الفصل الخامس: كتب التراجم في الأندلس:
كتب التراجم لأدباء الأندلس وأعلامها:
تشكل كتب التراجم مصدرًا هامًّا من مصادر التاريخ والأدب على مسيرة فكرنا وأدبنا مشرقًا ومغربًا، قديمًا ووسيطًا وحديثًا. وكما أن المشارقة لهم كتبهم في التراجم التي أفردنا لها بابًا في ما سبق من فصول هذا الكتاب، فإن للأندلسيين طائفة من الكتب تترجم لأعيانهم علماء وأدباء.
стр. 422
سلسة كتب تاريخ علماء الأندلس والصلة وتكملة الصلة
...
سلسلة كتب تاريخ علماء الأندلس، والصلة وتكملة الصلة:
ولعل أول كتاب يصادفنا هو كتاب "تاريخ علماء الأندلس" لأبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي، والمتوفى سنة ٤٠٣ قتيلًا بقرطبة إبان فتنة الأمويين.
وابن الفرضي هذا يلتزم في كتابه نهج الترجمة المختصرة لفقهاء الأندلس وعلمائها ورواتها، مرتبًا إياهم على حروف المعجم، وإذا كان عنوان الكتاب يشير إلى العلماء بمعنى الفقهاء ورواة الحديث، فإنه لم يهمل الترجمة لعدد غير قليل من الأدباء والشعراء، ويجعل لكل اسم بابًا، فيفرد بابًا مثلًا تحت عنوان "باب إسماعيل" ويترجم لكل إسماعيل أندلسي في سطور قليلة لينتهي من ترجمة هؤلاء ويبدأ في ترجمة "إسحاق" ثم "أسد" إلى "باب أسامة" إلى "باب أسعد" وهكذا حتى ينتهي إلى "باب يونس"، ولا يأتي بنصوص لمن ترجم لهم، بل يذكر ميلادهم ووفاتهم وصفاتهم وأعمالهم والبلاد التي قطنوها أو ارتحلوا إليها.
ويجيء بعد ذلك من يكمل لابن الفرضي عمله في الترجمة لعلماء الأندلس وأعيانها
стр. 423
وأعلامها وأدبائها حين يصنف أبو العباس خلف بن عبد الملك المعروف بابن بشكوال كتاب "الصلة" المتوفى سنة ٥٧٨هـ وينهج ابن بشكوال في كتابه نهج أستاذه من حيث تبويب الأسماء على حروف المعجم كل اسم في باب، وذكر ميلاد ووفاة وإقامة وصفة ورحلة وشيوخ المترجم له، وهو أكثر اهتمامًا بالأدباء والشعراء من ابن الفرضي، فلا يكاد يذكر شاعرًا إلا ويورد له مختارات من شعره يرصع بها صفحات كتابه النفيس الطويل.
والجدير بالذكر أن "الصلة" ليس الوحيد لابن بشكوال هذا، بل لقد ذكر المؤرخ أنه ألف ما يزيد على خمسين كتابًا.
وتمضي هذه السلسلة التي بدأت حلقتها بابن الفرضي وتلاه ابن بشكوال قدمًا حين يجيء عالم آخر كاتب شاعر وزير أديب هو محمد بن عبد الله أبو بكر القضناعي البلنسي مولدًا المعروف بابن الأبار المتوفى سنة ٦٥٨ هـ في تونس ليؤلف ذيلًا لكتاب "الصلة" يسميه "التكملة لكتاب الصلة" ويسير على نهج سلفيه من حيث الترجمة للملوك والعلماء والأعلام والأدباء الأندلسيين مرتبًا أسماءهم على حروف المعجم.
إن هؤلاء الثلاثة، ابن الفرضي وابن بشكوال وابن الأبار ليذكروننا بثلاثة مشارقة نهجوا هذا المنهج هم ابن خلكان في وفياته، وابن شاكر الكتبي في "فوات الوفيات" وصلاح الدين الصفدي في "الوافي بالوفيات".
هذا وما دمنا بصدد الحديث عن ابن الأبار فإننا نذكر له كتابين آخرين نفيسين هما "الحلة السيراء" و"تحفة القادم" وكل من الكتابين سفر نفيس يحوي أخبار التاريخ، وفنون الكتابة، وروائع الشعر، ولئن كان كتاب "الحلة السيراء" بين أيدينا ننهل منه فإن كتاب "تحفة القادم" لا يزال بعيدًا عنا، ولكن زبدته الأدبية مستخلصة في كتاب أطلق عليه مصنفه "المقتضب من كتاب تحفة القادم". أما ذلك الذي اقتضبه فهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البلفيقي.
والمقتضب يترجم لعدد من الشعراء الأندلسيين والمغاربة الذين وردت أسماؤهم وتراجمهم في "تحفة القادم" ما بين سنتي ٥١٩ و ٦٣٤هـ.
والحق أن "المقتضب" من "تحفة القادم" يمثل باقة يانعة من الشعر الأندلسي الحسن الانتقاء، بحيث يورد المصنف اسم الشاعر وبعض خبره مقتضبًا، ثم يتبع ذلك بأنموذج أو أكثر قد أحسن انتقاءه وأبدع اختياره. وهذا المقتضب كتاب أدب خالص ومصدر ثمين لمن يتعشق عذب الشعر ورائق الأدب.
стр. 424
المطرب في أشعار أهل المغرب:
وهذا مصدر آخر من مصادر الأدب الأندلسي له سمعة طيبة ومكانة حسنة وعند جمهرة المتخصصين والدارسين، ألفه ابن دحية أبو حفص عمر بن الحسن بن علي المولود في بلنسية سنة ٥٤٧ أو ٥٤٨ حسب اختلاف الروايات، والمتوفى في القاهرة والمدفون بسفح المقطم سنة ٦٣٣هـ، فيكون بذلك أندلسي المولد والنشأة، مغربي الشباب والتكوين، مصري الإنتاج والوفاة، شأنه في ذلك شأن الكثرة الوافرة من العلماء والأدباء والشعراء من معاصريه، حيث كانت الرحلة بين المشرق والمغرب العنصر الأساسي في حياة الأديب، ولم تكن الرحلة مجرد أسفار، وإنما كانت إقامة تمتد لسنين عدة، وتوفرًا على الدرس والتحصيل، وتلقيًا من المشايخ والأساتذة في مدينة بعينها أو إقليم بعينه، ويتكرر هذا الحال في العديد من البلدان مع العديد من الأعيان.
وابن دحية الكلبي لم يكن مؤلفًا ومصنفًا فحسب بل كان كاتبًا بارعًا وشاعرًا مبدعًا ولغويًّا ثبتًا، وقاضيًا مرموقًا، تولى قضاء "دانية" في الأندلس واشتغل أستاذًا للملك الكامل الأيوبي ابن الملك العادل حين كان الأول وليًّا للعهد.
وقد أحصى المؤرخون لابن دحية اثني عشر كتابًا، بعضها في الأدب "كالمطرب" الذي نحن بصدد الحديث عنه، و "مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين". وبعضها في التاريخ مثل "النبراس في أخبار بني العباس" و "الإعلام المبين في المفاضلة بين أهل صفين" كما اهتم بأخبار الرسول ﷺ ، فهو أحد الأحفاد البررة من ناحية جدته لأبيه الزهراء فاطمة البتول، فمن مؤلفاته في هذا السبيل "الآيات البينات في ذكر ما في أعضاء رسول الله ﷺ من المعجزات" و"التنوير في مولد السراج المنير" و"شرح أسماء النبي". كما كان صاحبنا من مؤلفي كتب المعاجم، فإن له "المعجم في أسماء من لقي من أهل العلم".
أما كتاب "المطرب في أشعار أهل المغرب" فهو أشبه بكراسة أو بكناشة منه إلى كتاب واضح المنهج، إنه يضم مختارات لطائفة من شعراء الأندلس وإفريقية وصقلية وجزر البليار، ابتداء من القرن الثاني من أمثال يحيى الغزال، مارًّا بالقرون حتى يصل إلى أوائل القرن السابع الذي عاش فيه، وهو لا يكاد يطيل في الترجمة لشاعره بأكثر من صفحتين كما أنه يوجز في بعض الأحيان إلى إيراد البيتين أو الثلاثة، لكنه ينتقي بحاسة الأديب النصوص التي يوردها لكل شاعر أو أديب، وفي الكتاب مسحة تاريخية، فهو يتحدث عن بعض الدول والملوك والسلاطين، ويترجم لهم مثل قيام دولة الموحدين، وتغلب الملثمين على الأندلس،
стр. 425
ومثل سفارة الغزال إلى بلاد المجوس ويذكر بعض الأحداث التاريخية والوقائع الحربية مثل الزلاقة، وغيرها من المعارك التي شهدتها الأندلس والمغرب.
ومن منطلق عدم التزامه بمنهج معين فإن ابن دحية يترجم لشاعر بعينه مثل ابن الزقاق ويأتي له بمقتطفات من شعره، ثم ينتقل إلى الترجمة لشاعر آخر، ولا يكاد يقطع في هذا السبيل شوطًا قصيرًا حتى يتذكر مقطوعات أخرى فيعود إليه ليثبت ما فاته إثباته ويورد له المزيد من مقطوعاته الشعرية، ولقد فعل الصنيع عينه مع أبي إسحاق ابن خفاجة حين أتيت له مقطوعات في صفحات عدة من كتاب "المطرب".
ويعمد ابن دحية إلى تخصيص فصول بعينها لموضوع بذاته على صفحات كتابه، فيخصص على سبيل المثال فصلًا للنرجس، ويأتي بفقرات شعرية فيه لأكثر من شاعر، أو فصل في الرياح ويفعل الصنيع نفسه. وقد يحشر نكتة لطيفة ذات دلالة نحوية ينثرها هنا وهناك على صفحات كتابه.
ومجمل القول في "المطرب" أننا نطرب لمحتواه، لكننا نتعب في متابعته لخروجه على المنهج المألوف في تصنيف الكتب ونده عن المنهج المألوف في تصنيف الكتب ونده عن المنهج السوي في تقديم مادته لقارئه.
هذا ومن الكتب الهامة في فصل التراجم كتاب الكتيبة الكامنة للوزير لسان الدين بن الخطيب، وقد رأينا أن يكون الحديث عنها مرتبطًا بالحديث عن لسان الدين، إذ إنه يحتاج إلى شيء من التعريف به لفضله على الدراسات الأندلسية، وهو ما سوف نعرض له في الفصل التالي.
стр. 426
الفصل السادس: لسان الدين بن الخطيب والكتيبة الكامنة
لسان الدين
...
الفصل السادس: لسان الدين بن الخطيب والكتيبة الكامنة:
التعريف بلسان الدين:
و"الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة":
كتاب الكتيبة الكامنة واحد من الآثار الأدبية الجلية التي أهداها لسان الدين بن الخطيب إلى المعرفة الإنسانية، والتي تناهز الستين كتابًا.
