وكان يكتب الحديث، وقال لطلابه: "قيدوا العلم بالكتابة" ١، وكان يحرص على اللفظ فإذا روى حديثاً وشك في ألفاظه بيّن ذلك فقد روى حديث وفد عبد القيس وفيه؛ فقال رسول الله ﷺ : "من الوفد؟ أو من القوم؟ وقال: مرحباً بالقوم أو بالوفد" ٢.
المثال الثاني: أبو سعيد الخدري ﵁ من المكثرين أيضاً ٣، وكان يحرص على اللفظ، فقد سمع أبا هريرة يروي حديثاً فيه: "ذلك لك ومثله معه" فقال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: "ما حفظت إلا قوله: "ذلك لك ومثله معه" قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: "ذلك لك وعشرة أمثاله" ٤. ولا تعارض بين الروايتين، فإن النبي ﷺ قالهما وروى كل واحد منهما ما سمعه ٥.
وعنه أيضاً في حديث الشفاعة: "ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) ... " ٦.
المثال الثالث: ابن مسعود: المقرئ الكبير، كان يحرص على اللفظ كما كان يكتب الحديث ٧، فقد روى حديث آخر أهل النار خروجاً وفيه: "فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها" أو: "إن لك عشرة أمثال الدنيا" ٨، وفيه أيضاً: "قال فيقول: أتسخر بي (أو: أتضحك بي) وأنت الملك" ٩.
المثال الرابع: أبو هريرة ﵁ محدث الإسلام، من المكثرين١٠، كان يحرص على أداء اللفظ وإن شك في لفظين رواهما. ففي
стр. 142
حديث شعب الإيمان روى قول النبي ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة..." ١، وقد سبق تمسكه بما سمعه في حديث الشفاعة بينما تمسك أبو سعيد بما سمعه أيضاً.
المثال الخامس: عبد الله بن عمر ﵄ من المكثرين، وكان أشد الناس حرصاً على لفظ الحديث، وكان يغضب غضباً شديداً إذا تغير لفظ الحديث، ونأخذ له روايتين:
الأولى: سمع ابن عمر عبيد بن عمير ٢ يقول: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافقين كمثل الشاة الرابضة ٣ بين الغنمين"، فقال ابن عمر: "ويلكم لا تكذبوا على رسول الله ﷺ : إنما قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة ٤ بين الغنمين" ٥. فقد سمى ابن عمر الرواية بالمعنى كذباً.
الثانية: روى ابن عمر حديث أركان الإسلام فقال: "بني الإسلام على خمس: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج" فقال رجل مستفهماً: الحج وصيام رمضان؟ قال: "لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ " ٦. فقد رفض ابن عمر مجرد التقديم والتأخير في الألفاظ.
المثال السادس: أنس بن مالك ﵁ من المكثرين ٧، وكان يتقي مع ذلك الحديث عن النبي لقول النبي ﷺ : "من تعمّد عليّ كذباً
стр. 143
فليتبوأ مقعده من النار" ١، وكان إذا روى حرص على اللفظ، فقد روى حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (أو قال: لجاره) ما يحب لنفسه"، فقد تردد أنس في اللفظ فبيّن ذلك من حرصه على أداء اللفظ كما سمعه ٢.
المثال السابع: أبو بكرة ﵁ روى حديث الكبائر فقال: "كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثاً) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور (أو: وقول الزور) ... " ٣، وذلك أيضاً من الحرص على أداء ما سمع، وقد رواه أنس بلا تردد ٤.
وقد انتقل هذا المنهج للتابعين فقد تبعوا فيه الصحابة، ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: أبو حازم ٥ عن سهل بن سعد؛ فقد روى عنه أبو حازم مرفوعاً أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً، أو سبعمائة ألف ... " قال مسلم: " لا يدري أبو حازم أيهما قال" ٦.
المثال الثاني: أبو الزبير ٧ عن جابر؛ فقد قال ابن جريج ٨: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يُسأَل عن المُهلِّ؟
стр. 144
فقال: سمعت (ثم انتهى، فقال: أراه يعني) النبي ﷺ ...." ١، فقد احتاط أبو الزبير للسماع.
