← Указатели

Указатели · id 7248

مناهج التأليف عند العلماء العرب

مصطفى الشكعة

Полный текст (502 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والقول نفسه نطلقه على كتاب "الوافي بالوفيات" لخليل بن أيبك المعروف باسم صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ وهي السنة نفسها التي توفي فيها زميله الكتبي، غير أن الفرق كبير بين قيمة وحجم كل من الكتابين، ذلك أن الأول يقع في جزءين مطبوعين أما الثاني فيقع في العديد من المجلدات، طبع منها حتى تأليف كتابنا هذا ثمانية مجلدات كبيرة. ويضم الوافي بالوفيات ألفين وثلاثمائة وإحدى وخمسين ترجمة بينها عدد كبير من الترجمات لأدباء وأدبيات من الأندلس. وإذا كان الصفدي قد وقف بتراجم أعيان كتابه عن منتصف القرن الثامن تقريبًا، فإن العالم الجليل ابن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ يفرد كتابًا من خمسة مجلدات خص به الترجمة لأعيان القرن الثامن الهجري وحده دون غيره من القرون أطلق عليه "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، وهذا الكتاب يقابل كتاب "الكتيبة الكامنة" للسان الدين بن الخطيب مع فارق منهج كل منهما. وعن أعيان القرن التاسع يكتب شهاب الدين السخاوي كتابه الكبير "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" في اثني عشر مجلدًا، وكل من "الدرر الكامنة" و "الضوء اللامع" بضم العديد من الترجمات لأعيان الأندلس شأنهم في ذلك من العناية شأن بقية أعيان العالم الإسلامي. ولم يقف الأمر فيما يتصل بعناية المشارقة بالأدب الأندلسي عند من ذكرنا، بل إن كتب الموسوعات التي كتبت في العصر المملوكي -وهي موضوع الباب القادم- مشحونة بالنصوص الأندلسية بين شعر ونثر مفعمة بأخبار الأندلس والأندلسيين من سياسية وأدبية واجتماعية، وفي مقدمة هذه الكتب مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، ونهاية الأرب للنويري، وصبح الأعشى للقلقشندي، وهذا الكتاب الأخير المكون من أربعة عشر مجلدًا متخم بالنصوص الأدبية الأندلسية والرسائل الديوانية الرسمية منها بوجه خاص. بل إن بعض كبار أدباء المشرق قد توفروا على بعض الأعمال الأدبية الأندلسية تقديمًا وشرحًا وتعليقًا، فالأديب الكبير ابن نباتة المصري يتلقف رسالة ابن زيدون الهزلية التي كتبها إلى ابن عبدوس على لسان ولادة بنت المستكفي فيعكف على شرح مفرداتها وما حوت من عبارات مستغلقة أو أمثال سائرة، ثم يترجم لكل علم من الأعلام الذين وردت أسماؤهم في الرسالة من شعراء وكتاب وقادة وفرسان وفلاسفة وأطباء بحيث لا يترك علمًا واحدًا دون أن يخصه بدراسة مستفيضة، ويرسم صلاح الدين الصفدي على منوال أستاذه ابن نباتة، فيعكف على رسالة أخرى لابن زيدون -الرسالة الجدية- ويصنع بها صنيع ابن نباتة بأختها. وهكذا يكون المشارقة أول من اهتموا بالأدب الأندلسي دراسة وتدوينًا، وآخر من

стр. 457

اهتموا به كذلك؛ لأن الأندلس قد غربت شمسها منذ زمن بعيد، وأما المشارقة فقد كتب عليهم العيش يشهدون النكبة ويتخذون منها عبرة، إن كان فيهم بقية تعتبر.

стр. 458

١- المقري ونفح الطيب: إن العنوان الكامل للكتاب هو "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين الخطيب"، أما مؤلف الكتاب فهو أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني المتوفى في القاهرة سنة ١٠٤١هـ ولو أردنا أن نضيف مزيدًا من النسب إلى التلمساني لقلنا الفاسي القاهري بسبب إقامته في كل من فاس، ثم القاهرة لسنين عديدة، بل إن سني حياته الأخيرة كانت في القاهرة حين وصل إليها سنة ١٠٢٨هـ وتزوج فيها إحدى بنات السادة الوفائية. غير أن طبيعة العلماء الكبار في الوطن الإسلامي كانت مرتبطة بالسفر الكثير والارتحال شبه الموصول، ذلك أن طلب العلم أو منحه كان يقتضي الانتقال من بلد إلى بلد ومن قطر إلى آخر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن العالم يحس بالغربة إذا ما ارتحل؛ فلقد كانت تلك المساحة الشاسعة من الأرض الإسلامية العربية وطنًا واحدًا مهما تعددت أسماء الأقاليم ومهما اختلف حكام الأقطار، وكان العلم موضع تقدير الناس، ومن ثم كان العلماء موضعًا للإجلال والاحترام والترحيب. وشيخنا أبو العباس المقري منسوب إلى مقر بلد أجداده، وهي قرية من قرى تلمسان في شمال إفريقية وفيها ولد ونشأ وحفظ القرآن، وتتلمذ على عمه الشيخ أبي عثمان سعيد المقري مفتي تلسمان لمدة سنة، وعلى عمه قرأ صحيح البخاري سبع مرات، وعنه روى كتب الحديث الستة، ومن ثم فإن الصفة الأولى للمقري أنه محدث كبير، درس الحديث في كل بلد حل فيه، وكان لرجال الحديث شأنهم بالصدق والأمانة العلمية والاستقامة، هذا فضلًا عن فنون أخرى من المعرفة امتلك المقري ناصيتها. قلنا إن المقري كان كثير الارتحال، وهو في هذا السبيل رحل إلى فاس مرتين: مرة سنة ١٠٠٩ ومرة سنة ١٠١٣هـ، وفي كل مرة كان يقيم مدة زمنية غير قصيرة، وبحكم علمه وفضله كان وثيق الصلة بالأمراء والعلماء والعامة على حد سواء، وكان -شأن طبيعة العلماء- مجاملًا مهذبًا، فما كاد ينوي فراق فاس متجهًا إلى المشرق عازمًا على أداء فريضة الحج

стр. 459

ثم الإقامة في مصر، حتى رأى أنه من اللائق أن يستأذن صاحب مراكش وأميرها في كتاب رقيق تمثل فيه قول الشاعر الحضرمي علي بن عبد العزيز: محبتي تقتضي مقامي ... وحالتي تقتضي الرحيلا هذان خصمان لست أقضي ... بينهما خوف أن أميلا فلا يزالان في خصام ... حتى أرى رأيك الجميلا فأجابه صاحب مراكش إجابة تنم عن تقديره للرجل من الناحية الشخصية ومن الناحية العلمية على حد سواء قائلًا: لا أوحش الله منك قومًا ... تعودوا صنعك الجميلا وصل المقري إلى مصر سنة ١٠٢٨، وكان التكريم والإجلال حسبما سبق القول، ويتزوج من أشراف مصر، ويصبح صهرًا للسادة الوفائية، وكانوا أصحاب المكانة العليا في القاهرة آنذاك ولفترات طويلة من الزمان قبل ذاك وبعده. ولسبب غير معروف على وجه الدقة يشكو المقري مصر وأهل مصر بشعره حينًا وتمثلًا بشعر شعراء آخرين حينًا آخر، سأله بعض الناس عن حاله بمصر فأجاب: دخلها قبلنا ابن الحاجب وأنشد فيها: يا أهل مصر وجدت أيديكم ... في بذلها بالسخاء منقبضه لما عدمت القرى بأرضكم ... أكلت كتبي كأنني أرضه بل إنه لا يلبث أن ينشئ أبياتًا يشكو فيها حاله وعيشه في مصر شكوى مريرة وذلك في قوله: تركت رسوم عزي في بلادي ... وصرت بمصر منسي الرسوم ورضت النفس بالتجريد زهدًا ... وقلت لها عن العلياء صومي ولي عزم كحد السيف ماضٍ ... ولكن الليالي من خصومي ولما لم يكن البخل من صفات أهل مصر ولا الإساءة إلى الغريب من شيمهم إلا في حالة واحدة، هي حالة الاعتداء عليهم أو الاستعلاء على أقدارهم، ولا نظن أن المقري قد فعل ذلك، فإننا نستنتج أن المقري كان غير سعيد في بيته، ضائق الذرع بزوجته التي ربما لم تقدره حق قدره ولم تهيئ له أسباب الحياة السعيدة، وإذا لم يكن المرء سعيدًا في بيته

стр. 460

امتنعت عليه كل أسباب السعادة خارجه، ومن هنا كان برمه بالحياة في مصر، ولعل قرينة بعينها ترجح وجهة نظرنا هذه، وهي طلاقه زوجته الوفائية سالفة الذكر قبيل وفاته بقليل. وربما كانت الزوجة البائسة صاحبة عذر في ذلك؛ لأن الرجل كان كثير الأسفار دائم البعد عن بيته الأمر الذي جعلها تضيق ذرعًا بأسفاره وأحواله. كانت القاهرة على كل حال مقرًّا للمقري، استقر فيها، ومنها ينطلق سنة ١٠٢٩ إلى القدس، ثم يعود لينطلق إلى اليمن سنة ١٠٣٧ فيؤدي الفريضة ويملي حديث رسول الله فيها ومنها يذهب إلى المدينة المنورة حيث يملي حديث رسول الله ﷺ في مسجده وعلى مسمع منه، ويقول إنه قام بهذه الزيارات في تلك السنة سبع مرات. ويمضي بعض زمانه يدرس بالأزهر في القاهرة، ثم يعود فينطلق إلى القدس مرة ثانية سنة ١٠٣٩ فيجلس لإملاء صحيح البخاري في صحن جامعها ويستمع إلى درسه خلق كثير في مقدمتهم العلماء قبل الطلاب، ولم يتفق لعالم من الواردين على دمشق ما اتفق للمقري من الحظوة، وإقبال الناس على دروسه، وكانت دروس الحديث في مطلع النهار عادة، وأما في الأمسيات فكانت مساجلات أدبية ومطارحات شعرية رائعة تجري بينه وبين علماء دمشق وأدبائها، وفي أمسيات أخرى كان يلقي محاضرات في الأدب، ويكثر من تردد أخبار الوزير لسان الدين بن الخطيب وأشعاره حتى افتتن العلماء بالوزير وخبره وشعره، وطلبوا من العالم الأديب المحدث الراوية المؤرخ أبي العباس أن يكتب كتابًا عن ابن الخطيب، فكان هذا الكتاب الذي بين أيدينا حسبما سوف نفصل بعد قليل. لم تزد إقامة المقري في دمشق في زيارتها الأولى لها عام ١٠٣٩ عن الأربعين يومًا، رحل منها في أوائل شوال، والقوم يبكون لفراقه عائدًا إلى مصر ثم عاد فزارها مرة ثانية في شعبان سنة ١٠٤٠هـ، وكأن الرجل كان يتحرى أن يقضي شهر الصيام في دمشق. واستقبل في المرة الثانية بمثل ما استقبل به في المرة الأولى، ولما تركها قال شعرًا لطيفًا في وداعها. وفي القاهرة قر قراره على العودة إلى دمشق ليقيم فيها إقامة دائمة وطلق زوجه الوفائية ولكن المنية عاجلته في جمادى الآخرة سنة ١٠٤١هـ، فدفن في مقبرة المجاورين في القاهرة. ذلك ما كان من أمر حياة المقري ومستقره وارتحاله، وهو كما رأينا يمثل حلقة التقاء بين المشرق والمغرب، فهو تلمساني المولد والنشأة، وتلمسان تقع في غرب القطر الجزائري على مقربة من حدود القطر المراكشي الحالي، ونحن لا نعلم السنة التي ولد فيها أبو العباس على وجه التحديد، ولكن من الثابت أنه رحل إلى فاس مرتين، ثانيتهما كانت سنة ١٠١٣ وكان آنذاك موضعًا لتقدير أميرها حسبما بينا في سالف الحديث، ومعنى ذلك أنه كان مكتملًا أساب النضوج، ونعلم أيضًا أنه دخل مصر عام ١٠٢٨، وتوفي فيها عام

