريخ مرآة الزمان لمن تدبر، ومشكاة أنوار يطلع بها على تجارب الأمم من أمعن النظر وتفكر، وكنت ممن أكثر لكتبه المطالعة، واستحلى من فوائده المراجعة، فلما وقفت على كتاب "وفيات الأعيان" لقاضي القضاة ابن خلكان، قدس الله روحه! وجدته من أحسنها وضعًا لما اشتمل عليه من الفوائد الغزيرة، والمحاسن الكثيرة، غير أنه لم يذكر أحدًا من الخلفاء، ورأيته قد أخل بتراجم فضلاء زمانه، وجماعة ممن تقدم على أوانه، ولم أعلم أذلك ذهول عنهم، أو لم يقع له ترجمة أحد منهم؟!
فأحببت أن أجمع كتابًا يتضمن ذكر من لم يذكره من الأئمة الخلفاء، والسادة الفضلاء، من وفاته إلى الآن، فاستخرت الله تعالى، فانشرح لذلك صدري وتوكلت عليه، وفوضت إليه أمري. وسميته بـ"فوات الوفيات".
والله تعالى المسئول أن يوفق في القول والعمل، وأن يتجاوز عن هفوات الخطأ والزلل ... ".
أما مؤلف كتاب "فوات الوفيات" فهو محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الكتبي الداراني الدمشقي المولود في داريا من قرى دمشق، فلما نما عوده اشتغل بتجارة الكتب فأصاب ربحًا كبيرًا وغنًى وافرًا وظل وفيًّا للعلم فأسهم على قدر طاقته في التأليف والتصنيف وأهدى إلى المكتبة العربية كتابين نفيسين هما هذا الكتاب الذي نتناوله بالدراسة، وكتابًا آخر لا يزال
стр. 365
مخطوطًا في مجلدات ستة سماه "عيون التواريخ" وتوفي سنة ٧٦٤هـ في دمشق.
ويمكن أن نقدم الكتاب على النحو التالي:
أولًا: ضم الكتاب الذي بين يدي وأقدم من خلاله هذه الدراسة أربعمائة وثلاثًا وثمانين ترجمة سار في تقديم أصحابها على الحروف الأبجدية، تمامًا كما فعل أستاذه ياقوت، بادئًا بالترجمة لإبراهيم بن آدم العجلي الزاهد المجاهد المتوفى سنة ١٦١هـ منتهيًا بالترجمة ليونس بن مودود بن محمد بن أيوب، وهو نفسه الملك الجواد بن الملك العادل الأيوبي، وتشكل التراجم للأدباء والعلماء الجانب الأوفر عددًا من بين تراجم الكتاب، وهو المسار نفسه الذي انتهجه سلفه ابن خلكان.
وبصدد عدد من ترجم لهم ابن شاكر، فإننا قد ذكرنا أن النسخة التي بين يدي من الكتاب، وهو في مجلدين تضم أربعمائة وثلاثًا وثمانين ترجمة في حين يذكر الشيخ محيي الدين عبد الحميد محقق النسخة ذاتها في المقدمة التي قدم بها للكتاب أن عدد من ترجم لهم المصنف ثمانمائة وستة وأربعون، ولا ندري ما الذي جعل المحقق يكتب هذا العدد الكبير في مقدمته بينما لا يضم الكتاب إلا العدد الذي أشرنا إليه آنفًا، وهو ما يقارب نصف العدد أو يزيد قليلًا على النصف، ثم يحدث خلاف آخر في العدد حين يذكر الأستاذ محمد خير الدين الزركلي في ترجمته لابن شاكر في كتاب الأعلام أن كتاب فوات الوفيات، يقع في مجلدين اشتملا على خمسمائة واثنتين وسبعين ترجمة.
والرأي عندي في ذلك ربما كان العدد الذي ذكره المحقق صحيحًا، غير أنه لم يتوفر بين يديه إلا العدد الذي ضمته دفتا الكتاب، وقد كان من الواجب عليه أن يشير إلى ذلك في مقدمته معللًا السبب في الاختلاف بين العدد الفعلي الذي ضمه الكتاب المحقق والعدد الذي ذكره في المقدمة.
ثانيًا: للكتاب ميزة كبرى من حيث إنه ترجم لمن فات ابن خلكان أن يترجم لهم، وذلك واضح من عنوان الكتاب على ما أسلفنا، فضلًا أنه مضى في الترجمة لمشاهير الأعيان عام ٧٥٣ أي قبل وفاته بأحد عشر عامًا، وكان آخر من ترجم لهم من حيث الزمان الشاعر علي بن محمد بن غالب المعروف بمجد العرب المتوفى في الموصل في العام الذي أسلفنا، وهو بذلك غطى مساحة كبيرة من أعلام المائة الثامنة.
هذا ويكثر ابن شاكر من الترجمة لأعيان الأندلس، ولبعض شهيرات النساء مثل السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن، وحمدونة الأندلسية الشاعرة وليلى الأخيلية وعلية بنت المهدي وفضل جارية المتوكل.
стр. 366
ثالثًا: هناك بعض نواحي النقص أو القصور في الكتاب، ذلك أن المؤلف لا يهتم بسنوات وفاة أعيانه، فإن عددًا كبيرًا منهم قد أغفل ذكر سنوات وفاتهم، بل إنه يخطئ في بعض الأحيان في تحديد سنة الوفاة، فعلى سبيل المثال ذكر أن أبا العباس الأعمى الشاعر "واسمه الحقيقي السائب بن فروخ" قد توفي في حدود المائة. ومن الثابت تاريخيًّا أن حوارًا ممتعًا يتعلق ببني أمية قد جرى بينه وبين المنصور العباسي أثناء تولي المنصور الخلافة أي بعد سنة ١٣٦ هـ على وجه اليقين وبذلك يكون الخطأ في تحديد زمن وفاة أبي العباس الأعمى خطأ كبيرًا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه لا يضبط الأسماء والألقاب والكنى والبلاد كما فعل ياقوت، ولعل ذلك أمر طبيعي، إنه طبيعة الفارق الكبير بين ابن خلكان العالم وابن شاكر الوراق. والأمر الثالث أن المؤلف يتناول بعض الأعيان بما لا يشفي غلة أو يعطي فائدة فلا يزيد على أن يذكر للعين مقطوعة أو مقطوعتين من الشعر لا تتعدى المقطوعة بيتين، وتلك ظاهرة واضحة في كثير من صفحات الكتاب في عدد غير قليل من التراجم. وأما الأمر الرابع فهو أن ابن شاكر في ترجماته عالة على معاصره العالم الكبير صلاح الدين الصفدي في كتابه الكبير الوافي بالوفيات الذي سوف يأتي ذكره بعد قليل فإنه يكاد ينقل منه نقلًا، وهوأمر واضح في كثير من الترجمات لعل أقربها إلينا ترجمته لابن خلكان، فضلًا عن أنه كثيرًا ما ينقل من معجم الأدباء لياقوت١.
ومع ذلك فإن الكتاب جهد مفيد لا غنى لمن يعمل في حقل الأدب، والمعرفة العامة عن الاستعانة به والاطلاع عليه كلما أراد أن يستجلي أمرًا متصلًا بعين من أعيان تاريخنا وأدبنا.
стр. 367
الوافي بالوفيات
كتاب كبير جليل لمؤلف عالم أديب، شاعر مؤرخ رسام خطاط فنان، هو صلاح الدين الصفدي واسمه كاملًا: خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي الذي ولد في صفد سنة ٦٩٦هـ وتوفي في دمشق سنة ٧٦٤هـ، وهي السنة نفسها التي توفي فيها الوراق الأديب ابن شاكر الكتبي الذي مر ذكره.