غير أننا ونحن نقدم "هذه الكتيبة" للسان الدين ينبغي أن نعرف القارئ بشخصيته تعريفًا سريعًا، نقول تعريفًا سريعًا حتى لا نتهم بالتقصير، ولا ننال بإيجازنا في القول من تلك الشخصية التاريخية الإسلامية العربية الأندلسية الفذة؛ لأن التعريف بها يحتاج إلى تفصيل قد ينتهي بنا إلى كتاب أو إلى ما يشبه الكتاب.
١- إن اسمه كاملًا محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد.. السلماني، العربي صليبة، اليمنى جدودًا، القحطاني أصولًا. ولد في مدينة لوشة Loja١ غير بعيد من غرناطة غربًا سنة ٧١٣هـ في أسرة عرفت بالعلم والفضل والجاه. وكان جده الثالث "سعيد" يجلس للعلم والوعظ فعرف بالخطيب. ومن ثم فإن لقب الخطيب لحق بالأسرة منذ إقامتها في لوشة، وأما قيل ذلك، أي حين كانوا يسكنون قرطبة مع من سكنها من أوائل العرب الفاتحين فكانوا يعرفون ببني الوزير٢.
ولما كانت لوشة غير بعيدة عن العاصمة غرناطة فقد بات من الطبيعي أن ينتقل ابن
стр. 427
الخطيب إلى العاصمة حيث يعيش أبوه فيها يحتل مركزًا مرموقًا في قصر السلطان محمد بن إسماعيل أميرها، وحيث تتجمع في المدينة آنذاك صفوة علماء الأندلس في مختلف فنون المعرفة وفروعها، فدرس الفتى ابن الخطيب علوم الدين من شريعة وفقه وعلوم اللغة من نحو وصرف، وعلوم التاريخ من أحداث وأخبار، وفنون الأدب من بدائع النثر وفرائد الشعر، ثم أقبل على قراءة الفلسفة وتعلم الطب وكانت الفسلفة والطب توأمين آنذاك، من يدرس هذه يدرس تلك١. ولما مات أبوه في معركة "طريف" المشهورة التي هزمت فيها جيوش المسلمين أمام جيوش النصارى سنة ٧٤١هـ ألحقه الرئيس الوزير الكاتب الشاعر أبو الحسن ابن الجياب بالوظيفة التي كان يحتلها أبوه في ديوان الإنشاء بالقصر السلطاني ولم يكن عمره حينئذ يتعدى الثامنة والعشرين.
وينتقل الملك إلى أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل، وهو إنسان مستنير مثقف عالم شاعر، وكان إذ ذاك صغيرًا لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره ولكن الأخلاق والشيم والمروءات لا ترتبط بعمر أو سن، وإنما هي شمائل تورث وخلائق تكتسب.
ومن عادة الملوك والرؤساء المثقفين أن يختاروا وزراءهم ورجالهم من المثقفين مثلهم -فما وجدنا في التاريخ القديم والحديث والمعاصر حاكمًا جاهلًا إلا وقد أحاط نفسه بمن هم أجهل منه- ولذلك كان من الطبيعي أن يكون الرجل النابه المثقف لسان الدين وزيرًا لأبي الحجاج يوسف راعي الآداب وحامي الفنون، ثم لا يلبث لسان الدين أن يصبح سفيرًا للسلطان جامعًا السفارة إلى الوزارة ينتقل إلى الملوك في المهمات الجدلية، ويسفر إليهم في الأحداث الجليلة.
وحين مات السلطان يوسف سنة ٧٥٥هـ ولي الأمر من بعده ولده محمد الغني بالله الذي قرب إليه لسان الدين وندبه للوصاية على الأمراء والقصر، وشأن بلاط الملوك في أكثر الأزمنة لا تكاد تخلو ساحاتهم من دس ووقيعة وانقلاب، فيقوم إسماعيل بن يوسف بانقلاب ضد أخيه محمد، ويتدخل سلطان المغرب ابن سالم لينقذ رأس كل من السلطان المخلوع ووزيره لسان الدين، ويعبر السلطان السابق والوزير إلى شاطئ المغرب، فيحتفل سلطانها بهما احتفالًا عظيمًا، وينشد لسان الدين في الاحتفال قصيدة نفيسة، وكان حسن الإلقاء بارع الإنشاد يقول فيها٢:
قصدناك يا خير الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
стр. 428
كففنا بك الأيام عن غلوائها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر
وفيها يقول ذاكرًا بلاده:
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوى الذي ربى جناحي وكره ... فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر
يقول ابن خلدون وقد كان حاضرًا هذا الحفل، ثم صار وابن الخطيب صديقين: إن ابن الخطيب أبكى سامعيه تأثرًا وأسى.
ويقضي لسان الدين وسلطانه المخلوع في المغرب عامين ونصف عام، استقر لسان الدين خلالها في بلدة "سلا" ثم لا يلبث أن يعود مرة أخرى إلى غرناطة مع الغني بالله حين يسقط إسماعيل، ويصبح لسان الدين ذا الوزارتين ويغرق في السياسة إلى أذنيه، ويسطع كوكبه، وتعز مكانته حتى يشعر بالكائدين من حوله يكيدون له، والحاسدين يتربصون به، فيترك الوزارة مختارًا ويتجه إلى المغرب كي يسترح ويخلو إلى نفسه وعقله ويعايش كتبه ويجالس أشعاره وأفكاره، ويسترد صمته ويسجل ثمرة قراءاته وخبراته بالحياة التي سئمها سلطانًا وحكمًا وقلاها درعًا وزهدًا، بل إنه كان كذلك وهو يتسنم منصب ذي الرئاستين، كان بعيدًا عن كل أبهة في المظاهر، متقشفًا ظاهرًا وباطنًا، وعلى حد تعبيره وهو يصف حاله إبان الحاكم: "خامل المركب، معتمدًا على المنسأة، مستمتعًا بخلق النعل، راضيًا بغير النبيه من الثوب، مشفقًا من موافقة الغرور، هاجرًا الزخرف، صادعًا بالحق في أسواق الباطل، كافًّا عن السخال براثن السباع، ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة"١.
إن ابن الخطيب يبرئ ساحته من كثير من الاتهامات التي كانت توجه إليه من قبل الكائدين له المتربصين، وما من واحد منهم إلا وابن الخطيب صاحب فضل عليه، فقد كان تلميذه ومعاونه الأديب الشاعر محمد بن يوسف يناوئ سياسته، وتلميذه الآخر أبو عبد الله ابن زمرك الشاعر الوشاح يتهمه بالإلحاد، فقرر أن يهرب من الوزارة والإمارة وغرناطة، بل والأندلس كلها، واستأذن سلطانه ابن الأحمر في أن يتفقد الثغور، ورحل تجاه الجنوب يصحبه أحد أبنائه وبعض حرسه، فلما وصل إلى جبل طارق وكان ذلك سنة ٧٧٣هـ استقبله حاكمها -وكان جبل طارق حينئذ تابعًا لسلطان المغرب "عبد العزيز المريني" الذي كان
стр. 429
لسان الدين على سابق صلة به واتفاق معه -وأعدت له المراكب ليعبر البحر إلى سبتة على الشاطئ المغربي تاركًا متاعب الحكم وتدابير المتآمرين، ولكن شجاعته الأدبية تأبى عليه إلا أن يكتب إلى سلطانه الغني بالله بن الأحمر رسالة تعتبر من أنفس الأدب السياسي الإنساني يبدؤها قائلًا:
بانوا فمن كان باكيًا يبكي ... هذي ركاب السرى بلا شك
وينتقل إلى النص النثري من الرسالة قائلًا: مولاي، كان الله لكم، وتولى أمركم. أسلم عليكم سلام الوداع، وأدعو الله في تيسير اللقاء والاجتماع، من بعد التفرق والانصداع، وأقرر لديكم أن الإنسان أسير الأقدار، مسلوب الاختيار، متقلب في حكم الخواطر والأفكار، وأنه لا بد لكل أول من آخر، وأن التفرق لما لزم كل اثنين بموت أو حياة ولم يكن منه بد، كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب، ما وقع على الوجوه البريئة من الشرور".
ويمضي العالم المؤرخ الفيلسوف الكاتب الشاعر، الهاجر السلطان النابذ الحكم المحتقر الوزارة معتذرًا للسلطان الأحمري عن تصرفه هذا في عبارة لبقة ومعنى عميق وأسلوب رفيع بأن هذا الذي أقدم عليه من الترك والارتحال أمر من الصعوبة بمكان "ولكن سهله علي أمور: منها أن الانصراف لما لم يكن منه بد، لم يتعين على غير هذه الصورة إذ كان عندكم من باب المحال، ومنها أن مولاي لو سمح لي في غرض الانصراف، لم تكن لي قدرة على موقف وداعه، لا والله ولكان الموت أسبق إلي، وكفى بهذه الوسيلة الحسنة التي يعرفها وسيلة، ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به وظن أني لا أصدق، ومنها اغتنام المفارقة في زمن الأمان والهدنة الطويلة والاستغناء، إذ كان الانصراف المفروض ضروريًّا قبيحًا إلى غير هذه الحال، ومنها وهو أقوى الأعذار أني مهما لم أطق تمامًا هذا الأمر، أو ضاق ذرعي به لعجز أو مرض، أو خوف طريق أو نفاد زاد أو شوق غالب، رجعت رجوع الأب الشفيق إلى الولد الرضي، إذ لم أخلف ورائي مانعًا من الرجوع، من قول قبيح ولا فعل، بل خلقت الوسائل المرعية والآثار الخالدة والسيرة الجميلة ... إن فسح الله في الأمد، وقضى الحاجة، فأملى العودة إلى ولدي وتربيتي وإن قطع الأجل، فأرجو أن أكون ممن وقع أجره على الله، فإن كان تصرفي صوابًا وجاريًا على السداد، فلا يلام من أصاب، وإن كان عن حمق وفساد عقل، فلا يلام من اختل عقله وفسد مزاجه، بل يعذر، ويشفق عليه ويرحم، وإن لم يعط مولاي حقي من العدل، وجلبت الذنوب، ونشرت بعدي العيوب، فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك، ويستخضر الحسنات من
стр. 430
التربية والتعليم، وخدمة السلف، وتخليد الآثار، وتسمية الولد، وتلقيب السلطان والإرشاد إلى الأعمال الصالحة".
ويمضي ابن الخطيب طارقًا معنى آخر شجاعًا قائلًا: "وأنا قد رحلت فلا أوصيكم بمال، فهو عندي أهون متروك، ولا بولد -وكان قدر ترك كل أولاده وأهله ما عدا عليًّا- فهم رجالكم وخدامكم، ومن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم! ولا بعيال فهي من مزيات بيتكم وخواص داركم".