стр. 461

١٠٤١هـ، فتكون حياته العلمية والفكرية قد انقسمت قسمين أو بالأحرى نصفين: نصفًا قضاه في المغرب "تلمسان وفاس" ونصفًا قضاه في المشرق مدته ثلاث عشرة سنة، وبذلك ننتهي إلى النتيجة التي بدأناها، وهي أن عمره العلمي مقسم بين المشرق والمغرب ويكون المقري والحال كذلك همزة وصل متينة بين علم المشرق وعلم المغرب، وبين أدباء المغرب وأدباء المشرق. ولما كان المقري على هذا القدر الكبير من العلم والفضل والأدب فإننا نتوقع منه أن يقدم إلى المعرفة الإنسانية بعامة والثقافية بخاصة العديد من الكتب والمؤلفات التي أهمها: ١- "نفح الطيب" الذي نحن بصدد الحديث عنه بعد قليل. ٢- "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض" وهو شبه من حيث مقصده بكتاب "نفح الطيب"، فكما أن "نفح الطيب" كان الهدف منه حديثًا وتأريخًا للسان الدين بن الخطيب فإن الهدف من أزهار الرياض الترجمة للقاضي المغربي عياض بن موسى اليحصبي السبتي، وهو كتاب ثمين مليء بأسباب الأدب وطرائف الأخبار، وإن كان محوره القاضي المذكور، وهو مطبوع في أجزاء أربعة. ٣- "إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة" ومن المعروف أن المغاربة والمصريين والشوام غالبيتهم العظمى إن لم تكن جملتهم من أهل السنة والجماعة، والكتاب مطبوع. ٤- الدر الثمين في أسماء الهادي الأمين. ٥- قطف المهتصر في أخبار البشر. ٦- عرف النشق في أخبار دمشق. ٧- الغث والسمين والرث والثمين. ٨- روض الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقيه من أعلام مراكش وفاس. ٩- أزهار الكمامة. ١٠- حاشية على شرح أم البراهين "في علم التوحيد". ١١- إتحاف المُغري في تكميل شرح الصغري "متصل بالكتاب السابق في شرح السنوسية في علم التوحيد". ١٢- كتاب البدأة والنشأة "كله أدب من شعر ونثر". ١٣- فتح المتعال، وهي رسالة كتبها في وصف نعال النبي ﷺ . تلك أشهر الكتب التي كتبها أبو العباس المقري وهي تمثل ذخيرة ثمينة من كتب

стр. 462

الحديث والعلوم الشرعية والتوحيد والتاريخ والتراجم والأدب، وقد ضاع أكثرها، وكل الذي بين أيدينا منها الكتب الثلاثة الأولى وهي من النفاسة والقيمة بمكان، غير أن ما نهتم له هنا هو كتابه "نفح الطيب".

стр. 463

٢- منهج نفح الطيب وموضوعاته: أولًا: كان أبو العباس المقري محبًّا للسان الدين بن الخطيب الوزير العالم الأديب الغرناطي الذي مر حديثه، معجبًا بأشعاره مغرمًا بعلمه وأفكاره كثير الترداد لاسمه والاستشهاد بشعره في مجالسه إبان زيارته الأولى لدمشق، وكان يكثر من ذكر الأندلس ومجال طبيعتها، ونباهة شأن علمائها، ورقة شعر شعرائها، فطلب إليه أحمد بن شاهين القبرسي "القبرصي" المعروف بالشاهيني، وكان الشاهيني آنذاك كبير أدباء دمشق وشعرائها وفضلائها، ترك السيف وانعطف إلى القلم، وتمنى على صديقه وضيفه أبي العباس أن يكتب كتابًا عن لسان الدين يعرف بأحواله وأخباره وأدبه وكتبه، فاعتذر المقري أول الأمر عن الإقبال على مثل هذا العمل الجليل؛ لأنه لا يستطيع إيفاء من كان في مكانة ابن الخطيب حقه، فلما ألح الشاهيني في طلبه مستعينًا بصداقته ومودته وما له من دالة على المقري استجاب له أبو العباس ووعده بتحقيق رغبته بعد أن يعود إلى مصر. وما إن عاد عالمنا الكبير، وكان ذلك سنة ١٠٣٩ حتى عكف على الكتابة عن لسان الدين وبالمثابرة والمتابعة، والعزم والذاكرة الحافظة الواعية انتهى المقري من كتابه وجعل عنوانه "عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب"، ثم عن له أن يعزم "على زيادة ذكر الأندلس جملة، ومن كان يعضد به الإسلام وينصر وبعض مفاخرها الباسقة، ومآثر أهلها المتناسقة؛ لأن كل ذلك لا يستوفيه القلم ولا يحصر١. فلما أخذ الكتاب سمته الجديدة بهذه الإضافة رأى المؤلف أن يعيد النظر في عنوانه فجعله "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب". وهكذا بدأ المقري كتابه حول شخصية أندلسية واحدة، ثم ما لبث أن جعل منه موضوعًا للأندلس كلها. ثانيًا: جعل المؤلف كتابه في قسمين، وجعل كل قسم في ثمانية أبواب فخص القسم

стр. 464

الأول بأبوابه الثمانية بالأندلس وما يتعلق بها من وصف لأرضها ومحاسنها ومآثرها وطبيعتها وكورها وفتحها، وقوة الإسلام فيها، والخلافة الأموية، وقرطبة العاصمة، وجامعها، والزهراء الناصرية، والزهراء العامرية، والبساتين والمصانع، وإيراد القرائح والأفكار. وقد ضمن المقري هذا القسم أيضًا تعريفًا ببعض الشخصيات الأندلسية التي رحلت إلى المشرق، وكانت الرحلة إلى المشرق من كمال علمهم وضرورة تثقيفهم، وهؤلاء الذين ذكرهم المقري في نطاق الرحلة من الشهرة ووفرة العلم وسعة الثقافة بمكان، فكل من رحل من الأندلس ذكره المقري في هذا القسم من كتابه وترجم له، ويدخل في هذه المجموعة كثيرون من بني سعيد الذين مر حديثهم مفصلًا بعض الشيء ومنهم الوشاح وأبو بكر بن زهر، ومنهم يحيى الغزال. ومن الطريف أن المقري حين يذكر من وصل إلى الفسطاط أو القاهرة أو دمشق منهم ينصرف إلى وصف الفسطاط ومساكنها ومساجدها وجزيرة الروضة ومدينة القاهرة وقصورها وبركة الفيل التي كان المقري يسكن على شاطئها إبان إقامته في القاهرة. ويصف دمشق وجامعها وغوطتها ويذكر ما قاله الشعراء فيها ويعرض لكبار أدبائها إلى غير ذلك مما يتعلق بطرائف المشرق. وفي هذا القسم عينه المقري الوافدين على الأندلس من أهل المشرق، ومنهم كثرة أدت إلى الأندلس أجل الخدمات علمًا وأدبًا وفنًّا مثل موسى بن نصير، ويوسف بن عبد الرحمن الفهري، وعبد الرحمن بن معاوية المعروف "بالداخل" والصميل بن حاتم، وأبي علي القالي، وصاعد البغدادي، وزرياب المغني، وغيرهم، كما يذكر طرفًا من الأخبار التي تتعلق ببدء تحرك نصارى الأندلس إلى الاستيلاء على الأندلس الإسلامية. ويقول المقري: إنه لم يخل بابًا في هذا القسم من كلام للسان الدين بن الخطيب وإن قل. وهذا القسم مليء بالأخبار اللطيفة والأشعار الكثيرة الوافرة الطريفة والترجمة لشخصيات الأندلس ما بين ملوك وأمراء وقواد ووزراء وحجاب وشعراء، وكتاب وعلماء وقضاة وزهاد وفجار ونساء شاعرات وجوارٍ مرموقات، مع غلبة الطابع الأدبي على أي طابع آخر من طوابع المعرفة التي ترصع جنبات الكتاب. وأما القسم الثاني فهو لب الكتاب وأصله بأبوابه الثمانية التي ترتبط أسبابها بأسباب لسان الدين الخطيب أصلًا ومنشأ وحياة ومذهبًا وثقافة ومنصبًا وسفارة وتألقًا وشعرًا وموشحات وزجلًا، وتلامذة ومريدين، وندماء وأصدقاء، وكائدين، ومصنفات ومؤلفات واعتزالًا وارتجالًا ووفاة. ثالثًا: تعتبر مقدمة الكتاب معلمًا من معالمه السابقة، فهي قطعة من روائع الأدب المطرَّز