المثال الثالث: الأسود ٢ عن عائشة، فقد قال الأسود: " عن عائشة أن رسو ل الله ﷺ "كان إذا قام من الليل فدخل إلى أهله فألم بهم ثم اضطجع، ولم تقل: نام. فإذا جاء المؤذن وثب، ولم تقل: قام. ثم أفاض على نفسه، ولم تقل: اغتسل" ٣.
ويشهد الأعمش ٤ شهادة عامة لهذا الجيل فيقول: " كان هذا العلم عند أقوام لأن يخر من السماء أحب إليهم من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً" ٥.
فإذا وصلنا إلى عصر المؤلفين نجد مالك بن أنس ﵀ يحترز من تبديل لفظ بآخر كالذي والتي ونحوهما ٦, وكذلك أحمد يقول: حدثنا يزيد بن هارون ٧ وعباد بن عباد المهلبي ٨ قالا: أخبرنا هشام، قال عباد: ابن زياد عن أبيه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي مرفوعاً: "ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن طال عهدها، قال عباد: "وإن قدم عهدها"" ٩، فقد أشار أحمد إلى اختلاف شيخيه في ملاحظتين أحدهما في الإسناد والأخرى في المتن وذكر لفظهما.
стр. 145
ومسلم ﵀ يقول: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية. ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ١ حدثنا أبو معاوية ٢ ووكيع ٣ ح وحدثنا ابن نمير ٤، حدثنا أبي ٥ جميعاً عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة ٦، عن مسروق ٧عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منّا من ضرب الخدود أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية" ثم قال مسلم: هذا حديث يحيى، وأما ابن نمير وأبو بكر فقالا: "وشق ودعا" بغير ألف" ٨، فأنت ترى مسلماً أيضاً يحترز من الألف في الرواية، وهكذا صنع مسلم في كل كتابه، يبين اختلاف الرواة في الألفاظ وفي المتون والأسانيد.
وهذا أبو داود ٩، ﵀، يقول: " وقد روى حديثاً عن شيخين: عمرو بن مرزوق ١٠، ومحمد بن المثنى ١١، فيبين اختلاف ألفاظهم، ولفظ الحديث: "ولولا أن يقول الناس" فقال: قال ابن المثنى: أن يقولوا. وبلفظ: "لقد أراك الله خيراً" فقال: "ولم يقل عمرو: لقد" ١٢.
стр. 146
ثانياً: أن من كان يروي بالمعنى منهم ـ كان يقرن ذلك بما يدل عليه ـ إذا كان شاكاً في اللفظ ـ كأن يقول: نحواً من ذا قريباً من ذا ١، احتياطاً في الأداء.
فهذا ما كان من الصحابة والتابعين عند رواية الحديث النبوي في الرواية بالمعنى وفي غير المتعبد بلفظه، ويتبعون ذلك بقول يفيد احتياطهم في روايته وينبهون أثناء سياق الحديث على موضع السهو أو التردد، بما لا تجده لأمة من الأمم في أي عصر من العصور، ويتضح ذلك بأدنى نظر في أي من كتب الرواية. وبناء على ذلك فإن كل ما كتبه المستشرقون ـ في الكتابة والرواية بالمعنى ـ وكذا من تبعهم من المسلمين ـ يصبح لا قيمة له. ٢.
ثالثاً: أن اختلاف ألفاظ الحديث التي تتوارد على معنى واحد لا يرجع إلى الرواية بالمعنى وحدها، بل كان لمجالسه ﷺ المتعددة بتعدد الأزمنة والأمكنة والحوادث، والسامعين والمستفتين والمتخاصمين والمتغاضبين، والوافدين والمبعوثين، أثر في ذلك كبير، فكانت ألفاظه ﷺ تختلف في ذلك، إيجازاً وإطناباً، ووضوحاً وخفاءً، وتقديماً وتأخيراً، وزيادة ونقصاً، بحسب ما يقتضيه الحال ويدعو إليه المقام ٣.