وينطلق ابن الخطيب إلى خطوة أكثر شجاعة وأقرب فهمًا، وأوفر اعتزازًا بالنفس، وكأنما يحذر ذلك السلطان الذي يدين للوزير الأديب بكل شيء قائلًا: "واعلموا أيضًا على جهة النصيحة أن ابن الخطيب مشهور في كل قطر، وعند كل ملك، واعتقاده وبره والسؤال عنه وذكره بميل والإذن في زيارته حنانة منكم وسعة ذرع ودهاء، فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت ثم انقشعت، وتركت الأزاهر تفوح، والمحاسن تلوح"١.
لقد عمدت إلى تسجيل جانب من رسالة الوداع هذه التي ودع لسان الخطيب بها السلطان الغني بالله وأبدى فيها جانب الاعتذار، وإن كان أقرب إلى التقريع والتحذير منها إلى المعنى الظاهر، أقول إني فعلت هذا الصنيع؛ لأني لم أقرأ -إلا في حالات أخرى قليلة- رسالة تعبر عن صميم النفس وصدق المشاعر، وخلجات الإحساس كما عبرت هذه الرسالة؛ ولأن الوزير التارك المرتحل كان يودع معاني أكثر مما يودع أشخاصًا، فإن كان لا بد من وداع الأشخاص، فقد كان يودع أهله وولده ومواطنيه أكثر مما كان يودع شخص السلطان.
غير أن رحلة لسان الدين ورسالته لم تكونا لتمرا بيسر وتسامح، فما إن غاب الرجل حتى استأسد خصومه أما ابن زمرك فقد ولي الوزارة مكانه، وأما القاضي أبو الحسن النباهي "قاضي القضاة" فقد أفتى بوجوب حرق كتب ابن الخطيب التي تناولت العقائد والأخلاق، ثم أتبع ذلك برسالة على جانب كبير من العنف والتهجم بعث بها إلى ابن الخطيب في مستقره الجديد في المغرب.
ولم يقف الأمر بخصوم ابن الخطيب عند حرق كتبه في الساحة العامة في مدينة غرناطة، بل حوكم غيابيًّا بتهمة الإلحاد والزندقة وصدر حكم يؤيد الاتهام، ثم كانت خطوة أخرى أكثر جرأة، حين أرسل الحكم إلى سلطان مراكش مع وفد من رجال الحكم في غرناطة ومطالبة السلطان بتنفيذ حكم الشرع بإعدام الأديب الضيف، فأساء السلطان لقاءهم
стр. 431
وأسمعهم قوارص الكلم، وقال لهم: "هلا أنفذتم فيه حكم الشرع، وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه" وكانت هذه الحملة سببًا في زيادة تكريم السلطان عبد العزيز للسان الدين١.
ولكن لم تمض سنة واحدة حتى يموت السلطان عبد العزيز في جمادى الاخرة ٧٧٤هـ، ولم يكن ابنه في سن تسمح له بتحمل مسئوليات الحكم فقد كان لا يزال طفلًا، وتولى الوصاية على السلطة الوزير أبو بكر بن غازي الذي انتقل مع السلطان الطفل من تلمسان إلى فاس فصحبهما ابن الخطيب إليها حيث استقر به المقام، وبدا أن الحياة بدأت تطيب له وأخذ يعكف على الكتابة والتأليف، وتغيرت الأحوال بعد قليل وخلع السلطان الطفل، وتولى الحكم في مراكش نظام موالٍ لابن الأحمر فقبض على ابن الخطيب وسجن، وحوكم بتهمة الإلحاد والزندقة بحضور تلميذه الوزير ابن زمرك الذي وفد من غرناطة تحت هذا الدافع العدائي، وعذب الوزير الكبير أمام جمهرة من الناس، ودبر سليمان بن داود وزير السلطان الجديد مكيدة حين دس بعض مساعديه على ابن الخطيب فقتلوه خنقًا في سجنه وأخذت جثته في اليوم التالي فأضرمت فيها النار فاحترق شعره وجلده ثم دفنت في اليوم التالي. وبذلك انطوت صفحة من تاريخ السياسة والحكم والوزارة والتاريخ والأدب سنة ٧٧٦هـ، حدث ذلك والرجل يأخذ أهبته لأداء فريضة الحج.
ومن الأمور التي تدعو إلى العجب والحزن أن لسان الدين قد رثى نفسه قبل موته شأنه في ذلك شأن بعض كبار شعراء الأندلس مثل المعتمد بن عباد وأبي عامر بن شهيد، رثى المعتمد نفسه، وهو أسير في أغموت، ورثى ابن شهيد نفسه وهو مريض مرضًا لا برء منه، ورثى لسان الدين نفسه وهو في السجن يتوقع الغدر فقال هذه الأبيات الرائعة:
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعة ... كجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظامًا فصرنا عظامًا ... وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... غربنا فناحت علينا السموت
فكم جدلت ذا الحسام الظبا ... وذو البخت كم جدلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقة ... فتى ملئت من كساه التخوت
فقل للعدا: ذهب ابن الخطيب ... وفات، ومن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له ... فقل: يفرح اليوم من لا يموت٢
стр. 432
إن ابن الخطيب كان موسوعة أدبية علمية إنسانية لم تتوفر كثيرًا في الأندلس. لقد كان ابن الخطيب عقل الأندلس وثمرة حضارته، تمامًا كما كان ابن خلدون عقل المغرب وثمرة حضارته، هذا ولا مفر من أن نشير إلى بعض كتب ابن الخطيب قبل أن نعود إلى موضوعنا الأصيل -أعني التراجم- فنشير في إيجاز إلى أهم كتبه وموضوعاته.
٢- كان لسان الدين فريد عصره في تملك أسباب الأدب، ووحيد دهره في التمكن من فنون المعرفة، لقد ألف ما يناهز ستين كتابًا في مختلف الفنون والعلوم، في الأدب والتاريخ والتراجم، والرحلات والبلدان، والسياسة، والطب، والفقه، والتصوف، وعلم الكلام، والاختيارات الأدبية، كما كان دنيا بمفرده في عالم الشعر والتوشيح.
فمن كتبه في الأدب والتراجم الأدبية "الكتيبة الكامنة" و "التاج المحلى في مساجلة القدم المعلى" وقد تحدث فيه عن مائة شاعر وعشرة وكان حين كتبه في غرناطة لا يزال غض الشباب، وكتابه "الدرر الفاخرة واللجج الزاخرة" وهو اختيارات أستاذه الوزير ابن الجياب وصديقه وأستاذه أبي جعفر بن صفوان، وكتاب "جيش التوشيح" وهو مختارات فريدة ثمينة للوشاحين الأندلسيين، وكتاب "عائد الصلة" في التراجم الأدبية، وكتاب "السحر والشعر" وهو اختيارات لمشاهير شعراء الشرق والأندلس.
وفي التاريخ ألف لسان الدين مجموعة ثمينة من الكتب في هذا المجال، وكتب لسان الدين في التاريخ هي في الوقت نفسه كتب أدب، مليئة بالشعر الجميل، مترعة بنفائس القصائد مع ذكر المناسبة التي قيلت فيها كل قصيدة، إن طبيعة لسان الدين الأدبية تفرض نفسها على كل عمل علمي يقوم به، فمن الكتب التي ألفها في هذا الميدان: نفاضة الجراب في علالة الاغتراب" وهو كتاب تاريخ وأدب ورحلات، و "الإحاطة في أخبار غرناطة" وهو من الشهرة بحيث لا يحتاج إلى تعريف يترجم فيه لسان الدين لملوك وأمراء غرناطة وعلمائها وأدبائها والوافدين إليها من المشرق والمغرب، وذكرهم مرتبة أسماؤهم على حروف المعجم، وكتاب "رقم الحلل في نظم الدول" هو تاريخ منظوم للدول الإسلامية في الشرق والغرب، وكتاب "كناسة الدكان بعد انتقال السكان" وهو كتاب تاريخ وحوادث ورسائل، وكتاب "أعمال الأعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام" وهو كتاب في التاريخ الإسلامي نشر منه القسم الخاص بالأندلس، ولكنه يضم نفائس القصائد الشهيرة التي قيلت في المناسبات العظمى في الأندلس والمغرب، وكتاب "اللمحة الدرية في الدولة النصرية".
وفي البلدان ألف ابن الخطيب كتاب "معيار الاختيار في ذكر المشاهد والآثار" وصف
стр. 433
فيه مدن مملكة غرناطة وترجم لبعض أعيانها، وكتاب خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف" هو تعريف جغرافي أدبي اجتماعي ببعض بلدان الأندلس، وقد سبقت الإشارة إلى أن "نفاضة الجراب" هو بدوره من قبيل كتب الرحلات.
وفي السياسة ألف ابن الخطيب كتاب "الإشارة إلى أدب الوزارة" وترك رسالة في السياسة في شكل مقامة، كما ألف كتاب "بستان الدول" الذي يتحدث ابن الخطيب فيه عن السياسة، والقضاء، والحرب، وأنواع المهن، وأشتات الحرف، ومختلف الطوائف.
وألف ابن الخطيب في الطب كتابًا كبيرًا هو "عمل من طب لمن حب" يتحدث فيه عن الأمراض، وأسباب كل مرض وأعراضه وعلاجه والغذاء الذي يناسب المريض، كما يتحدث فيه عن أعضاء الجسم جميعًا حديثًا طبيًا، هذا فضلًا عن رسائل طبية كثيرة منها "المسائل الطبية" و"اليوسفي في الطب" و"رسالة تكوين الجنين" و"الرجز في عمل الترياق" و"الوصول لحفظ الصحة في الفصول" و"رجز الأغذية" و"البيطرة والبيزرة".
ولما اتهم القاضي النباهي ابن الخطيب، وهو في منفاه بالإلحاد رد عليه لسان الدين برسالة سماها "خلع الرسن في أمر القاضي أبي الحسن".
قد يتساءل المرء: كيف تأتي للسان الدين أن يكتب كل ذلك الصرح العظيم من المؤلفات النفيسة مع انشغاله بالوزارة والإدارة وتدبير شئون الملك والأسفار التي كان يتابع فيها أحوال الدولة؟ والإجابة أن لسان الدين كان يعمل نهارًا للدولة وتدبير المملكة وشئونها ويعمل ليلًا بالتصنيف والتأليف، ومعنى ذلك أنه لم يكن يضيع ليله في النوم، فقد كان مصابًا بأرق متصل فعاش حياته مرتين، ومن ثم فكما أنه كان يلقب بذي الوزارتين كان يقال له ذو العمرين".