стр. 465

بالسجع التي تتضمن الكثير من الموضوعات والمواقف، ففيها ما يمكن أن يسمى بأدب الرحلة، مثل رحلته في البر والبحر من المغرب إلى مصر، ووصف المراكب وسيرها على صفحة الماء، وتأرجحها على هامة الأمواج، وتمزقها من عاتية الرياح، وراكب البحر وما يسيطر عليه من خوف، ويتمثل بالبيت الشعري اللطيف: ثلاثة ليس لها أمان ... البحر والسلطان والزمان ويبدع أيما إبداع، ويحلق أيما تحليق، ويشف أيما شفافية، وهو يقترب من البيت العتيق، ويطوف حوله، ويتألق ويتشوق، ويتصوف، وهو يحبو إلى رحاب طيبة حيث مستقر الرسول الأمين ﷺ . وحين يصل إلى مصر يصفها ونيلها وروضتها، ويردد شعرًا كثيرًا قيل فيها وفي نيلها ويستشهد بقول ابن ناهض فيها: شاطئ مصر جنة ... ما مثلها في بلد لا سيما مذ زخرفت ... بنيلها المطرد وللرياح فوقه ... سوابغ من زرد ويورد قول شاعر آخر في النيل: انظر إلى النيل الذي ... ظهرت به آيات ربي فكأنه في فيضه ... دمعي وفي الخفقان قلبي وقول آخر في النيل وفيضانه المنتظم: كأن النيل ذو فهم ولب ... لما يبدو لعين الناس منه فيأتي حين حاجتهم إليه ... ويمضي حين يستغنون عنه ومن مواقف اللوعة التي تتسم بها المقدمة وصف المؤلف لبلاده ووداعه لموطنه وارتحاله عن بلده بمقطوعات من الشعر العاطفي الوجداني، ومختارات رائعة لغيره من الشعراء في وصف الوطن والأسى لفقد ربوعه والحزن لفراقه الأهل والأحباب، واللوعة لمغادرة الديار بحيث جعل المقري من مقدمته الطويلة خزانة لفنون من أدب الرحلة وأدب الديار ومساجلات الأدباء ومطارحات الشعراء، وإن عابها بعض مواقف الإطالة وبعض أساليب الإطناب. رابعًا: والكتاب في جملته مكتوب بأسلوب مشرق جذاب وإن كان يضم الكثير من الصنعة والعديد من الأسجاع، ولعله كان في ذلك يتشبه بأسلوب لسان الدين بن الخطيب، وينسم من خلاله شذاه ولكن الفرق بينهما بعيد.

стр. 466

وفي الوقت نفسه ينبغي الإشارة إلى أن المقري قد عاب كتابه بالاستطرادات الطويلة الكثيرة التي تلقي بالقارئ في متاهات صعبة بحيث يكاد ينسى الموضوع الذي كان متوفرًا عليه. خامسًا: ومن عيوب الكتاب أيضًا التكرار، والتكرار غير الاستطراد، ذلك أن المقري يأتي بالخبر الطويل المقترن بالشعر الكثير، ثم لا يلبث أن يكرره مثنى وثلاثًا في أماكن عديدة من الكتاب بنصفه ومحتواه، ثم يعود مرات أخرى لكي يكرره من أوله تارة، ومن وسطه تارة ثانية ومن آخره تارة ثالثة ولو قد خلص الكتاب من التكرار لزاد قدره قيمة على قيمته، غير أن عذرًا قد يلتمس للمؤلف، ذلك أنه حينما يكرر في بعض الأحيان يكون سبب التكرار رواية لمصدر غير المصدر ذي الرواية الأولى. سادسًا: والحديث عن المصادر يدفع بنا إلى ذكر حسنة كبرى من حسنات "نفح الطيب"، ذلك أن المقري -بحكم كونه راوية محدثًا- يعتمد أسلوب الرواية في ما يورده من أخبار، فيرد كل خبر إلى أصله وكل شعر إلى مصدره، فيتجمع لنا من خلال روايات المقري في نفحه عدد كبير من مصادر الأندلس التاريخية والأدبية، ما ضاع منها وما قد نجا من آفة الضياع والاحتراق والإخفاء والسرقة والتلف. وكتاب "نفح الطيب" يعتبر خاتمة الموسوعات الكبرى المتخصصة في عرض التراث الإسلامي الأندلسي من تاريخ وبلدان وآداب وترجمات وسياسة ووزارة وفتوح وحروب ودس وهزائم وصفحات ناصعة وأخرى مخزية، وهو في جملته بالنسبة للأدب الأندلسي كتاب الكتب وسفر الأسفار. والكتاب لأهميته طبع إلى الآن مرات أربعًا، ثلاث مرات في مصر، أولاها في مطبعة بولاق سنة ١٢٧٩، وثانيتها في المطبعة الأزهرية، وثالثتها بتحقيق محيي الدين عبد الحميد سنة ١٣٦٧هـ، والرابعة في بيروت بتحقيق الدكتور إحسان عباس.

стр. 467

الباب الحادي عشر: الموسوعات العربية الفصل الأول: ظهور الموسوعة العربية والعصر المملوكي ظهور الموسوعة العربية ... الباب الحادي عشر: الموسوعات العربية: الفصل الأول: ظهور الموسوعة العربية والعصر المملوكي إذا كان لكل عمل علمي سمة يوسم بها أو ميدان يختص به من لغة أو أدب أو تاريخ أو سياسة أو آثار أو بلدان، فإن عددًا غير قليل من الكتب العربية يمكن أن يوسم بكل هذه الموضوعات مختصًّا بها اختصاصًا جزئيًّا، مسهمًا في ميدان كل منها بنصيب وافر، وهذا الصنف من الكتب الكبيرة الضافية الشمول هو ما يمكن أن نضعه تحت اسم "الموسوعات" قد كتب في العصر المملوكي، الأمر الذي جعل عددًا غير قليل من الدارسين يطلق عليه عصر "الموسوعات العلمية" وهو حكم صحيح إلى حد كبير، ذلك أن عصرًا تكتب فيه كتب جمعت إلى ضخامة الحجم نفاسة المحتوى، وإلى وفرة العدد أصول علومنا الحضارية، لا ينبغي لأحد أن يبخل عليه بهذه التسمية ولو جنح فيها إلى بعض ألوان المبالغة المقبولة، فأشهر الموسوعات التي ظهرت في العهد المملوكي هي نفسها أشهر ما عرف باسم الموسوعات في رحاب الفكر الإسلامي على امتداد زمانه طولًا، وعلى سعة أرضه عرضًا إنها: ١- لسان العرب ٢- نهاية الأرب في فنون العرب ٣- مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ٤- صبح الأعشى في كتابة الإنشا. ٥- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ٦- الخطط للمقريزي ٧- الدرر الكامنة لابن حجر ٨- الوافي بالوفيات للصفدي. إن هذه الكتب الكبيرة النفيسة الرحيبة لا يكاد يستغني عنها باحث، ولا يستطيع أن يغض من شأنها دارس، فهي زاد طيب لكل باحث ونبع ثر العطاء لكل من الطالب والأستاذ على حد سواء.

стр. 468

الموسوعات والعصر المملوكي: وإن لظهور هذه النفائس في العصر المملوكي على وجه الخصوص معنى كبيرًا لا ينبغي أن تفوتنا دلالته العميقة التي تصحح دون ريب تصورًا خاطئًا وقر في أذهان كثير من الدارسين لقد ذهب بعض الكتاب دونما قصد في الأحكام، أو تروٍّ في إصدارها إلى أن العصر المملوكي كان عصر تخلف علمي، وتأخر أدبي، واخترعوا لذلك أسبابًا وابتدعوا تعلات ودواعي، ولم يخطر ببالهم قبل إصدار تلك الأحكام أن يلتفتوا بعض الشيء إلى هذه الأعمال العلمية الكبرى الوفيرة العدد التي يغني الواحد منها عن مائة كتاب، كما أنهم لم يزنوا طبيعة العصر ودقته وخطره ولم ينتبهوا إلى أنه كان يمثل جانبًا من الوطن الإسلامي الكبير، الذي خرج من محنة التتار منهوك القوى مثخنًا بالجراح مجردًا من كنوز عقوله المسجلة في روائع الكتب التي ألقيت في نهر دجلة فطمته، وسود مدادها صفاء مائه لفترة من الزمان كانت شاهدًا على أكبر جريمة ارتكبت في حق الإنسانية على مر الدهور، هذه واحدة، ومن ناحية أخرى، لم تقف ملكة التأليف السخية بأصحاب الموسوعات عند اقتصار كل واحد منهم على موسوعته وإنما جادت قرائحهم الخصيبة بأعداد وفيرة من المؤلفات لم تلقَ من حظ الشهرة -على نفاستها- ما لقيته أخواتها على ما سوف نبين بعد قليل، ومن ناحية ثالثة لم يكن هذا العصر مجرد عصر إحياء ما ذوي ولم شتات ما اندثر من آثارنا الفكرية وتسجيل ما هو مهدد بالزوال من أدبنا ما كان منه مسطرًا في الكتب أو مبعثرًا في الأذهان وحسب١، وإنما كان عصر عطاء وبناء وابتكار، وآية ذلك ظهور العالم الجليل والمفكر الأديب، والمؤرخ الدقيق والفيلسوف العميق والسياسي العظيم عبد الرحمن بن خلدون، إن الظاهرة الخلدونية لا يمكن أن تتوفر لها أسباب الظهور في مجتمع متخلف الفكر جامد العطاء، كل مهمته تسجيل ما فات وتحبير نتاج فكر مضى، وإنما معنى ذلك أن المجتمع -رغم أن حكامه لم يكونوا عربًا- وكان مجتمع علم اتسم بالوقار واتصف بالعمق ونأى بنفسه عن أسباب الضجيج التي سايرت بعض العصور السابقة له. هذا وليس معنى كون الحكام آنذاك -في مصر مركز الثقافة- غير عرب أن يتخلف العلم، ويجف مداد الأقلام وتتوقف العقول عن التفكير وتعجز القرائح عن العطاء، فتلك نظرية خطيرة لم يثبت التاريخ صحتها؛ ذلك لأن هؤلاء الملوك أنفسهم كانوا مسلمين وإن لم يكونوا عربًا، والحضارة في جوهرها حضارة إسلامية قبل أن تكون عربية، ولم يكن من المعقول أو المقبول أن يقف الملوك الذين قهروا التتار وحاربوا الصليبيين في وجه الفكر

стр. 469

الإسلامي والحيلولة دون عطائه برغم قلة حصيلتهم من العربية، بل العكس هو الصحيح فقد كانوا يحسنون اختيار وزرائهم -رؤساء ديوان الإنشاء- وينتقونهم من بين خيرة العقول المثقفة العالمة الواعية، ويكفي أن يكون ابن فضل الله العمري صاحب "مسالك الأبصار" واحدا من وزرائهم، وأن يكون القلقشندي وابن منظور صاحب "لسان العرب" والنويري صاحب "نهاية الأرب"، والمقريزي صاحب "الخطط" من رجالهم وموظفي ديوانهم. ومن الأمور الجديرة بالذكر أن عصر الموسوعات كان قريب العهد بالعصر الذي زخرت فيه الأندلس بكبار العلماء والفلاسفة والمفكرين والمؤلفين، ولم تكن هناك حدود ولا سدود تفصل أرض المسلمين وإن تشعبت إلى ممالك متفرق بعضها عن بعض، بل كانت الرحلة دائمة والأسباب موصولة، فلم يكن الفكر في الشرق بمعزل عن نظيره في المغرب والأندلس، ومن ثم كان التفاعل قائمًا والعطاء متصلًا. هذا ولا يستطيع الباحث المدقق أن يغفل أن هذه الموسوعات المملوكية كانت منصبة في أكثر جوانبها على دراسة البيئة المصرية بصفة خاصة دراسة أدبية اجتماعية سياسية تاريخية اقتصادية جغرافية، متناولة البيئة الإسلامية بصفة عامة في ميادين الدراسة نفسها سالفة الذكر، ومن ثم فهي صدى ثقافة بيئة ونتاج عقول منطقة من أرض المسلمين، إليها انتهت الزعامة الحربية والرئاسة السياسية، فتوفر علماؤها على التأليف والكتابة من منطلق خاص هو الأرض الإسلامية المصرية، فكانت السمات البيئية الثقافية -والأمر كذلك- عنصرًا لا يستطيع الباحث أن يغض من شأنه حين يعرض لتحليل ظهور هذا النوع من الموسوعات زمانًا ومكانًا. تلك حقائق تاريخية وعلمية أردنا في إيجاز شديد أن نصحح من خلالها خطأ ربما كان غير متعمد لحق بعصر الموسوعات المشهورة، ومن ثم أوقع حيفًا على أهله هم منه بنجوة وبراء.

