وعند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١، قال:" والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله، وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة، ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٣، فسر الشيخ رشيد الهداية فيها بآيات مشابهة كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٥، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٦، قال: " وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة، فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن.." ٧.
وعند قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ٨ قال: "فهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٩. وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ ١٠ وقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١١ ومن هذا القبيل قوله ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
стр. 107
مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ ومثلها في سورة البقرة ٣ وسورة الجمعة ٤، فلا فرق بين عبارة الآية التي نفسرها وعبارة هذه الآيات" ٥.
وعند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ٦، قال مفسراً: "أي جعل لها زوجها من جنسها فكانا زوجين ذكراً وأنثى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ٧، كما أنه خلق من كل جنس وكل نوع من الأحياء زوجين اثنين، قال : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٨.." ٩.
ويلي هذا عند الشيخ رشيد تفسير الآية بما صح من حديث النبي ﷺ "لأن ما صح من المرفوع لا يقدم عليه شيء" ١٠. كما أنه يستند ـ مع السنة ـ إلى ما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في الصدر الأول ١١. يقول الشيخ رشيد مفصلاً منهجه بعد وفاة شيخه محمد عبده: "هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته خالفت منهجه ـ رحمه الله تعالى ـ بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيراً لها وفي حكمها أو في تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة.." ١٢
стр. 108
وهذا المنهج صحيح أيضاً معتمد عند أهل السنة ١. كما أن الشيخ رشيد يستعين أيضاً بلغة العرب ٢، لأن القرآن نزل بلغتهم ولا يفهم إلا بها. فيجب لذلك تعلمها على كل مسلم ٣. ويورد الآيات المصرحة بكون اللغة العربية هي لغة القرآن ٤، ويقف بشدة ضد ترجمة القرآن ترجمة لفظية لأن ذلك غير مقدور عليه، وإن كان يجوز ترجمة معانيه. وأطال الشيخ في ذلك وطبع كتاباً حول هذا المعنى مستلاً من مجلة المنار ٥.
ومعتمداً على ابن تيمية ـ يبين الشيخ رشيد أنواع الاختلاف في التفسير فيقول:" إن الاختلاف في التفسير على نوعين: الأول: ما مستنده النقل فقط، والثاني: مستنده الاستدلال بالعقل، والأول: إما منقول عن النبي أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه، ومنه ما لا يمكن ذلك، وهذا الأخير غالباً ـ مما لا فائدة في معرفته، كالمنقول عن أهل الكتاب، ومنه الصحيح وهو كثير. وأما الخطأ فيما طريقه الاستدلال فيرجع إلى أمرين حدثا بعد القرون المفضلة:
الأول: حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به كجميع الفرق والمذاهب في الأصول والفروع، فإنهم قد جعلوا مذاهبهم أصولاً والقرآن فرعاً لها يحمل عليها.
والثاني: التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن وهو الله والمنزَّل عليه والمخاطب به.."٦.
ومن المسائل الهامة التي ناقشها الشيخ رشيد في منهج الاستدلال
стр. 109
بالقرآن الكريم: وجوب الإيمان بظاهر القرآن، فقد ردّ على من يقول: إن الإيمان بظاهر القرآن كفر، فقال: "وإننا لم يبلغنا أن أحداً من مبتدعة هذه الأمة ولا من أهل الكتاب تجرأ على مثل هذا القول في كتاب ربه، فزعم أن المؤمن به على ظاهره هو الكافر به، أي دون من يحرفه أو يتأوله برأيه أو تقليده ولو لبعض أدعياء العلم.."١. ويرد هذه الدعوى علمياً فيقول: "وأكتفي من جهة العقيدة بأن الإيمان بظاهر القرآن واجب بالإجماع، فإن أوهم تشبيهاً جزمنا بأن التشبيه غير مراد بدليل العقل والنقل، وفوضنا الأمر في كيفية ذلك وتأويله ـ أي ما يؤول إليه ـ إلى الله ... ٢.
ويرفض الشيخ رشيد التأويل في آيات الكتاب رفضاً قاطعاً لأننا وكما يقول: "نرى كثيراً من المحرمات قد انتهكت في المسلمين بمثل تلك التأويلات.. ولقد صارت هذه الحيل على الله ، والتأويلات الباطلة الهادمة لدينه محدوده من علم الدين..٣. ويقول مخاطباً المتأولين: "وليعلموا أنه لا يوجد كلام قط لا يمكن حمله على غير المراد منه، حملاً يقبله الكثير من الناس المشتغلين بالعلم، وليطالعوا كتاب "حجج القرآن"٤ ويتأملوا كيف استدل جميع أصحاب المذاهب المبتدعة في الإسلام بآياته التي هي في منتهى البلاغة في البيان على تلك المذاهب المتناقضة.." ٥.
وهذان الموقفان من الشيخ رشيد من هاتين المسألتين أعني: الإيمان
стр. 110
بظاهر القرآن ورفض التأويل، موقفان صحيحان ولا يعكر عليهما إلا وقوع الشيخ رشيد فيما رفضه وعارضه من التأويل، ومن ذلك ما فعله ـ متابعة لشيخه محمد عبده ـ عند تأويله للحوار الذي دار بين الله ﵎ والملائكة ١،وسكوته عن هذا التأويل أو بالأحرى عن هذا العبث، وكذلك تأويله لقصة البقرة في سورتها ٢،وتأويل "محمد عبده" للملائكة ٣. مما جعل الشيخ رشيد هدفاً للطعن عليه فيما بعد٤، وكثيراً ما حاول الشيخ رشيد أن يجد تفسيراً لبعض الآيات يكون "مقبولاً" لدى العقول العصرية، مثلما فعل في حجارة قوم لوط ٥، وسيأتي بيان موقفه من التأويل تفصيلاً إن شاء الله تعالى في موضعه.
وموقف آخر لا نحمده له ـ فيما يتعلق بمنهجه في الاستدلال بالقرآن هو موقفه من نسخ التلاوة، وأريد أن أقف قليلاً عنده.
النسخ:
النسخ من مباحث علمي "الأصول وعلوم القرآن" فهو يُبحث في العلمين.
وهو في اللغة: الرفع والإزالة ٦. كما أنه يستعمل في النقل أيضاً ٧.
وشرعاً هو: إزالة الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً به مع تراخيه عنه٨.والنسخ ثلاثة أنواع:
стр. 111
نسخ الحكم دون الرسم، وهو المشهور، وصنفت فيه الكتب، ونسخ الرسم دون الحكم، ونسخ الرسم والحكم ١. والأدلة على ثبوت النسخ آيات منها قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٢وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ٣، وترشدنا الآية الأخيرة إلى أن نسخ التلاوة كان مثار شبهة عند الكفار٤. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ يرد شبهة البداء ٥عند منكري النسخ إذ أن العلم يدفع هذا ٦، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٧ أي أن تنساه ٨ولا يثبت النسخ إلا بوحي. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٩.
ولقد أثبت الشيخ رشيد من النسخ النوع الأول، وهو منسوخ الحكم دون التلاوة ١٠، وأنكر نسخ التلاوة مع الحكم أو وحدها ١١.
