علماء الأندلس" لابن الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي القرطبي ميلادًا ووفاة في مستهل القرن الخامس، فقد قتله البربر في داره بقرطبة يوم فتحها سنة ٤٠٣هـ إبان الفتنة الأموية.
نقول إن أنظارنا تقع على أسماء هذه الكتب التي ألفها مؤرخون، وعلماء أندلسيون في القرن الرابع، ولكن أيدينا لا تمسك من بينها إلا بكتاب واحد هو "تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي، فأما الكتب الأخرى التي ذكرنا فهي مفقودة.
ومن ثم يكون الكتاب الوحيد المبكر زمنًا وتأليفًا الذي لا تحوم حول مؤلفيه شكوك من حيث أندلسيته، أو نسبة الكتاب إليه هو الكتاب الأخير، ومؤلفه -ابن الفرضي- مؤرخ دقيق، وحافظ لعلوم الحديث والفقه، وأديب شاعر وكاتب، وقاض وسياسي فقد ولي قضاء بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني، ولابن الفرضي غير "تاريخ علماء الأندلس" كتابًا في الحديث هما "المؤلف والمختلف" والمتشابه في أسماء رواة الحديث وكناهم" وله أيضًا كتاب "أخبار شعراء الأندلس"١.
نريد أن ننتهي إلى القول بأن الأندلسيين لم يؤلفوا في تاريخهم أو أدبهم قبل القرن الرابع، وربما كان كتاب "أخبار شعراء الأندلس" الذي مر ذكره قبل قليل هو أول محاولة لتدوين أسماء وأخبار الشعراء الأندلسيين وأشعارهم، ولكنه قد ضاع مع غيره من كتب أخرى، ومن ثم فإنه يصعب علينا إصدار حكم عليه إلا من خلال ثقتنا بقدرة مؤلفه العلمية وحسن الظن به.
٣-
ولكن هل من المعقول ألا تكون هناك كتب في تاريخ الأندلس وآدابها قبل القرن الرابع الذي هو استغرق حديثنا في الصفحات القليلة الماضية؟ الواقع أن هناك أكثر من مولف حول الأندلس كتب قبل القرن الرابع، هذا فضلًا عن الأخبار والروايات، التي كانت تلقى في دروس جامع عمرو بن العاص في مصر عن أخبار الأندلس وفتوحاتها، واشتغل بذلك علماء أجلاء مصريون مثل عبد الله بن لهيعة المتوفى ١٧٤هـ والليث بن سعد المتوفى ١٧٥هـ.
لقد اشتغل العلماء المصريون بقضايا الأندلس وأخباره -بحكم موقع مصر بين الشرق الإسلامي وغربه- منذ القرن الثاني الهجري، فلما كان القرن الثالث الهجري ظهر أول كتاب عن المغرب الأندلسي هو "فتوح مصر والمغرب والأندلس" لعبد الرحمن بن عبد الله بن
стр. 387
عبد الحكيم العالم المصري المتوفى سنة ٢٥٧هـ الذي تتلمذ عليه عدد من علماء المغاربة والأندلسيين، ويعتبر كتاب ابن عبد الحكم من أدق الكتب التي عالجت تاريخ فتح الأندلس، وقد يكون من الأمور الطريفة أن يصبح هذا الكتاب مصدرًا للمؤرخين الأندلسيين أنفسهم مثل ابن الفرضي في كتابه "تاريخ علماء الأندلس" وابن خير في "الفهرست" والحميدي في "جذوة المقتبس" وغيرهم١.
وعبد الرحمن بن الحكم ينتمي إلى أسرة علم وفضل ورياسة، فإن الإمام الشافعي لما نزل مصر أقام عندهم فترة من الزمن وكان موضع ترحيب من لدن عبد الله والد عبد الرحمن كما أن لعبد الرحمن أخًا نجيبًا هو محمد بن عبد الله بن الحكم الذي كان صديقًا للإمام الشافعي وموضعًا لتقديره لعلمه وفضله وفقهه، وقد انتهت إلى محمد هذا الرئاسة في مصر٢، ومن طريف الخبر أن أسرة ابن عبد الحكم على الرغم من وثيق صلتها بالشافعي كانت على مذهب مالك.
وبين أيدينا كتاب آخر عن تاريخ الأندلس كتبه مؤلفه في القرن الثالث الهجري، أما الكتاب فهو "كتاب خلق الدنيا" وأما مؤلفه فهو عبد الملك بن حبيب الإلبيري المتوفى سنة ٢٣٨هـ ولذلك فإن الكتاب يعرف بـ "تاريخ عبد الملك بن حبيب الألبيري"٣.
وربما قفز إلى الخاطر القول بأن المؤلف أندلسي كما هو واضح من اسمه ونسبته، وهذا أمر كامل الصواب، فالرجل أندلسي، قرطبي الوفاة، ولكنه ترك الأندلس فترة طويلة من الزمان، ووفد إلى مصر وعاش فيها ودرس على علمائها وفيها ألف كتابه هذا الذي هو موضوع حديثنا، مستقيًا أخباره ومادته المصرية، على الرغم من أن المؤلف عاد في آخر أيامه إلى قرطبة حيث اشتغل معلمًا بمسجدها.
وهكذا تكون الكتابة عن الأندلس تاريخًا وإخبارًا وأدبًا إلى حد ما قد بدأت في مصر على يد عالم مصري، وآخر أندلسي الميلاد مصري الثقافة والإقامة، وبعد ذلك كان الأندلسيون قد بلغوا رشدهم الثقافي فتناولوا أمورهم الثقافية والأدبية، والتاريخية بأنفسهم فأصدروا تلك الكنوز الثمينة من الكتب في مختلف فنون المعرفة ومن بينها الأدب الذي هو موضوع دراستنا في هذا المقام.
стр. 388
الفصل الثاني: بداية التأليف عن الأدب الأندلسي
مدخل
...
الفصل الثاني: بداية التأليف عن الأدب الأندلسي:
إن مصادر الأدب العربي في الأندلس من الكثرة بمكان، بعضها أندلسي النشأة والتأليف، وبعضها الآخر مشرقي النشأة والتأليف، وليس من قبيل المصادفة أن يكون البادئون بالترجمة للأدب الأندلسي وأدبائه من العلماء المشارقة، الحق أن المؤلفين المشارقة كانوا من الوعي العقلي وسعة الاطلاع العلمي بحيث يتابعون كل ما يجري على الأرض الإسلامية التي كانت العربية لغتها فكرًا وأدبًا وتعبيرًا، وكتابة من أطراف الصين شرقًا إلى مراكش والأندلس غربًا، ولدينا على الأقل عالمان مشرقيان اهتما بشئون الأدب الأندلسي من شعر ونثر وبالأدباء الأندلسيين من شعراء وكتاب قبل أن يبدأ الأندلسيون أنفسهم في التأليف في أدبهم، ونعني بهذين العالمين المشرقيين أبا منصور الثعالبي في يتيمة الدهر، والباخرزي في "دمية القصر"، وسوف نقدم ذلك تفصيلًا في الفصل التالي من هذا الباب.
فإذا ما نظرنا إلى مصادر الأدب الأندلسي بأقلام المؤلفين الأندلسيين أنفسهم وجدنا كتبه التي بين أيدينا ترجع إلى القرن السادس الهجري، هذا إذا ضربنا صفحًا عن كتاب "أخبار شعراء الأندلس" الذي ينسب إلى ابن الفرضي المتوفى سنة ٤٠٣ والذي سبقت الإشارة إليه، وكتاب "الحدائق" في أشعار الدولة المروانية والمدائح العامرية الذي أملاه ابن فرج الجياني، واهتم فيه بدراسة شعر القرن الرابع الهجري، وكل من الكتابين يعتبر من التراث المفقود.
إن النهج الأمثل، هو أن نقسم الكتب التي قدمت لنا الأدب الأندلسي إلى قسمين: قسم
стр. 389
أدبي بحت، انصرفت كل اهتمامات المؤلف فيه إلى الأدب والأدباء من شعر ونثر وأخبار، وما تضمنته هذه الكتب في غير هذا النطاق فإنما هي من قبيل الفروع والاستطرادات. وقسم ثانٍ يندرج تحت موضوعات التاريخ والتراجم. لكن هذه الكتب جميعها -باستثناء القليل منها- مليئة بالنصوص الشعرية وأخبار الشعراء مترعة بالنماذج النثرية وأخبار الكتاب. ولا يغيب عن الذهن أن أكثر الرجال الذين يهتم بهم التاريخ في الأندلس، وهم الملوك والأمراء والوزراء والقضاة والكتاب كانوا جميعًا من الأدباء، ومن ثم فإن كاتب التاريخ لا يستطيع راضيًا أو كارهًا أن يغض الطرف عن الجوانب الأدبية التي كانت ترتبط بهذه الشخصيات التاريخية أو بالأحداث التاريخية نفسها التي كانت على جانب كبير من الإثارة، على طول الفترة الزمنية التي عاشها العرب في الأندلس، وعلى عرض المساحة الأرضية التي غطاها النفوذ الإسلامي في كل من المغرب والأندلس.
إن هذا النوع من الكتب الأدبية الأندلسية من الكثرة بمكان، ونستطيع أن نذكر منها تبعًا للترتيب التاريخي كتاب "قلائد العقبان" وشقيقه "مطمح الأنفس" لأبي نصر الفتح بن خاقان المتوفى سنة ٥٢٩هـ وقيل سنة ٥٣٣هـ، وكتاب "الزخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لأبي حسن علي بن بسام الشنتريني المتوفى سنة ٥٤٢هـ، وكتاب "المغرب في حلى المغرب" لأبي الحسن علي بن موسى بن سعيد المتوفى سنة ٦٨٥هـ وآخرين من بني سعيد، و "الكتيبة الكامنة في شعراء المئة الثامنة" للسان الدين بن الخطيب المتوفى سنة ٧٧٦هـ و "نفح الطيب" لأحمد المقري المتوفى سنة ١٠٤١هـ وهو آخر المصادر الكبيرة التي تناولت الآداب الأندلسية وأكبرها حجمًا وأغزرها مادة.
وهناك كتب أخرى تحمل أسماء تاريخية، لكنها إلى الدراسات الأدبية أقرب منها إلى التاريخ، وسوف نتناول بعضها بالدراسة بعد أن ننتهي من الحديث على هذه الكتب التي ذكرنا.
стр. 390
قلائد العقيان، ومطمح الأنفس
...
قلائد العقبان، ومطمح الأنفس:
مؤلف هذين الكتابين هو الفتح بن محمد بن عبد الله بن خاقان القيسي الإشبيلي المتوفى في حدود سنة ٥٣٣هـ وهو غير الفتح بن خاقان بن أحمد القائد وزير المتوكل العباسي وصديقه وخدينه والذي قتل معه سنة ٢٤٧هـ ومن المصادفات العجيبة أن تكون نهاية حياة كل من هذين الفتحين قتلًا، فابن خاقان الإشبيلي قتل ذبحًا في الفندق الذي كان
стр. 391
ينزل فيه في مدينة مراكش، والفتح بن خاقان القائد قتل بالسيوف مع المتوكل على النحو المذكور في كتب التاريخ.
وأخبار الفتح بن خاقان الإشبيلي ليست مما يثلج الصدر دائمًا، فلقد كان على أدبه وفصاحته وبلاغته وشاعريته بذيء اللسان هجاء، سيء السمعة، ولعل هذه النقائص كانت السبب في نهايته المؤسفة.