стр. 434
منهج الكتيبة الكامنة:
اسم الكتاب كاملًا "الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة ويرد في بعض المصادر وبخاصة في "الإحاطة" تحت عنوان "الكتيبة الكامنة في أدباء المائة الثامنة" وليس ثمة خطر في ذلك فإن كثيرًا من الكتب قد ذكرت بأسماء مختلفة تكوين كلمات العنوان وإن كانت في واقعها هي الكتب المقصودة نفسها، ولا يعني اختلاف كلمة في عنوان الكتاب أن الكتاب كتابان وليس كتابًا واحدًا، ولقد سبق القول بأن كتاب "الكتيبة الكامنة" للسان الدين في الأندلس والمغرب هو المقابل لكتاب "الدرر الكامنة" لابن حجر العسقلاني
стр. 435
في المشرق مع الفارق -طبعًا- بين حجم وقدر هذا وذاك. "فالكتيبة الكامنة" تترجم لمائة شاعر وثلاثة في مجلد واحد، بينما "الدرر الكامنة" تترجم لخمسة آلاف ومائتين وأربعة أعلام بينهم العديد من الشعراء في خمسة مجلدات كبيرة حسبما سبق الحديث في باب كتب التراجم.
هذا ويمكننا أن نلخص منهج الكتاب وملامحه في النقاط الآتية:
أولًا: إن ابن الخطيب ألف كتابه سنة ٧٧٤هـ أي بعد أن ترك الوزارة وأقام في المغرب وفي مدينة فاس بالذات حين تخفف من أعباء الرياسة وتبعاتها والدنيا ومتاعبها "فجعلت الهدية من جنس ما تتشوف إليه النفوس الغنية وتتجر في أسواقه الهمم السنية، من وضع يستظرف، أو اختراع إليه يستشرف، وأثر يدل على طور المتوسل، وطريقة المتعرف المسترسل، يظهر منه مصرف عنايته، وشرح كتابته ... فجمعت في هذا الكتاب جملة وافرة، وكتيبة ظاهرة، ممن لقيناه في بلدنا الذي طوينا جديد العمر في ظله، وطاردنا قنائص الآمال في حرمه وحله، ما بين من تلقينا إفادته، أو أكرمنا وفادته، وبين من علمناه وخرجناه، ورشحناه وودجناه ومن اصطفيناه ورعيناه، فما أضعناه ... والمقصود إنما هو إلمام بتعريف، وجلب أدب ظريف، وخبر طريف وسميت هذا الوضع بالكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة".
لعل هذه الكلمات التي عمدنا إلى اقتطاعها من مقدمة ابن الخطيب لكتابه بأسلوبه، وقلمه توضح لنا جانبًا من فكرة المؤلف إزاء كتابه، وأنه عمد إلى الإطراف وإلى التعريف بمعاصريه من الشعراء أو الأدباء الأندلسيين وحدهم دون غيرهم، مثلما فعل ابن بسام في الذخيرة مثلًا، حين ترجم لبعض أدباء المشرق.
وبمناسبة ذكر ابن بسام فلعلنا ما زلنا نذكر استعلاءه ومحاولته النيل من المشارقة على حساب أدباء الأندلس وشعرائه، أما الأمر عند ابن الخطيب، فليس كذلك بل لعل العكس هو الصحيح تمامًا، فلسان الدين بن الخطيب يتحدث عن وقع كتابه لدى المشارقة، ولعله كان قد أهداه إليهم حسبما ذهب صديقنا الدكتور إحسان عباس في مقدمته وهو يحقق الكتاب. إن ابن الخطيب يقول في أدب جم في خطبة كتابه ومقدمته "وإن كان جالب هذا الكتاب إلى البلاد المشرقية أعز الله أهلها، وأمن حزنها وسهلها، جالب نغبة* إلى غدير، وحبابة إلى كأس مدير ... ولو كانت الهدايا التي تجلب إلى أبوابهم، لالتزام ثوابهم، يشترط فيها المماثلة لمحالهم العالية، والمناسبة لأقدارهم الغالية، لسد الباب وعجزت
стр. 436
الألباب، وتقطعت -ونعوذ بالله تعالى- الأسباب"١.
إن الفرق يبدو واضحًا كل الوضوح بين رجل مثل ابن بسام لم يقدم للأدب غير كتاب واحد، وبين عالم كبير مثل لسان الدين بن الخطيب، وما كان الاستعلاء ليرفع قدر وضيع وما كان التواضع ليحط من قدر عظيم، فابن الخطيب بتواضعه هذا جعل قارئي العربية يحيطونه بمزيد من الاحترام، هذا وقد سبق القول إن العالم لا يقارن بعالم آخر بمعيار كتاب بعينه لكل منهما، ولكن ميزان المفاضلة ينبني على أساس جميع ما قدم هذا وذاك من كتب وآثار.
ثانيًا: قسم ابن الخطيب كتابه هذا الذي يضم مائة شاعر وثلاثة -حسبما سبق القول- إلى أربعة أقسام، جعل القسم الأول منه لشعر "الخطباء الفصحاء والصوفية الصلحاء" وفيه يترجم ويتمثل لتسعة عشر منهم.
ومن الطريف أن المؤلف يعطي القارئ عنهم فكرة مجملة قبل أن يقدمها عن كل واحد منهم مفصلة، فيقول: وهذه طائفة أهلها أعلام سرادة ومجادة، وفرسان مرقى وسجادة وليسوا بحجة في إحادة إلا من جرى منهم مجرى إفادة في وفادة"٢.
وخصص صاحب "الكتيبة" القسم الثاني من الكتاب لـ"طبقة المقرئين والمدرسين والممهدين لقواعد المعارف والمؤسسين" أي للمعلمين بطبقاتهم المختلفة، والمقصود طبعًا من احتراف التعليم وحده وابتعد عن ممارسة الشعر ومعاناته ولم يقل إلا في مناسبة أو استجابة لخطرة طارئة أو فكرة وافدة، فإن أكثر الشعراء الكبار في العصور الوسيطة والحديثة كانوا معلمين.
إن ابن الخطيب يجعل هذه الطبقة دون مستوى غيرها في حلبة الشعر ويقول "وهذه الطبقة أولى ممن قبلها بدرجة الانحطاط وغض عنان الاشتطاط، إذ لا خفاء عند المتمرس، بفضل الخطيب في باب الفصاحة على المدرس، إلا ما وقع بالعرض، وخرج عن هذا القياس المفترض"٣ وهكذا يتحرز ابن الخطيب في حكمه، وهو الرأي الذي أشرنا إليه قبل سطور، وهؤلاء المعلمون الشعراء الذين أورد ترجمات ونصوصًا لهم عددهم أحد عشر.
وخصص ابن الخطيب القسم الثالث من الكتيبة لـ "طبقة القضاة أولي الخلال المرتضاة" وعلى قدر هذا التكريم الذي خلعه ابن الخطيب على القضاة في هذا العنوان، كان التحقير في شأنهم كأدباء شعراء، فيقول في تقديمه لهذه الفئة: "وهذه الطبقة منحطة في البيان،
стр. 437
لاقتصار مداركها على علوم الأديان، وما يصدر عنها فعلى جهة الافتنان وسخاء الأفنان، وربما ندر في هذه الطبقة ما يعيي يد الحالب، ويحسب طلب الطالب، لكن الحكم للغالب"١.
وهكذا يتحرز ابن الخطيب ويحسب حساب النابهين من القضاة الذين خرجوا على هذه القاعدة وجاءوا بشعر معجب وبيان مطرب، ولقد تمثل هو نفسه لبعضهم وترجم لبعض المبدعين من الشعراء القضاة مثل القاضي أبي البركات محمد بن أبي بكر البلفيقي، وأورد لهم نماذج شعرية وصفها بالغرابة ووسمها بالعراقة والأصالة٢.
وابن الخطيب حين يصف طائفة القضاة بأنهم أولو الخلال المرتضاة، يترجم لهم من هذا المنطلق، ولكنه يستثني واحدًا منهم هو القاضي النباهي عدوه اللدود الذي وصفه -أي وصف لسان الدين- بالملحد وأفتى بحرق كتبه، وكان تصرف النباهي غير صادر من حقيقة كونه قاضيًا بقدر ما كان صادرًا من موقع خصومة شخصية وعداوة سياسية، ولعل ابن الخطيب ذكره مع طائفة القضاة بحكم الوظيفة وليس بحكم الحقيقة، فلقد كان النباهي يشغل وظيفة "قاضي الجماعة" وهي نفسها وظيفة "قاضي القضاة" في المشرق، وهي تعادل اليوم منصب "وزير العدل" ولنا مع ابن الخطيب وابن النباهي في هذا المجال حديث قادم، وليس من شك في أن النباهي كان شاعرًا كبيرًا.
هذا وإن عدد القضاة الذين ترجم لهم صاحب "الكتيبة" بلغ عددهم أربعة وعشرين قاضيًا.
وأما الطبقة الرابعة والأخيرة من شعراء الكتيبة فهي "طبقة من خدم أبواب الأمراء من الكتاب والشعراء" وقد جرت العادة آنذاك أنه ما من كاتب أو شاعر إلا وكانت له صلة رسمية بسلطان أو أمير أو وزير أو نطاق العمل أو الاختصاص به مادحًا أو نديمًا، ويقدم لسان الدين لهذه الطبقة بقوله: وربما كانت هذه الطبقة متميزة الاستحسان، تمييز البركة بمطر النيسان ومظنة لدرر بحر اللسان، الممنون بها على عالم الإنسان، والله يتغمد الكل بالعفو والامتنان، ويبوئهم غرف الجنان بفضله وكرمه".
ونظن أن ابن الخطيب قد استثنى في دعائه الله لهم بالرحمة والعفو، الوزير ابن زمرك الذي كان تلميذ ابن الخطيب وعلى يديه تربى وبمساعيه ارتقى، ثم انقلب على أستاذه ودس عليه وخانه وشارك في إصدار الحكم عليه بالقتل، ولنا في ذلك حديث موجز بعد قليل
стр. 438
وإن عدد الشعراء الذين خصهم لسان الدين في هذا القسم من الكتيبة تسعة وأربعون أي ما يقل قليلًا عن نصف عدد شعراء الكتاب كله، وهم أصحاب النصيب الأوفر من العناية، فأولي القسط الأكبر من الاحتفال بأخبارهم والاهتمام بشعرهم.
المهم أن هذه الفئة الأخيرة دون غيرها من الطبقات الأربع التي صنفها ابن الخطيب في الكتيبة، هي الصفوة الشاعرة التي يستمع الأديب بقراءة أشعارها، وهي الوجه الصادق أو جزء من الوجه الحقيقي للشعر والشعراء في القرن الثامن في الأندلس؛ لأن كتاب الكتيبة لا يشمل كل شعراء القرن الثامن وإنما من لقيهم المؤلف من الشعراء.
لقد كان لسان الدين بن الخطيب واضحًا الوضوح كله في خطبة كتابه أو بالأحرى في مقدمة كتابه حين حدد المنهج الذي سار عليه والمقصد الذي ذهب إليه.