رابعاً: وإذا أردنا أن نتبين حقيقة الأمر وننظر في الأمثلة التي ضربها هؤلاء لنا جدلاً، فسنجد العجب، إن هذه الأمثلة هي الأدلة على الاختلاف الناتج عن الرواية بالمعنى، والذي حدا بهم إلى رفض السنة، وسأعتمد على أبي رية فإنه ذكر أمثلة كثيرة لذلك ٤.
стр. 147
المثال الأول: وهو حديث رواه مسلم: جاء رجل يسأل النبي ﷺ عن الإسلام، فأجابه النبي ﷺ ، وفي آخر الحديث يذكر قول النبي ﷺ : "أفلح إن صدق". وفي رواية: "أفلح وأبيه إن صدق"، وفي ثالثة: "دخل الجنة وأبيه إن صدق" ١. هذا هو حجم الاختلاف الذي أقاموا عليه الدنيا: "أفلح إن صدق" أفلح وأبيه إن صدق" " ودخل الجنة وأبيه إن صدق".
المثال الثاني ٢: حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ : وتقدم رجل بقوله: يا رسول الله: أنكحنيها ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن، فقال له ﷺ : "أنكحتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية: "زوجتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية: "زوجتكها على ما معك"، وفي رابعة: "قد ملكتكها بما معك" ٣. هذا الاختلاف: زوجتكها، ملكتكها، أنكحتكها، بما معك على ما معك..؟!.
لقد تأسف هؤلاء على أن السنة رويت بالمعنى فأدت الرواية إلى هذا الاختلاف الشنيع، ولم تروَ باللفظ كما روي القرآن بلفظه، كما أنها لم تكتب كما كتب، هذا ما يقولونه ٤، ولكن القرآن أيضاً وقع فيه مثل ما نقموه على السنة، فمتى جمع القرآن؟ ٥. وماذا يقولون في اختلاف القراءات العشر المروية، بل إن القراءات أكثر من عشر بكثير ٦. ما قولهم في قراءة:
стр. 148
﴿فتثبتوا﴾ بدلاً من ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ١، و ﴿ننسأها﴾ بدلاً من ﴿نُنْسِهَا﴾ ٢، وقراءة ﴿لا تقتلوهم﴾ و ﴿لا تقاتلوهم﴾ ٣، و ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ و ﴿إثم كثير﴾ ٤، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ﴾ ﴿ولولا دفاع الله﴾ ٥، و ﴿وَسَارِعُوا﴾ مع القراءة من دون الواو ٦، وقراءة ﴿لامَسْتُمُ﴾ بالألف والقراءة بدونها ٧، وقراءة ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ و ﴿هل تستطيع ربَّك﴾ ٨، و ﴿أنا اخترتك﴾ و ﴿أنّا اخترناك﴾ ٩، إلى غير ذلك من أوجه الخلاف في القراءة، هل يدل ذلك على الرواية بالمعنى وعلى الاختلاف، وهل يقولون في القرآن مثل ما قالوه في السنة؟.
الرواية عن أهل الكتاب:
الحجة الثالثة التي اتكأ عليها الشيخ رشيد في موقفه من السنة " القولية" هي رواية الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم عن مسلمة أهل الكتاب، وفي هذا السبيل طعن في مسلمة أهل الكتاب بدءاً من الصحابة كتميم الداري
стр. 149
رضي الله عنه ١، ومروراً بالتابعين، ككعب الأحبار ٢، ووهب بن منبه ٣، ومن دون هؤلاء من الرواة، ولو عدَّلهم أهل الأرض، ولو كانت من أصح الأسانيد.