إن صلاح الدين الصفدي واحد من العلماء القليلين الذين أصبحوا فيما بعد أساتذة، أخذ العلم عن عديد من العلماء في صفد ودمشق والقاهرة، أخذ عن الشهاب محمود، وابن سيد الناس، وابن نباتة المصري، وأبي حيان المصري، والذهبي، وابن كثير. ومن الطريف أن بعض هؤلاء العلماء العلام جلسوا للاستماع إليه حين أصبح عالمًا كبيرًا يجلس للدرس فيؤم مجلسه الكبار والصغار.
وكان الصفدي صاحب أخلاق رفيعة وشيم جليلة وشمائل طيبة مع علم وافر وإنتاج خصب وقلم معطاء وشاعرية محلقة، وإن كان قلمه حين يكتب يترسم أسلوب زمانه الممعن في السجع والزينات البديعية، لقد قال الشعر الحسن وأكثر من النثر والتواقيع، وكان لكثرة ما كتب يقول: "كتبت بيدي ما يقارب خمسمائة مجلدة، ولعل الذي كتبته في ديوان الإنشاء ضعفًا ذلك"١ فقد تقلد كثيرًا من الوظائف في صفد، ومصر وحلب والشام.
وأما مؤلفاته فهي من الكثرة بمكان، أشهرها وأجلها كتاب "الوافي بالوفيات" هذا فضلًا عن نحو مئتي كتاب أخرى وصل إلى أيدينا عدد جليل منها، طبع بعضه ولا يزال
стр. 368
البعض الآخر ينتظر دوره في التحقيق والطباعة، فمن كتبه المطبوعة: الوافي بالوفيات الذي طبع منه حتى كتابة هذا الكتاب ثمانية مجلدات، ونكت الهميان في نكت العميان، والغيث المسجم في شرح لامية المعجم، وجنان الجناس، وتشنيف السمع في انسكاب الدمع، ودمعة الباكي، وتمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون، وتحفة ذوي الألباب فيمن حكم دمشق من الخلفاء والملوك والنواب، وقهر الوجوه العابسة في نسب الجراكسة، ووصف الهلال.
وكان صلاح الدين الصفدي مغرمًا بالتراجم، ولذلك فإنه ألف في ذلك عددًا غير قليل في هذا النوع من العلوم، لقد أفرد من كتابه الكبير الوافي بالوفيات البالغ ثلاثين مجلدًا، ستة مجلدات لأهل عصره وأعيان زمانه أسماه "أعيان العصر وأعوان النصر" ومنها الشعور بالعور في تراجم الصور" و "التذكرة" وهي كتاب كبير جدًّا في التراجم والشعر والأدب والأخبار.
ومن كتبه التي لا تزال مخطوطة: ألحان السواجع وهي رسائله لبعض معاصريه، ونصرة الثائر في نقد المثل السائر، وديوان الفصحاء يتناول فيه موضوعات في الأدب، وجلوة المذاكرة وهو في الأدب أيضًا، والمجاراة والمجازاة، وفض الختام في التورية والاستخدام، والروض الناسم، والحسن الصريح في مائة مليح، والتنبيه على التشبيه، وجر الذيل في وصف الخيل، وتوشيح الترشيح، ورسالة في وصف الحريق، وغير ذلك كثير ما لم يصل إلى أيدينا حتى الآن، أما تلك الكتب التي ذكرنا فهي جميعًا موجودة، المطبوع منها بين أيدي قراء الأدب والتاريخ وطالبي الثقافة والباحثين عن المعرفة، والمخطوط منها يمكن للمتخصصين الوصول إليها في مكامنها من المكتبات العامة والخاصة المتفرقة في أنحاء العالمين العربي والإسلامي، وبعض مكتبات أوربا وأمريكا.
стр. 369
منهج الكتاب:
إنا باستعراضنا للكتب التي ألفها صاحب الوافي بالوفيات نجد أكثرها كتبًا أدبية، وهذا أمر طبيعي بالنسبة إلى فنان كصلاح الدين الصفدي، وهو في الوقت نفسه يؤلف في التاريخ، ثم يجمع بين الأدب والتاريخ في كتبه العديدة في التراجم التي أهمها وأكبرها، بل من أكثر كتب التراجم العربية، كتاب "الوافي بالوفيات" الذي كان كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان ماثلًا في خاطره دون شك حين تأليفه إياه، ومن ثم فقد أسماه هذا الاسم الذي يبدو
стр. 370
فيه المقارعة أو المنافسة والمباراة، وليس هناك أعظم من المنافسة في تقديم العلم إلى الناس بل لعل هذا اللون من المنافسة هو أشرف ألوان المنافسات وأظهرها وأكثرها بركة وأجزلها ثوابًا.
إن للكتاب منهجًا واضحًا وغرضًا بينًا، ونحن نفضل أن نترك المؤلف يقدم منهج كتابه، بنفسه وبلغته الأدبية المتميزة به التي تعطي صورة واضحة عن أسلوب الكتابة في القرن الثامن الهجري الذي عاش المؤلف ثلثيه الأول والثاني، إن المؤلف بعد أن يستهل مقدمته بخطبة يحمد الله فيها ويصلي ويسلم على أنبيائه، ويتحدث عن أخبار الماضين وآثار السالفين والحكمة المستفادة من ذلك إذ:
وما نحن إلا مثلهم غير أنهم ... مضوا قبلنا قدمًا ونحن على الإثر
يقول:١
"والتاريخ للزمان مرآة، وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمن عاقر الهموم ملهاة.
لولا أحاديث أبقتها أوائلنا ... من الندى والردى لم يعرف السمر
وما أحسن قول الإجاني:
إذا عرف الإنسان أخبار من مضى ... توهمته قد عاش في أول الدهر
وتحسبه قد عاش آخر دهره ... إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر
فقد عاش كل الدهر من كان عالمًا ... كريمًا حليمًا فاغتنم أطول العمر
وربما أفاد التاريخ حزمًا وعزمًا، وموعظة وعلمًا، وهمة تذهب همًّا، وبيانًا يزيل وهنًا، وحيلًا تثار للأعادي من مكامن المكايد وسبلًا لا تعرج بالأماني إلى أن تقع من المصايب في مصايد، وصبرًا يبعثه التأسي بمن مضى، واحتسابًا يوجب الرضا، بما مر وحلا من القضا، وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك فكم تشبث من وقف على التواريخ بأذيال معالٍ تنوعت أجناسها، وتشبه بمن أخلده إلى الأرض، وأصعده سعده إلى السهى؛ لأنه أخذ التجارب مجانًا ممن أنفق فيها عمره، وتجلت له العبر في مرآة عقله فلم تطفح لها من قلبه
стр. 371
جمرة، ولم تسفح لها في خده عبرة، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.
فأحببت أن أجمع من تراجم الأعيان من هذه الأمة الوسط، وكملة هذه الملة التي مد الله تعالى لها الفضل الأوفى وبسط، وبخباء الزمان وأمجاده ورءوس كل فضل وأعضاده وأساطين كل علم وأوتاده، وأبطال كل ملحمة وشجعان كل حرب، وفرسان كل معرك لا يسلمون من الطعن ولا يخرجون عن الضرب، ممن وقع عليه اختيار تتبعي واختياري، ولزني إليه اضطرام تطلبي واضطراري، ما يكون متسعًا في هذا التأليف دره منتشقًا من روض هذا التصنيف زهره، فلا أغادر أحدًا من الخلفاء الراشدين، وأعيان الصحابة والتابعين، والملوك والأمراء والقضاة والعمال والوزراء، والقراء والمحدثين والفقهاء، والمشايخ، والصلحاء، وأرباب العرفان والأولياء والنحاة والأدباء والكتاب والشعراء، والأطباء والحكماء والألباء والعقلاء وأصحاب النحل والبدع والآراء، وأعيان كل فن اشتهر ممن أتقنه من الفضلاء، من كل نجيب مجيد، ولبيب مفيد.