ثالثًا: إن محتوى كتاب الكتيبة من شعر الشعراء، وأخبارهم أو بالأحرى من شعر كل شاعر وأخباره لا ينهض لكي يمثل وجبة كاملة مشبعة، وإنما هي شطائر تدفع الشعور بالجوع لبعض الوقت، ولكنها لا تشبع، ولعل ابن الخطيب -ولست جازمًا في ذلك ولكن مستنتجًا- قد كتبها من ذاكرته، فالرجل معروف بالإفاضة والعمق والإطالة والاستيفاء، وكتبه الأخرى الكثيرة الوفيرة التي يتكون بعضها من العديد من المجلدات شاهدنا على ذلك.
إن متوسط الترجمة لكل شاعر إلا في حالات قليلة زيادة ونقصًا -تشغل ما بين ثلاث صفحات إلى خمس. ولقد سبق أن رأينا شيئًا من ذلك في بعض كتب التراجم والطبقات، ككتاب المطرب مثلًا، ولكن شتان الفرق بين ابن دحية ولسان الدين، بل لقد رأينا شيئًا من ذلك في "المغرب" ولكن ابن سعيد عاد فقام بعملية تعويض أخرى للشعراء الذين لم يهتم بهم كثيرًا في المغرب فأضفى عليهم اهتمامًا كبيرًا في كتبه الأخرى حسبما أشرنا إلى ذلك في حينه.
رابعًا: يتبع ابن الخطيب في "الكتيبة الكامنة" طريقة سابقيه من كتاب التراجم والطبقات في الأندلس، وغيرهم من خلع صفحات المديح وألقاب الثناء على من ترجم لهم، ولكنه حين يعرض لأعدائه ينال منهم بشدة ويحمل عليهم ويقبح سيرتهم، وربما عمد إلى السخرية منهم والهزء بهم في نهج يجمع بين الهجاء والفكاهة، مثال ذلك قوله حين ترجم للقاضي النباهي. إنه التعريض به ابتداء من ذكر اسمه فيورد اسمه هكذا: القاضي علي بن عبد الله بن الحسين النباهي البني المدعو بجعسوس، والجعسوس -بضم الجيم- القصير الدميم اللئيم الخلق والخلق. ثم يبدأ لسان الدين ترجمته للرجل قائلًا: "أطروقة الزمن، التي تجل غرائبها عن الثمن، وقرد شارد من قرود اليمن، ذنبًا وأحداقًا، وفروة وأشداقًا، وإشارة واصطلاحًا، وخبثًا وسلاحًا، تشغل به الصبيان إذا بكت، وتتملح به الزهاد بعدما نسكت، وعن كل شيء
стр. 439
أمسكت، إلا أن خلبه بالنسبة إلى هذا الخلق، والوجه الطلق، حسنة جميلة، وأوصافه بالنسبة إلى معارفه وعلومه أوصاف ابن قاضي ميلة، لا يجلب لأدب يرسم، ولا حظ من حسن الذكر يرسم، ولا لعرف يتنسم، ولا لبركة تتوسم" ويمضي لسان الدين في وصف القاضي النباهي، وكأنما اختار وصفه له من المقامة الدينارية لبديع الزمان الهمذاني التي جعل موضوعها جائزة قدرها دينار لسفيهين شتامين، ينالها من كان أشتم من صاحبه، إن لسان الدين يمضي في وصف القاضي النباهي هكذا: "ومما يعاب به الزين، كي لا تصيبه العين، ويعلق على البيوت تميمة، وإن كانت الأوضاع ذميمة، من حوله ورصاصة منحوتة ومرار ثور، وذنب سنَّور" ١.
ويمضي لسان الدين على هذا النحو من الوصف أو الهجاء شوطًا طويلًا، فإذا ما انتقل من الوصف إلى الأخبار جاء بالساخر منها والفكه، يروي لسان الدين هذه الطرفة عمن حضر مجلس النباهي: "سمعته يقول: تنكرون علي ما يكثر من كلامي من لفظ جعسوس كأنه ليس من كلام العرب، وبل ولا من ألفاظ القرآن العظيم، فقلنا له: أما في كلام العرب فربما، وأما في القرآن فلا نعرفه، فضحك وقال: سبحان الله! أعيدوا النظر فيه، فقلنا: والله ما نعرفه، فقال: ألم يقل الله تعالى في القرآن: "ولا تجعسوا ولا يغتب بعضكم بعضا" فقلنا: والله ما قال ذلك قط، وإنما قال: ولا تجسسوا، قال: فاسترجع وقال: يا فقيه، حفظ الصغر".
ويبدو أن النباهي قد عرف بشيء من ذلك التخليط؛ لأن لسان الدين يذكر اسم كتاب بعنوان تنبيه الساهي على طرف النباهي".
فإذا انتقل لسان الدين إلى إيراد أمثلة من شعر النباهي كان الشعر جيدًا، ولكنه يشكك في إسناده إليه، أو يأتي بقصائد قالها النباهي في مدح لسان الدين حين كان صاحب الإماة والوزارة.
على أن لسان الدين في ترجماته الأخرى للنباهي في غير الكتيبة الكامنة" مثل الإحاطة أثنى عليه كثيرًا، بل إنه خلع عليه صفات الفضل والمجد في المرسوم الذي كتبه لسان الدين بنفسه حين ولاه القضاء.
والنباهي بعد ذلك صاحب علم وتاريخ، وهو مؤلف كتاب "المرقبة العليا في تاريخ قضاة الأندلس". ولكن لسان الدين بشر، والنباهي وهو أحد صنائعه مشى في الدس لصاحب الفصل عليه شوطًا طويلًا انتهى إلى المدى الذي ذكرنا من موت لسان الدين قتيلًا، ثم إحراق جثته.
стр. 440
ويعمد لسان الدين إلى السبيل نفسه من خلع صفات اللؤم والتآمر والخسة والتسلق على الوزير الشاعر أبي عبد الله محمد بن يوسف بن زمرك، فيقول في ترجمته: "مخلوق من مكيدة وحذر، ومفطور اللسان على هذيان وهذر، خبيث إن شكر، خدع ومكر، ودس في الصفو العكر".
فإذا انتقل لسان الدين إلى وصف شعر ابن زمرك مدح فنه فأثنى عليه، ولكنه لا يلبث أن ينال منه بذكر بعض أخبار عنه تنال من خلقه وسلوكه.
وأما النماذج الشعرية نفسها فأكثرها مما قاله ابن زمرك في مدح لسان الدين.
خامسًا: إن الشعراء الذين ترجم لهم لسان الدين في "الكتيبة" ليسوا وحدهم شعراء المائة الثامنة، بل هم الشعراء الذين لقيهم لسان الدين وذلك واضح من عنوان الكتاب، مات بعضهم في حياته، ومات هو وترك بعضهم على قيد الحياة، غير أننا نستطبع أن نقرر أن لسان الدين استطاع أن يعطي صورة واضحة المعالم عن الشعر الأندلسي في القرن الثامن الهجري في كتابه هذا مضافًا إليه محتويات كتبه الأخرى ما كان منها في الأدب وما كان منها في فنون أخرى من فنون المعرفة، فالرجل بطبيعته الأدبية لم يكن يغفل عن ترديد الشعر في كل كتبه.
إن الكتيبة الكامنة، والتاج المحلى، والدرر الفاخرة واللجج الزاخرة، وعائد الصلة، وجيش التوشيح، وهي كلها من مؤلفاته الأدبية، مضافًا إليها الشعر الذي ينتشر على صفحات بعض كتبه الأخرى مثل الإحاطة في تاريخ غرناطة، ونفاضة الجراب، وأعمال الأعلام، وخلع الرسن في أمر القاضي أبي الحسن، كل ذلك يمكن أن يشكل ديوانًا للشعر الأندلسي في قرن كامل هو القرن الثامن، بمعنى أن ابن الخطيب وحده وبمؤلفاته وحدها يمكن أن نرسم صورة أقرب إلى الاكتمال عن الأدب الأندلسي شعرًا ونثرًا في المائة الثامنة من الهجرة.
أما من أراد أن يغطي القرن الثامن تغطية كاملة من الناحية الأدبية، فلا مفر له من أن يطلع على كتب أخرى لمؤلفين آخرين مثل فهرسة أبي علي الحضرمي، وفهرسة أبي زكريا السراج، ونثير فرائد الجمان فيمن جمعني وإياه الزمان لابن الأحمر، وتنبيه الساهي على طرف النباهي، والبقية والمدرك من شعر ابن زمرك لابن الأحمر، والمرقبة العليا للنباهي، والمؤتمن في أنباء من لقيناه من أبناء الزمن لأبي البركات بن الحاج، ومزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية لأحمد بن علي بن خاتمة، وكتب الرحلات التي قام بها أصحابها في القرن الثامن، فضلًا على متابعة أدباء القرن أخبارًا وأدبًا وأشعارًا في نفح الطيب للمقري التلمساني والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لشيخ الإسلام أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، القاهري.
стр. 441
الفصل السابع: كتب تاريخية في خدمة الأدب الأندلسي
مدخل
...
الفصل السابع: كتب تاريخية في خدمة الأدب الأندلسي:
مصادر أخرى تاريخية:
التاريخ الإسلامي والأدب العربي فرعان من فروع المعرفة الإسلامية وكلاهما مرتبط بالآخر ملتحم به، ذلك أن الأدب يخدم التاريخ ويحدد بعض وقائعه ويوثق كثيرًا من أخباره بما يرتبط بالحادثة أو الخبر من شعر أو نثر.
ومن ناحية أخرى فإن التاريخ يخدم الأدب بالقدر نفسه والسبيل عينه الذي يخدم به الأدب التاريخ.
وكتب التاريخ حافلة بالأخبار الأدبية، مليئة بالنصوص الشعرية، وهي أحيانًا تكون المصدر الوحيد لموضوع من موضوعات الشعر العربي فمن ذلك على سبيل المثال شعر الفتوح الإسلامية الذي تتمركز مصادره في صفحات كتب التاريخ دون غيرها، وإن الذي يستقرئ الطبري أو "فتوح البلدان" أو "مروج الذهب" أو "الفخري" أو "الكامل" سوف يزداد اقتناعًا بأن كتب التاريخ الإسلامي تشكل مصدرًا أصيلًا من مصادر الأدب العربي شعره ونثره.
ولما كان مؤرخو الأندلس تلامذة لمؤرخي المشرق نسجوا على منوالهم ورسموا على نهجهم، كانت كتبهم بدورها تشكل مصدرًا من المصادر الرئيسية للأدب الأندلسي بفرعيه الشعر والنثر ولقد بدا ذلك واضحًا كل الوضوح في الكتب التاريخية التي خلفها ابن الأثير والتي أشرنا إلى طرف منها قبل قليل ونحن نترجم للسان الدين، مثل كتاب "أعمال الأعلام" وكتاب "كناسة الدكان بعد انتقال السكان" وكتاب "الإحاطة في أخبار غرناطة" وكتاب "نفاضة الجراب" وهكذا ... فإذن نستطيع أن نقرر من واقع الاستنتاج البدهي والاستقراء العملي أن كتب التاريخ الأندلسي تشكل ما قد اعتبرناه مصدرًا رئيسيًّا من مصادر الأدب الأندلسي.