ويحسن أولاً أن أنقل نصوصا في ذلك من كلام الشيخ رشيد، إنه يقول: "إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم، وما كل مسلم مؤمن صادق، وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه من النبي ﷺ أو من غيره، وما بلغهم عنه بمثل سمعت وحدثني وأخبرني، ومثل عن النبي ﷺ ، أنه قال، أو: قال رسول الله ﷺ كما فعل المحدثون من بعد عند وضع مصطلح الحديث ٤. وقد ثبت أن الصحابة ﵃ كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى كعب الأحبار وأمثاله، والقاعدة عند أهل السنة: أن جميع الصحابة عدول فلا يخل جهل اسم راو منهم
стр. 150
بصحة السند، وهي قاعدة أغلبية وليست مطردة، فقد كان في عهد رسول الله ﷺ منافقون..١، ولكن البلية في الرواية عن مثل كعب الأحبار ... "٢. وقال في الكلام على أشراط الساعة: “من رواة هذه الأخبار وهب بن منبه وقد جرحه بعضهم، وأخوه همام ٣، وقد وثقه الجمهور، وهما من رواة الإسرائيليات، ككعب الأحبار، وحديث أبي هريرة الذي هو أقواها ٤ رواه البخاري في التفسير ٥، عن إسحاق ٦ ـ غير منسوب ـ عن عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه ـ وعبد الرزاق على إمامته في هذه الصناعة قد جرحه بعض أئمتهم حتى بالكذب ٧، ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن المدني ٨، مولى الحرقة عن أبيه ٩، عن أبي هريرة، والعلاء ممن جرحوه من رجال مسلم، ضعفه يحيى بن معين، وقال ابن عدي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم الرازي هو صالح الحديث أنكر من حديثه أشياء..١٠" وكل هؤلاء الرواة ضعفهم الشيخ رشيد في حديث واحد من أحاديث أشراط الساعة ليسقطه.
وسأكتفي بإحالة القارئ على كتب التاريخ ليحكم بنفسه على هؤلاء
стр. 151
الذين طعن فيهم الشيخ رشيد، وأكتفي في الرد على هذه المسألة الأساسية، وهي رواية الصحابة عن مسلمة أهل الكتاب لأن في كلام الشيخ رشيد ومن تبعه اتهام للصحابة بالغفلة وبعدم الفطنة والتمييز.
الحكمة من رواية الصحابة الإسرائيليات:
لقد قال الله تعالى مخاطباً أصحاب النبي ﷺ ومخبراً عن أهل الكتاب: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، وقد أدب النبي ﷺ أصحابه وعلمهم المنهج في الرواية عن أهل الكتاب فقال لهم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" ٢. أفبعد هذا يجوز لأحد أن يتهمهم بالبلاهة والسذاجة وعدم التمييز وبتصديق الكاذبين؟؟!
وفي ضوء الآية السابقة والحديث نستطيع القول: إن الصحابة ﵃ كانوا يستمعون لحكايات كعب ووهب ونحوهما، لا على سبيل التصديق بل على سبيل الاعتبار والاتعاظ، وليحمدوا الله تعالى على ما أنعم عليهم من الكتاب والحكمة، وبضدها تتبين الأشياء، والضد يظهر حسنه الضد، وتنقض عرى الإسلام إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
стр. 152
هل رجع الشيخ رشيد رضا عن هذه الآراء:
إن سبب إثارة هذه المسألة ما ذكره الشيخ مصطفى السباعي ١ ﵀ وهو من معاصري الشيخ رشيد؛ فقد قال عنه: "أما السيد رشيد رضا ﵀ فيظهر أنه كان في أول أمره متأثراً بوجهة أستاذه الشيخ محمد عبده ﵀ وكان مثله في أول الأمر قليل البضاعة من الحديث، قليل المعرفة بعلومه، ولكنه منذ استلم لواء الإصلاح ... كثرت بضاعته من الحديث وخبرته بعلومه ... لقد أدْرَكْتُه ﵀ في آخر حياته، وكنت أتردد على بيته فأستفيد من علمه وفهمه للشريعة، ودفاعه عن السنة ما أجد من حق تاريخه عليّ أن أشهد بأنه كان من أشد الناس أخذاً بالسنة (القولية) وإنكاراً لما يخالفها في المذاهب الفقهية" ٢.