طواه الردى طي الرداء وغيبت ... فواضله عن قومه وفضايله
فقد دعوت الجفلى إلى هذا التأليف، وفتحت أبوابها لمن دخلها بلا تسويغ تسويف، ولا تكليم تكليف، وذكرت لمن يجب فتحًا يسره، أو خيرًا قرره، أو جودًا أرسله، أو رأيًا أعمله، أو حسنة أسداها أو سيئة أبداها، أو بدعة سفها وزخرفها، أو مقالة حرر فنها وعرفها، أو كتابًا وضعه أو تأليفًا جمعه، أو شعرًا نظمه أو نثرًا أحكمه.
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما فاته وفضول العيش أشغال
ولم أخل بذكر وفاة أحد منهم إلا فيما ندر وشذ، وانخرط في سلك أقرانه وهو فذ؛ لأني لم أتحقق وفاته، وكم من حاول أمرًا فما بلغه وفاته على أنه قد يجيء في خلال ذلك من لا يضطر إلى ذكره، ويبدو هجر شوكه بين وصال زهره. قال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: لا يصل إليه محتاجًا إليه؛ لأن المتوقف وجوده على وجود شيء آخر متوقف على وجوده ذلك الشيء، وهكذا كل علم لا يبلغ الإنسان إتقانه إلا بعد تحصيل ما لم يفتقر إليه. فقد أذكر في كتابي هذا من لا مزية له، وجعلت إصبع القلم من ذكره تحت رزه رزية، غير أنه له مجرد رواية، عن المعارف متفردة، ولم تكن له دراية، حمائمها على غصون النقل مغردة
والأيك مشتبهات في منابتها ... وإنما يقع التفضيل في الثمر
ولكن أردت النفع به للمحدث والأديب، والرغبة فيه للبيب الأريب وجعلت ترتيبه على الحروف وتبويبه، وتذهيب وضعه بذلك وتهذيبه، على أنني ابتدأت بذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
стр. 372
وسلم إذ هو الذي أتى بهذا الدين القيم وسراجه الوهاج، وصاحب التنبيه على هذه الشرعة والمنهاج، فأذكر ترجمته مختصرًا، وأسرد أمره مقتصرًا؛ لأن الناس قد صنفوا المغازي والسير، وأطالوا الخبر فيها كما أطابوا الخبر، ومليت لما ملئت بشمايله مهارق التواليف، ورفعت لما وضعت تيجانها على مفارق التصانيف".
هذا ما كان من أمر منهج المؤلف في مقدمة كتابه الكبير، وأما المقدمة نفسها فتضم أحد عشر فصلًا في الثقافة التاريخية والتأليف التاريخي: الفصل الأول في بداية التاريخ عند العرب، وذكر رأي من قال إنه بدأ بموت كعب بن لؤي، ورأي من قال: إنه بدأ بموت الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم لإعظامهم إياه، ورأي من قال بعام الفيل، ورأي من قال بإعادة بناء الكعبة، ثم يستطرد المؤلف إلى ذكر أقدم التواريخ التي بين أيدي الناس، وجعل المؤلف الفصل الثاني من مقدمته في تمييز الأعداد وضروات الشعر، ذلك أن المؤرخ أديب كاتب يحتاج إلى كتابة الأعداد المرتبطة بالتواريخ ومن ثم ينبغي معرفة تمييز كل عدد، هذا فضلًا عن حاجته إلى رواية الشعر والاستشهاد به، وجعل الفصل الثالث في كيفية كتابة التاريخ قاصدًا بذلك ذكر الأعداد المرتبطة بالشهور وتمييزها والضمائر التي تعود عليها، وما يجوز وما لا يجوز، وصفات الشهور، وصفات بعض الأيام، ويضرب مثالًا بأول شوال وهو عيد النحر، وتاسع المحرم وهو يوم تاسعواء، وعاشره وهو يوم عاشوراء وهكذا. ولما كان المؤرخ محتاجًا إلى استعمال النسب فإن المؤلف يجعل الفصل الرابع للنسب وما يتصل به نحويًّا وصرفيًّا. والفصل الخامس جعله في بيان العلم والكنية واللقب وذكر وجوب تقديم اللقب على الكنية، والكنية على العلم، ثم النسبة إلى البلد ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى المذهب في الاعتقاد إلخ، إنه تفصيل طريف يفيد المهتم بالأسماء والصفات والألقاب والكنى، وجل المؤلف الفصل السادس من مقدمته في الهجاء والكتابة ويهتم بصفة خاصة بالهمزة والألف والواو والياء والفصل السابع يخصصه المؤلف لنوعية على الحروف أليق بالتراجم، وهو يعني هنا ترتيب حروف أهل المشرق، فإن للمغاربة ترتيبًا آخر للأبجدية. والفصل الثامن جعله المؤلف في الوفاة وأصلها ومشتقاتها واستعمال هذه المشتقات والصيغ المختلفة للاسم والصفة والفعل. والفصل التاسع أفرده المؤلف لذكاء المؤرخ، وثقافته، وأمثلة يتعرف من خلالها على الخبر الصحيح والخبر المزيف أو الخاطئ، كما جعل الفصل العاشر لأدب المؤرخ والشروط التي ينبغي أن تتوفر فيه.
стр. 373
إنها مقدمة طويلة، أو هي بالأحرى دراسة منهجية تتعلق بالمنهج والوسيلة اللذين ينبغي للكاتب المؤلف أن يكون ملمًّا بهما منفذًا لهما، يستوي في ذلك كاتب التاريخ العام، أو كاتب تاريخ الأدب أو تاريخ الحديث.
ولما كانت كتب التراجم تأخذ صفة تاريخية؛ لأنها تؤرخ للأعلام، فإن صلاح الدين الصفدي يجعل الفصل الحادي عشر من مقدمته استعراضًا لأسماء كتب التاريخ، وهي: كتب تاريخ المشرق، كتب تاريخ مصر، كتب تاريخ المغرب، كتب تاريخ اليمن والحجاز، كتب التواريخ الجامعة، كتب تواريخ الخلفاء، كتب تواريخ الملوك، كتب تواريخ الوزراء والعمال، كتب تواريخ القضاة، كتب تواريخ القراء، كتب تواريخ العلماء، كتب تواريخ الشعراء، ثم كتب تواريخ مختلفة.
لقد سلك صلاح الدين الصفدي مسلك المثقفين من أصحاب التآليف حين عمد إلى التقديم لكتابه بشرح منهجه مقرونًا ببحث عن جوانب كتابة التواريخ.
هذا ويمكن أن نعرض لترتيب "الوافي بالوفيات" على النحو التالي:
أولًا: يقع الكتاب في ثلاثين مجلدًا، طبع منه حتى الآن ثمانية مجلدات تشتمل على ثلاثة آلاف وتسعمائة وإحدى عشرة ترجمة، وآخر التراجم المطبوعة هي ترجمة إسحاق جارية المتوكل وأم كل من المؤيد والموفق.
ثانيًا: يبدأ الكتاب حسبما ذكرنا بالترجمة لأعيان الأدب والتاريخ سالكًا ترتيب الحروف الهجائية المشرقية، غير أنه استثنى المحمدين من الأعيان، فجعل مكانهم في الكتاب يسبق جميع الأسماء، وذلك تبركًا باسم النبي ﷺ ، فيذكر من سموا محمدًا في الجاهلية. وأول من سموا محمدًا من أبناء المهاجرين وأبناء الأنصار، ثم يبدأ في ترجمة للرسول ﷺ تستغرق نحوًا من أربعين صفحة١ يتبعها بالترجمة لمن اسم أبيه محمد من المحمدين، ثم لمن اسم أبيه وحده محمد من المحمدين، وهكذا حتى يصل إلى ترجمة العين المكون من خمسة محمدين اسمًا وأبًا وجدودًا.