ولكن الفتح -على الرغم من ذلك- واحد من رواد التأليف الأدبي أو بالأحرى التأليف في طبقات الأدباء في الأندلس، وإن كتابيه قلائد العقيان ومطمح الأنفس من الثراء الأدبي ومن الجهد الفني، ومن القيمة التاريخية بحيث لا يستغني عنها كل من عرض الدراسات الأندلسية بعامة، والأندلسية الأدبية بخاصة.
стр. 392
قلائد العقيان:
أولًا: كتاب قلائد العقيان يضم نصوصًا شعرية ونماذج نثرية لعدد وفير من معاصريه الأدباء والشعراء والوزراء، والرؤساء والأمراء الذين يبلغ عددهم ثمانية وخمسين عينًا.
ويذكر ياقوت الحموي أن الفتح عمد إلى طريقة بارعة بل ماكرة في جمع كتابه، فقد جعل يرسل إلى كل واحد من ملوك الأندلس، ووزرائها وأعيانها من أهل الأدب والشعر يعرفه عزمه على تأليف كتابه ويسأله إنفاذ شيء من شعره ونظمه ونثره، ولكي يضمه إلى مادة الكتاب، فعمد أكثرهم إلى إرسال منتخبات من أعمالهم الأدبية إليه مصحوبة بالهدايا والمال، ويستطرد ياقوت قائلًا: فكل من أرضته صلته أحسن في كتابه وصفه وصفته، وكل من تغافل عن بره هجاه وثلبه١.
ويبدو أن رواية ياقوت على جانب كبير من الصدق، فإننا نلاحظ أن صاحب القلائد يسرف في مدح بعض من يترجم لهم إسرافًا شديدًا، ويمعن في النيل من شمائل بعضهم الآخر نيلًا شديدًا ولو كانوا من ذوي الأدب والفضل.
يقول ياقوت مدللًا على ذلك إن الفتح كان قد أرسل إلى أبي بكر بن باجه المعروف بابن الصائغ للغرض نفسه، وكان حينئذ وزيرًا لصاحب المرية، فلما وصلت إليه رسالته تهاون في الرد عليه، ولم يجبه إلى طلبه، وبالتالي لم يرسل إليه شيئًا من عطاء، فلم يكن من الفتح إلا أن أورد في كتابه "القلائد" ترجمة مليئة بالهجاء، مفعمة بالسباب كلها تشهير ونيل من فضل ابن باجه، يقول في مستهلها: "هو رمد جفن الدين وكمد نفوس المهتدين،
стр. 393
اشتهر سخفًا وجنونًا وهجر مفروضًا ومسنونًا، وضل فيما يتسرع ولا يأخذ في غير الأباطيل ولا يشرع، ولا يرد سوى الغمة ولا يكرع، ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة ... الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله العلي العظيم١.
ويمضي الفتح إمعانًا في هجر الوزير الفيلسوف والنيل من قدره، وتقبيح معتقده وتشويه صورته وكأنما قد صنع فيه قصيدة من أقذع أنواع الهجاء، الأمر الذي يجعلنا نصدق ياقوتًا فيما ذهب إليه؛ لأن ابن باجه كان صاحب عقل ومنطق وفكر وقلم وأدب وعلم وفلسفة ودين.
فإذا ما ترجم الفتح لمن وصله بعطاء، وأهدى إليه بعض المال ولو كان خامل الذكر، فإنه يخلع عليه من أسباب المديح ما يضعه في مرتبة الكواكب، فحين يترجم لأبي العلاء بن صهيب مثلًا -وهو أقل من أن يقارن بالفيلسوف ابن باجه- يقدمه هكذا "نبيل المنازع جميل المنازع، كريم العهد ذو خلائق كالشهد، كثير الافتتان، جال في ميدان الذكاء بغير عنان:
وكالسيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان
مع فخر متأصل، وفهم إلى كل غامض متوصل، شقي بأبي أمية أوانًا، ولقي كل من صاحبه خزيًا وهوانًا٢.. إلخ" وهكذا نجد الفتح بن خاقان معيبًا في طريقة ترجمته لأعيان كتابته، ومن ثم فإننا نأخذ روايته الأخبار بحذر، وأما النصوص التي ضمنها كتابه فهي من الإمتاع بمكان، ذلك أنها انتقاء أصحابها، واختيار منشئيها، وليس للمؤلف فيها من فضل إلا التجميع والتحبير.
ثانيًا: وإذا كانت هذه هي مآخذنا على كتاب القلائد فإننا لا نستطيع أن نحجب مزاياه الظاهرة وفوائده الواضحة الوافرة، والكتاب يضم ثماني وخمسين ترجمة هي عدد الأدباء الذين تحدث عنهم، وهم يمثلون كل أقاليم الأندلس على زمانه تقريبًا، ومن ثم فإن الكتاب يغطي من هذه الناحية فترة زمنية محدودة بالنصف الثاني من القرن الخامس، والربع الأول من القرن السادس الأمر الذي يدل على غنى الأرض الأندلسية من الأدباء شعراء وكتابًا، وقد قسم الفتح كتابه إلى أربعة أقسام، صنف أعيانه تصنيفات متجانسة، فجعل القسم الأول للملوك والرؤساء، من أمثال المعتمد بن عباد، والمتوكل المظفري، والمعتصم بن صمادح وغيرهم ممن هم أمثالهم في المكانة والرئاسة. وجعل القسم الثاني في الترجمة للوزراء.
стр. 394
وكانت مؤهلات الوزارة آنئذ هي العلم والفضل، والأدب، والثقافة، والكياسة، والسياسة، فمن الوزراء الذين ترجم لهم -وهم في الوقت نفسه قمم الشعر في الأندلس- أبو الوليد أحمد بن زيدون، أبو بكر ابن عمار، أبو الحسن ابن الحاج، أبو محمد ابن عبدون، أبو الفضل ابن حسداي، وغيرهم من وزراء الأقاليم الأندلسية، وضمن المؤلف القسم الثالث من كتابه الترجمة لأعيان القضاة والعلماء والفقهاء، وكان كثير من هؤلاء يتسنمون رتبة الوزارة بل كان بعضهم -أعني الفقهاء- يتلقب بذي الوزارتين مثل الفقيه أبي أمية إبراهيم بن عصام الذي كان يلقب بذي الوزارتين وقاضي قضاة الشرق، ومن الذين شملهم هذا القسم الفقيه الإمام الحسن بن زنباع وغيرهم. وأما القسم الرابع والأخير فيترجم لأعيان الشعراء وفحولهم الذين غلبت عليهم صفة الشعر وسمة الأدب أكثر من أي سمات أخرى مثل أبي إسحاق ابن خفاجة، أبي بكر الداني المعروف بابن اللبانة، الأعمى التطيلي، أبي محمد ابن سارة الشنتريني، أبي جعفرالبني.
ثالثًا: بغض النظر عن الأهواء الشخصية التي كانت تتحكم كثيرًا في الترجمة للشعراء والأدباء فإن الفتح بن خاقان ما كان يستطيع أن يخمل شأن البارزين من الشعراء واللامعين من الأدباء، بل كان يخصهم -دون غيرهم- بتراجم طويلة مفصلة بعض الشيء، كما كان يكثر من تقديم النماذج المختارة من أشعارهم ويميزهم من غيرهم بمساحات أكبر من صفحات كتابه، لقد فعل ذلك للمعتمد بن عباد، وهو كبير ملوك الأندلس وملك شعرائها، وكما فعل مع ذي الوزارتين الشاعر المبدع أحمد بن زيدون، والفقيه الشاعر أبي محمد إسحاق بن خفاجة، وشاعر بني عباد أبي بكر الداني المعروف بابن اللبانة، وأبي محمد بن سارة الشنتريني، وأبي جعفر الأعمى التطيلي.
رابعًا: لما كان الفتح بن خاقان يقوم بأول محاولة من هذا النوع في تأليف كتاب في طبقات شعراء الأندلس، فإنه لم يجد كبير غضاضة في أن ينهج نهج أبي منصور الثعالبي في يتيمته وأن يرسم على منواله فيها، وإن مثل هذا التصرف من جانبه لا يعتبر عيبًا ما دام المؤلف يرتاد أرضًا لم يسبقه إليها مرتاد، وينهج نهجًا لم تسر فيه من قبله خطى سائر.
стр. 395
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس:
إنه اسم طويل لكتاب آخر للمؤلف عينه الفتح بن خاقان، حاول أن يجعله ذيلًا للقلائد فترجم فيه تراجم مقتضبة لعدد من الشعراء النابهين وعددهم ستة وتسعون شاعرًا، من شعراء
стр. 396
الأندلس الذين عاشوا على أرضها على مختلف العصور، وليس في فترة زمنية محددة، فهو يترجم لشعراء عاشوا في القرن الثالث، مثل أحمد بن عبد ربه، وآخرين عاشوا في القرن الرابع مثل الفقيه منذر بن سعيد البلوطي، وأبي عمر يوسف بن هارون المعروف بالرمادي والفقيه المؤرخ أبي برك بن القوطية، ومحمد بن هانئ، كما يترجم لعدد وافر من شعراء القرنين الخامس والسادس.
من هنا يختلف المنهج الذي التزمه الفتح بن خاقان في هذا الكتاب عنه في قلائد العقيان، فالمطمح لا يختص بالترجمة لشعراء فترة بعينها، وإنما يختار شعراءه منذ أن بدأ الشعر ينمو ويترعرع في الأندلس، وأما القلائد فيختص بزمن معين سبق أن أشرنا إليه.
هذا هو المنهج الذي استخلصناه من قراءتنا لمطمح الأنفس، واستعراضه، ولقد قدم المؤلف لكتابه هذا في نطاق مفهومنا الذي أشرنا إليه قائلا بأسلوبه المزخرف الموقع المسجوع: "كان بالأندلس أعلام، فتنوا بسحر الكلام، ولقوا منه كل تحية وسلام، فشعشوا البدائع وروقوها، وقلدوها بمحاسنهم وطوقوها، ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا، وبقيت مآثرهم غير مثبتة في ديوان، ولا مجملة في تصنيف أحد من الأعيان، تجتلي فيه العيون وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها فحللت من الوزير أبي العاص حكم بن الوليد عند من رحب وأهل، بمكارمه وانهل، وندبني إلى أن أجمع في كتاب وأدركني من التنشط إلى إقبال من ندب إليه، وكتابة ما حدث عليه، فأجبت رغبته، وحليت بالإسعاف لبته، وذهبت إلى إبدائها وتخليد عليائها"١.
ويقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام يشتمل أولها على "غرر الوزراء وتناسق درر الكتاب والبلغاء"، وثانيها يشتمل على "محاسن أعلام العلماء وأعيان القضاء والفهماء"، وثالثهما يشتمل على "سرد محاسن الأدباء النوابغ النجباء".