وفي هذا النص مسائل: الأولى: أن قلة بضاعة الشيخ رشيد في علم الحديث رواية ودراية قد صرح بها هو نفسه فقال: " ... وصفت (بمحيي السنة) على ضعف حفظي للرواية، وقلة حظي من الدراية" ٣. وأما تخريجه للأحاديث فقد كان يعتمد فيها على كتاب "مفتاح الصحيحين" المطبوع المشهور، وقد اشتهر الشيخ رشيد بذلك وساعده على ذلك عدم اشتغال الأزهريين بالحديث وتبحرهم في المذاهب الفقهية والكلامية ٤.
وأما رجوع الشيخ رشيد عن آرائه في السنة ـ وإن كنت أرجوه ـ إلا أنني لم أجد عليه دليلاً إلا قول الدكتور السباعي المتقدم.
ولكن يوجد أدلة على ثبات الشيخ رشيد على هذه النظرية، فقد ظل
стр. 153
يردد هذه الآراء حتى في المجلدات الأخيرة من المنار ١، ومع ذلك فإني أرجو أن أكون قد أخطأت نصاً أو أسأت فهماً لكلام الشيخ رشيد ﵀.
وأما أخذ الشيخ رشيد بالسنن القولية كما حكى الدكتور السباعي فلا يتعارض مع نظريته تلك، فإنه يقول بجواز الاهتداء بالسنن القولية. وقد سبق بيان ذلك ٢.
أثر هذا الموقف للشيخ رشيد:
لقد كانت المكانة العالية التي تبوأها الشيخ رشيد في العالم الإسلامي وانتشار مجلته " المنار" ونشره لمذهب السلف الذي جعل المسلمين يلتفون حول مجلته، كل ذلك جعل رأي الشيخ رشيد في السنة ينتشر بين الناس الذين اطلعوا على مجلته وآرائه.
وأسوأ أثر لهذه الآراء هو الكتاب الذي أصدره "محمود أبو رية" حول السنة، وأعلن فيه رفضه لها جميعها وطعنه فيها وفي رواتها وناقليها. والحقيقة أن دعوى البحث والجد التي أعلنها أبو رية في مقدمة كتابه هي دعوى كاذبة. إن أبا رية لم يفعل شيئاً مما ادعاه هناك، وكل ما فعله أبو رية هو قراءة مجلة المنار، وجمع أقوال الشيخ رشيد رضا المتناثرة فيها، وزاد عليها سوء الظن وسوء الفهم، فكانت النتيجة هي: "أضواء على السنة المحمدية". لقد كان أبو رية، يردد بلا فهم ولا وعي كلام الشيخ رشيد رضا، ولقد نقل أبو رية عن الشيخ رشيد في كتابه ستة وعشرين مرة أو تزيد ٣، وكانت هذه النقول تطول حتى تبلغ صفحات من مؤلفات الشيخ رشيد لا سيما التفسير والمجلة. لقد وصل الأمر إلى أن عقد فصلاً كاملاً
стр. 154
بعنوان "المنافقون من الصحابة" لم يكتب فيه كلمة واحدة، بل كان عبارة عن نقل عبارات لرشيد رضا مع عزوها إلى صفحاتها ١ وفي كل مرة ينقل فيها عن رشيد رضا يسبق اسمه بعبارات المديح والثناء، كالمحدث الفقيه ... والمحدث الكبير، وشيخ المحدثين ٢.
ولقد كانت هذه الملاحظة ـ أعني كثرة النقل عن رشيد رضا ـ محط انتقاد الذين قرظوا كتاب أبي رية؛ وكان جوابه: "أما الملاحظة الثانية التي لاحظها الدكتور الفاضل ٣ فكانت بلسانه.. أنك قد أكثرت من النقل عن السيد رشيد رضا ﵀ وهذه الملاحظة سمعتها من غيره من كبار العلماء - وما لاحظه دكتورنا ومن معه - هو حق لا أماري فيه، وجوابي..أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقه المجتهدين عند أهل السنة الذين يعتد برأيهم ويوثق بعلمهم ... ، وأنه بلا منازع شيخ محدثي أهل السنة في عصرنا ... "٤.