стр. 470

الفصل الثاني: الموسوعات المملوكية وكتابها: ابن منظور ولسان العرب: إن أول هؤلاء من الناحية التاريخية على الأقل جمال الدين أبو الفضل محمد بن علي المصري المشهور بابن منظور ولادة ووفاة ٦٣٣-٧١١هـ، لقد توفر ابن منظور على إنجاز أكبر وأغنى قاموس عرفته اللغة العربية حتى الآن ضمنه ثمانين ألف مادة ضمها عشرون مجلدًا بحروف المطبعة الحديثة، ولا يزال هذا القاموس الجليل في مقدمة ما يرد على الذهن من مراجع لغوية إذا احتاج المرء إلى الكشف عن كلمة غمضت عليه أو استبهم أمرها واستعصى فهمها، وإن الشمول الذي يتصف به ابن منظور في "لسان العرب" والصواب الذي يلازمه في كل مواده، والفيض الذي يترع دفتيه ليس وليد مصادفة أو حظ باسم، وإنما هو حصاد عمل موصول وثمرة كد لا يعرف الملل، ذلك أن الرجل ما ترك مصدرًا سابقًا إلا استشاره، ولا كتاب لغة ثبت الأصول إلا رجع إليه، وفي مقدمة ذلك "التهذيب" للأزهري، و"الصحاح" للجوهري وكتابا ابن سيده "المحكم" و "المخصص". وإذا سأل سائل كيف أمكن لابن منظور وقد كان له عمل آخر هو الكتابة في ديوان الإنشاء أن يجد من فسحة وقته ما يسمح له بالقيام بهذا العمل الكبير؟، فإن الإجابة قد لا تخلو من طرافة إذا عرف أن "لسان العرب" لم يكن وحده العمل العلمي الذي أنجزه -على بسطته وعمقه وطوله - ابن منظور، بل لقد ترك الرجل عددًا آخر من الأعمال العلمية الجليلة واهتم باختصار المطولات من كتب الأدب كما سماها الأقدمون، والموسوعات كما نسميها نحن المحدثين، فاختصر الحيوان للجاحظ، وتاريخ دمشق لابن عساكر، والذخيرة في محاسن الجزيرة لابن بسام، والأغاني للأصبهاني، ومن الطريف أيضًا أن تلك الكتب التي اختصرها لم ينل من جوهرها أو يقلل من فرصة الانتفاع بها، بل قدمها ميسرة خالية مما لا يهتم له أكثر القراء من حشو وأسانيد وعنعنات، فابن منظور والأمر كذلك عبقري موهوب، والعبقرية تذلل أمام صاحبها كل أمر يصعب على غيره.

стр. 471

النويري ونهاية الأرب: فإذا عرضنا لموسوعة أخرى لعالم آخر، وراعينا التسلسل الزمني، كان أحمد بن عبد الوهاب القرشي التيمي البكري المصري المعروف بالنويري لمولده في قرية نويرة ببني سويف في أسفل صعيد مصر، هو موضع الإشارة وصاحب الاهتمام، لقد عاش النويري بين سنتي ٦٧٧-٧٣٣هـ، ولعل أهم مصدر لحياة النويري ومنهج تفكيره هو مقدمة موسوعته العظيمة "نهاية الأرب في فنون العرب. إنه يذكر في إيجاز أنه اشتغل بالكتابة في ديوان الناصر محمد بن قلاوون، ثم تقلد بعض وظائف أخرى في الدولة، ولعل هذه الوظائف جميعًا وأشرفها هي قيادته إحدى فرق جيوش المسلمين التي تمركزت في كل أنحاء الإقليم الشمالي من المملكة المصرية الشامية، فقد ولي النويري قيادة الجيش المرابط في طرابلس لفترة غير قصيرة من الزمان، ثم ما لبث أن تخلى عن ذلك كله وتفرغ للكتابة التي كانت ثمرتها "نهاية الأرب" الذي كتبه في ثلاثين جزءًا والذي بلغ ما طبع منه ثمانية عشر جزءًا فقط حتى الآن. والذي يتتبع النويري في "نهاية الأرب" يحس بروعة العمل الذي قام به هذا العالم الجليل والفارس النبيل، ويلمس عمق فكره وسعة اطلاعه لما حوى كتابه من موضوعات متعددة قد تبدو أحيانًا متباعدة، ولكنه يربط بينها في براعة ويسر، ويقدمها على صفحات كتابه فياضة متواكبة، فبينما يتحدث عن الموسيقى والغناء والزندقة والخمر نراه يتحدث عن الزهد والتعبد، وبينما يتحدث عن الشعر والنثر في مكان يتحدث عن الجيش، وأسلوب الحكم والحرب بحرًا وبرًّا في مكان آخر، وهكذا. إن موسوعة النويري -شأن كل موسوعة- تضم ألوانًا من المعرفة، وأشتاتًا من الأخبار، وموضوعات من الأدب، وقضايا من التاريخ، ونماذج من أنظمة الحكم، ظواهر من الكون، كل ذلك في نطاق العلوم المتعارف عليها، غير أنه يبدو واضحًا أن النويري في منهجه وكثرة استطراده، وطريقة عرض شواهده متأثر كل التأثر بمنهج كل من الجاحظ في "كتاب الحيوان" وابن قتيبة في "عيون الأخبار"، ولعل منهج الجاحظ عنده أبين وأوضح، وهو يعترف بذلك في مقدمته للكتاب بقوله: "وما أوردت فيه إلا ما غلب على ظني أن النفوس تميل إليه، وأن الخواطر تشتمل عليه، ولقد تتبعت فيه آثار الفضلاء قبلي، وسلكت منهجهم فوصلت بحبالهم حبلي". على أن موسوعة النويري في حقيقتها أثمن بكثير من تقويم صاحبها لها، ذلك أنها حوت الكثير الفريد من العلوم والنادر الخطير من أخبار التاريخ، وبخاصة ما أشار إليه المستشرق فازيلييف من أخبار خطيرة كأخبار صقلية كانت موضع اهتمام النويري نقلها عن مؤرخين قدماء لم تصل إلينا أخبارهم، مثل ابن الرقيق وغيره.

стр. 472

ومن الأمور الهامة التي ينبغي ألا تفوت الباحث أن العلم الواسع والمعرفة الشاملة لم يكونا وقفًا على عالم واحد في زمان بعينه، لا يشاركه فيهما أحد ولا ينازعه فيهما منازع، المسألة لم تكن تسلسلًا زمنيًّا منسقًا بحيث يموت علم من أعلام المعرفة فيظهر من بعده آخر، وإنما كان العلماء الكبار يتعاصرون ويلتقون، خصوصًا أولئك الذين كانوا يعيشون في مصر والشام، هذين البلدين الذين ظلَّا يشكلان بلدًا واحدًا على مدى عصور التاريخ، وكانت ظاهرة الوحدة بينهما أكثر وضوحًا في العصر المملوكي منها في بقية العصور.

стр. 473

صلاح الدين الصفدي، وابن شاكر الكتبي: نعود إلى فكرتنا عن معاصرة العلماء الأعلام بعضهم لبعض، إنه في الوقت الذي عاش فيه النويري بين سنتي ٦٧٧-٧٣٣هـ منسوبًا إلى مصر باعتباره مولودًا في إحدى قراها، كان يعيش في بلاد الشام عالمان هما صلاح الدين الصفدي وابن شاكر الكتبي. لقد عاش العالم الجليل صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي -وقد مر بعض خبره- بين عامي ٦٩٦ و٧٦٤هـ معاصرًا للنويري مدة أربعين عامًا، وليس هناك ثمة شك في أنهما التقيا، فكل منهما عاش لفترة من الزمن في بلد الآخر. والصفدي وافر الإنتاج كثير التأليف غزير المادة، ألف عشرات من الكتب التي لا يخلو بعض موضوعاتها من طرافة، فمن ذلك على سبيل المثال كتابه "نكت الهميان في نكت العميان" الذي ترجم فيه لمشاهير العميان من العلماء والأدباء والأعلام، وتحدث عن طرفهم وبعض ما يريح الخاطر من أخبارهم وأمورهم ونوادرهم الأدبية، ولا زالت أحفظ منذ فجر صباي أبياتًا طريفة أوردها الصفدي في كتابه، هذا لشاعر يتغزل في عمياء يقول فيها: إن الكمال أصاب في محبوبتي ... لما أصاب بعينه عينيها زادت حلاوتها فصرت تخالها ... وسنى وقد أسر الكرى جفنيها وكما علمت وللدبيب حلاوة ... فكأنني أبدًا أدب إليها ليس هذا على كل حال موضوعنا فربما كان دافعي إلى ذكر هذه الطرفة هو شيء من الترويح عن النفس، وإنما الذي يهمنا أن صلاح الدين الصفدي، قد قرأ كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان -وهو أكثر موسوعات التراجم دقة وثقة- ورأى أن يستدرك ما فات ابن خلكان وأن يغطي الفترة الزمنية التي فصلت بينهما فأنشأ موسوعته النفيسة "الوافي بالوفيات" التي لم يطبع منها لسوء الحظ -حسبما ذكرنا في الباب الماضي- إلا أجزاء ثمانية حتى كتابة هذه الأسطر، وتقوم على نشرها الآن في فسبادن بألمانيا هيئة من المهتمين بنشر التراث العربي. وأما ابن شاكر الكتبي فقد عاصر الصفدي بل إنه مات في العام نفسه الذي مات فيه