стр. 112
وتعلل الشيخ رشيد في إنكاره لمنسوخ التلاوة مع الحكم أو وحده بأنه قد يعد شبهة على الدين ١. وبأن ما روي مما قيل أنه منسوخ لا يتفق مع أسلوب القرآن وبلاغته ٢، وبأن القرآن لا يثبت بطريق الآحاد، وكون الآية منسوخة فرع كونها آية فلا بد فيه من التواتر المشروط لإثبات القرآن ٣. ثم طعن في الأحاديث الواردة في ذلك ولم يستثن منها ما روي في الصحيحين.
فأما إثباته لنسخ الأحكام مع بقاء لفظ الآيات فمن قوله: " وإنّ نسخ حكم في الشريعة بحكم آخر هو كنسخ شريعة بشريعة أخرى، معقول المعنى موافق لحكمة التشريع في انطباقها على مصالح الناس التي تختلف باختلاف الزمان والأحوال، لا شبهة فيه على أصل الدين ... "٤. وفي حكمة بقاء الآية مع رفع الحكم، يقول: " حكمة بقاء الآية التي نسخ حكمها التذكر بنعمة النسخ والتعبد بتلاوتها ... "٥.
وأما إنكاره لمنسوخ التلاوة فقد ذكره في عدة مواضع من المجلة ففي المجلد السابع، قال: " أما نسخ لفظ الآية مع بقاء حكمها أو نسخ لفظها وحكمها معاً فمما لا يجب علينا اعتقاده وإن قال به القائلون ورواه الراوون، وقد علله القائلون به والتمسوا له من الحكمة ما هو أضعف من القول به وأبعد عن المعقول ... " ٦.
ويقول عن حكمة هذا النوع: " وأما نسخ التلاوة فلم تظهر لنا حكمته ولم يأت اليافعي ٧ ولا من قبله من العلماء الذين اطلعنا على أقوالهم
стр. 113
بحكمة مقنعة لمن كان مستقلاً في فهمه غير مقلد فيه لا سيما نسخ اللفظ مع بقاء الحكم" ١.
وفيما يتعلق بالأدلة التي يسوقها المثبتون يقول: " وأما الدليل على وقوع ذلك فهو بعض الروايات عن الصحابة وهي وإن صحح مثل البخاري أسانيدها محل إشكال في متنها كأحاديث أخرى في الصحيحين وغيرهما ... " ٢. ويقول: " وجملة القول أنه لم يرد في هذا المقام حديث صحيح السند إلا قول عمر ٣ في الشيخ والشيخة إذا زنيا وهو من رواية الآحاد ... وأنا لا أعتقد صحته وإن روي في الصحيحين ... " ٤.
هذا هو حاصل ما قاله في إنكاره لمنسوخ التلاوة وقد خالف الشيخ رشيد في ذلك أهل السنة الذين يثبتون النسخ اعتماداً على الكتاب العزيز وعلى السنة المتواترة. وهو ما أود بيانه فيما يلي:
لقد تواترت الأحاديث في منسوخ التلاوة ٥ بحيث أصبح ذلك حقيقة لا تدفع، وكان الصحابة على عهد رسول الله ﷺ يعلمون أن من القرآن ما يرفع وينسخ وأن ذلك جائز ويقع. وكان بعضهم يرى جواز قراءة المنسوخ، فأعرض عن قراءته الصحابة. قال عمر ﵁: " عليٌّ أقضانا وأبيٌّ أقرؤنا وإنا لندع كثيراً من لحن أبيّ، وأبيّ يقول سمعته من رسول الله ﷺ فلا أدعه لشيء، والله ﵎ يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٦". وعن أبيٌّ قال: "صلى بنا النبي ﷺ الفجر وترك آية فجاء أبيّ وقد فاته بعض
стр. 114
صلاة، فلما انصرف قال يا رسول الله: نسخت هذه الآية أو أنسيتها، قال: لا، بل أنسيتها" ١. وعن ابن عمر ﵄: " قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله ﷺ فكانا يقرآن بها فقاما ذات ليلة يصليان بها، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله ﷺ فذكرا له فقال رسول الله ﷺ : إنه مما نُسخ أو نُسي" ٢. ولقد كانت سورة الأحزاب تساوي أو تزيد على سورة البقرة، وكان فيها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عليم حكيم" ٣. وكانت سورة البينة أطول مما هي عليه الآن، وقد قرأها النبي ﷺ على أبيّ، وفيها: "إن ذات الدين الحنيفية المسلمة لا اليهودية ولاالنصرانية ولا المجوسية، من يعمل خيراً لن يكفره"، وقرأ عليه: "لو أن لابن آدم وادياً من مال لابتغى إليه ثانياً ولو كان له ثانياً لابتغى إليه ثالثاً ... " ٤. ثم رفعت هذه الآيات وبقيت السورة كما هي الآن في المصحف. لقد رفعت سور بأكملها، ومنها سور طوال كسورة براءة ٥.
وتقول عائشة ﵂: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن" ٦.
стр. 115
وقال عمر ﵁:"كان فيما أنزل من القرآن: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) " ١. وعنه أيضاً أنه كان في القرآن: "أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" ٢. وكان النبي ﷺ يقرأ في صلاته بهذا القرآن قبل نسخه ورفعه ٣.
وأما قول ابن عباس ﵄: "ما ترك إلا ما بين الدفتين" ٤. فإنه إنما أراد من القرآن الذي يتلى، وابن عباس نفسه روى شيئاً من المنسوخ ٥.
وإذا ثبت في كل ذلك الوقوع فقد ثبت الجواز، فهو أول أدلته، ومن جهة العقل، نقول: إن ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التقيد بلفظها وجواز الصلاة بها، وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها شبيه كل الشبه بما يتعلق بها من دلالتها على الوجوب والحرمة ونحوهما، في أن كلاًّ من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم، وقد تقتضي المصلحة نسخ الجميع وقد تقتضي نسخ بعضها دون بعض، وإذن يجوز عقلاً أن تنسخ الآية تلاوة وحكماً، ويجوز أن تنسخ تلاوة لا حكماً، ويجوز أن تنسخ حكماً وتلاوةً ٦.
ونسخ اللفظ والتلاوة يكون بأن ينسيها الله ويرفعها من الصدور، ويأمر
стр. 116
بالإعراض عن تلاوتها وكتبها في المصحف ١، فتندرس على مر الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها الله في كتابه في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٢، ولا يعرف اليوم منها شيء ٣.
وأما ما احتج به الشيخ رشيد من وجوب ثبوت القرآن بالتواتر؛ فنعم، لكن ليس المقام مقام إثبات القرآنية، بل إثبات النسخ، وهو لا يحتاج إلى التواتر، على أنه متواتر كما ذكرت، ولا يقول أحد بقرآنية المنسوخ، وبصحة التعبد بقرآته، ليلزمه ذلك، فإثبات النسخ شيء وإثبات القرآنية شيء آخر ٤.
وأما طعنه في الأحاديث ـ ولو في الصحيحين ـ فهو تعدٍ ومجازفة، وسوف أفصل وأرد على موقفه هذا في الكلام عن السنة كمصدر من مصادر التلقي ـ إن شاء الله ـ.