لقد قلد أبو رية رشيد رضا في كل آرائه في السنة: في تقسيمها ٥، وفي شبهات هذا التقسيم ٦، وفي الطعن في الصحابة ٧، وزاد عليه طعنه في أبي هريرة ٨، وعبد الله بن سلام ٩ ﵄، وطعن في الأحاديث التي طعن فيها ١٠وزاد عليها، وقد نقل كلام الشيخ رشيد في
стр. 155
أحاديث الأشراط ثم قال: "إنه نقل ذلك لينسحب هذا البحث على السنة كلها لا أحاديث الأشراط فحسب" ١.
وأبو رية من المعاصرين للشيخ رشيد وكتب في مجلة المنار تقريظاً للتفسير ٢. ولكن الآراء التي ذكرها في أضوائه لم يكن ليوافق عليها الشيخ رشيد لو كان حياً حين صدر الكتاب ٣.
ولا يقتصر هذا الأثر على أعداء السنة، بل امتد ليشمل "أنصار السنة" الذين ورثوا الشيخ رشيد رضا بكل ما فيه من حسنات وسيئات، فقد وقع من بعضهم إنكار للأحاديث الصحيحة، ولما دلت عليه كالمهدي والسحر ٤، ولم يكن ذلك عاماً في هؤلاء بل كان يحدث فلتة بين الحين والآخر، كما كان هناك ميل إلى الاقتصار على الصحيحين دون سائر الكتب ٥ عند آخرين ٦.
стр. 156
المطلب الثالث: الإجماع:
الإجماع هو الأصل الثالث من أصول الأحكام، وهو حجة في كل
стр. 157
عصر من حجج الشرع، ودليل من أدلة الإحكام ١.
وحقيقته ومعناه: أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام ٢. ويعتبر في الإجماع اتفاق كل من كان من أهل الاجتهاد ٣، والإجماع على ضربين:
أحدهما: إجماع الخاصة والعامة، وهو مثل إجماعهم على القبلة أنها الكعبة، وعلى صوم رمضان، ووجوب الحج، والوضوء، والصلوات.
والثاني: إجماع الخاصة دون العامة مثل ما أجمع عليه العلماء من دقيق المسائل.. كـ "أن الوطء في الحج مفسد له، وكذا الوطء في الصوم، وأن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، وأن لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وأن لا وصية لوارث" ٤.
أما إجماع العامة فلا يعتبر وحده ٥، ولا إجماع من فقد شرطاً من شروط الاجتهاد أو حصّل علماً دون باقي العلوم ٦، ولا يكون الإجماع إلا عن نص أو دليل أو مستند ٧، والدليل: إما كتاب أو سنة أو قياس ٨،
стр. 158
ويكون الإجماع في مسائل الاعتقاد كرؤية الله تعالى، ونفي الشرك، لتعضيد الأدلة وتقويتها، ولدفع احتمال الخطأ ١، وقد حكي الإجماع في مسائل الاعتقاد ٢.
وقد ظهر لي من خلال قراءة عبارات الشيخ رشيد أنه ـ ومعه ـ الأستاذ الإمام وحزبه لم يكونوا يفهمون الإجماع الشرعي الذي يتحدث عنه مؤلفو المسلمين، فالشيخ رشيد ـ وإن كان يرى أن الإجماع أصل من أصول الشرع ـ إلا أنه اختلط عليه بغيره، لاسيما المصالح المرسلة ٣، وبناءً على ذلك لم يعرف الشيخ رشيد أهل هذا الإجماع الشرعي، وأدخل فيهم من ليس منهم وأخرج منه أهله.
يرى الشيخ رشيد أن الإجماع أصل من أصول الشرع فيقول: "الأصل الثالث: إجماع أولي الأمر ـ وهم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجارة والصناعة والزراعة، وكذا رؤساء العمال والأحزاب، ومديرو الجرائد المحترمة، ورؤساء تحريرها، وطاعتهم حينئذ هي طاعة أولي الأمر..٤.