هذا والجدير بالذكر أن عدد المحمدين الذين ترجم لهم الكتاب -باستثناء سيدنا محمد ﷺ بلغ ألفين وثلاثمائة وواحدًا وخمسين عينًا من أعيان التاريخ حتى عصر المؤلف ملأت صفحات المجلدات الأربعة الأولى من الكتاب وثلاثة أرباع المجلد الخامس وآخره محمد بن يونس٢ المعروف بالشيخ جمال الدين الساوجي الزاهد شيخ الطريقة القرندلية.
стр. 374
ثالثًا: بعد أن ينتهي المؤلف من الترجمة للمحمدين من الأعلام يبدأ البداية الطبيعية حسب حروف المعجم، فيترجم لمن بدأت أسماؤهم فيكون آدم الاسم التالي لاسم محمد ويمضي المؤلف على سنته حتى يصل إلى اسم أحمد فإذا بعدد الذين ترجم لهم من الأحمدين يبلغ ألفًا وتسعة وستين اسمًا تستغرق مجلدين وربع مجلد من الكتاب، وبعبارة أدق تستغرق النصف الثاني من المجلد السادس، وجميع المجلد السابع وثلاثة أرباع المجلد الثامن الذي هو الأخير المطبوع بين أيدينا حتى كتابة هذه السطور١.
رابعًا: يعني المؤلف بذكر اللقب والكنية للذين يترجم لهم، ويعني بضبط ما يراه ضروريًّا منها وبخاصة النسبة إذا كانت إلى اسم أعجمي أو عربي غير كثير الشيوع.
خامسًا: لكثرة ما أورد صاحب الوافي من أعيان فإن الترجمة تختلف طولًا وقصرًا وتفصيلًا وإيجازًا حسب أهمية العين، أو حسب المادة المتاحة حوله لدى المؤلف، فإن عددًا كبيرًا من أصحاب التراجم يحتل الواحد منهم عشرين صفحة، أو يزيد مثل ترجمة ابن سيد الناس٢ أو ابن نباتة المصري٣. وقد تأتي الترجمة موجزة بحيث تقتصر على الاسم، وتاريخ الوفاة ومكانها ٤. وأحيانًا تكون أشد إيجازًا فتقتصر على الاسم وتاريخ الوفاة وحدهما ٥ وفي أحيان قليلة يغفل المؤلف ذكر تاريخ الوفاة، ولكنه يجتهد في أن يعطي القارئ قرينة يستطيع أن يتعرف من خلالها إلى الفترة الزمنية التي عاش فيها المترجم له على وجه التقريب٦.
سادسًا: كان المؤلف من الحصافة بمكان، إنه يعرف أن كثيرين من الأعلام عرفوا بألقابهم أو بنسبتهم أو بأسماء شهرة وأن أسماءهم الأصلية تخفى على كثير من الناس حتى الخاصة منهم، إنه حينئذ يذكر المترجم له شهرته أو نسبته أو كنيته، ثم يردف ذلك باسمه الحقيقي ويحيل القارئ على مكانه حسب الترتيب الهجائي للاسم، فمثلًا الأرجاني الشاعر غير معروف باسمه لدى كثير من المتأدبين فيأتي به المؤلف في مكانه من حرف الهمزة، ثم يقول اسمه الحقيقي أحمد بن محمد بن الحسين فيذهب القارئ باحثًا عنه في مكانه بين الأحمدين ٧ أو أرجوان الأرمنية، يقول المؤلف: اسمها قرة العين، يأتي ذكرها إن شاء
стр. 375
الله تعالى في حرف القاف١.
إن الوافي بالوفيات عمل جليل من أعمال العلماء الأعلام في ميدان التراجم للأعيان نحس فيه دقة الباحث، ووقار العالم وذوق الأديب وفيض المؤرخ، وهو بعد لا يزال المطبوع منه واقفًا في ظلال حرف الهمزة باستثناء المحمدين، ومعنى ذلك أن الشوط معه لا يزال طويلًا، فإن تم التحقيق والنشر لباقي المجلدات على أساس من الدقة والعناية كان الشوط معه على طوله مثمرًا مباركًا.
стр. 376
الفصل الخامس: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر
مدخل
...
الفصل الخامس: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر
إن هذا اللون من ألوان كتب التراجم يختلف عن سابقيه من حيث كونه يحدد الزمان، ولا يحفل بالمكان، بمعنى أنه يختص بالترجمة للذين تحددت مرحلة حياتهم في خلال قرن واحد من الزمان مهما كان الصقع، أو القطر، أو المصر الذي سكنوه، يستوي في ذلك ساكن الهند أو السند، أو إيران، أو العراق، أو تركيا أو يوغوسلافيا أو منطقة الروم أو الشام أو مصر أو المغرب.
وإن لهذا اللون من التراجم أكثر من كتاب مشهور مثل "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لشيخ الإسلام العالم الجليل شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ قام فيه بالترجمة لأعيان القرن الثامن الذين بلغ عددهم في كتابه ذي الخمسة أجزاء خمسة آلاف ومائتين وأربعة منهم عدد غير قليل من النساء أكثرهن فواطم وزينبات، سار فيه على ترتيب حروف المعجم بادئًا بالهمزة غير أنه استهل ترجماته بمن اسمه "إبراهيم" تيمنًا بسيدنا إبراهيل الخليل مع وجود من اسمه آقش ومن اسمها آمنة، وكل من الاسمين يسبق إبراهيم في الترتيب الهجائي١.
وعن المائة التاسعة يكتب شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي كتابه الكبير "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع"، في اثني عشر جزءًا ناهجًا سبيل الترتيب الهجائي أيضًا، غير غافل عن الترجمة لنفسه تراجم طويلة نسبيًّا.
ومن هذا اللون من التراجم أيضًا الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للعالم الجليل نجم الدين أبي المكارم محمد الغزي الذين عاش في دمشق بين عامي ٩٦٧-١٠٦١هـ و"الكواكب السائرة" يختلف عن "الدرر الكامنة" اختلافًا بسيطًا من حيث الترتيب.
стр. 377
على الرغم من التزامه فترة زمنية معينة هي القرن العاشر على مساحة الأرض الإسلامية كلها، ذلك أنه قسم القرن إلى ثلاثة أثلاث، أطلق على أعيان كل ثلث لقب "طبقة" وبدأ الترجمة "للمحمدين" في كل طبقة وبعدها يلتزم الأعلام المبتدئة بالهمزة، ويسير على نسق الحروف الهجائية حتى آخر الطبقة، وقد اهتم كثيرًا بالنصوص الشعرية وترجم للأعيان من النساء وبخاصة الشاعرات منهن١.
وأما خلاصة الأثر فقد آثرناه بالعرض والدراسة؛ لأنه أكثر مادة وتفصيلًا وأوفر احتفالًا وشمولًا، ومؤلفه هو العالم الجليل محمد أمين المحبي الذي سبقت الإشارة إلى عمله وفضله عند حديثنا على الترتيب التاريخي لطبقات الشعرءا عندما ألمحنا إلى مؤلفه النفيس "نفحة الريحانة ورشحة طلا الحانة".