стр. 442
وإن أول مؤرخ أندلسي -ابن القوطية- قد ملأ كتابه بالنصوص الأدبية، وهو أول مؤرخ للأندلس من أحفاد الإسبان وذلك في كتابه "تاريخ افتتاح الأندلس" الذي أشرنا إليه في مناسبة سابقة.
وقد يجمل بنا أن نذكر في إيجاز أشهر كتب التاريخ الأندلسي، وذلك باستثناء الكتب الأخرى التي سبقت الإشارة إليها عند ابن الخطيب وغيره حين عرضنا لهم بالذكر.
стр. 443
نقط العروس في أخبار بني أمية بالأندلس:
ألفه أبو محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة ٤٥٦هـ، وابن حزم من الشخصيات العلمية الفكرية الأدبية المرموقة في الأندلس، فهو معروف بمذهبه "الظاهرية"، ومعروف في الأوساط العلمية بكتابه "طرق الحمامة" و"الفصل في الملل والنحل" وهو من الذين جمعوا بين الإقبال على العلم والاشتغال بالسياسة، غير أن الجانب الذي يعنينا هنا هو الذين جمعوا بين الإقبال على العلم والاشتغال بالسياسة، غير أن الجانب الذي يعنينا هنا هو الجانب المختص بابن حزم المؤرخ، ذلك أن الحديث عن ابن حزم السياسي الكاتب الشاعر الفقيه المفكر حديث طويل ليس هنا مجاله، فقد كانت حياته صراعًا مستمرًّا بينه وبين نفسه وبينه وبين خاصة المثقفين، وبينه وبين عامة الفقهاء، بل بينه وبين أمراء الدولة إلى أن ضاق ذرعًا بنفسه وبموطنه ومواطنيه فقال بيته المشهور:
أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
ألف ابن حزم كتابه "نقط العروس في تاريخ بني أمية في الأندلس" بشيء من التفصيل في ما لم يفصله المؤرخون رغم أن الكتاب نفسه صغير الحجم لكنه نفيس المحتوى، ولكي نفهم الأدب الذي ارتبط جانب كبير منه بالملوك وأحداث التاريخ كان علينا أن نطالع كتب التاريخ ومنها هذا الكتاب النفيس الذي ألفه ابن حزم في حدود سنة ٤٢٠هـ.
стр. 444
٢- المقتبس في أخبار الأندلس:
ألفه أبو مروان بن حيان القرطبي المتوفى سنة ٤٦٩هـ و"المقتبس" يعتبر أعظم كتاب ألف في تاريخ إسبانيا الإسلامية والمسيحية، بالغ الطول كثير التفاصيل، وهو بالنسبة لتاريخ الأندلس بمنزلة تاريخ الطبري بالنسبة للمشرق بل إن شخصية ابن حيان كانت من النبوغ
стр. 445
ووفرة العلم وسعة الثقافة، وإشراق الأسلوب شبيهة بشخصية الطبري ويذكر المؤرخون أن ابن حيان ألف نحو خمسين كتابًا لم يبقَ منها إلى أجزاء من كتابه "المقتبس" وهذه الأجزاء تتناول فترات حكم الحكم الربضي وعبد الرحمن الأوسط والأمير عبد الله الأموي وفترة طويلة من عهد عبد الرحمن الناصر الحكم المستنصر، وقد نشرت هذه الأجزاء جميعًا باستثناء الجزء الذي يتناول عهد عبد الرحمن الناصر.
ولعلنا نذكر ونحن نتحدث عن كتاب "الذخيرة" أن مؤلفه ابن بسام قد اعتمد في الجانب التاريخي من كتابه على أحد كتب ابن حبان هو كتاب "المتين".
стр. 446
٣- تاريخ المن بالإمامة:
ألف هذا الكتاب عبد الملك بن محمد بن أحمد الباجي الشهير بابن صاحب الصلاة، المتوفى سنة ٥٧٨هـ، والحق أن هذا الذي ذكره في العنوان ليس عنوان الكتاب الحقيقي، فإن عنوانه من الطول بحيث يمكن أن يكون واحدًا من أطول عناوين الكتب التي نعرفها، وكمال عنوان الكتاب هو "تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين بأن جعلهم الله أئمة وجعلهم الوارثين، وظهور المهدي بالموحدين".
وكان ابن صاحب الصلاة من المولعين بالأسفار، فلقد ذرع بلاد الأندلس وشمال إفريقية جيئة وذهابًا، وقابل الكثير من أعلام الزمن، وعاصر غير قليل من أحداث حقبة الموحدين وأخذ الثقات من كبار المؤرخين وهو من الدقة بحيث يذكر الأحداث بأيامها في نطاق الأسبوع، وتاريخها في نطاق الشهرين العربي والعجمي، والسنتين الهجرية والميلادية، وهذا ويضم الكتاب رسائل أدبية كثيرة لملوك الموحدين وكتابهم، كما يضم قصائد من الشعر وفيرة لكبار شعراء الزمان، بحيث يمكن أن يشكل الشعر المنبث على صفحاته ديوانًا كبيرًا لكبار شعراء الزمان.
ولما كان الكتاب صورة من صاحبه فإن تاريخ المن بالإمامة يعطي فكرة طيبة عن مدى انفتاح الحياة الفكرية، والثقافية في عهد الموحدين في المغرب والأندلس.
ويقع الكتاب في جزءين كبيرين: الأول منهما مفقود، والذي بين أيدينا هو الجزء الثاني منه ويضم الأحداث التي جرت بين سنتي ٥٥٤، ٥٦٨هـ.
стр. 447
٤- المعجب في تلخيص أخبار المغرب:
ألف هذا الكتاب عبد الواحد المراكشي، وهو مؤرخ رحالة، ولد في المغرب وعبر إلى الأندلس، وطوف في أرجائها وجال في أنحائها، وكان آنئذ قد بلغ الثانية والعشرين، وكان الحنين يلح عليه بين الفينة والفينة أن يزور مراكش فكانت له عدة أسفار بين الشمال والجنوب.
ويذكر المراكشي إنه ودع المغرب والأندلس جميعًا فركب البحر المائج متجهًا إلى الشرق، فزار مصر والحجاز والشام والعراق، وقابل الكثير من الرجال شأن العلماء المؤرخين الأدباء الرحالين.
ونحن نعرف أن عبد الرحمن المراكشي ولد في مراكش سنة ٥٨١هـ وأنه كتب كتابه هذا سنة ٦٢٠هـ وكان إذ ذاك في بغداد وطلب إليه بعض من عاش في رحابهم أن يملي أوراقًا "تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدود أقطاره وشيء عن سير ملوكه وخصوصًا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن منذ ابتداء دولتهم إلى وقتنا هذا وهو سنة ٦٢١هـ.
ومعنى ذلك أن الكتاب الذي بين أيدينا إملاء من الذاكرة وليس تأليفًا معدًّا، ويبدو ذلك واضحًا في بعض عبارات المؤلف على صفحات الكتاب حين يذكر أنه نسي ذاك الخبر أو اشتبهت عليه تلك الحادثة.
ومهما يكن من أمر فإن الكتاب مهتم بعصر الموحدين وإن لم يهمل تاريخ الأندلس قبل حكمهم، وللكتاب صفة التاريخ وصلة الأدب، ونعود فنكرر القول الذي ذكرناه في معرض حدثينا عن كتاب ابن صاحب الصلاة من أن هذا الكتاب "المعجب" شأنه في ذلك شأن "تاريخ المن بالإمامة" مترع الصفحات بالنصوص الأدبية الثمينة، والقصائد الشعرية العصم التي تعين الباحث الأدبي أكثر مما تعين الدارس المؤرخ.
стр. 448
٥- الحلّة السِّيراء:
وقد سبقت الإشارة إلى هذا الكتاب وإلى مؤلفه المؤرخ الأديب العالم الوزير ابن الأبار القضاعي البلنسي المتوفى سنة ٦٥٨هـ تكلمنا على كتاب التكملة، وحين أشرنا إلى "تحفة القادم" واختيارات البلفيقي منها تحت عنوان "المقتضب"،
стр. 449
و"الحلة السيراء" عنوان طريف لكتاب ثمين، وكأنما أراد المؤلف الأديب أن يلائم بين عنوان الكتاب ومحتواه، فالحلة السيراء هي الثوب الموشى الأنيق وكذلك كان الكتاب، فهو مرصع بالأدب مزدان بأنيق الشعر مترع بأحداث التاريخ، وهو من ناحية التاريخ يبدأ بالقرن الأول الهجري ويمضي منتقلًا من قرن إلى آخر ذاكرًا الملوك والأمراء والحوادث والأشعار من كل من المغرب والأندلس حتى نهاية المائة السابعة، وقد نشر الكتاب ثلاث مرات، نشره المستشرق دوزي ثم المستشرق مولر ثم نشر للمرة الثالثة في القاهرة في جزءين بتحقيق الدكتور حسين مؤنس.
стр. 450
٦- البيان المُغرب في أخبار المَغرب:
ألفه أبو العباس أحمد بن عذاري المراكشي الذي عاش النصف الثاني من القرن السابع وشطرًا من القرن الثامن.
ويهتم ابن عذارى في كتابه بأخبار الأندلس والمغرب منذ الفتح حتى سنة ٣٨٧هـ فيما يتعلق بأخبار الأندلس وحتى سنة ٦٠٢ فيما يتعلق بأخبار المغرب، وقد نشر الكتاب مجملًا بغير تحقيق دقيق في بيروت كما نشر مجزأ بتحقيق كل من دوزي المستشرق ثم ليفي بروفنسال، ثم إبراهيم الكتابي ومحمد بن تاويت ثم أويثي ميراندا على التوالي.
وصفة الكتاب التاريخية غالبة، وإن ما جاء به من نصوص أدبية إنما جاءت عرضًا ودون قصد استهدفه المؤلف أو عمدٍ عمد إليه.
стр. 451
٧- الذيل والتكملة لكتابي الموصل والصلة:
ألفه القاضي الفقيه محمد بن عبد الملك المراكشي المتوفى سنة ٧٠٣هـ ويبدو من عنوان الكتاب أنه تذييل سلسلة التراجم التي بدأها ابن الفرضي في كتابه "تاريخ علماء الأندلس". وكتب ابن بشكوال كتابه "الصلة" ذيلًا على كتاب ابن الفرضي، ثم التقط الخيط منهما ابن الأبار حين ألف التكملة لكتاب الصلة".
إن محمد بن عبد الملك المراكشي ذيل هؤلاء جميعًا في كتابه هذا الذي يمكن أن يعتبر قاموسًا عامًّا لرجال الأندلس ومن رحل إليها من مشارقة ومغاربة حتى نهاية القرن السابع الهجري، وهو شأن سابقيه على حروف المعجم، ويذكر عن هذا الكتاب أنه كان يقع
стр. 452
في تسعة أجزاء خصص المؤلف سبعة منها لرجال الأندلس وجزءين للوافدين عليها مع قسم يترجم للشاعرات الأندلسيات والمغربيات اللاتي عشن في الأندلس.