وأما الحكمة في ذلك ـ والتي خفيت على الشيخ رشيد ـ فقد بين العلماء بعضها ٥، ولا بد أنه يخفى على الجميع بعضها ـ فالله تعالى ذو الحكمة البالغة.
والذي ظهر لي والله أعلم ـ أن هذا يجري على سنة الله تعالى في الاختبار وامتحان المؤمنين، ليعلم الراسخين في العلم والإيمان ويتميز هؤلاء عن غيرهم من ضعاف الإيمان والعلم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
المطلب الثاني: السنة النبوية:
المصدر الثاني من مصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة: "السنة" ٤.
ومعناها في اللغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أو سيئة ٥.
стр. 119
وفي الشرع: ما شرعه النبي ﷺ لأمته ١. أو ما رسم ليحتذى وجوباً أو استحباباً" ٢. وعند الأصوليين: هي ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير ٣. وعند الفقهاء: ما ثبت عنه ﷺ من حكم هو دون الفرض، فهي ترادف المندوب، والمستحب والتطوع والنافلة والمرغب فيه ٤.
والذي نبحث فيه هو معنى السنة عند الأصوليين لأنه هو المناسب لمبحث الاستدلال عند الشيخ رشيد.
السنة وحي من الله تعالى:
أخبر الله تعالى في كتابه أن السنة هي وحي من الله تعالى كالقرآن الكريم، وأن مصدرها هو مصدره ومُنزلها هو مُنزله، ﵎. لدينا آيات تنطق بذلك تصريحاً وأخرى تلويحاً، فمن الأولى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٥، فهذه الآية تدل صراحة على أنه كما ينزل عليه ﷺ الوحي الجلي المتلو وهو القرآن، فكذلك كان ينزل عليه وحي آخر خفي غير متلو: هو السنة، وهي حجة كالأول ٦.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٧، فالذكر المنزل هو الوحي المتلو والذكر الآخر ـ المنزل كذلك ـ هو المبين وهو الوحي غير المتلو، وهو السنة ٨.
стр. 120
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ١، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ٣.
فتشير هذه الآيات وغيرها إلى أن الله أنزل على رسوله وحيين وأوجب على عباده الإيمان بهما، وتعلمهما والعمل بهما، وهما: الكتاب والحكمة، والكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة باتفاق السلف ٤.
ومن الآيات التي تُلَوِّح بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ٥، فقد ذكر الله في هذه الآية أن جمع القرآن وترتيبه عليه ـ سبحانه ـ فكأن الله تعالى قد تكفل بجمع القرآن وترتيبه والواقع الذي يعرفه كل أحد أن القرآن لم يرتب على الترتيب الذي نزل عليه بل رتب كما أمر النبي ﷺ بترتيبه، فكأنه رتبه النبي ﷺ فحقيقة الأمر أن ترتيب القرآن قد تكفل الله به وقام النبي ﷺ بهذا الترتيب. فلا يمكن الجمع بين هذا التكفل وهذا الترتيب إلا على القول بأن النبي ﷺ إنما قام به بوحي من الله تعالى وهو الوحي غير المتلو ـ لأنا لا نجد أثراً لذلك بين الدفتين ـ وهو السنة ٦.
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ٧، فنسب الله حكم استقبال بيت المقدس إلى نفسه، ولكننا لا نجد آية في المصحف تشير إلى هذا الحكم، فالظاهر
стр. 121
أن الأمر باستقبال بيت المقدس لم يكن بوحي متلو بل هو بوحي خفي غير متلو وهو حجة واجبة الاتباع وهو السنة ١.
وقال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢ وليس خفياً أن هذا الإذن ليس موجوداً في القرآن ومع ذلك فقد نسبه الله تعالى لنفسه، حيث أوضح أنه بإذنه وأمره فلا مناص من القول: إن هذا الإذن كان بالوحي غير المتلو وهو السنة ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٤. فأين هذه الآية التي أظهر الله بها نبيه على هذا الإفشاء؟ إننا لا نجد في القرآن آية تبين ذلك فظهر أن النبي ﷺ علم ذلك بالوحي غير المتلو وهو وحي السنة ٥.
فثبت من كل ما سبق أن السنة وحي من الله تعالى وأنها حجة، يجب العمل بها كالقرآن، سواء منها ما كان على سبيل البيان أو على سبيل الاستقلال، وأصبح ذلك ضرورة دينية حتى قال بعض أهل العلم من السلف بكفر من ترك السنة ٦. وإنما وقع الخلاف في مسائل ليست من الحجية ٧.
وقد تبين لي من خلال سبْر مؤلفات الشيخ رشيد أن له موقفين من السنة: الأول: إيجابي، والآخر: سلبي. وسأتناول هذين الموقفين في مسألتين: الموقف الإيجابي والموقف السلبي، ولدي مسألتان: الموقف الإيجابي ومنه موقفه من أحاديث الآحاد، ثم الموقف السلبي.
стр. 122
الموقف الأول: موقف الشيخ رشيد رضا الإيجابي من السنة:
أول نقطة في هذا الموقف الإيجابي: أن الشيخ رشيد يعتبر أن الدين الإسلامي له مصدران هما الكتاب والسنة، خلافاً لمن يقول إن الإسلام هو القرآن وحده ١، ويقول: "إن الدين تعليم وتربية كما قال تعالى في وصف النبي ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ٢ والتعليم كان للآيات: الكتاب، والحكمة التي هي أسرار التنزيل وفلسفته ٣، والتزكية أي التربية كانت بالسنة وهي طريقته في الاهتداء والعمل بالقرآن على الوجه الذي تتحقق به الحكمة منه ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ٤، والأسوة به القدوة في سيرته وأعماله ... " ٥.
ويقول: "وليس في السنة شيء لا أصل له في القرآن، بل كان خُلُق صاحب السنة القرآن، ولكن لا نستغني بالقرآن عن السنة إلا إذا استغنينا عن كون الرسول ﷺ قدوة وأسوة لنا، وذلك فسوق عن هدى القرآن وإهمال لنصه ... " ٦.
стр. 123
ويعتبر الشيخ رشيد أن السنة وحي من الله تعالى كالقرآن: " ... وأعني بالوحي هنا: القرآن ... وكذلك الأحاديث النبوية عند من صحت عنده فصدق بالرواية" ١.
ويقرر أن طاعة الرسول ﷺ واجبة حياً وميتاً فيقول: " ... إن طاعته ﷺ واجبة في حياته وبعد مماته فيما عُلِم أنه دعا إليه دعوة عامة من أمر الدين الذي بعثه الله تعالى به كبيانه لصفة الصلوات وعددها والمناسك ولو بالفعل ... وغير ذلك من السنن العملية الدينية المتواترة، وكذا أقواله المتواترة التي أُمر بتبليغها في ما تدل عليه دلالة قطعية، وأما غير القطعي رواية ودلالة من سننه فهو محل الاجتهاد.." ٢.
ويرد على من يدعي أن طاعة النبي ﷺ إنما تجب في حياته، ولا يجب العمل بعده إلا بالقرآن فيصفهم بأنهم "زنادقة ضالون مضلون يريدون هدم الإسلام بدعوى الإسلام" ٣، ويقول: "بل تجب طاعة الرسول كما أطلقها الله تعالى ويجب التأسي به في كل زمان إلى يوم القيامة ... " ٤.