стр. 378
منهج "خلاصة الأثر "
أولًا: إن الكتاب كما هو واضح من عنوانه -شأنه شأن سابقيه اللذين ألمحنا إليهما قبل قليل- يترجم لأعيان عاشوا في فترة زمنية محددة بالقرن الحادي عشر، ولكنه أعطى لنفسه حرية أفقية عريضة على مساحة الأراضي الإسلامية من الهند شرقًا حتى المغرب غربًا مرورًا بالقسطنطينية ووسط أوروبا. ويفصل بعض منهجه على هذا النحو: "وكنت شديد الحرص على خبر أسمعه، أو على شعر تفرق شمله فأجمعه، خصوصًا لمتأخري أهل الزمن، المالكين لأزمة الفصاحة واللسن، من كل ملك تتلى سورة فخره بكل زمان، وأمير لم تبرح صورة ذكره تجلى على ناظر كل مكان، وإمام لم تنجب أم الليالي بمثاله، وأديب تهتز معاطف البلاغة عند سماع فضله وكماله، حتى اجتمع عندي ما طاب وراق، وزين بمحاسن لطائفه الأقلام والأوراق، فاقتصرت منه على أخبار المائة التي أنا فيها، وطرحت ما يخالفها من أخيار من تقدمها وينافيها، حرصًا على جمع ما لم يجمع، وتقييد شيء ما قيل إلا ليسمع١.
والواقع أن المحبي في أثره هذا ينوع من يترجم لهم، فذكر عددًا من السلاطين منهم السلطان أحمد بن السلطان محمد مراد، وقال عنه إنه كان شاعرًا بالعربية وجاء له بنماذج من شعره ورأى أنه أعظم سلاطين آل عثمان٢، كما ترجم لابنه السلطان مراد بن السلطان
стр. 379
أحمد، وجده السلطان مراد الأقدم بن السلطان سليم١.
ومن اليمن ترجم لعدد من الأئمة منهم على سبيل المثال الإمام إسماعيل بن القسام بن محمد بن علي المتوكل على الله الزيدي، وذكر الكثير من أخباره، والمختار من أشعاره٢.
ومن الأمراء ترجم لعدد غير قليل، نذكر منهم على سبيل المثال -ونحن نكتب هذا الكتاب على أرض لبنان- الأمير فخر الدين بن قرقماص بن معن٣، المشهور بالأمير فخر الدين المعني ويذكر الأحداث التي مرت به والطريقة التي انتهت بها حياته، وينتهز المحبي فرصة الحديث عن فخر الدين، فيذكر الدروز وتاريخهم وعقيدتهم بشيء من الإيجاز.
وهو إذ يذكر السلاطين في القسطنطينية، والأئمة في اليمن والأمراء في لبنان لا ينسى الحجاز ونجدًا فيترجم للشريف بركات بن محمد بن إبراهيم الحسني صاحب مكة والحجاز ونجد ترجمة حافلة خصيبة طويلة تاريخية الطابع إخبارية المنهج٤، ولكنه لا يغادر مكة قبل أن يقدم لنا الشاعر المبدع أحمد بن محمد الجوهري المكي٥.
ثانيًا: ينفتح المحبي على المساحة الأرضية انفتاحًا عريضًا واسعًا ذاكرًا أهل العلم والأدب والشعر موردًا النماذج العديدة في مختلف موضوعات الشعر في قصيد، موشحات، وأزجال، ودوبيب، ولعل خير من ترجم له جامعًا القول في هذه الفنون هو أبو بكر العمري الدمشقي٦، ومن دمشق ينتقل بنا المحبي إلى مكة ليترجم لأبي الفضل بن محمد العقاد المكي الشاعر الوشاح، ويأتي بشيء من أخباره وبعض موشحاته وأشعاره٧.
ومن مكة ينساح المحبي إلى الهند ليقدم لنا الشاعر الجوهري المكي الذي توفي في آخر عام من أعوام القرن الحادي عشر أعني عام ١٠٩٩هـ٨، ولا يغادر المؤلف الهند قبل أن يترجم لابن معصوم الأب: الأمير محمد بن محمد بن معصوم المتوفى في حيدر أباد سنة ١٠٨٦هـ مقدمًا الكثير من شعره٩.
ومن صنعاء يترجم المحبي للشاعر المبدع صلاح بن أحمد بن عز الدين الصنعاني
стр. 380
المتوفى سنة١٠٧٠هـ مع تقديم باقة جميلة من شعره١.
ومن القاهرة يقدم صاحب خلاصة الأثر العديد من الأعيان، ويقدم ترجمة مفصلة للعلامة قاضي القضاة، شهاب الدين الخفاجي المصري٢، ومن القاهرة ينتقل إلى شمال إفريقية حتى يترجم لعالم جليل هو أحمد بن محمد المقري التلمساني صاحب كتاب نفخ الطيب٣.
ومن المنطقة الآسيوية الأفريقية ينتقل المحبي إلى الترجمة للعلماء المسلمين في أوروبا، فيترجم لعالم جليل من البوسنة وتولى الإفتاء في بلغراد فعد أن حصل الكثير من العلم في بلدته هو فضل الله بن عيسى البوسنوي الذي كان أحد العلماء الأعيان معرفة وإتقانًا وحفظًا وضبطًا للفقه وتفهمًا، عارفًا بالحديث وفنون اللغة٤.
ومن المنطقة نفسها يترجم المحبي لعديد من العلماء، ويميط اللثام عن أن هذه المنطقة من أوروبا قد أخصبت علوم الدين واللغة بالعديد من العلماء الأفذاذ الكبار.
ولكننا وحن نعرض هؤلاء الأعيان ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن المؤلف يترجم لهم حسب الترتيب الهجائي لأسمائهم وإن كنا سمحنا لأنفسنا بعرض نماذج منهم متفرقين لكي نصور للقارئ امتداد رقعة الأرض التي ترجم لأعلامها امتدادًا غير محدد بالمساحة وإن كان محددًا بالزمان.
ثالثًا: تمتاز ترجمات المحبي لأعيانه في خلاصة الأثر باللون الأدبي، وكثرة ذكر الأدباء من العلماء والوزراء والملوك، والسلاطين، والأطباء من إليهم بحيث إنه لولا العرض النهائي للأسماء لخطر على الظن أننا نقرأ في نفحة الريحانة، ذلك أن أكثر من نصف مساحة الأجزاء الأربعة من خلاصة الأثر فنون شعرية خالصة، ومن هنا كان اختيارنا لهذا الكتاب كأنموذج لكتب التراجم على نظام السنين يمكن أن يؤدي لقارئ الأدب ساعدًا ويدًا. بل إن الترجمة لأديب واحد قد تعادل من حيث القدر والمساحة ما يترجم فيه لعدد من الأعيان غير الأدباء.
هذا وقد خلا الكتاب بأكمله من الترجمة لعين واحدة من النساء.