لقد ضاعت أكثر أجزاء هذا الكتاب وبقي أقلها مخطوطًا ينتظر من يقوم على تحقيقها ونشرها.
هذه أهم الكتب التاريخية التي يستطيع الباحث في حقل الأدب الأندلسي أن يجد بين صفحاتها ما يمكن أن يفيد منه في نطاق كل من فرعي الشعر والنثر.
٨-
ويبقى بعد ذلك كتابان على جانب كبير من الأهمية في تاريخ كل من المشرق والمغرب، والأندلس لعالم جليل يعتبر غرة بيضاء في جبين الثقافة الإسلامية، أما الكتابان فهما كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في تارخ العرب والبربر، ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر" و"المقدمة". وأما المؤلف فهو العالم الرفيع القدر والشأن عبد الرحمن بن خلدون المولود في تونس سنة ٧٣٢ من أسرة أندلسية الأصل، المتوفى في القاهرة سنة ٨٠٨هـ، وكل من كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر" و"المقدمة" تمثلان زبدة الفكر الإسلامي المتألق وثمرة الثقافة العربية الأصيلة، إن الكتابين يمثلان رحلة عقلية في أكثر ميادين المعرفة على مساحة العالم الإسلامي مشرقًا ومغربًا وأندلسًا.
стр. 453
الفصل الثامن: المشارقة والدراسات الأدبية الأندلسية
١- المشارقة والأدب الأندلسي:
سلف القول بأن المشارقة كانوا أصحاب فضل السبق في تدوين الأدب الأندلسي -شعرًا ونثرًا- والترجمة لأدباء الأندلس وأعيانه.
ونستطيع أن نقرر في غير ما إسراف أو غلو أن أبا منصور عبد الملك الثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩هـ، -والذي سبق أن تحدثنا عنه- كان واضع حجر الأساس في تدوين الأدب الأندلسي والترجمة لأدبائه، فخصص مساحة كبيرة من كتابه الثمين -يتيمة الدهر١- لأدباء الأندلس الذين عاصروه أو عاشوا قبله بفترة قصيرة من الزمن، فأفرد على سبيل المثال لا الحصر ترجمات وافية لكل من أحمد بن عبد ربه وجاء له بنماذج وافرة من شعره وخص أبا عامر بن شهيد بعناية كبيرة، وأورد له عددًا من نماذج أدبه شعرًا ونثرًا، وفعل الصنيع نفسه مع أحمد بن دراج القسطلي، وغيرهم من أمثال هذيل وابن شخصي وعبد الملك بن سعيد والمنصور بن أبي عامر، وهكذا.
ولم تكن ترجمات الثعالبي لبعض هؤلاء الأندلسيين ترجمات عارضة، بل كانت دراسات وافية الجوانب وافرة النماذج بحيث لا تقل قيمة عن ترجماته الأخرى للعديد من الأدباء المشارقة الذين عني بالتقديم لهم في "يتيمته". ولا شك أن طريقة الثعالبي في كتابه هذا قد لفتت نظر ابن بسام، فاقتفى أثرها ورسم على منوالها في كتابه "الذخيرة" الذي مر ذكره، بل لعل الفتح بن خاقان كان هو الآخر -في كتابيه "القلائد" و"المطمح"- صورة
стр. 454
أخرى من الثعالبي في اليتيمة، وإن تكن أقل تطابقًا من تلك التي التزمها ابن بسام.
وإذا كان أبو منصور، عبد الملك الثعالبي يعتبر من خلال "اليتيمة" الرائد الأول في الاهتمام بتدوين الأدب الأندلسي، فإن الباخرزي في "دمية القصر وزهرة أهل العصر" يعتبر الرائد الثاني في الموضوع نفسه، ذلك أن الباخرزي ألف "دميته" قبل سنة ٤٦٧هـ، وهي السنة التي توفي فيها، ولم يكن أندلسي واحد حتى تلك السنة ولعشرات غير قليلة بعدها من السنين قد سجل شيئًا من آداب قومه في كتاب، وقد أتى الباخرزي بعدد غير قليل من النصوص الأندلسية في القسم الثاني من كتابه الذي ضم إلى جانب ذلك عددًا من شعراء الشام وديار بكر والجزيرة وآذربيجان.
ويهتم عماد الدين الأصفهاني في "فريدة القصر" بأدباء المغرب والأندلس اهتمامه بأدباء مصر والشام والعراق والجزيرة، وقد خصهم بقسم كبير من كتابه يقع في أكثر من مجلد"١.
فإذا عرفنا أن العماد عاش بين سنتي ٥١٩هـ - ٥٧٩هـ أدركنا أن كتابه قد تأخر قليلًا من حيث زمن كتابته عن كتاب الذخيرة لابن بسام، ومن ثم فقد حوى أخبارًا وأشعارًا وتراجم لأدباء أندلسيين لم يترجم ابن بسام لهم، ولم يقدم دراسات عنهم فيما لو اعتبرنا أن ما قدمه ابن بسام دراسات، وليست مجرد أخبار وأشعار ونماذج نثرية.
ويجدر بنا أن نشير إلى أن كلا من الثعالبي والباخرزي، والعماد الأصفهاني كانوا من كتاب الطبقات، أي من أصحاب الدراسات وليسوا مجرد ناقلي نصوص أو مرددي أخبار، فقد كانت لهم أذواقهم الأدبية، وأحكامهم الفنية، يصدرونها في مقام النقد إعجابًا أو رفضًا في كثير من المواقع على مدى صفحات كتبهم العريضة.
٢-
ننتقل من كتاب الطبقات إلى كتاب التراجم المشارقة، ونقصد إلى القول إن كتاب التراجم -شأهم في ذلك شأن إخوانهم مؤلفي الطبقات- لم يتوانوا عن الترجمة لأعلام الأندلس، وإنما منحوهم من الاهتمام وخلعوا عليهم من الاحتفال ما منحوه لأعلام المشارقة، وما خلعوه على أعيانهم، وليس في ذلك شيء من الغرابة، فإن هؤلاء المؤلفين جميعهم من كتاب طبقات أو جامعي تراجم كانوا يتعاملون مع وطن واحد هو الوطن الإسلامي من تخوم وبخارى وسمرقند وأذربيجان شرقًا حتى شواطئ الأطلنطي غربًا، وكانوا يترجمون لمواطنين، مهما بعدت عنهم الشقة أو نأى بهم المكان وكانت المواطنية هذه إن
стр. 455
صح التعبير أو الجنسية حسب التعبير المعاصر هي الجنسية الإسلامية، يخرج المواطن من بخارى شرقًا ضاربًا بأقدامه أو سنابك جواده وجه الأرض مشرقًا حتى تبتل قدماه من مياه المحيط غربًا فلا يسأل من أين أتى، ولا إلى أين يذهب، بلد واحد وأهل واحد وثقافة واحدة ولغة واحدة، ودين واحد باستثناء بعض أهل الكتاب الذين كانت لهم الامتيازات نفسها في المواطنية والحل والترحال.
طبيعي إذن أن يهتم كتاب التراجم بالأدباء الأندلسيين اهتمامهم بغيرهم من أدباء البلدان الإسلامية.
وفي مقدمة كتب التراجم التي إياها نقصد "معجم الأدباء" لياقوت الرومي وقد حوى الكثير من التراجم لأدباء الأندلس، يضع الواحد منهم في مكانه من "المعجم" حسب الترتيب الأبجدي لاسمه الأول، فابن عبد ربه مثلًا يذكره تحت اسم "أحمد" وابن بسام يذكره تحت اسم "علي" وهكذا.
ومن الطريف أن يقرر ياقوت في مقدمة كتابه أن واحد من أهم مصادره أندلسي، هو كتاب أبي بكر محمد بن حسن الإشبيلي الزبيدي، ولكنه لم يذكر اسم الكتاب، ونحن نرجح أن كتاب الإشبيلي هذا الذي ضاع كان عمدة مادته ومصدر أخباره حول من ترجم لهم من أدباء الأندلس.
وقبل أن ننتقل من معجم الأدباء إلى كتاب آخر من كتب التراجم، قد نرى من الضرورة بمكان أن نشير إلى كتاب آخر من كتب ياقوت هو "معجم البلدان" وهو كتاب جغرافية ظاهرًا، ولكنه كتاب جغرافية وأدب ظاهرًا وباطنًا، إنه يتحدث عن بلدان العالم الإسلامي حتى زمانه، ومن بينها بلدان الأندلس، وما يكاد يتحدث عن بلد إلا ويذكر ما قيل فيه من شعر وما عرض له من أحداث ويعدد الأدباء والأعيان الذين أنجبهم هذا البلد أو ذاك وشيئًا من أدبهم شعرًا كان أو نثرًا، ومن ثم فإن كتاب "معجم البلدان" يعتبر واحدًا من المصادر المشرقية للأدب الأندلسي من خلال التعريف ببلد أندلسي بعينه مثل قرطبة أو غرناطة أو إشبيلية أو بلنسية وهلم جرا.
ومن كتب التراجم المشهورة التي عنيت بالترجمة للعديد من الأعلام الأندلسيين كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١هـ وهو مليء بترجمات لمشاهير رجال الأندلس من علماء وفقهاء وقضاة ولغويين وكتاب وشعراء وأمراء وولاة وظرفاء ونساء مشهورات.
ويسلك المنهج نفسه ابن شاكر الكتبي المتوفى سنة ٧٦٤هـ، وقد شمل ابن شاكر الأدباء والأديبات من بين أعيان الزمان بعناية خاصة.
стр. 456
والقول نفسه نطلقه على كتاب "الوافي بالوفيات" لخليل بن أيبك المعروف باسم صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ وهي السنة نفسها التي توفي فيها زميله الكتبي، غير أن الفرق كبير بين قيمة وحجم كل من الكتابين، ذلك أن الأول يقع في جزءين مطبوعين أما الثاني فيقع في العديد من المجلدات، طبع منها حتى تأليف كتابنا هذا ثمانية مجلدات كبيرة. ويضم الوافي بالوفيات ألفين وثلاثمائة وإحدى وخمسين ترجمة بينها عدد كبير من الترجمات لأدباء وأدبيات من الأندلس.
وإذا كان الصفدي قد وقف بتراجم أعيان كتابه عن منتصف القرن الثامن تقريبًا، فإن العالم الجليل ابن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ يفرد كتابًا من خمسة مجلدات خص به الترجمة لأعيان القرن الثامن الهجري وحده دون غيره من القرون أطلق عليه "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، وهذا الكتاب يقابل كتاب "الكتيبة الكامنة" للسان الدين بن الخطيب مع فارق منهج كل منهما.