ومن المواقف البيضاء عند الشيخ رشيد دفاعه القوي عن أبي هريرة ـ محدث الإسلام ﵁ وإني أرجو للشيخ رشيد ثواب هذا الدفاع يوم القيامة. إنه يجب عليّ أن أبرز هذا الدفاع الهام عن هذا المحدث الصحابي الكبير باختصار، لقد كان دفاع الشيخ رشيد عنه في مواجهة النصارى الضالين، الذين يريدون منا ـ نحن المسلمين ـ أن نكذب بالأحاديث المروية بطرق الرواية المضبوطة المتصلة بالسماع ونقل العدول الضابطين، وبينما هم يصدقون بالكذب والروايات التي هي أقرب للشائعات وليس لها سند ولا تقف على عمد، ولا ريب أن غرضهم من الطعن في السنة ـ هو وكما يقول الشيخ رشيد ـ: "الطعن في الشريعة وطرح الثقة بها" ٥.
стр. 124
دفاع عن أبي هريرة:
لقد وقف الشيخ رشيد لهؤلاء الطاعنين مدافعاً عن محدث الإسلام الصحابي الكبير أبي هريرة ﵁ فقد لخّص شُبههم وأجاب عليها جميعاً وهدفه من ذلك أن يُثبت "أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه راوية عدل وأنه من نوابغ البشر في الحفظ والضبط لما يحفظ ... " ١.
لقد لخص هذه المطاعن في ثلاث نقاط:
الأولى: كثرة رواية أبي هريرة، وإنكار بعض الصحابة عليه في ذلك.
الثانية: اتهامه في روايته وخوفه هو نفسه من تكذيب الناس له.
الثالثة: عدم احتجاج بعض الفقهاء بروايته ٢.
وقد رد الشيخ رشيد على جميع هذه المطاعن رداً مفصلاً، ولكني سأقتصر على أهمه.
ففيما يتعلق باتهام أبي هريرة في حديثه يقول الشيخ رشيد إن التهم ـ كما في الشرائع لا تثبت إلا بالبينة والدليل ولم يقم دليل واحد على صدق هذه التهمة، وإنما عرض لبعضهم شبه ـ قديماً وحديثاً ـ لكثرة روايته دون غيره من الصحابة، وهذه الشبه تزول إذا زال سببها وهو معرفة سبب كثرة رواياته وهو الموضوع الثاني ٣.
أسباب كثرة أحاديث أبي هريرة:
قال الشيخ رشيد: "لكثرة حديث أبي هريرة ﵁ أسباب استخرجناها من عدة روايات:
أحدها: أنه قصد حفظ أقوال الرسول ﷺ ، وضبط أحواله لأجل أن يستفيد منها ويفيد الناس، ولأجل هذا كان يلازمه ويسأله، وكان أكثر
стр. 125
الصحابة لا يجترئون على سؤاله" ١. وهذا ما شهد به النبي ﷺ لأبي هريرة ـ أعني حرصه على الحديث إذ قال له: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث" ٢ واستشهدبه الشيخ رشيد ٣.
ثانياً: أنه كان يلازم النبي ﷺ في كل أحواله حتى في زيارته لنسائه وأصحابه ليستفيد منه ولو في الطريق فكانت السنين القليلة من صحبته له كالسنين الكثيرة، وشهد له بذلك الصحابة، فقال له ابن عمر: "أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه" ٤.
الثالث: أنه كان جيد الحفظ قوي الذاكرة ويرجع ذلك إلى دعاء النبي ﷺ له بذلك وبشارته إياه بعدم النسيان ٥.
الرابع: أنه كان يحدث بما سمعه هو وما سمعه غيره وكان يتحرى ذلك فكثرت روايته بسبب ذلك، قال الشيخ رشيد: "فمن تدبر هذه الأسباب لم يستغرب كثرة رواية أبي هريرة ... " ٦.
وعن عدم أخذ بعض الفقهاء بروايته ـ لا سيما الحنفية ـ فيقول الشيخ رشيد: إن هذا غير صحيح فها هي كتب الحنفية في الحديث والفقه تكذب هذه الدعوى، وإنما المروي عن أبي حنيفة أنه يقدم رأي الصحابة على رأيه ـ لا روايتهم ـ إلا نفراً منهم أبو هريرة لأنه كان يهتم بالرواية ونشرها دون
стр. 126
العناية باستنباط الأحكام أي أنهم يرون أنه كان محدثاً فقط، وأما روايته فكرواية غيره من الصحابة مقبولة عند الجميع ١.
وعن الأحاديث التي كان يخاف أبو هريرة من روايتها فيقول الشيخ رشيد: إن أبا هريرة كان يعلم أن كثيراً من الناس لا يصدقون الروايات التي تستبعد عقولهم وقوعها، وإن كانت جائزة في نفسها فيتوقع أن يكذبوه إذا هو حدّث بها، وهذا هو مراده بقوله: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين من العلم فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم" ٢.
ومن النقاط البيضاء في موقف الشيخ رشيد من السنة اشتغاله بها تصحيحاً وتضعيفاً ونشراً لعلومها، فقد أفرد باباً لبيان الأحاديث الموضوعة لا سيما التي اتخذت سنداً لبدعة من البدع ٣. وقام الشيخ رشيد بعملٍ لم يكن مألوفاً يومه ذاك وهو الحكم على كل حديث يورده في مجلته أو تفسيره. فيذكر مخرجيه ودرجته ويتكلم على أسانيدها ناقداً لها ٤.وكان لهذا المنهج أثر كبير إذ أن ذيوع وانتشار مجلة المنار في العالم الإسلامي كان سبباً في نشر هذه الطريقة وسريانها في جميع الأماكن التي وصلت إليها "المنار".
ومن هذه النقاط البيضاء: دفاع الشيخ رشيد عن المحدثين وثنائه عليهم وعلى طريقتهم، بدءاً من الصحابة كما رأينا دفاعه عن أبي هريرة إلى المؤلفين المتأخرين كالبخاري ومسلم. فيقول: "ولولا أن المحدثين ـ جزاهم الله خيراً ـ اعتنوا بضبط أخبار السلف والبحث في أسانيدها لرأينا في
стр. 127
الكتب ألوفاً من هذه الآثار التي لم نر فيها الآن إلا بضعة عشر ... " يعني الآثار المكذوبة ١.
ويثني على البخاري ومسلم لشدة تحريهما ٢.
ومن المواقف البيضاء كذلك
موقفه من أحاديث الآحاد:
لقد كان الشيخ رشيد ﵀ تبعاً لشيخه محمد عبده ـ ولكثير من المتكلمين يقول: بأن أحاديث الآحاد ٣ الصحيحة السند لا يؤخذ بها في العقائد لأنها ظنية باتفاق العلماء والعقلاء، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ٤.