رابعًا: الكتاب يقوم على ترتيب التراجم حسب الحروف الهجائية مع التزام الدقة من غير تقديم الأسماء ذات الطابع المبارك كالمحمدين أو العبادلة -وهذا شيء أشرنا إليه-
стр. 381
ولكن الأمر الذي يدعو إلى احترام المؤلف، والإعجاب بالكتاب أن المؤلف ذكر مراجعه التي اعتمد عليها، وهو يؤلف كتابه وذلك في قوله١:
"وقد وجد عندي مما أحتاج إليه من المعونة، والآثار المتعلقة بهذه المؤنة، ذيل النجم الغزي وطبقات الصوفية للمناوي، وتاريخ الحسن البوريني وذيله لوالدي المرحوم، وخبايا الزوايا والريحانة للخفاجي، وذكرى حبيب للبديعي، ومنتزه العيون والألباب لعبد البر الفيومي، هذا ما عدا المجاميع والتلقيات من الأفواه والمكاتبات، وكان بقي على بعض أخبار اليمن والبحرين والحجاز، وقد تعسر علي في طريق تطلب حقيقتها المجاز، فلما من الله علي وله المنة، والمنحة التي لا يشوبها كدر المحنة، بالمجاورة في بيته المعظم، والالتقاط من بحار أهليه الدر المنظم، تلقيت من الأفواه تراجم لأناس يسيرة، كانت في التحصيل علي عسيرة، وهم وإن كانوا قليلين في العدد، فإنهم كثيرون بسب أنهم ذريعة للمدد في كل المدد، وقد يقال إن أعداد الكبار الشم الأنوف، ربما عدلت عشراتها بالمئين ومئوها بالألوف، ثم وقفت في أثناء السنة على ذيل الجمالي محمد الشبلي المكي الذي ذيل به على النور السافر، في أخبار القرن العاشر، للشيخ عبد القادر بن الشيخ العيدروس، والمشرع الروي في أبخار آل باعلوي له أيضًا، وعلى تراجم منقولة من تاريخ ألفه الصفي بن أبي الرجال اليمني في أهل اليمن، فأجلت فكري في مجالها، وألحقتها بحسب ترتيبها في محالها. وكان وصلني خبر الكتاب الذي أنشأه السيد علي بن معصوم ذيلًا على الريحانة، ووسمه بسلافة العصر، في شعراء أهل العصر، فلم أزل حتى حصلته، وقطعت به أمر الطلب ووصلته. وأتحفني بعض الأفاضل بذيل الشقائق الذي ألفه ابن نوعي بالتركية، وضمنه معظم أهل الدولة العثمانية، ووصلني بعض الإخوان بقطعة من تاريخ أنشأه الشيخ مدين القوصوني المصري ذكر فيه تراجم كبراء العلماء من أهل القاهرة، وزين طروس سطوره بمآثرهم الباهرة، فكانتا عندي فاكهتين باكورتين وتحفتين بلسان البراعة مشكورتين فجمعت الجميع على نية الترتيب، مستعينًا في خصوصه بالفياض المجيب، وأضفت إلى تلك الأخبار المواليد والوفيات، حسبما حررته من التعاليق التي هي بهذا الغرض وافيات، وما أقدمني على هذا الشأن، إلا تخلف أبناء الزمان، عن إحراز خصل الفضل في هذا الميدان:
لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم
فإنا ذلك الهشيم، الذي سد مسد الكريم، كيف وقد نجم نجم الجهل، وصوح نبت
стр. 382
بنت الفضل، وصدئت القلوب، وضعف الطالب والمطلوب، وربما يظن أن ما تخالج فيه صدري وهجس، لرعونة أوجبها الفراغ والهوس، كلا بل ذلك لأمر يستحسنه اللبيب، ويحسن موقعه لدى كل أريب لما فيه من بقاء ذكر أناس شنفت مآثرهم الأسماع، وجمع أشتات فضائل حكم الدهر عليها بالضياع.
خامسًا: يهتم المؤلف بالمترجم ويحتفل به من حيث ذكر اسمه كاملًا مع صفته وكنيته ونسبته ومحل ميلاده وتاريخه ودار الإقامة والتنقل والأسفار وتحصيله العلم، وآثاره العلمية إن كان مؤلفًا والأدبية إن كان أديبًا وأخباره مفصلة إن كان شخصية عامة والوظائف التي تقلدها والأعمال التي أسندت إليه، مع مراعاة الدقة التامة في ذكر تاريخ الوفاة ومكانها إلا في حالات قليلة لا يكاد المرء يلتفت إليها.
سادسًا: أما والمؤلف يجمع بين صفتي الأدب والعلم فإنه حين يقدم لكتابه يتبع أسلوب عصره فيعمد إلى السجع المتواتر والجناس الملتزم وبقية الصناعة البديعية من مقابلة وطباق وتصريع، فإذا ما انعطف إلى ميدان القول في التراجم كان سهل الأسلوب عذب العرض رشيق العبارة في غير ما تكلف، أو تصنع إلا في حالات من يريد أن يضفي على شخصياتهم اهتمامًا خاصًّا من أعيانه فإنه حيئنذ -وتلك حالات غير كثيرة- يستبيح لنفسه قليلًا من الصنعة وبعض الأناقة في العرض.
وبعد، فكتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر يعتبر خير كتب التراجم التي حصر أصحابها أنفسهم بفترة زمنية محدودة. على أننا في الوقت نفسه لا ننال من قدر بقية لاكتب الأخرى التي انتهجت السبيل نفسه، بل التي سبقت إلى السبيل نفسه مثل "الدرر الكامنة" و "الكواكب السائرة" فكلها يقع بين درة مكنونة أونجم وهاج يهدي إلى القلوب نور المعرفة وإلى العقول سبل الثقافة ومناهج الرشد.
стр. 383
الباب العاشر: التأليف والمؤلفون في التراث الأدبي الأندلسي:
الفصل الأول: نشأة التأليف عن الأندلس:
من المسلمات التاريخية أن العلماء في الأندلس لم يكتبوا عن آدابهم، وعلومهم وتاريخهم إلا في وقت متأخر نسبيًّا، فإن أول كتاب كتبه أندلسي -فيما نعمل- هو "كتاب القضاة بقرطبة" لمؤلفه محمد بن حارث الخشني١ المتوفى سنة ٣٦٠هـ، والخشني ليس أندلسيًّا بالميلاد، وإنما هو تونسي من القيروان، دعاه إلى قرطبة الخليفة الأموي الأندلسي المثقف الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر، وكان الحكم المستنصر قد أنشأ مكتبه نفيسة فريدة تضم أربعمائة ألف مجلد في كل فنون العلم والآداب والفنون في ذلك الزمان التي كانت تمثل مدينة قرطبة فيه صفة العاصمة الثقافية للعالم كله. إسلامي وغير إسلامي.
مكن الخليفة المستنصر لضيفه العالم الإفريقي القيرواني في أن يقيم في قرطبة إقامة ميسرة الأسباب، وأتاح له فرصة الانتفاع بالمكتبة المستنصرية الكبيرة وطلب إليه تأليف كتاب القضاة سالف الذكر، فأذعن العالم الجليل لطلب الخليفة العالم المثقف، وفرغ من تأليف كتابه هذا قبل سنة ٣٦٠هـ، وهي السنة التي توفي فيها المؤلف.
وهنا قد نسمح لأنفسنا -ما دام المؤلف غير أندلسي المولد- أن نقرر أن الكتاب من تأليف مؤلف غير أندلسي، وإنما هو إفريقي هاجر إلى الأندلس.
غير أننا نسارع إلى القول إن كتابًا آخر في تاريخ الأندلس، قد كتب في تلك الفترة الزمنية نفسها أو بعدها بقليل، إنه "تاريخ افتتاح الأندلس" للعالم الأندلسي المولد والأصل أبي بكر محمد القرطبي المعروف بابن القوطية المتوفى سنة ٣٦٧هـ.
стр. 384
ويتناول الكتاب تاريخ الأندلس منذ الفتح الإسلامي حتى سنة ٣٠٠هـ منتهيًا بوفاة الأمير عبد الله الأموي الأندلسي١.
وكان ابن القوطية على علم بالعربية بصيرًا بفروعها، كما كان حسن التدين، ضليعًا في العلوم الدينية وله في ذلك عدة من المؤلفات، غير أنه لم يكن محايدًا في بعض أحكامه التاريخية، وكان يميل إلى التحمس لجانب قومه الأندلسيين القوطيين، ويجنح إلى التعصب على العرب والنبل منهم، فإذا ذكر ملوك الأسبان - وهو من سلالة بعضهم- بالغ في مدحهم وإعلاء منزلتهم، وإذا ذكر العرب نال من قدرهم وحط من شأنهم، ويبدو ذلك واضحًا في خلع صفات السياسة والكياسة والعلم والثقافة على "قريبه" الأمير أرطباس القوطي، وفي الوقت نفسه يرمي الصميل بن حاتم القائد العربي المتوفى سنة ١٤٢ في سجن عبد الرحمن الداخل بالجهل والغفلة، ويسوق خبرًا مضحكًا في هذا السبيل ملخصه أن الصميل سمع معلمًا يقرأ على الصبيان الآية الكريمة ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فقاطعه الصميل قائلًا: بل الآية: وتلك الأيام نداولها بين العرب. وهنا تنبه المعلم إلى خطئه وأعاد قراءة الآية على سمعه قراءة صحيحة، فصاح الصميل قائلًا: سبحانك ربي أن تجعل الحكم في أرذال الناس دون العرب.