أما وأن المترجم لهم ليسوا من المعاصرين للمؤلف، فإن الحيدة والبعد عن التحيز يشكلان أساسًا لهذه الترجمات الست والتسعين والتي نهج فيها المؤلف نهج الاقتضاب الشديد، والإيجاز المسرف بحيث يكاد يخص المترجم له في حالات كثيرة بأقل من نصف صفحة، ولكنه لا يبخل على الأدباء الكبار والأعيان المرموقين بإيفائهم حقهم من الترجمة، ولو أدى ذلك به إلى إطالة لا تتفق مع نهج الإيجاز الذي التزمه المؤلف من مطمحه، فمن الأعيان التي أطال القول في ترجمتهم بعض الشيء الوزير أبو عامر بن شهيد، والفقيه أبو
стр. 397
الحسن منذر بن سعيد البلوطي فخر علماء الأندلس علمًا وفضلًا، وعدلًا وشجاعة ومكانة، والشاعر المبدع أبو عمر يوسف بن هارون المعروف بالرمادي، والشاعر محمد بن هانئ.
وكتاب "مطمح الأنفس" -على صغر حجمه- يضم القصائد الفريدة والأخبار الطريفة التي لم تتكرر في غيره من الكتب التي عرضت للأدب الأندلسي، وأدبائه عند من كانت لهم دراسات تاريخية، فلقد قام الفتح بعمل دراسة ميدانية حسبما يسميها علماء الاجتماع المعاصرون.
هذا وكل من "قلائد العقيان" و"المطمح" يعتبر من المصادر الأصيلة لكل من كتب أو ألف أو ترجم في نطاق الأدب الأندلسي ابتداء من أبناء سعيد في المغرب وانتهاء بلسان الدين بن الخطيب، كل في كتبه العديدة التي يقول فيها بين الحين والآخر "قال الفتح في قلائده" أو جملة "ذكره الفتح في القلائد" أو جملة "ومن القلائد"، ثم يأتي بالنص أو بالخبر.
وإذا كان ثمة عيب ظاهر في كل من القلائد والمطمح، فهو أن الفتح بن خاقان لم يضع في اهتمامه ذكر تواريخ مواليد ووفيات الأعيان الذين عرض لهم بالترجمة.
стр. 398
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة:
يعتبر كتاب الذخيرة من أشهر الكتب التي ألفها العلماء الأندلسيون وأنفسها قيمة فيما يتصل بتاريخ أدب وطنهم الأندلس، ولقد قام بتأليفه علي بن بسام الشنتريني نسبة إلى بلدة شنترين التي ولد فيها وعاش في رحابها معظم سني حياته، وشنترين تقع في أقصى غرب الأندلس -أي في البرتغال المعاصرة- وتعرف المدينة الآن باسم Santarem.
ولقد هاجر ابن بسام من مدينته الجميلة حين بدأت تتعرض للغزو الأسباني المسيحي، وتضطرب أسباب العيش فيها، فاتجه مهاجرًا إلى جهة الشرق حيث ألقى عصا الترحال في إشبيليه، وبها استقر مقامه بضع سنوات وفيها ألف "الذخيرة" ثم توفي فيها سنة ٥٢٤هـ وهي السنة نفسها التي فيها وقعت مدينته في يد الروم، ولعل خبر سقوط مدينته العزيزة على نفسه، وقع على قلبه في مغتربه موقعًا أليمًا فكان من الأسباب التي أودت بحياته؛ لأنه عاش في إشبيلية حياة مضطربة غير مستقرة، محوطًا بالحساد مقترًا عليه في الرزق بعد رفاهية عيش في موطنه ونعومة حياة في بلدته شنترين. وهو يذكر ذلك في مقدمة كتاب مسجلًا ذلك للتاريخ قائلًا١:
стр. 399
"وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن قلب مكلوم الأحناء، وفكر خامد الذكاء، بين دهر متلون تلون الحرباء؛ لانتباذي كان من شنترين قاصية المغرب، مفلول الغرب، مروع السرب، بعد أن استنفد الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، بتواتر طوائف الروم، علينا في عقر ذلك الإقليم، وقد كنا عنينا بكرم الانتساب عن سوء الاكتساب، واجتزأنا بمذخور العتاد عن التقلب في البلاد، إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام، ولو ترك القطا ليلًا لنام، وحين اشتد الهول هنالك اقتحمت بمن معي المسالك، على مهامه تكذب فيها العين الأذن وتستشعر فيها المحن:
مهامه لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه
حتى خلصت خلوص الزبرقان من سراره، وفزت فوز القدح عند قماره، فوصلت حمص -أي إشبيليه- بنفس قد تقطعت شعاعًا، وذهب أكثرها التياعًا، وليتني عست منها بالذي فضلا فتغربت بها سنوات أتبوأ منها ظل الغمامة، وأعيا بالتحول عنها عي الحمامة، ولا أنس إلا الانفراد، ولا تبلغ إلا بفضلة الزاد، والأدب بها أقل من الوفاء حامله أضيع من قمر الشتاء، وقيمة كل أحد ماله، وأسوة كل بلد جهاله، حسب المرء أن يسلم وفره، وإن ثلم قدره، وأن تكثر فضته وذهبه، وإن قل دينه وحسبه".
ويبدو أن الرجل العالم الكريم قد كابد الكثير من الحرمان في إشبيليه، وكابد غير قليل من المكائد، وواجه ألوانًا من الحسد وشظف العيش. ومدينة أشبيلية لم تكن من ناحية العلم والجد على مستوى رفيع بل كانت مدينة لهو وعبث، على عكس قرطبة التي كانت مدينة العلم والثقافة والنور، وقد قال الفيلسوف ابن رشد في مناظرة له مع الشاعر المبدع ابن زهر، وكان الأول متعصبًا لقرطبة والثاني متعصبًا لإشبيلية: ما أدري ما تقول غير أنه إذا مات عالم بإشبيليه فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة، وإن مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيليه.
لقد كانت إشبيلية إذن مدينة قصف ومجون وليست مدينة جد وعلوم الأمر الذي جعل ابن بسام يقول فيها قولًا شبيهًا بقول ابن رشد وإن كان أسبق منه زمانًا: "ولا أنس إلا الانفراد، ولا تبلغ إلا بفضلة الزاد، والأدب بها أقل من الوفاء، حامله أضيع من قمر الشتاء".
إنها إشبيلية ما بعد عصر بني عباد على كل حال، فلقد كانت على عهدهم عاصمة الأندلس ثقافة وأدبًا وفنًّا وعزةً وامتناعًا.
لقد كتب ابن بسام ذخيرته إذن في إشبيلية، ولما كانت سنة وفاته هي ٥٢٤هـ وإقامته في إشبيلية سنوات -على حد تعبيره- فإن معنى ذلك أنها من قبل الاستنتاج العقلي لا تزيد
стр. 400
على العشر، ويكون ابن بسام ألف كتابه في حدود سنة ٥٣٢ وما بعدها، أي أنه كتبه بعد وفاة الفتح بن خاقان احتمالًا، وبعد تأليف الفتح كتابيه "القلائد" و "المطمح" ترجيحًا إن لم يكن قطعًا.
على أن هذا الترتيب الزمني بين كتابي الفتح بن خاقان، وكتاب ابن بسام لا يعني أن التقدم الزمني يرتبط بالسبق الفني، فإن ذلك أمر غير وارد، فإن إعجاب المتأدبين بالذخيرة لا يقاس به إعجابهم بالقلائد أو المطمح، بل إن أمر زيادة الاستحسان نحو الذخيرة يكمن في أن رجلًا نشأ في قاصية الغرب يستطيع إبداع مثل هذا الكتاب، ولقد استغرب صاحب المسهب حسبما يروي ابن سعيد "أنه يبعث من مدينة شنترين قاصية الغرب، ومحل الطعن والضرب من ينظمها قلائد في جيد الدهر، ويطلعها ضرائر للأنجم الزهر"١.
وليس من شك في أن ابن بسام كان يحيا حياة مرحة باسمة، ويعيش عيشة ناعمة إن لم تكن صاخبة في شنترين قبل أن يرزأ بآلام الغربة وقلق الشتات، ولعل هذه الأبيات من شعر تعتبر قرينة على ذلك حين يقول في صدر شبابه وهو بشنترين:
ألا بادر فما ثانٍ سوى ما ... عهدت: الكأس والبدر التمام
ولا تكسل برؤيته ضبابًا ... تغص به الحديقة والمدام
فإن الروض ملتئم إلى أن ... توافيه فينحط اللثام
هذا وأبو الحسن علي بن بسام الشنتريني كاتب أنيق الأسلوب في الكتابة مع التزام السجع والمحسنات -شأن كل كتاب زمانه- وأما شعره الذي أورد الكثير منه في "الذخيرة" فإنه لا يضعه في مرتبة مرضية بين شعراء الأندلس. ومهما كان الأمر فإن عمله الكبير والوحيد هو كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" فلنعرض إذن لكتاب الذخيرة.
стр. 401
ملامح كتاب "الذخيرة" ومنهجه:
أولًا: يعالج الكتاب أدب القرن الخامس الهجري وحده من شعر ونثر، ويعرف بشعرائه وكتابه تعريفًا يفي بغرض الدارس، ويعلن عن ذلك في مقدمة كتابه بقوله: "واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة فشرحت بعض محنها، وجلوت وجوه فتنها، ولخصت القول بين قبيحها وحسنها، وأحصيت علل استيلاء طوائف الروم على الإقليم، وألمعت بالأسباب التي دعت ملوكها إلى خلعهم، واجتثاث أصلهم وفرعهم، وعبرت عن أكثر ذلك، بلفظ يتتبع الهم بين الجوانح، ويحل العصم سهل الأباطح"١.
стр. 402
ويؤكد ابن بسام على التزامه بالترجمة لأدباء القرن الذي عاشه دون سواه من العصور السابقة إيمانًا منه بالتخصص، والتخصص سبيل الإجادة، فيقول: "ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية، إذ كان ابن فرج الجياني قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي في الأنفة، فأملى في محاسن أهل زمانه "كتاب الحدائق" معارضًا "كتاب الزهرة" للأصبهاني، فأضربت أنا عما ألف، ولم أعرض لشيء مما صنف، ولا تعديت أهل عصري، ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري، إذ كل مردد ثقيل، وكل متكرر مملول"١.
وإذن فإن إحدى خواص كتاب الذخيرة أنه متخصص في قرن بعينه، هو القرن الخامس وهو أزهى عصور الأندلس في الأدب والعلم والثقافة، وقد كتب الفتح بن خاقان كتابه قلائد العقيان على النهج نفسه أي في زمان بعينه، والحق أن كثيرًا مما ضمنه ابن بسام كتابه قد نسبه إليه الفتح بن خاقان في القلائد، ومن ثم فإن ابن بسام لم يلتزم الشعار الذي أطلقه حين قال: "كل مردود مرذول" غير أن نظرة ابن بسام أوسع وأرحب وتناوله أدق وأعمق وتبدو الموضوعية واضحة في معانيه ومراميه، كما أنه متسم بالحيدة في أحكامه على قدر اجتهاده وليس كذلك ابن خاقان في قلائده.
ثانيًا: يحمل الكتاب مسحة تاريخية على جانب كبير من الفائدة، ولا تتأتى هذه الفائدة من ناحية كون التاريخ والأدب كلاهما مكمل الآخر، ولكن من ناحية اعتماد ابن بسام في أخباره التاريخية على كتاب "المتين" لابن حيان، ويذكر ابن بسام ذلك صراحة منه وأمانة: فيقول: وعولت في ذلك على تاريخ أبي مروان ابن حبان فصوله، وأوردت جمله وتفاصيله٢ وبذلك يكون ابن بسام قدم إلى دارسي الأدب مادة ثمينة، وإلى دارسي التاريخ مجمل كتاب نفيس مفقود.