стр. 474

رفيقه أي عام ٧٦٤هـ، أما تاريخ مولده فغير معروف لنا؛ لأن الرجل ولد في قرية من قرى دمشق هي داريا من أسرة خاملة الذكر، ولذلك فإنه ينسب إلى قريته حين يذكر اسمه كاملًا، وهو -وقد مر حديثه أيضًا- محمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن الكتبي الداراني الدمشقي١. ومن الطريف أنه اتخذ لنفسه صفة هي "صلاح الدين" تمامًا مثل معاصره خليل بن أيبك الصفدي، الذي اتخذ لنفسه الصفة ذاتها. إن ابن شاكر -وقد أسلفنا بعض خبره- كان وراقًا يشتغل بتجارة الكتب التي غيرت حاله من الفقر المدقع إلى الثراء الوفير، وربما رأى أن الوفاء يقتضيه أن يرد بعض الجميل إلى المهنة التي دفعت به إلى عالم الثراء، فأقبل على العلم دراسة، وعلى التأليف إنتاجًا فقدم لدينا المعرفة موسوعتين نفيستين إحداهما مرتبطة باسمه دائمًا، وهي "فوات الوفيات" التي طبعت في مجلدين، وأما الموسوعة الثانية، فهي "عيون التواريخ" التي تقع في ستة مجلدات لا تزال مخطوطة تنتظر من يفرج عنها ويحققها ويطبعها. غير أن الأمر الجدير بالذكر أن الكتابين سالفي الذكر يدخلان في نطاق علم التراجم الذي يحدده منهج لا يستطيع المؤلف أن ينفلت منه إلا في القليل؛ لأن كل ما يذكر فيها من أحداث إنما يكون سوقها مرتبطًا بحياة شخص معين بخلاف الموسوعات المصطلح عليها بهذا الاسم فإنها تنطلق في دنيا المعرفة طولًا وعرضًا وفي ميادين العلوم تنوعًا وشمولًا.

стр. 475

ابن فضل العمري ومسالك الأبصار ... ابن فضل الله العمري ومسالك الأبصار: وثالثة الموسوعات المملوكية من حيث التاريخ، وأوفرها شهرة، وأكثرها حظًّا من حيث احتفال الأدباء والدارسين بها هي موسوعة "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العمري الذي عاش بين سنتي ٧٠٠ - ٧٤٩هـ، والذي شغل وظيفة رئيس ديوان الإنشاء التي تعتبر في زماننا هذا مساوية لوظيفة رئيس الوزراء ووزير الخارجية. إن شخصية العمري شخصية فذة فريدة قليلة المثال في التاريخ، فالرجل لم يعش أكثر من تسع وأربعين سنة وصل فيها إلى أوج الرتب بتوليه ديوان الإنشاء وتدحرج إلى الحضيض حينما غضب عليه السلطان الناصر، وقطع يده وزج به في غيابة السجن لفترة غير قصيرة الأمد١ ثم ما لبث أن أفرج عنه، فإذا ما أسقطنا من عمر أديبنا الكبير سنوات طفولته وفترة

стр. 476

تحصيله العلم في سنوات يفاعه التي تتلمذ فيها لصفوة علماء العصر، وفي مقدمتهم الإمام العالم الفارس الورع أحمد بن تيمية، وإذا أسقطنا من حسابنا أيضًا سنوات المحنة التي تعرض لها العالم الجليل والوزير النابه، لم نستطع أن نخفي دهشة ليس إلى تجاهلها من سبيل؛ لأن الآثار العلمية لابن فضل الله العمري تكون قد كتبت في أقل من خمس وعشرين سنة مزدحمة إلى جانب ذلك بهموم الوزارة ورئاسة ديوان الإنشاء، لقد خلف العمري بالإضافة إلى موسوعنه الكبيرة عددًا كبيرًا من الكتب النفيسة التي يبلغ الواحد منها أحيانًا بضعة مجلدات مثل "فواصل السمر في فضائل آل عمر" الذي يقع في أربعة مجلدات، ويسبب تأليفه -فيما يذكر صاحب الدرر الكامنة- لقب شهاب الدين بالعمري. ومن كتبه المطولة أيضًا كتابه "صبابة المشتاق" في المدائح النبوية ويقع هو الآخر مثل سالفه في أربعة مجلدات، وبقية كتبه تدل دلالة واضحة على عبقرية الرجل وتعدد ميادين ثقافته، وموهبة أصيلة في اقتناص المعرفة وهضمها بحيث تنبثق من خواطره بعد ذلك علمًا غزيرًا فياضًا كما تتفجر ينابيع الجبال إثر شتاء سكوب المطر وافر الثلوج، فمن هذه الكتب الأخرى ما هو في التاريخ والجغرافيا مثل كتابيه "ممالك عباد الصليب" والدائرة بين مكة والبلاد، ومنها ما يتصل بعلوم الحديث مثل كتابه "التعريف بالمصطلح الشريف" ومنها ما يتصل بتعليم الإنشاء مثل كتابه "النبذة الكافية في معرفة الكتابة والقافية" ومنها ما كان فيض وجدانه وذوب خواطره في ميادين الأدب مثل "نفحة الروض" و "يقظة الساهر" ومجموعة رسائله التي أسماها "الثنويات". الحق أننا أمام شخصية أدبية فكرية علمية سياسية فريدة، قصيرة العمر خصيبة الإنتاج، مجرد ظهورها وظهور أترابها ممن نحن بصدد ذكرهم يرفع من قيمة العصر الذي يعيشون فيه ويعلي شأنه ويمجد أيامه. فإذا ما رجعنا بالحديث إلى كتاب "مسالك الأبصار" وهو فيما يرى مؤرخو الرجل، أجل أعماله وأرجحها وزنًا وأعلاها قيمة، وجدنا أنفسنا أمام موسوعة طابعها العام التخصص غير المقيد بحدود، وهو تعبير قد يبدو غريبًا بعض الشيء، ولكن منهج العمري الجغرافي لم يمنعه من أن يستطرد في حدود المنطق والمنهج إلى التاريخ والأدب والعمارة والآثار والمساجد والكنائس والمعابد والديارات والحانات والأجناس، إن ابن فضل الله العمري في موسوعته "مسالك الأبصار" ينتقل بقارئه في غير ما ملل ولا سأم من واحة أدبية إلى جنة فكرية إلى باحة تاريخية إلى عمائر أثرية، وهو في ذلك كله أدبي السرد جغرافي المنهاج. والعمري يشرح بنفسه منهج كتابه -في مقدمته- رابطًا بين المنهج والعنوان حين يقول: إنه قسمان "أولهما في الأرض وثانيهما في سكان الأرض، والقسم الأول منهما -أي الأرض- على نوعين: أولهما المسالك وثانيهما الممالك" ويمضي العالم الجليل يقدم

стр. 477

موسوعته القيمة في تفصيل منطقي، وتقسيم منهجي يشهد له بما هو أهل له من شهرة وتقديم، ولكي يدخل المؤلف الاطمئنان إلى قلب قارئه ويزيد ثقة بالمعلومات التي يبسطها بين يديه، خاصة إذا كان القارئ من العلماء المدققين، فإنه يؤكد ذلك بقوله: "ولم أذكر عجيبة حتى فحصت عنها، ولا غريبة حتى ذكرت الناقل عنه لتكون عهدتها عليه". ثم يستطرد العالم الجليل زيادة في إشعار القارئ المتخصص بالراحة النفسية، وذلك بقوله: "ولم أنقل إلا عن الأعيان الثقات من ذوي التدقيق في النظر والتحقيق في الرواية" الأمر الذي جعل عالماً جليلاً من خيرة مؤلفي كتب التراجم هو ابن شاكر يقول عنه: كتاب حافل ما أعلم أن لأحد مثله. إن كتاب "مسالك الأبصار" كموسوعة يهم كل عالم ومثقف، كلاً في تخصصه، ولكنه من الناحية الخاصة يهم عالم الجغرافية بمختلف فروعها، ويهم عالم الأدب لتوسعه في موضوع بعينه متصل بالأدب العربي في جانب منه اتصالاً وثيقاً، وهو موضوع "الديارات" التي ألف فيها عدد من المؤرخين كتباً ذهب أكثرها وبقي أقلها؛ ولأن ما كتبه صاحب مسالك الأبصار عن الديارات يشكل وحده كتاباً نفيساً في هذا الفرع من فروع مسالك الشعراء بخاصة، وموضوعات الأدب بعامة.

стр. 478

القلقشندي وصبح الأعشى: والموسوعة الرابعة في الترتيب التاريخي هي "صبح الأعشى في كتابة الإنشا" ومؤلف هذه المسوسوعة النفيسة، هو أبو العباس محمد بن عبد الله القلقشندي نسبة إلى قلقشندة إحدى قرى محافظة القليوبية بمصر الذي عاش بين سنتي ٧٥٦ - ٨٢١هـ. ولم يكن "صبح الأعشى" على نفاسته وشموله وضخامته، هو المؤلف الوحيد لصاحبه، وإنما ترك القلقشندي مجموعة أخرى من الكتب النفيسة. وحتى جهد القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى" تكون الموسوعات ذات طابع الاشتمال على كل شيء قد بدأت مناهجها تتحدد، وخطوط الاستطراد الطويلة فيها تقصر، وتعدد الموضوعات وفروع المعرفة التي تحتويها تتقلص، ليس على حساب العلم -بطبيعة الحال- بقدر ما هي لحساب التخصص، ذلك أن أول موسوعة تظهر حسب الترتيب التاريخي بعد موسوعة القلقشندي كانت موسوعة المقريزي المعروفة باسم "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" وهي كما نرى من عنوانها موسوعة تاريخ، وكتاب قائم على التخصص في موضوع بذاته. ومن هنا فقد حدثت النقلة الكبيرة في مناهج التأليف الموسوعي من نطاق التعدد والشمول لموضوعات شتى إلى نطاق التحدد والشمول لموضوع بذاته، على أن هذه النقلة المفاجئة إلى ميدان التخصص لا تعني بأي حال النيل من الروائع الموسوعية

стр. 479

السابقة ذات القيمة الخالدة، فليست موسوعة "لسان العرب" إلا لتخصص هناك كان -على ما ألمحنا- في نطاق السعة والشمول، والتخصص هنا على موسوعيته في نطاق الموضوع محدد مع بعض التسامح في الاستطراد بعيد عن عنوان الموضوع مع ارتباط في الوشيجة وصلة في الجوهر.