إن القصة على ما فيها من فكاهة، تدل على عصبية ظاهرة عند ابن القوطية على العرب، فليس كل العرب على نمط الصميل، وليس كل القوط على نمط أرطباس، الأمر الذي يسم ابن القوطية بسمعة الشعوبية، وهي نغمة كريهة في كل زمان ومكان، وإن الأمر الذي لا يجعل لابن القوطية وسيلة يبرر من خلالها تصرفه هذا الخاطئ المنحرف أنه ألف كتابه -فيما لو تأكد أن الكتاب له- في زمن الناصر والمستنصر حينما كانت الأندلس بكل سكانها -وصفوتهم من العرب- تتألف بنور المعرفة وتتيه على الدنيا كلها علمًا وثقافةً وأدبًا وسماحة وقوة.
على أن هناك قرينة تضعف من نسبة الكتاب إلى ابن القوطية وتميل إلى أنه من تأليف أحد تلاميذه؛ لأن عبارات بعينها تردد على صفحات الكتاب مثل: قال شيخنا أبو بكر -يعني ابن القوطية- أو عبارة: قال ابن القوطية.
ويجيء صديقنا وزميلنا الدكتور أحمد مختار العبادي بقرينة أخرى هي أن ابن الفرضي صاحب معجم "تاريخ علماء الأندلس" لم يذكر الكتاب في جملة ما ذكر من مؤلفات ابن
стр. 385
القوطية الأخرى، مع أن ابن الفرضي كان أحد تلاميذه١.
نفهم مما سبق قوله أن صاحب "كتاب القضاة بقرطبة" لم يكن أندلسيًّا، وأن المؤلف الآخر الذي لا شك في أندلسيته، ونعني به ابن القوطية مشكوك في نسبة كتاب "تاريخ افتتاح الأندلس" إليه، بل إن الأمر يتعدى هذا النطاق إلى ما هو أخطر منه، فإن ابن القوطية قد استقى أكثر أخبار كتابه ورجع في أكثر رواياته إلى ما ألفه العلماء والمؤرخون المصريون عن المغرب والأندلس، وقد أفرد الشيخ محمد رضا الشبيبي كتابًا قيمًا في هذا الشأن، وتابع ابن القوطية في مصادره وردها إلى أصولها، وأطلق الشيخ على كتابه اسم "أدب المغاربة والأندلسيين في أصوله المصرية"٢.
٢-
فإذا فتشنا عن كتب أخرى في تاريخ الأندلس أو الأدب الأندلسي كتبت في وقت مبكر، فإن الفكر يذهب بنا إلى كتاب العقد الفريد لأحمد بن عبد ربه المتوفى سنة ٣٢٨هـ وقد عاش النصف الثاني من القرن الثالث، وأكثر من ربع القرن الرابع، وأنه من المعروف أن "العقد الفريد" موسوعة أدبية تاريخية فكرية إخبارية عن المشرق وليس عن الأندلس، وإذا تابعنا قراءته بعناية فلن نعثر فيه إلا على صفحات قليلة بين مجلداته العديدة أرخ فيها باختصار إلى ذلك، فإنه كان يتحدث عن بني أمية في المشرق - والكتاب أنشئ عن المشرق هدفًا ومقصدًا- فرأى أن يجاهل الملوك الأمويين الأندلسيين الذين كانوا يوفونه قدره من التوقير والتكريم بأن يذكر شيئًا من تاريخهم، ولم يزد على ذلك شيئًا سوى بعض شعره وأشعار أخرى قالها في فتوح عبد الرحمن الناصر ووقائعه الحربية.
ربما تقع أنظارنا على أسماء بعض الكتب التي ألفها مؤلفوها الأندلسيون، مثل كتاب "وصف الأندلس" لأحمد بن محمد الرازي المعروف بابن لقيط الكاتب المتوفى سنة ٤٣٣هـ، وكتاب "مختصر تاريخ الطبري" لعريب بن سعد القرطبي طبيب المستنصر، وقد ألحق بمختصره هذا جزءًا خاصًّا بتاريخ المغرب والأندلس٣، وكتاب "تاريخ الأندلس" لعيسى بن أحمد الرازي القرطبي المتوفى في أواخر القرن الرابع الهجري، وكتاب "تاريخ
стр. 386
علماء الأندلس" لابن الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي القرطبي ميلادًا ووفاة في مستهل القرن الخامس، فقد قتله البربر في داره بقرطبة يوم فتحها سنة ٤٠٣هـ إبان الفتنة الأموية.
نقول إن أنظارنا تقع على أسماء هذه الكتب التي ألفها مؤرخون، وعلماء أندلسيون في القرن الرابع، ولكن أيدينا لا تمسك من بينها إلا بكتاب واحد هو "تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي، فأما الكتب الأخرى التي ذكرنا فهي مفقودة.
ومن ثم يكون الكتاب الوحيد المبكر زمنًا وتأليفًا الذي لا تحوم حول مؤلفيه شكوك من حيث أندلسيته، أو نسبة الكتاب إليه هو الكتاب الأخير، ومؤلفه -ابن الفرضي- مؤرخ دقيق، وحافظ لعلوم الحديث والفقه، وأديب شاعر وكاتب، وقاض وسياسي فقد ولي قضاء بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني، ولابن الفرضي غير "تاريخ علماء الأندلس" كتابًا في الحديث هما "المؤلف والمختلف" والمتشابه في أسماء رواة الحديث وكناهم" وله أيضًا كتاب "أخبار شعراء الأندلس"١.
نريد أن ننتهي إلى القول بأن الأندلسيين لم يؤلفوا في تاريخهم أو أدبهم قبل القرن الرابع، وربما كان كتاب "أخبار شعراء الأندلس" الذي مر ذكره قبل قليل هو أول محاولة لتدوين أسماء وأخبار الشعراء الأندلسيين وأشعارهم، ولكنه قد ضاع مع غيره من كتب أخرى، ومن ثم فإنه يصعب علينا إصدار حكم عليه إلا من خلال ثقتنا بقدرة مؤلفه العلمية وحسن الظن به.
٣-
ولكن هل من المعقول ألا تكون هناك كتب في تاريخ الأندلس وآدابها قبل القرن الرابع الذي هو استغرق حديثنا في الصفحات القليلة الماضية؟ الواقع أن هناك أكثر من مولف حول الأندلس كتب قبل القرن الرابع، هذا فضلًا عن الأخبار والروايات، التي كانت تلقى في دروس جامع عمرو بن العاص في مصر عن أخبار الأندلس وفتوحاتها، واشتغل بذلك علماء أجلاء مصريون مثل عبد الله بن لهيعة المتوفى ١٧٤هـ والليث بن سعد المتوفى ١٧٥هـ.
لقد اشتغل العلماء المصريون بقضايا الأندلس وأخباره -بحكم موقع مصر بين الشرق الإسلامي وغربه- منذ القرن الثاني الهجري، فلما كان القرن الثالث الهجري ظهر أول كتاب عن المغرب الأندلسي هو "فتوح مصر والمغرب والأندلس" لعبد الرحمن بن عبد الله بن
стр. 387
عبد الحكيم العالم المصري المتوفى سنة ٢٥٧هـ الذي تتلمذ عليه عدد من علماء المغاربة والأندلسيين، ويعتبر كتاب ابن عبد الحكم من أدق الكتب التي عالجت تاريخ فتح الأندلس، وقد يكون من الأمور الطريفة أن يصبح هذا الكتاب مصدرًا للمؤرخين الأندلسيين أنفسهم مثل ابن الفرضي في كتابه "تاريخ علماء الأندلس" وابن خير في "الفهرست" والحميدي في "جذوة المقتبس" وغيرهم١.