ثالثًا: عمد ابن بسام في كتابه إلى إظهار فضل الأندلسيين في الأدب نثرًا وشعرًا مع تحمس شديد لهم -وهو في ذلك صاحب حق- غير أنه حاول أن ينال من المشارقة برفق وأن يكبح جماح قومه، ويقلل من حماسهم نحو الاقتصار على الاهتمام بأدب المشارقة وحدهم، وهو يظهر غيرة شديدة غير محمودة في هذا المقام، فإذا كان الأندلسيون قد بلغوا مرتبة سامية من المكانة في دنيا الأدب، فإن ذلك لا يعني الانصراف عن أدب المشارقة، ومن ثم فلقد كان ابن بسام مصيبًا في التحمس لأدب قومه، مخطئًا في محاولة التقليل من
стр. 403
أدب المشارقة، ونرجو مخلصين ألا تكون بالرجل مسحة شعوبية، ويقول ابن بسام في هذا المقام١.
وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيب مكاسر وصفاء جواهر، وعذوبة موارد، ومصادر لعبوا بأطراف الكلام المحلق، فصبوا على قوالب النجوم غرائب المنثور والمنظوم، وباهوا غرر الضحى لولاه حكمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى وما نبح، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنمًا وتلوا ذلك كتابًا محكمًا، وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، مرمى القصبة ومناخ الرذية، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح ثماره ثمارًا مضمحلة، مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه وقديمًا ضيعوا العلم وأهله، ويا رب محسن مات إحسانه قبله، وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان وخص أهل المشرق بالإحسان؟
إن إسرافًا شديدًا وتحاملًا غير كريم على أدب المشرق وأدبائه يبدو سافرًا صارخًا في تلك السطور التي قدم ابن بسام بها كتابه، وهو عيب يحسب عليه، وسقطة تردى فيها، فما زال شعراء المشرق هم أساتذة الشعر وإن لمع في سماء الأندلس نجوم، وما برح كتاب المشرق هم أئمة الكتاب وكل كتاب الأندلس بلا استثناء حتى عصر المؤلف عيال عليهم وصورة مهتزة عنهم، إن مجرد الحماس أمر لا غبار عليه، وهو مطلوب مفيد في بعض الأحيان أما التحامل والتجني والتحقير، فأمور لا ينبغي أن يتصف بها مؤلف إذا أراد أن ينتظم في عقد الصادقين من المؤرخين والرواة والمؤلفين.
ولذلك فيقدر عيبنا ابن بسام حملته تلك الشعواء على المشارقة، فإننا لا نجد ضيرًا عليه في تحمسه لكتابه ومحتواه، وخلع الصفات الغالية عليه حين قال:٢
стр. 404
"وقد أودعت هذا الديوان الذي سميته بكتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة من عجائب علمهم، وغرائب نثرهم ونظمهم ما هو أحلى من مناجاة الأحبة، بين التمتع والرغبة، وأشهى من معاطاة العقار على نغمات المثاليث والأزيار؛ لأن أهل هذه الجزيرة منذ كانوا رؤساء خطابة، ورءوس شعر وكتابة، تدفقوا فأنسوا البحور، وأشرقوا فباروا الشموس والبدور، وذهب كلامهم بين رقة الهواء، وجزالة الصخرة الصماء، كما قال صاحبهم عبد الجليل بن وهبون يصف شعره:
رقيق كما غنت حمامة أيكةٍ ... وجزل كما شق الهواء عقاب
على كونهم بهذا الإقليم، ومعاقبتهم لطوائف الروم، وعلى أن بلادهم آخر الفتوح الإسلامية، وأقصى خطى المآثر العربية، ليس وراءهم وأمامهم إلا البحر المحيط، والروم والقوط، فحصاة من هذه حاله بتير وثمده بحر مسجور".
رابعًا: بينما يتعصب ابن بسام لقومه ذلك التعصب البغيض ضد المشارقة نجده يفاجئنا في القسم الأخير من كتابه بأدب الوافدين على الأندلس من المشرق، وهم كثيرون، وكلهم في الرتبة الرفيعة أدبًا وعلمًا، ولا عليه في ذلك، فربما اعتبرهم أندلسيين ما داموا قد حلوا بالأندلس، وأقاموا فيها إقامة موقوتة أو دائمة، وإنما الذي يدعو إلى الدهشة حقًّا أن يترجم ابن بسام لأدباء مشارقة لم تطأ أقدامهم أرض المغرب أو الأندلس، بل إنهم ليسوا من رجال القرن الخامس الذي أخذ ابن بسام العهد على نفسه ألا يترجم لغير رجاله، فضلًا عن تعمده أن يكونوا أندلسيين، إنه يترجم للعديد من المشارقة من رجال القرن الرابع مثل الشريف الرضي ومهيار الديلمي وأبي منصور الثعالبي وغيرهم، ومن ثم، فإن كتاب الذخيرة، على رغم تحامل صاحبه على المشارقة وتحمسه الشديد للأندلسيين، وتعهده بألا يترجم لغيرهم ملأ صفحات كثيرة من كتابه الكبير بعدد من أدباء المشارقة، وذكر بعض أدبهم وأخبارهم، وهو أمر إن يكن معيبًا منهجيًّا، فإنه مفيد علميًّا، فإن للرجل أسلوبه الخاص وطريقته الواضحة في تقديم الأدباء وآثارهم.
خامسًا: وما دمنا بصدد الحديث عن تعصب ابن بسام على المشارقة، فإننا لا نجد مفرًّا من أن نذكر أنه هو نفسه تلميذ للمشارقة وعالة عليهم في منهج كتابه هذا، إنه من حيث المنهج صورة دقيقة للثعالبي في كتاب "يتيمة الدهر".
إن الثعالبي قسم كتابه -حسبما مر بنا في مكانه من هذا الكتاب- إلى أربعة أقسام هي: القسم الأول في آل حمدان وشعرائهم وغيرهم من أهل الشام وما يجاورها والموصل ومصر والمغرب والأندلس، والقسم الثاني في أشعار أهل العراق والدولة الديلمية، وكتابهم والقسم الثالث في أشعار أهل الجبل وفارس وجرجان، وطبرستان وأصفهان من وزراء وكتاب
стр. 405
وقضاة وشعراء وأخبارهم، والقسم الرابع في أهل خراسان وما وراء النهر من أدباء الدولة السامانية، والغزنوية، وبخارى.
إنه المنهج نفسه، والتقسيم عينه الذي اتبعه ابن بسام في "الذخيرة"، فيقول: وقسمته أربعة أقسام: الأول لأهل خضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد متوسطة الأندلس، ويشتمل من الأخبار وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء ويذكر أسماء من ترجم لهم، وأخبارهم وآثارهم الأدبية، والأحداث التاريخية التي ألمت بتلك المناطق مبتدئًا بالمستعين بالله سليمان ابن الحكم -ومنتهيًا بأبي طالب عبد الجبار من جريرة شقر١ وهذا القسم من الكتاب مطبوع في مجلدين قام على تحقيقه فريق من النابهين من خريجي كلية الآداب، بجامعة القاهرة سنة ١٩٣٩-١٩٤٢ على الترتيب.
والقسم الثاني من الكتاب خصصه المؤلف لأهل الجانب الغربي من الأندلس، ذكر فيه إشبيليه وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر الرومي "الأبيض المتوسط" ويشتمل على عدد كبير من الأعيان والشعراء والوزراء ابتداء من رأس بني عباد: القاسم بن عباد وانتهاء بالأديب أبي محمد بن سارة الشنتريني٢.
والقسم الثالث جعله المؤلف لأهل الجانب الشرقي من الأندلس "ومن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى إلى منتهى كلمة الإسلام هناك، وفيه من القصص وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء طوائف٣.
والقسم الرابع أفرده المؤلف للوافدين على بلاد الأندلس خلال القرن الخامس الهجري من شعراء وكتاب، وألحق به ذكر طائفة من مشهوري الأدباء والشعراء في إفريقية والشام والعراق لم تطأ أقدامهم أرض الأندلس، ولكن كانت شهرتهم قد طارت إلى سمائه، وآدابهم كانت وصلت إلى محافله وأجوائه٤.
ولقد طبع من هذا القسم جانب صغير سنة ١٩٤٥م يشتمل على أخبار وآثار تسعة شعراء وعلماء المشارقة الوافدين ابتداء من أبي العلاء صاعد اللغوي، وانتهاء بأخبار عبد الكريم بن فضال الحلواني، وهم في مجملهم أعلام مع ذكر كثير من الأحداث التي أوردها المؤلف أثناء الحديث عنهم، وهذا الجانب الذي تم طبعه لا يمثل أكثر من ربع القسم كله، وبذلك يكون المقدار الذي لم يطبع بعد من الذخيرة شاملًا القسمين الثاني، والثالث، وثلاثة أرباع
стр. 406
الرابع، وهذا المقدار يمثل كنزًا ثمينًا ينبغي إزاحة الستار عنه، وذلك بتحقيقه تحقيقًا دقيقًا ونشره نشرًا متقنًا؛ لأنه لا غنًى عنه لكل من يعرض للدراسات الأدبية الأندلسية.
سادسًا: ولم يكن صاحب الذخيرة -على نفاستها- متعصبًا للأندلسيين على المشارقة وحدهم، وإنما كان متعصبًا للكتاب على الشعراء، فهو يخصهم بالتقديم ويغمرهم بالتكريم ويكثر من أخبارهم ومجاملتهم وهذا الأمر لا يعتبر غريبًا لأن ابن بسام ينتسب إلى طائفة الكتاب أكثر من انتسابه إلى طائفة الشعراء، ذلك أن نثره عذب على ما فيه من صناعة وترسله أنيق على ما فيه من إسراف في البديع، وشعره أقرب إلى النظم العادي إلا في حالات قليلة، كما أنه يقدم الملوك والأمراء دائمًا على الأدباء من كتاب وشعراء، إنه والأمر كذلك صورة دقيقة أخرى للثعالبي في "اليتيمة" وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الثعالبي عن سيف الدولة الحمداني أو عضد الدولة البويهي من الملوك، وعن الكتاب، يكفينا أن نقرأ ما كتبه عن ابن العميد أو الصاحب بن عباد أو أبي إسحاق الصابي، أو بديع الزمان الهمذاني أو أبي بكر الخوارزمي، أو أبي الفرج الببغاء من الكتاب لنلمس كم كان الثعالبي متعصبًا للكتاب في اليتيمة، مثلما تعصب ابن بسام لهم في الذخيرة.
ومهما كان الأمر في المقارنة بين الكاتبين الكبيرين، فإننا نخالف من ذهب إلى تفضيل ابن بسام على الثعالبي، وهو ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور طه حسين في تقديمه للذخيرة، إن جهد ابن بسام كله قد انحصر في كتابه هذا، وأما الثعالبي فقد كان متعدد الثقافات، وله العديد من المؤلفات الطريفة النفيسة -حسبما مر بنا الحديث عنه- وليس من العدل أن نقارن بين شخصيتين، ونقوم بتفضيل صاحب عمل واحد ناجح على صاحب أعمال كثيرة باهرة، هذا فضلًا على كونه -أي الثعالبي- رائد هذا اللون من التأليف الأدبي.