لقد قلد الشيخ رشيد في هذا شيخه محمد عبده الذي لا يعرف معنى الإجماع الشرعي أيضاً، إذ يقول: "إن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحلّ والعقد من المسلمين وهم: الأمراء، والحكئم والعلماء ورؤساء الجند.. وسائر المصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم واجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منَّا... ولا يخالفوا أمر الله ولا سنة
стр. 159
رسوله ﷺ ..وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه، وأما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحلّ والعقد..١"
ومن الواضح البين أن "الأستاذ الإمام" يخلط بين الإجماع وبين المصالح المرسلة. وتبعه في ذلك رشيد رضا. إذ يقول عن صورة الإجماع:"هو أن يجتمع العلماء النابغون الموثوق بهم ويتذاكروا في المسائل التي لا نص فيها، ويكون ما يتفقون عليه هو المجمع عليه.."٢، ويؤيد رأيي في عدم فهمهم وخلطهم، المثال الذي مثل به "الأستاذ الإمام" ونقله لنا الشيخ رشيد لأمور أُجمع عليها، فيقول:.."وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة ﵃ وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الرأي من الصحابة ولم تكن في زمن النبي ﷺ .."٣.
ويتضح من قولهم: "لا نص فيها" ومن ترديدهم كلمة: " المصالح" أن حزب الأستاذ الإمام" اختلط عليهم الأمر، فبينما يقول الأصوليون: إن الإجماع لا يكون إلا عن نص، إما كتاب أو سنة أو اجتهاد ـ أي قياس ـ ٤، يقول هؤلاء: " لا نص فيها"، وبينما يكون الإجماع في العبادات فنجد كتب الفقه القديمة والحديثة تقول في كل مسألة من المسائل الرئيسة كوجوب الطهارة للصلاة، مثلاً: الأصل فيها ـ بعد الكتاب والسنة ـ الإجماع ٥. يريد حزب الأستاذ الإمام أن يخرج العبادات من دائرة الإجماع، لأنه فهم أن الإجماع هو إنشاء أمر لم يكن في عهد النبي ﷺ يعني يكون قريباً من
стр. 160
البدعة ـ وكذلك يريد أن يخرج من دائرة الإجماع العقائد، ربما لنفس السبب، بينما نرى كثيراً من أهل العلم يحكي الإجماع في مسائل العقيدة كما أشرت آنفاً وبناءً على هذا الفهم أدخل الشيخ رشيد رؤساء المصالح كالجيش ورؤساء العمال والزرّاع ورؤساء تحرير الصحف في إجماعه هذا. وأخرج منه الفقهاء المجتهدين، لأنهم وبناءً على تعريف الأصوليين للمجتهد الذي " لا يتفق مع قول القائلين: إنهم أهل الحل والعقد ولا على المصلحة العامة، فإن العالمين بما ذكروه من شروط المجتهد لا يعرفون مصالح الأمة، والدولة والإدارة والسياسة، بل لا يوثق بعلمهم الذي اشترطوه في أحكام القضاء في هذا العصر..١" وأيضاً" إن حصر المجتهد بالمعنى الذي ذكروه لا يمكن، والعلم باتفاقهم على تفرقهم لا يمكن.." ٢، ولا أدري لماذا يمكن حصر رؤساء العمال والزراع وتحرير الصحف ومديريها، ولا يمكن حصر الفقهاء والمجتهدين في الأمة؟ ، وأقول مرة أخرى: إن الشيخ رشيد يتحدث عن شيء آخر غير الإجماع الأصولي الذي يُذكر في مؤلفات علماء المسلمين، إنه ربما يتحدث عن كلمة "إجماع" التي كثر سماعها في تلك الأيام بعد إنشاء " البرلمانات" الحديثة. هذا هو ما أراه، وإذا أردت أن أحسن الظن بالشيخ رشيد وأسيئه بنفسي فليس أمامي إلا أن أتبع "جولد تسهير" ٣ في رأيه أن رشيد رضا وحزب الأستاذ الإمام كانوا يقررون إجماعاً جديداً ٤.