ولكن الشيخ ﵀ تحوّل عن هذا المذهب، فقد أجاب عن سؤال حول هذه المسألة فقال: " ... وقد فهم كثير من الناس من هذا القول ما لم يرده المحققون من قائليه فأخطأوا في فهم المراد، في فهم كلمتي الظن واليقين، فظنوا أن الأحاديث الصحيحة التي رواها الآحاد من الثقات العدول في صفات الباري وفي أمور الآخرة لا يجب الإيمان بها شرعاً ولا يضر المسلم تكذيبها، وإن لم يكن عنده شك في صحتها، بناءً على أن
стр. 128
أحاديث الآحاد لا تفيد في نفسها إلا الظن الذي لا يجوز الأخذ به في العقائد لأنه لا يغني من الحق شيئاً، وهذا الظن الذي فهموه من عبارة المتكلمين هو الذي لا يغني من الحق شيئاً، وما أظن أن مسلماً يعتد بعلمه يقول به ... " ١.
ثم عرّف الشيخ رشيد المعنى الصحيح لكلمتي الظن واليقين لغة واصطلاحاً، ثم قال: "إذا فقهت هذا فاعلم أن كل اعتقاد يُستفاد من السماع يطلق عليه في اللغة اسم الظن باعتبار مأخذ لذاته، واسم اليقين إن جزم صاحبه به، وكذا اسم العلم أن مدلوله حقاً. ولكن نفس السماع أي: إدراك الأصوات المحقق لا يسمى ظناً بل علماً. وخبر التواتر إنما يفيد العلم القطعي بضرب من الاستدلال النظري وإن اعتمدوا أنه يفيد الضروري فإن من شروطه أن يخبر كل واحد من المخبرين الكثيرين عن حس، أي مما سمعه بأذنه أو رآه بعينه مثلاً وأن يقوم الدليل أو القرائن على أنهم لم يتواطؤوا على الكذب، وأن يتحقق ذلك في كل طبقة من الطبقات ... وقد اختلف العلماء في العدد الذي يحصل بخبره التواتر ... ولكنهم اتفقوا على أن آيته حصول العلم الجازم بمدلول الخبر، ومثل هذا العلم كثيراً ما يحصل بخبر الواحد ... مثال هذا النوع من خبر الواحد الذي يحصل به الاعتقاد الجازم ـ وإن لم يكن المخبر به متصفاً بعدالة رواة الحديث ـ أكثر ما نسمعه كل يوم ممن نعاشر ونخالط من أصدقائنا ومعاملينا ... ومن هذا القبيل كل خبر لا مجال للتهمة فيه، وأما إخبارهم فيما يتهمون فيه فهي التي يرتاب فيها ويحتاج إلى الأدلة والقرائن في تمييز راجحها من مرجوحها، مثال ذلك مدح النفس والدفاع عنها والطعن في الخصوم ... فالأخبار في أمثال هذه المسائل يكثر فيها الكذب والخلط؛ إما بالتعمد أو بعدم الضبط ... فمن وعى ما ذكرنا وتدبره يعلم منه ما يعلم من نفسه إذ هو فكّر في مصادر علمه، والمصادر التي يحدث بها ويتلقاها من غيره، وهو أن الأصل في أخبار جميع الناس الصدق، وأن
стр. 129
الكذب إنما يقع لأسباب عارضة ... بل أقول: إن من هذه الأخبار ما يجزم العقل بصدقه وامتناع نقيضه وأعني بالعقل هنا ... العقل البشري الذي يبني حكمه على الاختيار ويزنه بميزان رعاية المصالح ودفع المضار، لا عقل واضعي المنطق والفلسفة الذي يجيز وقوع كل ما يمكن تصوره، ويحصر وقوع المحال في اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما ... " ١.
وخلص الشيخ رشيد بعد شرح لما سبق واستطراد في علم المصطلح واصطلاحاته إلى أنّ أكثر الأحاديث الاحادية المتفق على صحتها لذاتها كأكثر الأحاديث المسندة في صحيحي البخاري ومسلم، جديرة بأن يجزم بها جزماً لا تردد فيه ولا اضطراب، وتعد أخبارها مفيدة لليقين بالمعنى اللغوي الذي تقدم، ولا شك في أن أهل العلم بهذا الشأن قلّما يشكّون في صحة حديث، فكيف يمكن لمسلم يجزم بأن الرسول ﷺ أخبر بكذا ولا يؤمن بصدقه فيه؟ ... وليُعلم أنّي أعني بالمتفق عليه هنا ما لم ينتقد أحد من أئمة العلم متنه ولا سنده فيخرج من ذلك ما انتقده مثل الدارقطني ... " ٢.
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد هو أحد ثلاثة أقوال في "خبر الواحد" من حيث إفادته العلم أو الظن، وبناءً عليه يؤخذ به في العقائد أو لا؟ الأول: عدم إفادته العلم مطلقاً، والثاني: إفادته العلم مطلقاً، والثالث: إفادته العلم إذا احتف بالقرائن وهذا هو الذي ذهب إليه الشيخ رشيد، وتبعه على ذلك تلامذته من بعده ٣، وهذا هو المذهب الصحيح الموافق لما استقر عليه رأي المحدثين وعمل السلف ٤. ويعد هذا الموقف من الشيخ
стр. 130
رشيد أيضاً من مواقفه الصحيحة تجاه السنة النبوية لا سيما وهي مسألة ترتب عليها نزاع كبير في إثبات صفات الله تعالى، ولقد خطا الشيخ رشيد خطوة عملية في ذلك فأثبت الصفات الإلهية بهذا النوع من الحديث كما تراه في موضعه إن شاء الله.
وهذه الصورة المشرقة من السنة شابها ما شوّهها واختلط بلونها الأبيض ألوان أخرى ذهبت بنصوعها، بدا الشيخ رشيد فيها مضطرباً فلقد وقع "محيي السنة" ١ في أخطاء فادحة ما كان ليقع فيها مثله، فبينما دافع عن أبي هريرة إلا أنه وقع في غيره من الصحابة أيضاً وهو تميم الداري، كما طعن في غيره من الرواة وبغير حق، بل لمجرد التذرع برد الأحاديث الصحيحة ولو في الصحيحين اللذين أثنى كثيراً على صاحبيهما، وهذه هي الصورة الأخرى لموقفه من السنة والتي اتخذها من طعن بعده في السنة تكئة يتكئ عليها في طعونه نظراً لمكانة الشيخ رشيد العلمية والأدبية. وهو ما أحاول رسمه في الصفحات التالية.
الموقف الثاني: الموقف السلبي من السنة:
لقد قسّم الشيخ رشيد السنة التي ذكرها في قوله "الإسلام هو القرآن والسنة" إلى سنة عملية وهي دين عام لكل زمان ومكان وهي التي تكون من الدين ويجب العمل بها. وإلى سنة قولية وهي ليست "ديناً عاماً" كالأولى لذلك لم يكتبها الصحابة ولم يعتنوا بجمعها بل نُقل عنهم الرغبة عن ذلك٢.
ويرى أن أركان الإسلام والإيمان مبيّنة في القرآن والسنة العملية ٣،
стр. 131
وهي السنة "التي يجب أن تكون أصل القدوة" ١، وهي "ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملاً وسيرة فلا تتوقف على الأحاديث القولية" ٢. ويقول: "فالسنة لا يراد بها إلا السيرة والطريقة المتبعة عنه ﷺ بالعمل ... " ٣.