وكما أن "قلائد العقيان" ومطمح الأنفس يمثلان مصدرًا أساسيًّا للمؤرخين والمؤلفين المتأخرين في نطاق الدراسات الأندلسية، فإن "الذخيرة" هي الأخرى مصدر غني ومورد عذب نهل منه بغزارة كل من كتب بعد ابن بسام في تاريخ الأندلس وآدابها ويكفي أن كتاب "المغرب في حلى المغرب" أخذ عنه نيفًا وتسعين خبرًا ونصًّا.
هذا ومن الطريف أن علماء الأندلس كانوا -مثل المشارقة- يكمل المتأخر منهم ما فات المؤلف المتقدم أن يذكره، أو يصحح في حالات الخطأ، وقد فعل ذلك أبو عمرو ابن الإمام حين ألف كتابًا أسماه "سمط الجمان وسقط اللآلي وسقط المرجان" ذكر فيه من أخل ابن بسام والفتح بن خاقان بتوفية حقه من الفضلاء، واستدرك من لحقه بعصره في بقية المائة الخامسة، وقيل بل السادسة، إلا أن الكتاب لم يصل إلينا وإنما يأخذ عنه صاحبا "المغرب" و "نفح الطيب" كثيرًا.
стр. 407
ال فصل الثالث: المُغْرِب في حلى المَغْرِب:
التعاون والتعاقب في تأليف كتاب واحد:
إن هذا الكتاب يعتبر فريدًا في تأليفه ومنهجه وقيمته بين كتب التراث الأدبي الأندلسي بصفة خاصة، والعربي الإفريقي الأندلسي "أي ما بين مصر شرقًا والمغرب والأندلس غربًا بصفة عامة" ومعنى ذلك أن الكتاب معني بكل من مصر، والمغرب العربي والأندلس، ولكل إقليم من هذه الأقاليم الكبار قسم أو مجموعة أقسام تتناول أدباءها من أمراء ووزراء وكتاب وشعراء وفقهاء وزهاد.
والذي نهتم له هنا في هذا المقام هو القسم الخاص بالأندلس من كتاب "المغرب في حلى المغرب".
ومن الطرائف حول هذا الكتاب أنه ألف في مائة وخمس عشرة سنة، وقبل أن يتساءل المرء عن كيفية تأليف كتاب في هذه المدة المفرطة الطول نسارع إلى تقرير أن الكتاب لم يقم بتأليفه عالم واحد، وإنما قام بذلك ستة علماء، أربعة منهم وزراء الواحد منهم بعد الآخر أولهم شاعر عالم، هو أبو محمد عبد الله الحجاري وبقيتهم خسمة من آل سعيد هم الأمير الوزير عبد الملك بن سعيد ثم خلفه على العمل نفسه ولداه أبو جعفر أحمد، ومحمد، ثم موسى بن محمد، ثم علي بن موسى.
إنه نهج جديد في تاريخ التأليف حين يبدأ رأس الأسرة تأليف كتاب، وما يزال أبناؤه وأحفاده يتناولونه بالزيادة من واقع آداب عصرهم حتى يأخذ صورة مكتملة ناضجة فينشره الحفيد على الناس.
وتبدأ فكرة الكتاب حين وفد أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري على القائد الأمير عبد الملك بن سعيد، ومثل بين يديه في قلعة بني سعيد غير بعيد عن غرناطة، وكان ذلك سنة
стр. 408
٥٣٠هـ وأنشده قصيدة في مديحه يقول فيها١:
عليك أحالني الذكر الجميل ... فجئت ومن ثنائك لي دليل
أتيت ولم أقدم من رسول ... لأن القلب كان هو الرسول
وهي قصيدة رائعة الأنغام عذبة المعاني والإيقاع، وفيها يصف نفسه وشكله البدوي وذكاءه وفطنته قائلًا:
أجل طرفًا لدي فإن عندي ... من الآداب ما يحوي الخليل
ومثلني بدن فيه سر ... يخف به ومنظره ثقيل
فنال الحجاري عند ابن سعيد حظوة، ومكانة وقربه إليه ولمس فيه القدرة على التأليف الأدبي لكثرة محفوظه وسعة اطلاعه، فطلب إليه تصنيف كتاب في لطائف الشعر وطرائف النثر فكتب له كتاب -أسماه "المسهب في غرائب المغرب" في نحو ستة أسفار، بدأه من فتح الأندلس حتى تاريخ كتابته وهو سنة ٥٣٠هـ فأعجب به أيما إعجاب، وجعل يطيل القراءة فيه، ثم ثار في خاطره أن يضيف إليه ما أغفله الحجاري٢ بحيث أضفى على الكتاب من أدبه وعقله ما جعله يتخذ شكلًا آخر.
فلما مات عبد الملك بن سعيد، تولى أمر الكتاب عناية وزيادة وإضافة ولداه أبو جعفر أحمد الذي اتخذه عثمان بن عبد المؤمن وزيرًا له ثم ما لبث أن قتله غيرة منه لتعلق الشاعرة حفصة بنت الحاج الركونية بحبه وكان عثمان يهواها، وأبو جعفر هو أشعر بني سعيد ونجم لامع من فرسان الشعر والتوشيح في الأندلس٣. قام أبو جعفر على السير قدمًا بالكتاب الذي بدأه الحجاري وتابعه عبد الملك والد أبي جعفر.
فلما قتل أبو جعفر سنة ٥٥٠ هجرية تابع الجهد العلمي أخوه عبد الله محمد بن عبد الملك، وكان بنو عبد المؤمن الموحدون قد استوزروه وولوه أعمال إشبيلية وغرناطة ثم سلا بأقصى الغرب، وكان محمد وزيرًا جليلًا ذا همة وعلم وشمائل، ولقد عرف بالعلم والسياسة أكثر مما عرف بالشعر، وكان الشعراء ينتجعون ساحته فيجزل لهم العطاء تقديرًا للشعر وليس
стр. 409
أجرًا للمديح، مدحه الرصافي البلنسي بقصيدة جميلة طويلة قال في بعضها١:
إن الكرام بني سعيد كلما ... ورثوا العلا والمجد أوحد أوحدا
قسموا المعالي بالسواء وفضلوا ... فيها عمادهم الكبير محمدا
وعلى يدي محمد هذا بني الجامع الأعظم بإشبيلية وتوفي في غرناطة سنة ٥٨٩هـ عن خمسة وسبعين عامًا.
ومن محمد بن عبد الملك تلقف الكتاب ولده موسى بن محمد، وكان عظيمًا كأبيه له مشاركة في السياسة شأن بقية أسرته، وله في الوقت نفسه إقبال على العلم وشغف بالقراءة والاطلاع ملك عليه حياته، لقد كان واليًا على الجزيرة الخضراء في جنوب الأندلس من قبل المتوكل بن هود، فلما مات المتوكل ترك السياسة، وتفرغ للعلم والاطلاع، والتأليف، والرحلة لجمع المعرفة، واتجه إلى المشرق لأداء فريضة الحج مصطحبًا ولده عليًّا، فتوقفا بعض الوقت في تونس، ثم مضيا في طريقهما حتى وصلا إلى الإسكندرية فمكثا فيها بعض الوقت لتعثر الرحلة إلى الحجاز، غير أن المنية عاجلته حيث هو سنة ٦٤٠هـ ولقد كان موسى ذا فضل وفير، وهل هناك أفضل من رجل مرموق في السياسة والحكم يتركهما طائعًا لكي يتفرغ للعلم والرحلة في سبيل المعرفة، إن ولده يقول عنه: لولا أنه والدي لأطنبت في ذكره ووفيته حق قدره، وله في هذا الكتاب -أي كتاب المغرب- الحظ الأوفر، وكان أشغفهم بالتاريخ -أي أشغف بني سعيد- وأعلمهم به، وجال كثيرًا إلى أن انتهى به العمر بالإسكندرية٢.
وهناك الكثير من الأمثلة التي تروى عن مدى تعلق موسى بالعلم والعلماء، والكتب، والصحف حتى وهو أمير على الجزيرة الخضراء، فقد علم أن لدى بعض المنسوبين إلى بيت نباهة كراريس وقال: علي يمين ألا تخرج من منزلي وإن كانت له حاجة فليأتِ على رأسه، فلم تأخذه عزة الإمارة، بل ضحك وطلب إلى ابنه علي أن يسير معه إليه، فقال علي: ومن يكون حتى نمشي إليه على هذه الصورة؟ فقال موسى: إني لا أمشي إليه، ولكن أمشي إلى الفضلاء الذين تضمنت الكراريس أشعارهم وأخبارهم، واستطرد قائلًا: أتراهم لو كانوا أحياء مجتمعين في موضع أنفت أن أمشي إليهم؟ فقال علي: لا فقال إن الأثر ينوب عن
стр. 410
العين. وذهبا فاطلعا على الكراريس، وشكر موسى لصاحبها ثم قال لابنه: "إني سررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية، وإن هذا والله أول السعادة وعنوان نجاحها"١.
وفي مقام ترجمة علي بن موسى لوالده الأمير موسى بن سعيد الذي نحن بصدده تقديم شيء من أخباره قوله: "ومما شاهدت من عجائبه -أي من عجائب موسى- أنه عاش سبعًا وستين سنة، ولم أره يومًا تخلى عن مطالعة كتاب أو كتابة ما يخلده، حتى إن أيام الأعياد لا يخليها من ذلك، ولقد دخلت عليه في يوم عيد، وهو في جهد عظيم من الكتب "الكتابة"، فقلت له: يا سيدي أفي هذا اليوم لا تستريح؟ فنظر إلي كالمغضب وقال: أظنك لا تفلح أبدًا، أترى الراحة في غير هذا؟ والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها، ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب "المغرب" على غرضي"٢.
إن مثل هذا الأمير العالم الجليل للكتب المغرق في القراءة الدائب على الاطلاع لا بد وأن يكون إسهامه في الكتاب الذي يؤلفه أبوه وعمه وجده والحجاري إسهامًا نفيسًا ذا نفع وقيمة وأثر.
تنتهي حياة الأمير الوزير العالم الأديب الشاعر المؤلف موسى بن محمد بن عبد الله بن سعيد على النحو الذي ذكرنا بالإسكندرية، فينهض بالعمل في إتمام كتاب "المغرب" ولده علي بن موسى الذي كان قد أرسله أبوه إلى إشبيلية لينهل من مصادر العلم فيها ويتثقف على كبار علمائها آنئذ، وكانت تضم حفنة من أعلام العصر المرموقين، ويكون زميله في الدراسة إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الذي صار فيما بعد واحدًا من ألمع وزراء الأندلس وأرق شعرائها وأبرع وشاحيها.
ولئن أصاب إبراهيم بن سهل الإسرائيلي شهرته العريضة في ثنايا التاريخ بفنه الرقيق، وشعره العذب وتواشيحه الأنيقة فإن علي بن موسى قد أصاب شهرته بالسير في الدرب الذي اختطه جده الأعلى عبد الله بن سعيد وسار فيه من بعده بقية هذه الدوحة العالمة الجليلة في تأليف كتاب "المغرب".