стр. 480

المقريزي ومؤلفاته: إن المقريزي إن لم يكن مؤرخ مصر الأول وعمدة مؤرخيها، فإنه دون ريب بموسوعته "الخطط" يقف في الصف الأول بين المؤرخين المسلمين. وهو وإن لم يكن أول من ابتكر الكتابة في الخطط كما أنه ليس آخرهم، إلا أنه كان أعظم كتاب الخطط في تاريخ مصر الإسلامية١. وخطط المقريزي من الدقة والتفصيل والإفاضة والوقوف عند منحيات التاريخ ومنعطفاته ما دق منها، وما عظم أمر مسلم به، ولكن الأمر الذي ينبغي أن نبسط عليه الضوء هنا هو أن موسوعة المقريزي على تخصصها التاريخي قد أفسحت من صفحاتها العديدة للمعرفة مكاناً رحيباً، فكتابات المقريزي التاريخية -على ما يقول علماء الجغرافية مصدر له وزنه في دراسة الجغرافية لمصر٢، فضلًا عن أن خطط المقريزي تقدم صفحات طويلة عن جغرافية مصر الاقتصادية والمحصولات الزراعية. والشيخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي القاهري المولد والوفاة -وإن كان بعلبكي الآباء من حارة المقارزة- قد أوتي بسطة من العمر فقد عاش بين سنتي ٧٦٦-٨٤٥هـ، استغل الجانب الأكبر منها في الاشتغال بعلم التاريخ، ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن يقدم لنا كتباً أخرى على جانب من القيمة العلمية وإن لم تنل حظ "الخطط" من وفرة الشهرة، وأهم هذه الكتب هي الكتاب القيم "البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب" و"إغاثة الأمة بكشف الغمة" و"السلوك في معرفة دول الملوك" وهو موسوعة تاريخية لم يطبع منها غير جزء وبعض جزء، وله موسوعة ثالثة مخطوطة هي "إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع" وتقع في تسعة مجلدات، ومن كتبه المطبوعة "تاريخ الأقباط" و"تاريخ الحبش" و"التنازع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم" و"اتعاظ الحنفا في أخبار الأئمة الفاطميين الخلفا". هذا وقد فتن المقريزي بمؤلفاته وعلمه ومنهجه عالمين فرنسيين مستشرقيين كبيرين هما: دي ساسي، وكاترمير، فتناول كل منهما قدرًا من كتبه، وجانبًا من شخصيته بالدراسة.

стр. 481

والعرض والتحليل. إن المقريزي ثروة فكرية هائلة، فقد كان يمثل شخصية العالم العامل، الخصب القريحة المأمون المعرفة الوافر العطاء، حتى إن السخاوي يذكر في ترجمته له في الضوء اللامع أنه قرأ بخطه أي خط المقريزي أن تصانيفه زادت على مئتي مجلد كبار، هذا على الرغم من أن عالمنا الجليل قد تولى الحسبة والإمامة والخطابة مرات عديدة.

стр. 482

ابن حجر ومؤلفاته: ولا شك أن الفترة الزمنية الممتدة بين أول الثلث الأخير من القرن الثامن والنصف الأول من القرن التاسع الهجريين كانت من أكرم الفترات عطاء وأوفرها سخاء على المعرفة بعامة وعلى التاريخ والعلوم الدينية بخاصة، فإن ابن حجر العسقلاني العالم الجليل الذي أصبح حافظ الإسلام وشيخه على عصره قد عاش الحقب الزمنية نفسها التي عاشها المقريزي. فقد ولد ابن حجر ومات في القاهرة بين عامي ٧٧٣-٨٥٢هـ، فهو إذن قد عرف المقريزي ولقيه، وإذا كان المقريزي رغم ميلاده ووفاته في القاهرة بعلبكي الآباء، فإن ابن حجر هو الآخر رغم ميلاده ووفاته في القاهرة عسقلاني الآباء، إلا أن ابن حجر شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني كان حليف أسفار كثير الارتحال، ليس حبًّا في الرحلة لذاتها، وإنما طلبًا للعلم وبحثًا عن المعرفة، فسافر إلى الحجاز وزار اليمن لسماع شيوخ العلماء. وفي اعتقادنا أن ابن حجر قد بلغ شهرة أكبر من شهرة معاصره المقريزي، ونالت كتبه حظوة أكبر من حظوة مؤلفات المقريزي رغم أن فضل كل منهما كبير وإنتاجهما غزير حتى إن تلميذه السخاوي يقول عنه في ترجمته له: "انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر" الأمر الذي يذهب بنا بضعة قرون في أعماق تاريخ ثقافتنا حين كان الأكابر يتهافتون على كتب الجاحظ وأغاني الأصفهاني في المشرق والأندلس. وبرغم مشاركة ابن حجر العسقلاني في الحياة العامة بتوليه القضاء مرات عدة، فإنه -مثل قرينه المقريزي- قدم للفكر الإسلامي عدة موسوعات متخصصة، وعديدًا من الكتب المتنوعة متصلة بأسباب الأدب والتاريخ والحديث الشريف. على أن أشهر موسوعات ابن حجر هي "تهذيب التهذيب" في رجال الحديث وتقع في اثني عشر مجلدًا، "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" وهي خمسة مجلدات، و"لسان الميزان" في التراجم أيضًا ويقع في ستة مجلدات، ولابن حجر كتاباه المشهوران "الإصابة في تمييز الصحابة" و"فتح الباري في شرح حديث البخاري" هذا فضلًا عن مجموعة هائلة من الكتب الثمينة الأخرى مطبوعة ومخطوطة.

стр. 483

الحق أن هناك شبهًا كبيرًا في منهج كل من المقريزي، وابن حجر من حيث طريقة التأليف وإن كان المقريزي تميز بالخطط وعلم التاريخ في حين تميز ابن حجر بالتراجم وعلم الحديث.

стр. 484

ابن تغري بردي ومؤلفاته: وتثمر طريقة المقريزي في تبني فكرة الموسوعة التاريخية حين يتوفر معاصره -الأصغر عمرًا- أبو المحاسن جمال الدين يوسف ابن تغري بردي ابن عبد الله الظاهري الحنفي ويقدم لنا موسوعته الثمينة "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة". والاسم الذي عرف به مؤلفنا واشتهر -ابن تغري بردي- كلمة تترية معناها "عطاء الله" ذلك أن تغري بردي هذا كان أحد مماليك السلطان برقوق ومن أمراء جيشه المتقدمين، وحين مات سنة ٨١٥هـ كان عمر ولده يوسف عامين، فسهر على تربيته وفاء واحتسابًا جلال الدين البلقيني الذي كان يشغل منصب قاضي القضاة، وعهد به إلى من لقنه الأدب والحديث والتاريخ، وعلمه النغم والإيقاع ودربه على الفروسية، فكان حصاد ذلك كله ذخيرة ثمينة في علوم زمانه. إن ابن تغري بردي القاهري المولد والوفاة، شأنه في ذلك شأن المقريزي وابن حجر، عاش بين سنتي ٨١٣-٨٧٤هـ أي أنه كان في الثانية والثلاثين حين مات المقريزي ومن ثم -وقد كان المقريزي شيخ مؤرخي عصره- يكون ابن تغري بردي واحدًا من تلاميذه العظام، وذلك هو السبب في أنه حاول إكمال كتاب "السلوك" الذي ألفه أستاذه فكتب كتابه "حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور" وجعله ذيلًا للسلوك، وهي طريقة علمية نبيلة درج على السير في نهجها كثير من علماء المسلمين في أكثر ميادين المعرفة حينما كان يكمل العالم عمل العالم الذي سبق، بحيث ترك لنا علماء حضارتنا سلاسل متصلة الحلقات موصولة الأسباب والأزمان في كثير من علوم الأدب والتاريخ واللغة. ليس من شك في أن أبا المحاسن جمال الدين يوسف بن تغري التتري واحد من هدايا الحضارة الإسلامية إلى علم التاريخ الإسلامي فلم تمنعه تتريته من أن يكون صاحب عدد من الموسوعات، وليس موسوعة واحدة، ذلك أن الحضارة الإسلامية ليست مقصورة على جنس دون جنس وإنما كل من أظلته سماحة العقيدة وأنارت الثقافة الإسلامية طريقه يستطيع متى أحسن إعداد نفسه أن يكون إمامًا في علمه ورائدًا في فنه. لقد عمدنا إلى تأكيد هذا المعنى؛ لأن أبا المحاسن نفسه ثمرة حقيقية لغرس إسلامي دفع به إلى أن يترك لنا خمسة كتب كبيرة، أربعة منها تعتبر موسوعات تاريخية جليلة هي "النجوم

стр. 485

الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" في اثني عشر جزءًا تنتهي عند أحداث سنة ٨٤١هـ و"حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور" الذي سبقت الإشارة إليه، و"البحر الزاخر في علم الأوائل والأواخر"، وهو أيضًا موسوعة تاريخية نفيسة، و"المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي" وهو موسوعة في التراجم لم يلبث أن اختصره بنفسه وسماه "الدليل الشافي على المنهل الصافي"، وهذه أيضًا طريقة عمد إليها بعض سابقيه من العلماء حينما كان الواحد منهم يؤلف موسوعة علمية ضخمة، ثم لا يلبث أن يشعر بمحدودية الاستفادة منها فيختصرها في غير ما إخلال بجوهرها تمامًا كما فعل كمال الدين بن العديم في موسوعته "بغية الطلب في تاريخ حلب" ثم عاد واختصرها وسماها "زبدة الحلب في تاريخ حلب" هذا والجدير بالذكر أن "المنهل الصافي" ومختصره "الدليل الشافي" يعتبران تتمة لكتاب الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي. أما الكتاب الخامس في تلك المجموعة النفيسة التي كتبها ابن تغري بردي فهو "مورد اللطافة فيمن ورد السلطنة والخلافة".