وعن أعيان القرن التاسع يكتب شهاب الدين السخاوي كتابه الكبير "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" في اثني عشر مجلدًا، وكل من "الدرر الكامنة" و "الضوء اللامع" بضم العديد من الترجمات لأعيان الأندلس شأنهم في ذلك من العناية شأن بقية أعيان العالم الإسلامي.
ولم يقف الأمر فيما يتصل بعناية المشارقة بالأدب الأندلسي عند من ذكرنا، بل إن كتب الموسوعات التي كتبت في العصر المملوكي -وهي موضوع الباب القادم- مشحونة بالنصوص الأندلسية بين شعر ونثر مفعمة بأخبار الأندلس والأندلسيين من سياسية وأدبية واجتماعية، وفي مقدمة هذه الكتب مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، ونهاية الأرب للنويري، وصبح الأعشى للقلقشندي، وهذا الكتاب الأخير المكون من أربعة عشر مجلدًا متخم بالنصوص الأدبية الأندلسية والرسائل الديوانية الرسمية منها بوجه خاص.
بل إن بعض كبار أدباء المشرق قد توفروا على بعض الأعمال الأدبية الأندلسية تقديمًا وشرحًا وتعليقًا، فالأديب الكبير ابن نباتة المصري يتلقف رسالة ابن زيدون الهزلية التي كتبها إلى ابن عبدوس على لسان ولادة بنت المستكفي فيعكف على شرح مفرداتها وما حوت من عبارات مستغلقة أو أمثال سائرة، ثم يترجم لكل علم من الأعلام الذين وردت أسماؤهم في الرسالة من شعراء وكتاب وقادة وفرسان وفلاسفة وأطباء بحيث لا يترك علمًا واحدًا دون أن يخصه بدراسة مستفيضة، ويرسم صلاح الدين الصفدي على منوال أستاذه ابن نباتة، فيعكف على رسالة أخرى لابن زيدون -الرسالة الجدية- ويصنع بها صنيع ابن نباتة بأختها.
وهكذا يكون المشارقة أول من اهتموا بالأدب الأندلسي دراسة وتدوينًا، وآخر من
стр. 457
اهتموا به كذلك؛ لأن الأندلس قد غربت شمسها منذ زمن بعيد، وأما المشارقة فقد كتب عليهم العيش يشهدون النكبة ويتخذون منها عبرة، إن كان فيهم بقية تعتبر.
стр. 458
١- المقري ونفح الطيب:
إن العنوان الكامل للكتاب هو "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين الخطيب"، أما مؤلف الكتاب فهو أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني المتوفى في القاهرة سنة ١٠٤١هـ ولو أردنا أن نضيف مزيدًا من النسب إلى التلمساني لقلنا الفاسي القاهري بسبب إقامته في كل من فاس، ثم القاهرة لسنين عديدة، بل إن سني حياته الأخيرة كانت في القاهرة حين وصل إليها سنة ١٠٢٨هـ وتزوج فيها إحدى بنات السادة الوفائية.
غير أن طبيعة العلماء الكبار في الوطن الإسلامي كانت مرتبطة بالسفر الكثير والارتحال شبه الموصول، ذلك أن طلب العلم أو منحه كان يقتضي الانتقال من بلد إلى بلد ومن قطر إلى آخر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن العالم يحس بالغربة إذا ما ارتحل؛ فلقد كانت تلك المساحة الشاسعة من الأرض الإسلامية العربية وطنًا واحدًا مهما تعددت أسماء الأقاليم ومهما اختلف حكام الأقطار، وكان العلم موضع تقدير الناس، ومن ثم كان العلماء موضعًا للإجلال والاحترام والترحيب.
وشيخنا أبو العباس المقري منسوب إلى مقر بلد أجداده، وهي قرية من قرى تلمسان في شمال إفريقية وفيها ولد ونشأ وحفظ القرآن، وتتلمذ على عمه الشيخ أبي عثمان سعيد المقري مفتي تلسمان لمدة سنة، وعلى عمه قرأ صحيح البخاري سبع مرات، وعنه روى كتب الحديث الستة، ومن ثم فإن الصفة الأولى للمقري أنه محدث كبير، درس الحديث في كل بلد حل فيه، وكان لرجال الحديث شأنهم بالصدق والأمانة العلمية والاستقامة، هذا فضلًا عن فنون أخرى من المعرفة امتلك المقري ناصيتها.
قلنا إن المقري كان كثير الارتحال، وهو في هذا السبيل رحل إلى فاس مرتين: مرة سنة ١٠٠٩ ومرة سنة ١٠١٣هـ، وفي كل مرة كان يقيم مدة زمنية غير قصيرة، وبحكم علمه وفضله كان وثيق الصلة بالأمراء والعلماء والعامة على حد سواء، وكان -شأن طبيعة العلماء- مجاملًا مهذبًا، فما كاد ينوي فراق فاس متجهًا إلى المشرق عازمًا على أداء فريضة الحج
стр. 459
ثم الإقامة في مصر، حتى رأى أنه من اللائق أن يستأذن صاحب مراكش وأميرها في كتاب رقيق تمثل فيه قول الشاعر الحضرمي علي بن عبد العزيز:
محبتي تقتضي مقامي ... وحالتي تقتضي الرحيلا
هذان خصمان لست أقضي ... بينهما خوف أن أميلا
فلا يزالان في خصام ... حتى أرى رأيك الجميلا
فأجابه صاحب مراكش إجابة تنم عن تقديره للرجل من الناحية الشخصية ومن الناحية العلمية على حد سواء قائلًا:
لا أوحش الله منك قومًا ... تعودوا صنعك الجميلا
وصل المقري إلى مصر سنة ١٠٢٨، وكان التكريم والإجلال حسبما سبق القول، ويتزوج من أشراف مصر، ويصبح صهرًا للسادة الوفائية، وكانوا أصحاب المكانة العليا في القاهرة آنذاك ولفترات طويلة من الزمان قبل ذاك وبعده.
ولسبب غير معروف على وجه الدقة يشكو المقري مصر وأهل مصر بشعره حينًا وتمثلًا بشعر شعراء آخرين حينًا آخر، سأله بعض الناس عن حاله بمصر فأجاب: دخلها قبلنا ابن الحاجب وأنشد فيها:
يا أهل مصر وجدت أيديكم ... في بذلها بالسخاء منقبضه
لما عدمت القرى بأرضكم ... أكلت كتبي كأنني أرضه
بل إنه لا يلبث أن ينشئ أبياتًا يشكو فيها حاله وعيشه في مصر شكوى مريرة وذلك في قوله:
تركت رسوم عزي في بلادي ... وصرت بمصر منسي الرسوم
ورضت النفس بالتجريد زهدًا ... وقلت لها عن العلياء صومي
ولي عزم كحد السيف ماضٍ ... ولكن الليالي من خصومي
ولما لم يكن البخل من صفات أهل مصر ولا الإساءة إلى الغريب من شيمهم إلا في حالة واحدة، هي حالة الاعتداء عليهم أو الاستعلاء على أقدارهم، ولا نظن أن المقري قد فعل ذلك، فإننا نستنتج أن المقري كان غير سعيد في بيته، ضائق الذرع بزوجته التي ربما لم تقدره حق قدره ولم تهيئ له أسباب الحياة السعيدة، وإذا لم يكن المرء سعيدًا في بيته
стр. 460
امتنعت عليه كل أسباب السعادة خارجه، ومن هنا كان برمه بالحياة في مصر، ولعل قرينة بعينها ترجح وجهة نظرنا هذه، وهي طلاقه زوجته الوفائية سالفة الذكر قبيل وفاته بقليل.
وربما كانت الزوجة البائسة صاحبة عذر في ذلك؛ لأن الرجل كان كثير الأسفار دائم البعد عن بيته الأمر الذي جعلها تضيق ذرعًا بأسفاره وأحواله.
كانت القاهرة على كل حال مقرًّا للمقري، استقر فيها، ومنها ينطلق سنة ١٠٢٩ إلى القدس، ثم يعود لينطلق إلى اليمن سنة ١٠٣٧ فيؤدي الفريضة ويملي حديث رسول الله فيها ومنها يذهب إلى المدينة المنورة حيث يملي حديث رسول الله ﷺ في مسجده وعلى مسمع منه، ويقول إنه قام بهذه الزيارات في تلك السنة سبع مرات. ويمضي بعض زمانه يدرس بالأزهر في القاهرة، ثم يعود فينطلق إلى القدس مرة ثانية سنة ١٠٣٩ فيجلس لإملاء صحيح البخاري في صحن جامعها ويستمع إلى درسه خلق كثير في مقدمتهم العلماء قبل الطلاب، ولم يتفق لعالم من الواردين على دمشق ما اتفق للمقري من الحظوة، وإقبال الناس على دروسه، وكانت دروس الحديث في مطلع النهار عادة، وأما في الأمسيات فكانت مساجلات أدبية ومطارحات شعرية رائعة تجري بينه وبين علماء دمشق وأدبائها، وفي أمسيات أخرى كان يلقي محاضرات في الأدب، ويكثر من تردد أخبار الوزير لسان الدين بن الخطيب وأشعاره حتى افتتن العلماء بالوزير وخبره وشعره، وطلبوا من العالم الأديب المحدث الراوية المؤرخ أبي العباس أن يكتب كتابًا عن ابن الخطيب، فكان هذا الكتاب الذي بين أيدينا حسبما سوف نفصل بعد قليل.
لم تزد إقامة المقري في دمشق في زيارتها الأولى لها عام ١٠٣٩ عن الأربعين يومًا، رحل منها في أوائل شوال، والقوم يبكون لفراقه عائدًا إلى مصر ثم عاد فزارها مرة ثانية في شعبان سنة ١٠٤٠هـ، وكأن الرجل كان يتحرى أن يقضي شهر الصيام في دمشق. واستقبل في المرة الثانية بمثل ما استقبل به في المرة الأولى، ولما تركها قال شعرًا لطيفًا في وداعها.
وفي القاهرة قر قراره على العودة إلى دمشق ليقيم فيها إقامة دائمة وطلق زوجه الوفائية ولكن المنية عاجلته في جمادى الآخرة سنة ١٠٤١هـ، فدفن في مقبرة المجاورين في القاهرة.
ذلك ما كان من أمر حياة المقري ومستقره وارتحاله، وهو كما رأينا يمثل حلقة التقاء بين المشرق والمغرب، فهو تلمساني المولد والنشأة، وتلمسان تقع في غرب القطر الجزائري على مقربة من حدود القطر المراكشي الحالي، ونحن لا نعلم السنة التي ولد فيها أبو العباس على وجه التحديد، ولكن من الثابت أنه رحل إلى فاس مرتين، ثانيتهما كانت سنة ١٠١٣ وكان آنذاك موضعًا لتقدير أميرها حسبما بينا في سالف الحديث، ومعنى ذلك أنه كان مكتملًا أساب النضوج، ونعلم أيضًا أنه دخل مصر عام ١٠٢٨، وتوفي فيها عام