والحق أن علي بن موسى الذي ينتسب نسبه ونسب قومه إلى الصحابي الجليل الشهيد عمار بن ياسر كان من الإقبال على العلم والولع بالتحصيل بحيث جعله لسان الدين بن الخطيب "وسطى عقد بيته، وعلم أهله، ودرة قومه". ويمضي ابن الخطيب في إيفاء العالم الجليل حقه فيقول عنه "المصنف الأديب الرحالة، الطرفة، الأخباري العجيب الشأن في
стр. 411
التجول في الأقطار، ومداخلة الأعيان للتمتع بالخزائن العلمية، وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية"، ويعدد ابن الخطيب مؤلفات علي بن موسى ويذكر منها "المراقصات والمطربات" و"المقتطف من أزاهر الطرف" و"الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد" والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار "المغرب في حلي المغرب" و "المشرق في حلي المشرق"، كما يذكر لسان الدين أن ابن سعيد هذا "خلف "مِرُزَمَةّ" تشتمل على وقر بعير من رزم الكراريس، لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والإخبارية إلا الله"١.
لقد ولد علي سنة ٦١٠هـ في غرناطة وتوفي في تونس في حدود سنة ٦٨٥هـ وشأن كبار علماء ذلك الزمان كان لا بد للعالم الأندلسي أو المغربي من أن يرتحل إلى المشرق، وقد فعل علي ذلك، وقام برحلته الأولى في صحبة أبيه، ثم عاد لزيارة مصر مرة ثانية مرورًا بكبار المدائن في إفريقية، والتقى في مصر آنذاك بكبار شعرائها مثل بهاء الدين زهير، وجمال الدين مطروح وابن يغمور، ولقي منهم كل ترحيب وحسن ضيافة.
وتصادف أن نزل القاهرة في تلك الفترة المؤرخ المحدث كمال الدين بن العديم صاحب الموسوعة الكبيرة "بغية الطلب في تاريخ حلب" فاصطحبه معه إلى حلب وقربه إلى السلطان الناصر صاحب حلب، وأدخله عليه فأنشده قصيدة جميلة مطلعها.
جد لي بما لقي الخيال من الكرى ... لا بد للضيف الملم من القرى
ولما علم الناصر بانشغال علي بن موسى بالتأليف مكن له من الاطلاع على خزائن كتبه، ومكن له من الوصول إلى الموصل وبغداد، وكان -لشدة إعجابه بذكائه ورقة شعره- يطلق عليه البلبل.
وفي نطاق رحلته العلمية تحول أيضًا إلى دمشق، واتصل بالسلطان المعظم بن الملك الصالح، وكان ذلك حوالي سنة ٦٤٨هـ.
ويمضي علي بن موسى في الارتحال على سبيل العلم وعلى نهج العبادة فيرحل إلى البصرة، ويدخل أرجان ويحج بيت الله الحرام، ثم يعاوده الحنين إلى المغرب، فيشد رحاله إليها ويصنف كتابه النفيس "النفخة المسكية في الرحلة المكية"، ويتصل -حيث استقر في إفريقية- بالأمير أبي عبد الله المستنصر الذي يتقلب مقامه عنده بين الحظوة حينًا والجفوة حينًا آخر.
إن من كانت هذه طباعه من حب للعلم، وتلك صفاته من ولع بالرحلة لا يستطيع -
стр. 412
على الأغلب- أن يكون صاحب أسرة، ومن ثم فإن عليًّا هذا يعيش عزبًا بغير زواج، ويترجم عن ذلك بشعر لطيف١:
أنا شاعر أهوى التخلي دون ما ... زوج لكي ما تخلص الأفكار
لو كنت ذا زوج لكنك منغصا ... في كل حين رزقها أمتار
دعني أرح طول التغرب خاطري ... حتى أعود ويستقر قرار
كم قائل قد ضاع شرخ شبابه ... ما ضيعته بطالة وعقار
إذ لم أزل في العلم أجهد دائما ... حتى تأتت هذه الأبكار
مهما أرح من دون زوج لم أكن ... كلا ورزقي دائما مدرار
وإذا خرجت لفرجة هنيتها ... لا ضيعة ضاعت ولا تذكار
وإن عليًّا على علمه وفضله رقيق الشعر، عذب مأخذه، ممتنع محاكاته، رغم أنه لم يعرف في موكب الأدب كشاعر كبير، غير أن من يقرأ شعره الذي أفرد له صاحب نفح الطيب عشرات الصفحات يستطيع أن يمتع نفسه ويسر خاطره بفنون عديدة من الشعر الجميل وضروب لطيفة من الأدب البديع في الغربة، والوحشة، والحنين، وفلسفة الحياة، ووصف الطبيعة، والمساجلات والمدائح مما لا يسمح المقام هنا بالتمثل لها.
نعود إلى علي و"المغرب" وقصته مع أبيه يوم العيد، حين قال له أبوه "أظنك لا تفلح أبدًا" إلى آخر ما أوردنا. يقول علي تعليقًا على كلام أبيه "فأثار ذلك خاطري إلى أن صرت مثله لا ألتذ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشعر ولولا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه". ومعنى ذلك أن كتاب "المُغرب في أخبار المغرب" قد اكتمل تأليفه، وخرج على الناس في صورته الأخيرة على يد علي بن موسى، ويكون بين أيدي قراء العربية كتاب ذو محتوى نفيس، وصاحب أغرب قصة في تأليف الكتاب، فلقد بدأه الحجاري سنة ٥٣٠هـ وأنهاه علي بن
стр. 413
موسى سنة حوالي ٦٥٢ هـ مرورًا بعبد الملك بن سعيد، وأبي جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد، ومحمد بن عبد الملك بن سعيد، وموسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد، غير أن كلمة حق، وقد رافقنا المسيرة الطويلة لتأليف هذا الكتاب الغريب في قصة تأليفه -تدعونا إلى أن نقرر أن صاحبي الفضل الأكبر والنصيب الأوفى في إخراج هذا الكتاب إلى عالم الثقافة هما أبو الحسن علي بن موسى، وأبوه موسى بن محمد بن عبد الله بن سعيد.
بل إن كتاب "المشرق في حلى المشرق" لم يكن من تأليف علي وحده، وإنما كان قد وضع خطته ورسم فكرته مع أبيه الأمير العالم موسى بن محمد.
والجدير بالذكر أن لعلي كتابين آخرين هما "رايات المبرزين" -وهو محقق مطبوع- و"الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة" الذي حققه الأستاذ إبراهيم الإبياري ونشرته دار المعارف في القاهرة.
стр. 414
منهج "المغرب" وخصائصه:
أولًا: عمد مؤلفا الكتاب في صورته الأخيرة علي بن موسى، وأبوه إلى تصنيف الكتاب في نطاق منهج بادي الغرابة، ونعني بذلك القسم الخاص بالأندلس، فلقد سبق القول إن هناك قسمين آخرين، قسمًا خاصًّا بإفريقية وقسمًا خاصًّا بمصر، وكل منهما يتكون من عدة أسفار، فإذا ما عدنا إلى منهج القسم الخاص بالأندلسي وجدنا المؤلفين يقسمانه إلى ثمانية عشر كتابًا كل كتاب منها أسمياه "مملكة" مثل كتاب "الحلة المذهبة في حلى مملكة قرطبة" وكتاب "الذهبية الأصيلية في حلى المملكة الإشبيلية" وكتاب "الخلب في حلى مملكة شلب" وكتاب "الرياض المصونة في حلى أشبونه" وكتاب الخلب في حلى مملكة شلب" وكتاب "الرياض المصونة في حلى أشبونة" وهكذا لكل مملكة أو بالأحرى مدينة كبيرة كتاب يتكون اسمه من سجعتين تتفقان في إيقاعهما مع اسم المدينة على النسق الذي تمثلت له فيما سلف من سطور.
ولم يكتفِ المنهج بذلك، بل قسم كل مملكة إلى عديد من الكور، وجعل لك كورة كتابًا يتكون من سجعتين، فالكتاب الخاص بمملكة قرطبة، مثلًا ينقسم إلى أحد عشر كتابًا، منها على سبيل المثال: كتاب "الحلة الذهبية في الكورة القرطبية" وكتاب "الدرة المعلونة، في حلى كورة بلكونة" وكتاب "الكواكب الدرية في حلى كورة القبرية"، وكتاب "الدر النافق في حلى كورة غافق".
ولا يكتفي المؤلفان بذلك، بل يقسمان كل كتاب خاص بكورة إلى عدد من الكتب الأصغر حجمًا باعتبار البلدان المهمة في الكورة. فكتاب الكورة القرطبية مثلًا ينقسم إلى عدة أقسام صغرى منها على سبيل المثال كتاب "الصبيحة الغراء في حلى حضرة الزهراء"
стр. 415
وكتاب "البدائع الباهرة في حلى حضرة الزاهرة" وكتاب "الوردة في حلى مدينة شقندة".
ونحن نعترف أن هذا النهج من التقسيم نهج معقد يدفع بالمرء إلى التوقف، وبالدارس إلى التيه، ومن ثم فإن ضرره أكثر من نفعه، ومساوءه أكثر من محاسنه، غير أن محتويات الكتاب تشفع لهذا التعقيد وتشهد له بالفضل والنفاسة.
ثانيًا: يضم الكتاب ما يناهز ستمائة وسبعة وأربعين شاعرًا من شعراء الأندلس على مسيرة تاريخه منذ دخول عبد الرحمن بن معاوية "الداخل" حتى زمان علي بن موسى آخر المؤلفين، أي النصف الثاني من القرن السابع الهجري، هذا من الناحية الزمانية، أما من الناحية المكانية فلقد أتى المؤلفون بنماذج شعرية أو نثرية لأعيان وأدباء وشعراء كل بقعة من بقاع الأندلس على اتساع هذا الإقليم وتعدوا ذلك إلى الجزر خارج الأندلس كميورقة ومنورقة، فضلًا على جهات الثغر التي كانت حينًا من الدهر في يد المسلمين وحينًا آخر منه في يد نصارى الأسبان. وبذلك يكون للكتاب صفة الشمول الزماني "ولا نقول الكفاية الزمانية" والانتشار المكاني في الجزيرة الأندلسية.
ثالثًا: اهتم المؤلفون بالمناطق التي أنجبت كبار شعراء الأندلس، مثل مملكة قرطبة التي تمثلوا لها بمائة وسبعة وخمسين شاعرًا وأديبًا، ومملكة إشبيلية التي تمثلوا لها بسبعة وتسعين أديبًا وشاعرًا أيضًا، ومملكة إلبيرة التي تمثلوا لها بتسعة وستين شاعرًا، ومملكة طليطلة التي تمثلوا لها بأربعين شاعرًا، وكل هؤلاء الشعراء من مختلف طوائف الأندلس، منهم الملوك مثل المعتمد بن عباد، وأبيه المعتضد بن عباد، ومثل المتوكل بن المظفر، ومثل المعتصم بن صمادح. ومنهم الوزراء وهم من الكثرة بمكان، مثل ابن زيدون، وابن عمار، وابن عبدون، وبني سعيد وغيرهم. ومنهم علماء اللغة والأطباء، والموسيقيون، والزهاد وأبناء العامة كما أن الكتاب لم يغفل الترجمة والاستشهادات الكثيرة المنتقاة للشاعرات النساء مثل: حمدونة بنت زياد، وولادة بنت المستكفي ومهجة بنت التياني، ونزهون بنت القلاعي، وحفصة بنت الحاج الركونية وحفصة بنت حمدون الحجارية. كما ترجم الكتاب وجاء بنماذج لشعراء من غير العرب وغير المسلمين مثل إسحاق بن شمعون اليهودي الموسيقي القرطبي وحسداي بن يوسف بن حسداي الإسرائيلي، وإبراهيم بن سهل الإسرائيلي الذي أسلم فيما بعد، وقسمونة بنت إسماعيل اليهودية. ومن النصارى ترجم الكتاب لعدد من شعرائهم وكان بعضهم على جانب مرضٍ من الإجادة وقدر وفير من الإبداع مثل ابن المرعز الإشبيلي وابن غرسيه وكان لكل منهما نثر بديع وشعر رقيق، وبذلك يكون الكتاب قد شمل الترجمة لكل طوائف الأندلس من رجال ونساء، وعرب وبربر ومولدين ونصارى ويهود، وقواد وأمراء وعامة.