стр. 486

السخاوي وكتبه: وإذا كان ابن تغري بردي يعتبر تلميذًا أمينًا منتميًا إلى مدرسة المقريزي، فإن لابن حجر بدوره تلميذًا نجيبًا وفيًّا، هو شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي الذي بلغ من إعجابه بأستاذه وتقديره لعلمه وشخصه أن ألف فيه كتابًا أسماه "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر". لقد عاش السخاوي بين سنتي ٨٣١، ٩٠٢ الهجريتين، وأسرته من قرية سخا في شمال دلتا النيل، ولكن مولده كان بالقاهرة ووفاته كانت في المدينة، وقد ترك من التآليف ما يناهز المائتي مصنف، غير أن الذي نهتم له ونحن نتحدث عن الموسوعات، هو كتابه "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" وقد سبقت الإشارة إليه في باب التراجم، ويقع في اثني عشر مجلدًا، ومن الطرائف أنه لم ينس ذاته فترجم لنفسه في حوالي ثلاثين صفحة من كتابه هذا. إننا نريد -وقد هدفنا إلى هذا العرض للموسوعات المملوكية- أن نصل إلى رأي ينصف العصر ويقشع عن سمائه الغمامة ويزيل ما التبس من أمره عند جمهرة العامة وكثرة من الخاصة، ونقرر أن العصر المملوكي الذي ظهر فيه القلقشندي "بصبحه" والنويري "بنهاية أربه" وابن فضل الله العمري "بمسالكه" قد ظهر إلى جوارهم فيه كثيرون غيرهم يتفاوتون فضلًا ويتمايزون قدرًا، ولكن ليس بينهم إلا صاحب فضل وفير وعلم غزير وخلق وإبداع بالإضافة إلى التأليف والتصنيف، يستوي في ذلك من مر ذكرهم قبل قليل أو من ضاقت المناسبة عن تفصيل أسمائهم وأعمالهم.

стр. 487

الفصل الثالث: موسوعات ما قبل العصر المملوكي بواكير الموسوعات: موسوعات ما قبل العصر المملوكي: هذا ومن الخطأ البين أن يقال إن الموسوعات كانت مقصورة على الحقبة الزمنية المملوكية، فقد عرفت قبل ذلك بوقت طويل: لقد ألف علي بن الحسن الدمشقي المعروف بابن عساكر الذي عاش بين عامي ٤٩٩-٥٧١هـ موسوعته الضخمة "تاريخ دمشق الكبير" أو "مرآة الزمان في تاريخ الأعيان" -حسبما حلا له أن يسميه- في أربعين مجلدًا ضخمًا، وذلك قبل أن يظهر التتار أو يبين لهم أثر، ما دام البعض من الدارسين قد ذهب إلى أن السبب الرئيسي لتأليف الموسوعات هو غزو التتار لبغداد، ومن ثم وجب إنفاذ التراث، وتبعًا لهذا الحكم فإن فترة تأليف الموسوعات تتجرد من كل خلق فكري ومشاركة علمية وإبداع فني، وهو حكم ينبغي إعادة النظر فيه ونسخه تمهيدًا لتصحيحه وتصويبه. وقبل التتار بزمان طويل ظهر العالم الجليل ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي القرشي البغدادي، عاش بين ٥٠٨-٥٩٧هـ وألف ثلاثمائة كتاب بينها موسوعته الأدبية التاريخية الفريدة "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" الذي لم يطبع منه لسوء الحظ غير ستة مجلدات. على أن ابن الجوزي نفسه -فضلًا عن كتابه المنتظم- كان موسوعة هائلة من العلم والفن، وينبوعًا من المعرفة فياض العطاء، لقد ألف كتبًا في مختلف الأغراض المتنوعة منها على سبيل المثال "الأذكياء وأخبارهم" و"الحمقى والمغفلين"، "تلبيس إبليس"، "مناقب عمر بن عبد العزيز"، "روح الأرواح"، "المدهش في المواعظ والأخبار"، "دفع شبهة التشبيه والرد على المجسمة"، وهكذا عشرات من الكتب كل كتاب أو مجموعة كتب في فن قائم بذاته، وإذن لم يكن كتاب "المنتظم" وحده موسوعة، ولكن مؤلف المنتظم هو بنفسه موسوعة. وقبل التتار أيضًا يولد ويموت ابن الأثير علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد

стр. 488

الشيباني الجزري أبو الحسن عز الدين بين سنتي ٥٥٥-٦٣٠هـ، ويقدم للمعرفة موسوعتين نفيستين لا موسوعة واحدة هما "الكامل في التاريخ" من اثني عشر مجلدًا رتبه على السنين حتى عام ٦٢٩هـ أي قبل وفاته بعام، و"أسد الغابة في معرفة الصحابة" في خمسة مجلدات، فضلًا عن مؤلفات أخرى كثيرة من أشهرها تاريخ الدولة الأتابكية. وكانت تلك الفترة الزمنية من السخاء العقلي والفيض العلمي بحيث تستطيع أن تقدم للإنسانية أسرة كل أفرادها من العلماء الأفذاذ، لقد كانت أسرة ابن الأثير واحدة من تلك الأسر، فكان عالمنا عز الدين مؤرخًا كبيرًا، وكان أخوه "نصر الله" أديبًا بلاغيًّا مرموقًا وهو صاحب كتاب "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" وكان أخوه الثالث "المبارك" محدثًا ثبتًا وأستاذ زمانه في علم الحديث. وفي الموكب الحضاري العقلي الإسلامي المستمر العطاء يظهر ياقوت الحموي الرومي بموسوعتيه الكبيرتين النفيستين "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" المشهور باسم "معجم الأدباء"، "ومعجم البلدان" أثقل كتب الجغرافية الأدبية وزنًا وأعلاها قيمة. وربما لم تكن المعجزة الفكرية كامنة في تأليف الموسوعتين المذكورتين على نفاستهما بقدر ما هي ماثلة في مؤلف الموسوعتين نفسه. إنه الغلام الرومي ياقوت الذي كان يملك رقبته رجل من بغداد اسمه عسكر بن إبراهيم الحموي، إن سيده اشتراه وكان غلامًا في العقد الأول من عمره، وعلمه ورباه وسمح له أن يتاجر له، ثم أعتقه سنة ٥٦٩هـ وكان عمر ياقوت حينئذ اثنين وعشرين عامًا إذ إنه مولود سنة ٥٧٤هـ وكانت وفاته سنة ٦٢٦هـ، لقد ظل ياقوت يعمل بالتجارة ويطوف في مشرق الدولة الإسلامية وشاهد انطلاقه التتار في الشرق وبعض المذابح التي جبلوا على اقترافها فعاد مسرعًا إلى المشرق واستقر في بلاد الشام إلى أن مات في حلب. إن ياقوت غير العربي، المسلم في أول أمره تربية أو ولاء تفتح له الحضارة الإسلامية ذراعيها مرحبة فيلقي بنفسه بين راحتيها وهو الذي عاش أكثر عمره تاجرًا مسافرًا، فيقدم للمعرفة الموسوعتين النفيستين اللتين أشرنا إليهما واللتين لا يستغني عن واحدة منهما أي مشتغل بالأدب أو التاريخ أو الجغرافيا، هذا فضلًا عن كتب أخرى قيمة للأديب الباحث الحضاري ياقوت مثل "المشترك وصفًا والمفترق ضعفًا" و"المقتضب من جمهرة النسب". وفي الفترة الزمنية نفسها تظهر موسوعة أخرى فريدة في نوعها وإن كان أصل موضوعها التاريخ، بل تاريخ بلدة بعينها، إنها "بغية الطلب في تايخ حلب" لكمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة المشهور بابن العديم الذي عمر أطول كثيرًا مما عمر ياقوت، وإن كان ياقوت يسبقه ميلادًا بأربعة عشر عامًا، فقد ولد ابن العديم سنة ٥٨٨ وتوفي ٦٦٠هـ، وإن "بغية الطلب" الموسوعة الضخمة التي كتبها ابن العديم هي بغية كل مشتغل بالأدب أوبالتاريخ أو

стр. 489

بالجغرافية في نطاق حلب وما حولها وشطر من بلاد الروم. إن الموسوعات ظهرت متتابعة متسلسلة يلاحق بعضها بعضًا ويتتابع مؤلفوها على مسرى الزمان تتابعًا متصل الحلقات قصير الفواصل الزمنية، وهي إذن ليست مختصة بالعصر المملوكي لسبب بعينه، وإنما هي امتداد طبيعي متطور متغير لقافلة الفكر الإسلامي ومسيرة العقل الإنساني، وإن قصرها على عصر معين لسبب معين أمر ينبغي إعادة النظر فيه واستبعاد النتائج التي بنيت عليه وترتبت على أساسه.

стр. 490

بواكير الموسوعات: ولماذا نذهب بعيداً؟ لقد عرف العقل الإسلامي الموسوعات على أول عهده بالتأليف، وربما كانت الموسوعات الأولى مثل الحيوان للجاحظ وعيون الأخبار لابن قتيبة أقرب منهجًا إلى الموسوعات المملوكية، ولعل عيون الأخبار أكثر قربًا إليها من غيرها، وليس من شك في أن البيان والتبيين، والحيوان، وعيون الأخبار موسوعات أدبية لغوية تاريخية سياسية علمية، وهناك الموسوعات التاريخية التي بدأت مبكرة منذ القرن الثاني، مثل السيرة لابن هشام المتوفي ٢٢٣هـ، ومثل "أخبار الرسل والملوك" لمحمد بن جرير الطبري ٢٤٤ - ٣١٠هـ، وتقع هذه الموسوعة التاريخية في أحد عشر جزءًا، وعن الطبري يقول ابن الأثير: إنه أوثق من نقل التاريخ. وتتتابع الموسوعات الباكرة زمنيًّا فيظهر "العقد الفريد" لأحمد بن عبد ربه الذي عاش حياته كلها بين ٢٤٦ - ٣٢٨هـ في الأندلس لم يغادرها، وبعد ذلك بقليل تظهر في بغداد موسوعة من أهم موسوعات العربية هي "كتاب الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني ٢٨٤ - ٣٥٦هـ، تلك الموسوعة التي لا تلبث أن تذيع في كل أنحاء العالم الإسلامي مشرقًا حتى أصبهان حيث الصاحب بن عباد، وشمالًا حتى حلب حيث سيف الدولة الحمداني، ومغربًا حتى قرطبة الأندلس حيث عبد الرحمن الناصر وابنه المستنصر. إن كتاب الأغاني دون أدنى شك أكبر وأثمن الموسوعات الأدبية والتاريخية والاجتماعية والموسيقية الغنائية، والجغرافية، والفكاهية. وإذا جاز لدارس أن يشكك في الصيغة الموسوعية لأي من الكتب الكبيرة التي ذكرنا -وما أحسب أن دارسًا متفهمًا يفعل- فإنه من الصعب على أي باحث كبر شأنه أو صغر أن يجادل في الصفة الموسوعية المتكاملة لكتاب الأغاني. لقد كان الصاحب بن عباد لولعه بمصاحبة الكتب وحرصه على دوام القراءة يستصحب حين يسافر ثلاثين جملًا محملة بالكتب، فلما وصل إلى يده كتاب الأغاني استغنى به عنها جميعاً -حسبما مر بنا عند