وعبد الرحمن بن الحكم ينتمي إلى أسرة علم وفضل ورياسة، فإن الإمام الشافعي لما نزل مصر أقام عندهم فترة من الزمن وكان موضع ترحيب من لدن عبد الله والد عبد الرحمن كما أن لعبد الرحمن أخًا نجيبًا هو محمد بن عبد الله بن الحكم الذي كان صديقًا للإمام الشافعي وموضعًا لتقديره لعلمه وفضله وفقهه، وقد انتهت إلى محمد هذا الرئاسة في مصر٢، ومن طريف الخبر أن أسرة ابن عبد الحكم على الرغم من وثيق صلتها بالشافعي كانت على مذهب مالك.
وبين أيدينا كتاب آخر عن تاريخ الأندلس كتبه مؤلفه في القرن الثالث الهجري، أما الكتاب فهو "كتاب خلق الدنيا" وأما مؤلفه فهو عبد الملك بن حبيب الإلبيري المتوفى سنة ٢٣٨هـ ولذلك فإن الكتاب يعرف بـ "تاريخ عبد الملك بن حبيب الألبيري"٣.
وربما قفز إلى الخاطر القول بأن المؤلف أندلسي كما هو واضح من اسمه ونسبته، وهذا أمر كامل الصواب، فالرجل أندلسي، قرطبي الوفاة، ولكنه ترك الأندلس فترة طويلة من الزمان، ووفد إلى مصر وعاش فيها ودرس على علمائها وفيها ألف كتابه هذا الذي هو موضوع حديثنا، مستقيًا أخباره ومادته المصرية، على الرغم من أن المؤلف عاد في آخر أيامه إلى قرطبة حيث اشتغل معلمًا بمسجدها.
وهكذا تكون الكتابة عن الأندلس تاريخًا وإخبارًا وأدبًا إلى حد ما قد بدأت في مصر على يد عالم مصري، وآخر أندلسي الميلاد مصري الثقافة والإقامة، وبعد ذلك كان الأندلسيون قد بلغوا رشدهم الثقافي فتناولوا أمورهم الثقافية والأدبية، والتاريخية بأنفسهم فأصدروا تلك الكنوز الثمينة من الكتب في مختلف فنون المعرفة ومن بينها الأدب الذي هو موضوع دراستنا في هذا المقام.
стр. 388
الفصل الثاني: بداية التأليف عن الأدب الأندلسي
مدخل
...
الفصل الثاني: بداية التأليف عن الأدب الأندلسي:
إن مصادر الأدب العربي في الأندلس من الكثرة بمكان، بعضها أندلسي النشأة والتأليف، وبعضها الآخر مشرقي النشأة والتأليف، وليس من قبيل المصادفة أن يكون البادئون بالترجمة للأدب الأندلسي وأدبائه من العلماء المشارقة، الحق أن المؤلفين المشارقة كانوا من الوعي العقلي وسعة الاطلاع العلمي بحيث يتابعون كل ما يجري على الأرض الإسلامية التي كانت العربية لغتها فكرًا وأدبًا وتعبيرًا، وكتابة من أطراف الصين شرقًا إلى مراكش والأندلس غربًا، ولدينا على الأقل عالمان مشرقيان اهتما بشئون الأدب الأندلسي من شعر ونثر وبالأدباء الأندلسيين من شعراء وكتاب قبل أن يبدأ الأندلسيون أنفسهم في التأليف في أدبهم، ونعني بهذين العالمين المشرقيين أبا منصور الثعالبي في يتيمة الدهر، والباخرزي في "دمية القصر"، وسوف نقدم ذلك تفصيلًا في الفصل التالي من هذا الباب.
فإذا ما نظرنا إلى مصادر الأدب الأندلسي بأقلام المؤلفين الأندلسيين أنفسهم وجدنا كتبه التي بين أيدينا ترجع إلى القرن السادس الهجري، هذا إذا ضربنا صفحًا عن كتاب "أخبار شعراء الأندلس" الذي ينسب إلى ابن الفرضي المتوفى سنة ٤٠٣ والذي سبقت الإشارة إليه، وكتاب "الحدائق" في أشعار الدولة المروانية والمدائح العامرية الذي أملاه ابن فرج الجياني، واهتم فيه بدراسة شعر القرن الرابع الهجري، وكل من الكتابين يعتبر من التراث المفقود.
إن النهج الأمثل، هو أن نقسم الكتب التي قدمت لنا الأدب الأندلسي إلى قسمين: قسم
стр. 389
أدبي بحت، انصرفت كل اهتمامات المؤلف فيه إلى الأدب والأدباء من شعر ونثر وأخبار، وما تضمنته هذه الكتب في غير هذا النطاق فإنما هي من قبيل الفروع والاستطرادات. وقسم ثانٍ يندرج تحت موضوعات التاريخ والتراجم. لكن هذه الكتب جميعها -باستثناء القليل منها- مليئة بالنصوص الشعرية وأخبار الشعراء مترعة بالنماذج النثرية وأخبار الكتاب. ولا يغيب عن الذهن أن أكثر الرجال الذين يهتم بهم التاريخ في الأندلس، وهم الملوك والأمراء والوزراء والقضاة والكتاب كانوا جميعًا من الأدباء، ومن ثم فإن كاتب التاريخ لا يستطيع راضيًا أو كارهًا أن يغض الطرف عن الجوانب الأدبية التي كانت ترتبط بهذه الشخصيات التاريخية أو بالأحداث التاريخية نفسها التي كانت على جانب كبير من الإثارة، على طول الفترة الزمنية التي عاشها العرب في الأندلس، وعلى عرض المساحة الأرضية التي غطاها النفوذ الإسلامي في كل من المغرب والأندلس.
إن هذا النوع من الكتب الأدبية الأندلسية من الكثرة بمكان، ونستطيع أن نذكر منها تبعًا للترتيب التاريخي كتاب "قلائد العقبان" وشقيقه "مطمح الأنفس" لأبي نصر الفتح بن خاقان المتوفى سنة ٥٢٩هـ وقيل سنة ٥٣٣هـ، وكتاب "الزخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لأبي حسن علي بن بسام الشنتريني المتوفى سنة ٥٤٢هـ، وكتاب "المغرب في حلى المغرب" لأبي الحسن علي بن موسى بن سعيد المتوفى سنة ٦٨٥هـ وآخرين من بني سعيد، و "الكتيبة الكامنة في شعراء المئة الثامنة" للسان الدين بن الخطيب المتوفى سنة ٧٧٦هـ و "نفح الطيب" لأحمد المقري المتوفى سنة ١٠٤١هـ وهو آخر المصادر الكبيرة التي تناولت الآداب الأندلسية وأكبرها حجمًا وأغزرها مادة.
وهناك كتب أخرى تحمل أسماء تاريخية، لكنها إلى الدراسات الأدبية أقرب منها إلى التاريخ، وسوف نتناول بعضها بالدراسة بعد أن ننتهي من الحديث على هذه الكتب التي ذكرنا.
стр. 390
قلائد العقيان، ومطمح الأنفس
...
قلائد العقبان، ومطمح الأنفس:
مؤلف هذين الكتابين هو الفتح بن محمد بن عبد الله بن خاقان القيسي الإشبيلي المتوفى في حدود سنة ٥٣٣هـ وهو غير الفتح بن خاقان بن أحمد القائد وزير المتوكل العباسي وصديقه وخدينه والذي قتل معه سنة ٢٤٧هـ ومن المصادفات العجيبة أن تكون نهاية حياة كل من هذين الفتحين قتلًا، فابن خاقان الإشبيلي قتل ذبحًا في الفندق الذي كان