стр. 416
رابعًا: لم يقف نشاط مؤلفي الكتاب عند ذلك الشعر المألوف وحده والنثر المعهود، وإنما أتوا بنماذج عديدة للفنون المستحدثة التي اكتمل نضجها أو ترعرع نماؤها في أرض الأندلس مثل الموشحات بأنواعها المختلفة وموضوعاتها العديدة، ومثل الزجل ومشهوري الوشاحين والزجالين، والكتاب من هذه الناحية يعتبر مصدرًا أساسًا لكل من يريد من الدارسين أن يتمثل لكل من التوشيح والزجل منظورًا متغيرًا متفرعًا ناميًا.
خامسًا: لا يقتصر الكتاب على الأدب وحده، وإنما يتناول الأحداث التاريخية والتطورات السياسية والفتن الزمانية بقدر غير قليل من التفصيل بحيث لا يستطيع المؤرخ الأندلسي -لكي يستقيم له منهجه- أن يكون بمنأى عن "المغرب".
فلقد كتب تاريخ بني أمية في الأندلس أمرائهم وحروبهم وسفاراتهم كما اهتم بملوك الطوائف والمرابطين والموحدين وما جرى في أيامهم من فتوح وحروب وانتصارات وهزائم وفتن، وقلاقل وأحداث.
هذا فضلًا عن الوصف الجغرافي لكثير من البلاد والملامح الاجتماعية التي يمكن استخلاصها صافية دقيقة من أحداث الكتاب وأخباره.
سادسًا: أما من ناحية مصادر الكتاب فإنه قد اعتمد على الكثير من الكتب الأندلسية والمغربية والعديد من المصادر المشرقية، فمن الكتب الأندلسية اعتمد على "المسهب" للحجاري الذي هو أصل الكتاب، و"المقتبس" لابن حيان القرطبي و"نقط العروس" لابن حزم، و"الذخيرة" لابن بسام، و"قلائد العقيان" للفتح بن خاقان، و"بغية الملتمس" للمرسي الضبي، و"جذوة المقتبس" للحميدي و"سقيط الدرر ولقيط الزهر" لابن اللبانة، و"سمط الجمان" لابن الإمام، و"المطرب من أشعار المغرب" لابن دحية، و"فرحة الأنفس" لابن غالب.
هذا فضلًا عن المشاهدة ومخالطة أدباء الزمان وجمع شعرهم وأدبهم والترجمة لأخبارهم والتعريف بتاريخهم، فقد كان يجالسهم ويعايشهم ويستنشدهم أشعارهم ويستمليهم نثرهم.
ولم يقصر مؤلفو الكتاب في الاستعانة ببعض المراجع المشرقية الهامة مثل "يتيمة الدهر" للثعالبي و"خريدة القصر" للعماد الأصفهاني، و"عقود الجمان" للكمال بن الشعار.
سابعًا: وإذا كانت هناك ثمة مآخذ على منهج الكتاب ومحتواه فهو إغفال ذكر ميلاد ووفاة كثير من الأدباء والشعراء والأعيان الذين ترجم لهم، كما أنه من ناحية أخرى -لكي يزيد في عدد أعيان كتابه- كان يذكر الواحد منهم ولا يذكر له أكثر من بيتين اثنين، بل كثيرًا
стр. 417
ما كان يذكر الأديب ويتبع ذكره بخبر واحد عنه في سطر أو بعض سطر.
ومهما يكن من أمر فإن كتاب "المغرب في حلى المغرب" واحد من فرائد كتب الأدب الأندلسي محتوى وخبرًا وطريقة تأليف، ولعله الكتاب العلمي الوحيد الذي قام على تأليفه علماء ينتسبون إلى أجيال متتابعة لم تتعاصر على مدى يزيد على قرن وربع قرن من الزمن.
стр. 418
الفصل الرابع: مؤلفات علي بن موسى بن سعيد:
رايات المبرزين، القدح المعلى، الغصون اليانعة:
سبقت الإشارة إلى أن ابن سعيد علي بن موسى قد كان كثير التأليف، حليف أسفار، وسبقت الإشارة إلى أن تآليفه في الأدب والتراجم والاختيارات من الكثرة والنفاسة بمكان، وها نحن أمام ثلاثة كتب أخرى تعتبر من المصادر الأصيلة لتاريخ الأدب الأندلسي ورجاله ومادته.
١- أول هذه الكتب: "رايات المبرزين وغايات المميزين"، ولا نستطيع أن نعتبر هذا العمل كتابًا قائمًا بذاته؛ لأنه في حقيقة أمره مجموعة مختارات من الكتاب الكبير "المغرب في حلى المغرب". لقد سبق القول إن ابن سعيد عليًّا قد زار مصر غير مرة، وطالت إقامته فيها بعض الوقت في إحدى هذه الرحلات، وكان يلي نيابة السلطة آنذاك ابن يغمور الذي اشتهر بالأدب والفضل وتشجيعه العلماء ومصاحبة الأدباء، وكانت الصلة قد توثقت بين نائب السلطان وبين ابن سعيد، فطلب ابن يغمور إليه أن ينتخب له خير ما في كتاب "المغرب" من شعر الأندلسيين والمغاربة والصقليين، فاستجاب له ابن سعيد وقام على اختيار نصوص المختارات وأعمل فيها ذوقه الشعري وحكم في انتقائها حسه الأدبي، ورتبها بين دفتي كتاب أطلق عليه العنوان الذي ذكرنا، ولا يكاد يصدق المثل الذي يقول "يقرأ الكتاب من عنوانه "صدقه على هذا الكتاب، فإنه "أي رايات المبرزين" على صغر حجمه وقصر نصوصه يضم أرق وأنضر ما أنشأه شعراء بلاد المغرب والأندلس وجزيرة صقلية. وقد قام على تحقيقه المستشرق إميليو غرسيه غومس الأستاذ في جامعة مدريد سابقًا.
стр. 419
٢- وثاني هذه الكتب لمؤلفنا الكبير كتابه "القدح المعلى في التاريخ المحلى" وهو كتاب كبير يذكر مؤرخو الأدب أنه يضم العديد من المجلدات، ولم يكن كتاب "القدح المعلى" خاصًّا بأدب الأندلس والمغرب وأدبائهما -فحسب. فإن هذه الآداب كانت موضوع الجزء الأول من الكتاب- بل شمل الكتاب مراحل باكرة من مراحل الأدب العربي وتاريخه، فإن القسم الثاني من "القدح المعلى" يطلق عليه كتاب "نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب" ثم يتلوه قسم ثالث هو "مصابيح الظلام في تاريخ الإسلام".
هذا وكتاب "القدح المعلى".. لم يصل إلينا، وإنما الذي بين أيدينا اختصار له أعده أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل، وقد حققه إبراهيم الإبياري تحت إشراف الدكتور طه حسين. ويختلف كتاب "القدح المعلى.." عن أخيه الأكبر "المغرب.." وعن أخيه الأصغر "رايات المبرزين.." بأنه مختص برجال عصره وحدهم دون سواهم، أولئك الذين رأى أكثرهم وجالس بعضهم، ونادم لفيفًا منهم، ورافق ثلة منهم مقيمًا وظاعنًا.
ويضم "اختصار القدح" سبعين ترجمة لأعلام العصر، يجري فيها المؤلف على سجيته ويستجيب لقلمه إطالة وتفصيلًا، ولا بأس من أن يكون المؤلف قد أورد لبعضهم ترجمة في المغرب من قبل، ولكن فرقًا كبيرًا في التفصيل وكثرة إيراد النصوص يبدو واضحًا أيما وضوح في "القدح" أكثر منه في المغرب، فعلى سبيل المثال يترجم ابن سعيد في "القدح" للرئيس أبي عثمان سعيد بن حكم في أربع عشرة صحيفة مع إيراد الكثير من نصوص شعره بينما لا يذكر له في "المغرب" أكثر من بيتين اثنين١ ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن ابن سعيد في ترجمته لصديقه إبراهيم بن سهل الإسرائيلي في كل من الكتابين، فحين لا يعرف به في "المغرب.." بأكثر من ثلاثة سطور، ولا يورد له أكثر من ثلاثة أبيات٢ من الشعر، نجده يفرد له في "القدح المعلى.." أو بالأحرى "اختصار القدح" ثلاث عشرة صحيفة مثبتًا له الكثير من النصوص الشعرية المتنوعة الموضوعات والأشكال والألوان٣.
هذا ويتميز "القدح المعلى.." من "المغرب.." بأنه يضم ترجمات مطولة نوعًا ونتاجًا شعريًّا ونصوصًا نثريًّة لكثير من أعلام عصره النجباء الذين لم يسبق أن ذكرهم أو ترجم لهم في كتابه الكبير "المغرب.." ومن ثم فإن كتاب اختصار القدح المعلى.." و"القدح المعلى.." نفسه - إذا عثر عليه مصدر نفيس للأدب الأندلسي رجالًا وأعيانًا، تاريخًا
стр. 420
وأخبارًا، شعرًا ونثرًا، لكل من يعرض للأدب الأندلسي بالدراسة.
٣- وثالث هذه الكتب هو كتاب "الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة" الذي حققه محقق "اختصار القدح المعلى" إبراهيم الإبياري، كما هو واضح من عنوان الكتاب نعرف أنه من نوع كتب التراجم، ولكنه لا يترجم إلا لطبقة معينة من الأعيان هم الشعراء وحدهم، ولقد بدأ علي بن سعيد كتابة "الغصون" سنة ٦٥٧هـ ستمائة وسبع وخمسين في تونس، وكان إذ ذاك في خدمة أميرها المستنصر الأول محمد بن يحيى الحفصي، ولقد أهدى كتابه هذا للأمير المذكور.
ويبدو أن كتاب "الغصون اليانعة.." واحد من مجموعة كتب ألفها ابن سعيد عن الشعراء، وضمها جميعًا بين دفتي كتاب كبير أسماه "جامع طبقات الشعراء".
وتدل خطبة الكتاب في نسخته المخطوطة على أن الشاعر ترجم للشعراء الذين ضمتهم الغصون حتى سنة وفاته، وهي ستمائة وخمس وثمانون، والكتاب حسب حديث المؤلف قد رتب على ثلاثة أقسام: قسم ضم تراجم الذين تحققت سنوات وفاتهم، وقسم ثانٍ ضم تراجم الذين لم يقف لهم على ذلك، وقسم ثالث في من استقر العلم على حياته عند انتهاء عمر المؤلف.
غير أن النسخة المطبوعة التي بين أيدينا لا تضم سوى سبعة وعشرين شاعرًا بين سنتي ٦٠٠ و ٦٠٥، وبذلك يكون القدر الذي وصل إلينا من الغصون اليانعة لا يمثل إلا قسمًا صغيرًا من هذا الكتاب النفيس الكبير.