ويفرق الشيخ رشيد بين اصطلاحي السنة والحديث: "فإن السنة سيرته ﷺ وتُعرف من الصحابة بالعمل وبالإخبار كنحو "من السنة كذا" كما كانوا يقولون، والتحديث نقل كلامه كما هو المتبادر، وإن اصطلح المحدثون بعد ذلك على تسمية كل كلام فيه ذكر النبي ﷺ حديثا وسنة" ٤. ثم ينعى على المحدثين ذلك فيقول: "ومن العجائب أن يغبى ٥ بعض المحدثين أحياناً عن الفرق بين السنة والحديث في عُرف الصحابة الموافق لأصل اللغة فيحملوا السنة على اصطلاحهم الذي أحدثوه بعد ذلك ... " ٦، ولكن ما مصير هذا العدد الكبير من الأحاديث التي تبدأ بـ "قال رسول الله ﷺ "؟ يجيب الشيخ رشيد على ذلك بقوله: "وأما الأحاديث التي لم يجر عليها عمل جماعة المسلمين والسواد الأعظم من أهل الصدر الأول، ولا كتبها الراشدون ولا غيرهم من الصحابة ولا دعوا إليها، وإنما انفرد بها بعض الذين صرفوا همتهم إلى جمع الروايات وحفظ الأخبار والآثار ففيها تفصيل ملخصه أنه لا يجب على كل مكلف البحث عنها ولكن في معرفتها مزيد علم، ومن عرف شيئاً منها وصحّ عنده متناً وسنداً بلا معارض أقوى منه وجب عليه أن يقبله ويهتدي به ... " ٧.
ويقول في موضع آخر: "وليعلم القارئ أن هذا البحث الأصولي
стр. 132
بمعزل عن مسألة اهتداء المسلم بما صح عنده من أقوال الرسول ﷺ ، فتلك الأقوال هي ينابيع الحِكم ومصابيح الظُلَم وجوامع الكلم، ومفخر للأمة على جميع الأمم، بل إن في الأحاديث التي لم تصح أسانيدها من البدائع والحِكم والروائع، والكلم الجوامع ما تتقاصر عنه أعناق العلماء ... " ١.
فهذه "الأحاديث القولية" صالحة ـ عند الشيخ رشيد ـ للاهتداء لا للاحتجاج، وللاستشهاد بها مثلاً على قواعد النحو لا في مسائل الدين والفقه.
والدليل الذي ساقه الشيخ رشيد على ذلك هو أن الصحابة لم يكتبوا هذه الأحاديث كما كتبوا القرآن بل رغبوا عن ذلك ونهوا عنه، فيقول: " وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه بل في نهيهم عنه قوِي عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً عاماً كالقرآن. ولو كانوا فهموا عن النبي ﷺ أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كُتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها ... " ٢.
فقد بنى موقفه هذا على مسألة "كتابة الأحاديث" لأن النبي ﷺ لم يرد كتابتها ولم يأمر بها، وكذا الصحابة لم يكتبوها وكانوا ينهون عن كتابتها.
وقد رد الشيخ رشيد كثيراً من الأحاديث الصحيحة بل والمتواترة لكونها قولية، ومنها:
أحاديث نسخ التلاوة كما سبق، " ولو في الصحيحين" ٣.
وحديث سجود الشمس تحت العرش ٤.
стр. 133
وحديث انشقاق القمر ١.
وحديث الذباب ٢.
وأحاديث أشراط الساعة، كالمهدي، والدجال، ونزول عيسى ٣.
ويعتبر الشيخ رشيد هذا من قبيل رد الرواية لعلة في متنها وإن صحّ ـ بحسب صناعة تعديل الرجال ـ سندها. ومعنى "رد الرواية" كما يقول: "عدم تسليم إسنادها إلى النبي ﷺ أو الصحابي ... " ٤، وليس تكذيباً للنبي ﷺ فهذا يستلزم الكفر، وإنما الكلام في رد الرواية لعلة في متنها ٥. واستأنس الشيخ رشيد بالأحاديث التي انتقدت على الشيخين لعلة في متنها، فقال: "كتغليط مسلم وغيره لرواية شريك ٦ عند البخاري في حديث المعراج ٧، وتغليطهم لمسلم في حديث خلق الله التربة يوم السبت ٨، وفي حديث
стр. 134
صلاة الكسوف ١ ... فإذا جاز رد الرواية التي صحّ سندها في صلاة الكسوف لمخالفتها لما جرى عليه العمل، وجاز رد رواية خلق الله التربة إلخ لمخالفتها للآيات... فأولى وأظهر أن يجوز رد الروايات التي تتخذ شبهة على القرآن من حيث حفظه وضبطه وعدم ضياع شيء منه ـ كالروايات في نسخ التلاوة ... ـ ومثلها الرواية في سحر بعض اليهود للنبي ﷺ ... ومثل هذا وذاك ما خالف الواقع المشاهد كرواية السؤال عن الشمس أين تذهب بعد الغروب.." ٢.
واستند الشيخ رشيد في موقفه هذا إلى أمور، منها:
الأول: عدم كتابة الحديث إلا في وقت متأخر وترجيحه لذلك بعد سرد الأدلة معتمداً على ابن عبد البر في الجامع ٣.
والسبب الثاني الذي حدا بالشيخ رشيد أن يرد هذه الأحاديث وغيرها، أنها رويت بالمعنى الذي فهمه الرواة، فجاءت مضطربة غير متوافقة وتعارضت فتساقطت، وادعى أن أكثر الأحاديث كذلك رويت بالمعنى ٤.
стр. 135
والسبب الثالث الذي جعل الشيخ رشيد يتخذ هذا الموقف هو رواية الصحابة الإسرائيليات عن مسلمة أهل الكتاب. وفي هذا السبيل فقد طعن الشيخ رشيد في مسلمة أهل الكتاب بدءاً من الصحابة كتميم الداري ومروراً بالتابعين ككعب الأحبار ووهب بن منبه، بل وتعدى طعنه حتى فيمن أجمع الناس على عدالتهم وقيل في أسانيدهم أنها أصح الأسانيد ١.
لقد روى النبي ﷺ عن تميم الداري حديث الجساسة، ولكن الشيخ رشيد لم يسلم ذلك بل زعم أن النبي ﷺ ليس معصوماً من تصديق المنافقين والكاذبين ٢.
إنني بحاجة ماسة إذاً إلى أن أجيب عن هذه الأصول الثلاثة التي اعتمد عليها الشيخ رشيد في موقفه هذا، وهي: كتابة الحديث، والرواية بالمعنى، ورواية الإسرائيليات. أما الأحاديث التي ردها فسيأتي الكلام على بعضها في مواضع متعددة في هذا البحث، إن شاء الله تعالى.
أولاً: كتابة الحديث:
اعتمد الشيخ رشيد في رده "للسنة القولية" أو "الأحاديث" على عدم الوثوق بها، لأنها كتبت في وقت متأخر، ولم تكتب في العهد النبوي ولم يكتبها الصحابة، مما يدل أيضاً على أن النبي ﷺ وأصحابه لم يريدوا أن تكون هذه الأحاديث "ديناً عاماً" كالقرآن إذ أنهم لو فهموا رغبة النبي ﷺ في ذلك: "لأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كُتب وضبطوا ما وثَقُوا به وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها ... " ٣. ويرى الشيخ رشيد أن السنة التي يجب أن تكون أصلاً للقدوة هي ما كان عليه النبي وخاصة أصحابه
стр. 136
عملاً وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية ١. ويحمل الشيخ رشيد على المحدثين الذين "يغبون أحياناً عن الفرق بين السنة والحديث في عرف الصحابة الموافق لأصل اللغة فيحملوا السنة على اصطلاحهم الذي أحدثوه بعد ذلك..٢.