стр. 491

الحديث عن الكتاب تفصيلًا- هذا ولم تكن موسوعة "الأغاني" هي الأثر الفكري الوحيد لأبي الفرج بل إنه ترك خمسة وعشرين كتابًا أخرى على جانب كبير من القيمة الأدبية والتاريخية والاجتماعية. وفي الفترة الزمنية نفسها التي عاش أغلبها أبو الفرج الأصبهاني، وفي مدينة بغداد نفسها تظهر موسوعة أخرى من أرقى الموسوعات العربية أدبًا وفكرًا وقتًا وتاريخًا واجتماعًا هي موسوعة "نشوار المحاضرة" للمحسن بن علي التنوخي ٣٣٧-٣٨٤هـ، وتعرف الموسوعة نفسها أيضًا باسم "جامع التواريخ"١. هذا وقد ترك التنوخي كتابين آخرين من أمتع ما كتب في الأدب العربي هما "الفرج بعد الشدة" و"المستجاد من فعلات الأجواد". هذا وإننا لا نستطيع أن نغفل موسوعة من أرقى الموسوعات فكرًا وعلمًا وأدبًا وفنًّا ظهرت في القرن الرابع نفسه، إنها موسوعة "الإمتاع والمؤانسة" التي مر ذكرها لأبي حيان التوحيدي، الأديب الفيلسوف العالم المفكر، لقد ضمن أبو حيان موسوعته المتواضعة أبوابًا مختلفة في اللغة والشعر والفلسفة والمنطق والأخلاق والمنادمة والموسيقى. إن "الإمتاع والمؤانسة" واحد من آثار أبي حيان الستة والعشرين التي أحرقها جميعًا سخطًا منه على المجتمع لسوء معاملته إياه، غير أن بعض هذه الكتب كان بأيدي الناس بعض نسخ منها قبل الحريق فوصل إلينا منها "الإمتاع والمؤانسة" و"المقابسات" و"الصداقة والصديق" و"الإشارات الإلهية" و"أخلاق الوزيرين" "والبصائر والذخائر" و"الهوامل والشوامل". وإذا كان القرن الرابع الهجري قد سعد بالموسوعتين الكبيرتين "الأغاني" و"نشوار المحاضرة" مضافًا إليهما "الإمتاع والمؤانسة" فإن القرن الخامس بدوره قد أصاب قدرًا غير قليل من الإسهام الموسوعي وذلك بظهور "تاريخ بغداد" لأحمد بن علي بن ثابت المشهور بالخطيب البغدادي ٣٩٢-٤٦٣هـ و"تاريخ بغداد" الذي تحدثنا عنه تفصيلًا. وليس "تاريخ بغداد" هو الأثر العلمي الوحيد للخطيب البغدادي، وإنما كان الرجل منتجًا، فقد ذكر له ياقوت ستة وخمسين مؤلفًا بينها موسوعتان أخريان غير "تاريخ بغداد" هما "الفقيه والمتفقه" في اثني عشر مجلدًا، و"الجامع لأخلاق الراوي والسامع" في عشرة مجلدات. هي إذن سلسلة مباركة موصولة الحلقات الزمانية، والفكرية فيما يتعلق بالموسوعات العربية التي بدأت كتابتها منذ بداية القرن الثالث الهجري حتى أواخر التاسع وبداية العاشر حين بدأ التفكك الذي أذن بانتقال سيادة العرب المسلمين على أنفسهم إلى سيادة الأتراك

стр. 492

العثمانيين. ومن ثم، فإن الموسوعات المملوكية ينبغي أن يعلل ظهورها -في نطاق الأمانة العلمية والعدل التاريخي- بأن بيئة نشأتها كانت بيئة خصبة مستنيرة غير جامدة ولا متخلفة، وأن فترة تأليفها كانت فترة ازدهار عقلي وتألق حضاري في مختلف فروع الآداب وجوانب المعرفة الإنسانية وفنون العمارة الإسلامية التي لا تزال شامخة في كل المدن الكبرى في مصر وسورية، ويكفي في ذلك حكم علماء هندسة العمارة على مسجد السلطان حسن الذي بناه السلطان المملوكي حسن بن الناصر بن قلاوون أنه عمارة الإسلام، وأنه إذا كان للعمارة الفرعونية أن تفخر بالأهرام كان للعمارة الإسلامية أن تفخر بمسجد السلطان حسن.

стр. 493

المراجع الإحاطة في أخبار غرناطة: للوزير لسان الدين بن الخطيب المتوفى ٦٧٧هـ تحقيق محمد عبد الله عنان. ط دار المعارف بمصر. أحسن ما سمعت: لأبي منصور عبد الملك الثعالبي. أخبار أبي تمام: لأبي بكر الصولي. أخبار البحتري: تحقيق الدكتور عبد الكريم الأشتر. الأخبار الطوال: لأبي حنيفة الدينوري. اختصار القدح المعلّى في التاريخ المحلّى: لابن سعيد "علي بن موسى" اختصره أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل. المطبعة الأميرية ١٩٥٩ القاهرة. أدب الكاتب: لابن قتيبة الدينوري. أدب الكتاب: لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفي ٣٣٥هـ. الأدب في موكب الحضارة الإسلامية: للدكتور مصطفى الشكعة. أسد الغابة في معرفة الصحابة: لعز الدين علي بن الأثير. الأشباه والنظائر "حماسة الخالديين": لأبي بكر محمد وأبي عثمان سعيد الخالديين. أشعار أولاد الخلفاء: لأبي بكر الصولي. الإصابة في تمييز أسماء الصحابة: لابن حجر العسقلاني. الأصمعيات: لعبد الملك بن قريب الأصمعي. الأصنام: لابن الكلبي. الأعلام: لخير الدين الزركلي. الأغاني: لأبي الفرج الأصفهاني. الأمالي: لأبي علي القالي. الأمالي: "غرر الفوائد ودرر القلائد": للشريف المرتضى الموسوي. الأمالي: لأبي السعادات هبة الله بن الشجري. الأمالي: لأبي عبد الله، محمد بن عباس اليزيدي. الإمتاع والمؤانسة: لأبي حيان التوحيدي. الأنساب: للسمعاني. الأوراق: لأبي بكر الصولي. الإيجاز والإعجاز: لأبي منصور الثعالبي. البخلاء: للجاحظ. البديع: لعبد الله بن المعتز. البصائر والذخائر: لأبي حيان التوحيدي. بلاغات النساء: لأحمد بن طاهر بن طيفور.

стр. 494

البلغة في شذور اللغة: تجميع أوجست هفنر والأب لويس شيخو. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب: لابن عذاري المراكشي. ط بيروت، وتحقيق دوزي، بروفنسال، ميراندا، وإبراهيم الكتاني ومحمد بن تاويت. البيان والتبيين: للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون. تاريخ الأدب العربي ج١، ٢، ٣: لبروكلمن. تاريخ افتتاح الأندلس: لأبي بكر محمد القرطبي المعروف بابن القوطية. مدريد ١٩٢٦. تاريخ بغداد: لأحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي المتوفي ٤٦٣هـ. تاريخ بغداد "المجلد السادس": لأحمد بن طاهر بن طيفور تحقيق المستشرق: كلر. تاريخ علماء الأندلس: لابن الفرضي "أبي الوليد عبد الله بن محمد الأزدي" المتوفى سنة ٤٠٣هـ الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة. تتمة اليتيمة: لأبي منصور الثعالبي. تجريد الأغاني من ذكر المثالث والمثاني: لابن واصل الحموي المتوفى ٦٩٧هـ. تراثنا بين ماضٍ وحاضر: للدكتور عائشة عبد الرحمن. تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون. التنبيه على أبي علي في أماليه: لأبي عبيد الله عبد الله البكري. تهذيب الأغاني: للشيخ محمد الخضري. ثمار القلوب في المضاف والمنسوب: لأبي منصور الثعالبي. جمهرة رسائل العرب: لأحمد زكي صفوت. الحلة السيراء: لأبي بكر بن الأبار القضاعي البلنسي. ط القاهرة ١٩٦٣. حماسة أبي تمام: لأبي تمام حبيب بن أوس. حماسة البحتري: لأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري. الحماسة البصرية: لعلي بن أبي الفرج بن الحسن البصري. حماسة ابن الشجري: لأبي السعادات ابن الشجري. الحيوان: للجاحظ. خاص الخاص: للثعالبي. خزائن الكتب العربية في الخافقين: لفيليب طرزي. خريدة القصر وجريدة العصر: للعماد الأصفهاني. تحقيق الدكتور شكري فيصل "مطبوعات المجمع العلمي بدمشق". خزانة الأدب: لابن حجة الحموي. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: لمحمد أمين المحبي المتوفي ١١١١ دائرة المعارف الإسلامية "مواد مختلفة". در الحلب في تاريخ أعيان حلب: لرضي الدين بن الحنبلي. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: لشهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر العسقلاني المتوفى

стр. 495

٨٥٢هـ. دمية القصر وعصرة أهل العصر: لعلي بن الحسن الباخرزي المتوفى ٤٦٧هـ. الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة: لابن بسام "علي بن بسام الشنتريني" المتوفى سنة ٥٤٢هـ مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. ذيل الأمالي والنوادر: لأبي علي القالي. رسائل إخوان الصفا. رسائل بديع الزمان الهمذاني. رسائل أبي بكر الخوارزمي. رسائل الجاحظ: تحقيق بول كراوس ومحمد طه الحاجري. رسالة حي بن يقظان: لابن سينا والسهروردي وابن طفيل. رسائل الصابي والشريف الرضي. رسائل الصاحب بن عباد. رسائل أبي العلاء المعري: تحقيق مرجوليوث. رسالة الغفران: لأبي العلاء المعري -تحقيق عائشة عبد الرحمن. ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا: لأبي العباس أحمد بن محمد الخفاجي المتوفى ١٠٦٩ هـ. زهر الآداب: للحصري. سرح العيون في شرح ابن زيدون: لابن نباتة المصري. سلافة العصر في محاسن الشعر بكل مصر: لعلي بن أحمد بن معصوم المتوفى ١١١٩هـ. السلوك في معرفة دول الملوك: للمقريزي. السيرة النبوية: لعبد الملك بن هشام. سمط اللآلي: لعبد العزيز الميمني. شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لابن العماد الحنبلي. شرح أشعار الهذليين: للسكري. الشعر والشعراء: لابن قتيبة الدينوري. صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني في الرواية: للدكتور محمد خلف الله أحمد. صبح الأعشى في كتابة الإنشا: للقلقشندي. الصّلة: لابن بشكوال "أبي القاسم خلف بن عبد الملك" المتوفى ٥٧٨هـ: الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة. ضحى الإسلام: للاستاذ أحمد أمين. الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع: للسخاوي المتوفي ٩٠٢هـ. الطبقات الكبرى: لابن سعد. طبقات الشعراء: لابن سلام الجمحي. طبقات الشعراء: لعبد الله بن المعتز.
следующие страницы →