ومع ذلك فلهذا القسم من الكتاب ميزات ظاهرة، أولها أنه لم يقتصر على شعراء قطر بعينه، وإنما ينتمي الشعراء السبعة والعشرون إلى أقطار عدة مشرقًا ومغربًا، سبعة منهم من العراق، وواحد من الجزيرة، وخمسة من بلاد الشام، ومصريان، وخمسة من المغاربة، وسبعة من الأندلس.
وثانيها أن المؤلف لا يكاد يذكر خبرًا أو نصًّا إلا ويتبعه بذكر المصدر الذي استقى الخبر أو النص منه، بحيث إننا لو قمنا بإحصاء للمصادر التي ذكرها ابن سعيد في متن الغصون لتجمع لدينا كنز ثمين من أسماء الكتب النفيسة التي بقي أقلها وضاع أكثرها، بل بقي أقل قليلها وضاع أكثر كثيرها.
стр. 421
الفصل الخامس: كتب التراجم في الأندلس:
كتب التراجم لأدباء الأندلس وأعلامها:
تشكل كتب التراجم مصدرًا هامًّا من مصادر التاريخ والأدب على مسيرة فكرنا وأدبنا مشرقًا ومغربًا، قديمًا ووسيطًا وحديثًا. وكما أن المشارقة لهم كتبهم في التراجم التي أفردنا لها بابًا في ما سبق من فصول هذا الكتاب، فإن للأندلسيين طائفة من الكتب تترجم لأعيانهم علماء وأدباء.
стр. 422
سلسة كتب تاريخ علماء الأندلس والصلة وتكملة الصلة
...
سلسلة كتب تاريخ علماء الأندلس، والصلة وتكملة الصلة:
ولعل أول كتاب يصادفنا هو كتاب "تاريخ علماء الأندلس" لأبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي، والمتوفى سنة ٤٠٣ قتيلًا بقرطبة إبان فتنة الأمويين.
وابن الفرضي هذا يلتزم في كتابه نهج الترجمة المختصرة لفقهاء الأندلس وعلمائها ورواتها، مرتبًا إياهم على حروف المعجم، وإذا كان عنوان الكتاب يشير إلى العلماء بمعنى الفقهاء ورواة الحديث، فإنه لم يهمل الترجمة لعدد غير قليل من الأدباء والشعراء، ويجعل لكل اسم بابًا، فيفرد بابًا مثلًا تحت عنوان "باب إسماعيل" ويترجم لكل إسماعيل أندلسي في سطور قليلة لينتهي من ترجمة هؤلاء ويبدأ في ترجمة "إسحاق" ثم "أسد" إلى "باب أسامة" إلى "باب أسعد" وهكذا حتى ينتهي إلى "باب يونس"، ولا يأتي بنصوص لمن ترجم لهم، بل يذكر ميلادهم ووفاتهم وصفاتهم وأعمالهم والبلاد التي قطنوها أو ارتحلوا إليها.
ويجيء بعد ذلك من يكمل لابن الفرضي عمله في الترجمة لعلماء الأندلس وأعيانها
стр. 423
وأعلامها وأدبائها حين يصنف أبو العباس خلف بن عبد الملك المعروف بابن بشكوال كتاب "الصلة" المتوفى سنة ٥٧٨هـ وينهج ابن بشكوال في كتابه نهج أستاذه من حيث تبويب الأسماء على حروف المعجم كل اسم في باب، وذكر ميلاد ووفاة وإقامة وصفة ورحلة وشيوخ المترجم له، وهو أكثر اهتمامًا بالأدباء والشعراء من ابن الفرضي، فلا يكاد يذكر شاعرًا إلا ويورد له مختارات من شعره يرصع بها صفحات كتابه النفيس الطويل.
والجدير بالذكر أن "الصلة" ليس الوحيد لابن بشكوال هذا، بل لقد ذكر المؤرخ أنه ألف ما يزيد على خمسين كتابًا.
وتمضي هذه السلسلة التي بدأت حلقتها بابن الفرضي وتلاه ابن بشكوال قدمًا حين يجيء عالم آخر كاتب شاعر وزير أديب هو محمد بن عبد الله أبو بكر القضناعي البلنسي مولدًا المعروف بابن الأبار المتوفى سنة ٦٥٨ هـ في تونس ليؤلف ذيلًا لكتاب "الصلة" يسميه "التكملة لكتاب الصلة" ويسير على نهج سلفيه من حيث الترجمة للملوك والعلماء والأعلام والأدباء الأندلسيين مرتبًا أسماءهم على حروف المعجم.
إن هؤلاء الثلاثة، ابن الفرضي وابن بشكوال وابن الأبار ليذكروننا بثلاثة مشارقة نهجوا هذا المنهج هم ابن خلكان في وفياته، وابن شاكر الكتبي في "فوات الوفيات" وصلاح الدين الصفدي في "الوافي بالوفيات".
هذا وما دمنا بصدد الحديث عن ابن الأبار فإننا نذكر له كتابين آخرين نفيسين هما "الحلة السيراء" و"تحفة القادم" وكل من الكتابين سفر نفيس يحوي أخبار التاريخ، وفنون الكتابة، وروائع الشعر، ولئن كان كتاب "الحلة السيراء" بين أيدينا ننهل منه فإن كتاب "تحفة القادم" لا يزال بعيدًا عنا، ولكن زبدته الأدبية مستخلصة في كتاب أطلق عليه مصنفه "المقتضب من كتاب تحفة القادم". أما ذلك الذي اقتضبه فهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البلفيقي.
والمقتضب يترجم لعدد من الشعراء الأندلسيين والمغاربة الذين وردت أسماؤهم وتراجمهم في "تحفة القادم" ما بين سنتي ٥١٩ و ٦٣٤هـ.
والحق أن "المقتضب" من "تحفة القادم" يمثل باقة يانعة من الشعر الأندلسي الحسن الانتقاء، بحيث يورد المصنف اسم الشاعر وبعض خبره مقتضبًا، ثم يتبع ذلك بأنموذج أو أكثر قد أحسن انتقاءه وأبدع اختياره. وهذا المقتضب كتاب أدب خالص ومصدر ثمين لمن يتعشق عذب الشعر ورائق الأدب.
стр. 424
المطرب في أشعار أهل المغرب:
وهذا مصدر آخر من مصادر الأدب الأندلسي له سمعة طيبة ومكانة حسنة وعند جمهرة المتخصصين والدارسين، ألفه ابن دحية أبو حفص عمر بن الحسن بن علي المولود في بلنسية سنة ٥٤٧ أو ٥٤٨ حسب اختلاف الروايات، والمتوفى في القاهرة والمدفون بسفح المقطم سنة ٦٣٣هـ، فيكون بذلك أندلسي المولد والنشأة، مغربي الشباب والتكوين، مصري الإنتاج والوفاة، شأنه في ذلك شأن الكثرة الوافرة من العلماء والأدباء والشعراء من معاصريه، حيث كانت الرحلة بين المشرق والمغرب العنصر الأساسي في حياة الأديب، ولم تكن الرحلة مجرد أسفار، وإنما كانت إقامة تمتد لسنين عدة، وتوفرًا على الدرس والتحصيل، وتلقيًا من المشايخ والأساتذة في مدينة بعينها أو إقليم بعينه، ويتكرر هذا الحال في العديد من البلدان مع العديد من الأعيان.
وابن دحية الكلبي لم يكن مؤلفًا ومصنفًا فحسب بل كان كاتبًا بارعًا وشاعرًا مبدعًا ولغويًّا ثبتًا، وقاضيًا مرموقًا، تولى قضاء "دانية" في الأندلس واشتغل أستاذًا للملك الكامل الأيوبي ابن الملك العادل حين كان الأول وليًّا للعهد.
وقد أحصى المؤرخون لابن دحية اثني عشر كتابًا، بعضها في الأدب "كالمطرب" الذي نحن بصدد الحديث عنه، و "مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين". وبعضها في التاريخ مثل "النبراس في أخبار بني العباس" و "الإعلام المبين في المفاضلة بين أهل صفين" كما اهتم بأخبار الرسول ﷺ ، فهو أحد الأحفاد البررة من ناحية جدته لأبيه الزهراء فاطمة البتول، فمن مؤلفاته في هذا السبيل "الآيات البينات في ذكر ما في أعضاء رسول الله ﷺ من المعجزات" و"التنوير في مولد السراج المنير" و"شرح أسماء النبي". كما كان صاحبنا من مؤلفي كتب المعاجم، فإن له "المعجم في أسماء من لقي من أهل العلم".
أما كتاب "المطرب في أشعار أهل المغرب" فهو أشبه بكراسة أو بكناشة منه إلى كتاب واضح المنهج، إنه يضم مختارات لطائفة من شعراء الأندلس وإفريقية وصقلية وجزر البليار، ابتداء من القرن الثاني من أمثال يحيى الغزال، مارًّا بالقرون حتى يصل إلى أوائل القرن السابع الذي عاش فيه، وهو لا يكاد يطيل في الترجمة لشاعره بأكثر من صفحتين كما أنه يوجز في بعض الأحيان إلى إيراد البيتين أو الثلاثة، لكنه ينتقي بحاسة الأديب النصوص التي يوردها لكل شاعر أو أديب، وفي الكتاب مسحة تاريخية، فهو يتحدث عن بعض الدول والملوك والسلاطين، ويترجم لهم مثل قيام دولة الموحدين، وتغلب الملثمين على الأندلس،
стр. 425
ومثل سفارة الغزال إلى بلاد المجوس ويذكر بعض الأحداث التاريخية والوقائع الحربية مثل الزلاقة، وغيرها من المعارك التي شهدتها الأندلس والمغرب.
ومن منطلق عدم التزامه بمنهج معين فإن ابن دحية يترجم لشاعر بعينه مثل ابن الزقاق ويأتي له بمقتطفات من شعره، ثم ينتقل إلى الترجمة لشاعر آخر، ولا يكاد يقطع في هذا السبيل شوطًا قصيرًا حتى يتذكر مقطوعات أخرى فيعود إليه ليثبت ما فاته إثباته ويورد له المزيد من مقطوعاته الشعرية، ولقد فعل الصنيع عينه مع أبي إسحاق ابن خفاجة حين أتيت له مقطوعات في صفحات عدة من كتاب "المطرب".
ويعمد ابن دحية إلى تخصيص فصول بعينها لموضوع بذاته على صفحات كتابه، فيخصص على سبيل المثال فصلًا للنرجس، ويأتي بفقرات شعرية فيه لأكثر من شاعر، أو فصل في الرياح ويفعل الصنيع نفسه. وقد يحشر نكتة لطيفة ذات دلالة نحوية ينثرها هنا وهناك على صفحات كتابه.
ومجمل القول في "المطرب" أننا نطرب لمحتواه، لكننا نتعب في متابعته لخروجه على المنهج المألوف في تصنيف الكتب ونده عن المنهج المألوف في تصنيف الكتب ونده عن المنهج السوي في تقديم مادته لقارئه.
هذا ومن الكتب الهامة في فصل التراجم كتاب الكتيبة الكامنة للوزير لسان الدين بن الخطيب، وقد رأينا أن يكون الحديث عنها مرتبطًا بالحديث عن لسان الدين، إذ إنه يحتاج إلى شيء من التعريف به لفضله على الدراسات الأندلسية، وهو ما سوف نعرض له في الفصل التالي.