ويضيف الشيخ رشيد دليلاً آخر على مذهبه في الأحاديث القولية وهو نهي الصحابة عن رواية هذه الأحاديث ٣.
وقد بنى الشيخ رشيد كما رأينا على مسألة عدم كتابة الحديث في وقت متقدم، لا سيما من النبي ﷺ ، ولقد ثبت أن ذلك وقع وأمر به النبي ﷺ ، وأملى الحديث عليهم، وأن الصحابة كتبوا ذلك وأمروا به وأن التابعين تابعوهم على ذلك، والأدلة على ذلك الأمر من النبي ﷺ بكتابة حديثه والأذن فيها كثيرة، منها:
أولاً: إذنه ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص بكتابة أحاديثه " القولية": فقد كان عبد الله بن عمرو حريصاً على العلم وكان يكتب كل شيء يقوله النبي ﷺ فنهاه بعض الصحابة عن ذلك، فلجأ عبد الله إلى النبي ﷺ يستوضح منه الحكم الصحيح، فأمره النبي ﷺ بالكتابة، وأشار إلى فيه الشريف قائلاً: "أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج مني إلا حقاً" ٤، ولا ريب أن إشارة النبي ﷺ إلى فيه إشارة إلى كتابة أحاديثه القولية. وكان أبو هريرة ﵁ يشهد لعبد الله بن عمرو بالحفظ ويرجع السبب في ذلك إلى كتابته ٥. وبهذه الطريقة تمكن عبد الله بن عمرو من جمع كتب كثيرة من الحديث النبوي.
стр. 137
وقد أذن النبي ﷺ أن يُكْتَبَ لرجل سأله ذلك، فقال: "اكتبوا لأبي شاة" ١. و "كتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتاباً فيه أحكام الطهارة والصلاة والغنيمة والصدقة وكتاب الجراح والديات وغير ذلك" ٢.
ثانياً: علم الصحابة ﵃ بذلك وعملهم به، ونأخذ على ذلك أمثلة لكبار محدثي الصحابة الذين كانوا يكتبون أحاديث النبي ﷺ " القولية":
المثال الأول: كان أبو هريرة ﵁ أول الأمر يعتمد على حفظه ويرفض الكتابة ٣، إلا أنه سرعان ما عاد وكتب حديثه الذي يحفظه وأصبح يعتمد على هذا المكتوب عند شكه في رواية من مروياته ٤. وقد أثنى أبو هريرة ﵁ على حفظ عبد الله بن عمرو وأقر بأنه أحفظ منه بسبب كتابة عبد الله المبكرة. وكتب عن أبي هريرة تلامذته فقد كتب عنه همّام بن منبه صحيفته المشهورة بإملائه ٥، وكتبها أيضاً أبو صالح السمّان ٦، وكتبها عن أبي صالح الأعمش ٧ فقد كتب ألف حديث مما رواه عن أبي هريرة ٨. وكتب أيضاً عن أبي هريرة الأعرج ٩ وآخرون ١٠.
стр. 138
المثال الثاني: عبد الله بن عباس ﵁ كان يكتب أحاديث رسول الله ﷺ ويستخدم مواليه أحياناً للكتابة ١، وكان يحث طلابه على كتابة العلم٢، وقد ورد أنه كان ينهى عن الكتابة، فهل يتعارض ذلك مع ما قررته؟ أبداً فإن الذي ورد نهيه عنه هو كتابة آرائه، فعن طاوس ٣قال: "إن كان الرجل يكتب إلى ابن عباس يسأله عن الأمر فيقول للرجل الذي جاء بالكتاب: "أخبر صاحبك بأن الأمر كذا وكذا، فإنا لا نكتب في الصحف إلا الرسائل والقرآن" ٤. فإذاً كان يكتب الأحاديث دون رأيه وإلا فإنه أمر طلابه بالكتابة فقال: "قيدوا العلم بالكتابة" ٥ وروي هذا الأمر بالكتابة عن النبي ﷺ مرفوعاً ٦ وموقوفاً على عمر ٧ وأنس ٨ وعبد الله بن عمرو ٩.
المثال الثالث: أنس بن مالك ﵁ وكان أنس يجيد الكتابة وقد بعثه أبو بكر إلى البحرين ساعياً ١٠.
وبما أنه عاش مدة طويلة حتى قارب نهاية القرن الأول، ولم يبق من الصحابة إلا عدد ضئيل جداً، فقد كثُر تلاميذه حتى وصل الرواة عنه إلى مائتي نفس ١١، وقد سبق أنه كان يأمر بالكتابة، ويقول: "قيدوا العلم بالكتابة" ١٢،
стр. 139
وكانت لديه كتب كثيرة، فإذا كثُر الناس عليه أخرجها لهم وقال: "هذه أحاديث سمعتها من رسول الله ﷺ وكتبتها عنه" ١. وكان يملي على طلابه وهم يكتبون ٢، وكتب عنه عدد من طلابه في واسط ٣، وروى مسلم عنه أنه أعجبه حديث سمعه فقال لابنه: "اكتبه فكتبه" ٤.
وهؤلاء الأربعة عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وابن عباس وأنس هم رواة الحديث النبوي المكثرون، يكتبون أحاديثهم ويكتب عنهم طلابهم، هذا وقد كتب أيضاً غيرهم، ولكني اقتصرت على هؤلاء لأنهم أكبر من روى من الحديث النبوي، ولأن المقام لا يحتمل إلا ذكر أمثلة ٥.
ثانياً: الرواية بالمعنى:
الحجة الثانية التي بنى عليها الشيخ رشيد موقفه من "السنة القولية" أنها رويت بالمعنى وأن هذه الرواية بالمعنى هي سبب الاضطراب والاختلاف في الأحاديث الواردة، وهو ما أوجب ـ عند الشيخ رشيد ـ تساقطها وعدم الاعتداد بها. فقال: " لاشك في أن أكثر الأحاديث قد روي بالمعنى كما هو معلوم، واتفق عليه العلماء ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها، وما دخل على بعض الأحاديث من المدرجات وهي ما يدرج في اللفظ المرفوع من كلام الرواة، فعلى هذا كان يروي كل أحد ما فهمه، وربما وقع في فهمه الخطأ ... وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها ... " ٦.
стр. 140
ولقد كرر أبو رية ١ نفس الكلمات فقال: "إنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث كلها مما سموه صحيحاً أو جعلوه حسناً، حديث قد جاء على لفظه ومحكم تركيبه كما نطق به الرسول ﷺ ... " ٢. وزاد أبو رية ذكر الأمثلة ٣، واستشهد بكلام الشيخ رشيد في تفسيره ٤، وأريد هنا أن أجيب وباختصار عن هذه الشبهة فأقول:
أولاً: لقد دعا النبي ﷺ أصحابه إلى نشر حديثه وحثّهم على روايته بلفظه فقال: "نضّر الله امرءواً سمع مقالتي فحفظها فوعاها فأداها كما سمعها فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع" ٥.
ولا ريب أن أصحابه ﷺ ورضي عنهم كانوا يعظمون أمره ويمتثلونه، ولقد رد النبي ﷺ على رجل علّمه دعاءً فقال فيه: "وبنبيك الذي أرسلت" فقال الرجل: "وبرسولك الذي أرسلت" فضربه النبي ﷺ في صدره وقال له: "وبنبيك الذي أرسلت" ٦، وقد فهم الصحابة ﵃ ذلك وعملوا به. ونأخذ أمثلة على حرص هؤلاء ومن بعدهم على رواية اللفظ:
أولاً: الصحابة:
المثال الأول: ابن عباس ﵁ حبر الأمة ـ كان من المكثرين ٧
стр. 141
وكان يكتب الحديث، وقال لطلابه: "قيدوا العلم بالكتابة" ١، وكان يحرص على اللفظ فإذا روى حديثاً وشك في ألفاظه بيّن ذلك فقد روى حديث وفد عبد القيس وفيه؛ فقال رسول الله ﷺ : "من الوفد؟ أو من القوم؟ وقال: مرحباً بالقوم أو بالوفد" ٢.
المثال الثاني: أبو سعيد الخدري ﵁ من المكثرين أيضاً ٣، وكان يحرص على اللفظ، فقد سمع أبا هريرة يروي حديثاً فيه: "ذلك لك ومثله معه" فقال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: "ما حفظت إلا قوله: "ذلك لك ومثله معه" قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: "ذلك لك وعشرة أمثاله" ٤. ولا تعارض بين الروايتين، فإن النبي ﷺ قالهما وروى كل واحد منهما ما سمعه ٥.
وعنه أيضاً في حديث الشفاعة: "ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) ... " ٦.
المثال الثالث: ابن مسعود: المقرئ الكبير، كان يحرص على اللفظ كما كان يكتب الحديث ٧، فقد روى حديث آخر أهل النار خروجاً وفيه: "فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها" أو: "إن لك عشرة أمثال الدنيا" ٨، وفيه أيضاً: "قال فيقول: أتسخر بي (أو: أتضحك بي) وأنت الملك" ٩.
المثال الرابع: أبو هريرة ﵁ محدث الإسلام، من المكثرين١٠، كان يحرص على أداء اللفظ وإن شك في لفظين رواهما. ففي
стр. 142
حديث شعب الإيمان روى قول النبي ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة..." ١، وقد سبق تمسكه بما سمعه في حديث الشفاعة بينما تمسك أبو سعيد بما سمعه أيضاً.
المثال الخامس: عبد الله بن عمر ﵄ من المكثرين، وكان أشد الناس حرصاً على لفظ الحديث، وكان يغضب غضباً شديداً إذا تغير لفظ الحديث، ونأخذ له روايتين:
الأولى: سمع ابن عمر عبيد بن عمير ٢ يقول: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافقين كمثل الشاة الرابضة ٣ بين الغنمين"، فقال ابن عمر: "ويلكم لا تكذبوا على رسول الله ﷺ : إنما قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة ٤ بين الغنمين" ٥. فقد سمى ابن عمر الرواية بالمعنى كذباً.
الثانية: روى ابن عمر حديث أركان الإسلام فقال: "بني الإسلام على خمس: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج" فقال رجل مستفهماً: الحج وصيام رمضان؟ قال: "لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ " ٦. فقد رفض ابن عمر مجرد التقديم والتأخير في الألفاظ.
المثال السادس: أنس بن مالك ﵁ من المكثرين ٧، وكان يتقي مع ذلك الحديث عن النبي لقول النبي ﷺ : "من تعمّد عليّ كذباً
стр. 143
فليتبوأ مقعده من النار" ١، وكان إذا روى حرص على اللفظ، فقد روى حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (أو قال: لجاره) ما يحب لنفسه"، فقد تردد أنس في اللفظ فبيّن ذلك من حرصه على أداء اللفظ كما سمعه ٢.
المثال السابع: أبو بكرة ﵁ روى حديث الكبائر فقال: "كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثاً) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور (أو: وقول الزور) ... " ٣، وذلك أيضاً من الحرص على أداء ما سمع، وقد رواه أنس بلا تردد ٤.
وقد انتقل هذا المنهج للتابعين فقد تبعوا فيه الصحابة، ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: أبو حازم ٥ عن سهل بن سعد؛ فقد روى عنه أبو حازم مرفوعاً أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً، أو سبعمائة ألف ... " قال مسلم: " لا يدري أبو حازم أيهما قال" ٦.
المثال الثاني: أبو الزبير ٧ عن جابر؛ فقد قال ابن جريج ٨: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يُسأَل عن المُهلِّ؟
стр. 144
فقال: سمعت (ثم انتهى، فقال: أراه يعني) النبي ﷺ ...." ١، فقد احتاط أبو الزبير للسماع.
المثال الثالث: الأسود ٢ عن عائشة، فقد قال الأسود: " عن عائشة أن رسو ل الله ﷺ "كان إذا قام من الليل فدخل إلى أهله فألم بهم ثم اضطجع، ولم تقل: نام. فإذا جاء المؤذن وثب، ولم تقل: قام. ثم أفاض على نفسه، ولم تقل: اغتسل" ٣.
ويشهد الأعمش ٤ شهادة عامة لهذا الجيل فيقول: " كان هذا العلم عند أقوام لأن يخر من السماء أحب إليهم من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً" ٥.
فإذا وصلنا إلى عصر المؤلفين نجد مالك بن أنس ﵀ يحترز من تبديل لفظ بآخر كالذي والتي ونحوهما ٦, وكذلك أحمد يقول: حدثنا يزيد بن هارون ٧ وعباد بن عباد المهلبي ٨ قالا: أخبرنا هشام، قال عباد: ابن زياد عن أبيه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي مرفوعاً: "ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن طال عهدها، قال عباد: "وإن قدم عهدها"" ٩، فقد أشار أحمد إلى اختلاف شيخيه في ملاحظتين أحدهما في الإسناد والأخرى في المتن وذكر لفظهما.
стр. 145
ومسلم ﵀ يقول: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية. ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ١ حدثنا أبو معاوية ٢ ووكيع ٣ ح وحدثنا ابن نمير ٤، حدثنا أبي ٥ جميعاً عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة ٦، عن مسروق ٧عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منّا من ضرب الخدود أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية" ثم قال مسلم: هذا حديث يحيى، وأما ابن نمير وأبو بكر فقالا: "وشق ودعا" بغير ألف" ٨، فأنت ترى مسلماً أيضاً يحترز من الألف في الرواية، وهكذا صنع مسلم في كل كتابه، يبين اختلاف الرواة في الألفاظ وفي المتون والأسانيد.
وهذا أبو داود ٩، ﵀، يقول: " وقد روى حديثاً عن شيخين: عمرو بن مرزوق ١٠، ومحمد بن المثنى ١١، فيبين اختلاف ألفاظهم، ولفظ الحديث: "ولولا أن يقول الناس" فقال: قال ابن المثنى: أن يقولوا. وبلفظ: "لقد أراك الله خيراً" فقال: "ولم يقل عمرو: لقد" ١٢.