ورد الشيخ رشيد استدلال العلماء بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى..﴾ ٥، على
стр. 161
أن الإجماع حجة، وأريد أن أشير إلى أن أول من استدل بهذه الآية على حجية الإجماع هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وتبعه على ذلك العلماء من بعده ١، وأما الحجة الصحيحة على الإجماع عند الشيخ رشيد فهي قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٢، كما سبق.
стр. 162
المطلب الرابع: الفطرة:
الفطرة هي الخلقة أو الدين ٣، وقد اعتمد الشيخ رشيد على الفطرة في تقريره لمسائل العقيدة، ففي باب الإيمان بالله يقرر أن الإيمان بالله تعالى فطري، ويسمي هذا الإيمان ديناً فطرياً، ويقرر أن في هذا الدين الفطري عبادة فطرية ـ في مقابل الدين التعليمي والعبادة التعليمية ـ هي الدعاء ٤، كما أنه يرى أنه يمكن استنباط التوحيد بالفطرة ٥، ويقول: إنها طريقة القرآن، ويمدحها بقوله: "ولعل أرق أساليب الإقناع وأبلغ أساليب الإذعان بأصول الإيمان: إحالة المخاطبين إلى فطرهم وغرائزهم ..."٦، وبشكل عام يقرر الشيخ رشيد أن " الإسلام هو دين الفطرة السليمة "٧.
وهو في ذلك يخالف المتكلمين الذين يقولون بأن المعرفة نظرية
стр. 163
جدلية، فالله تعالى لا يعرف ـ عندهم ـ إلا بالنظر الجدلي على طريقة اليونان، ويقولون: إنه أول واجب على المكلف ١. ومع أن الشيخ رشيد يقول بوجوب النظر، إلا أنه يقرر النظر الشرعي الذي دعا إليه القرآن، وليس النظر اليوناني الفلسفي الذي لا يستطيعه حتى الخاصة فضلاً عن العامة.
стр. 164
المطلب الخامس: العقل:
" العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك، إنه غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحدها عن دركها.."٢. " ولقد جاء القرآن بالأدلة العقلية على أكمل وجه، على أصول الدين من الإلهيات والنبوات والسمعيات وغيرها " ٣.فهذه الأصول وإن كانت معلومة بالفطرة الضرورية البديهية، وبالشرعية النبوية الإلهية، فهو أيضاً معلوم بالأمثال المضروبة التي هي المقاييس العقلية ٤.
فالعقل دليل من أدلة المعرفة عامة والدينية فيها خاصة، والوحي جاء بالأدلة العقلية صافية من كل كدر، وقد وردت النصوص بمسائل الاعتقاد وبأدلتها العقلية التي يجب على العقل النظر فيها وفهمها على وجهها. وبما
стр. 165
أن الشيخ رشيد ينسب إلى " المدرسة العقلية" فيكون من المناسب معرفة موقفه من العقل كمصدر من مصادر المعرفة.
يقرر الشيخ رشيد أن الإسلام هو "دين العقل والفكر" ١.ومن محاسن الإسلام التي أراد الشيخ رشيد أن يميزها: "انطباق عقائده على العقل وآدابه على الفطرة وأحكامه على درء المفاسد وجلب المصالح" ٢. وجعل هذه العبارة هي المقدمة الأساسية في كل جزء من تفسيره.
فيرى أن العقائد الإسلامية تنطبق على العقل أي توافقه ولا تخالفه، وأنه يقبلها ويفهمها، فالعقل الصريح لا يمكن أن يعارض أبداً نصاً صحيحاً. ولذلك فإن الشيخ رشيد يقارن بين ورود كلمة " العقل" في القرآن الكريم، وبين ورودها في الكتب المقدسة المتداولة، ويقرر أنها ـ أي كلمة العقل ـ وما في معناها ـ ليست موجودة ولا مرة واحدة في هذه الكتب ـ بينما كثر ووردها في القرآن٣.
وأما ورود "العقل" في القرآن فأكثره كما يقول الشيخ رشيد: "قد جاء في الكلام على آيات الله، وكون المخاطبين بها والذين يفهمونها ويهتدون بها هم العقلاء، ويراد بهذه الآيات في الغالب آيات الكون الدالة على علم الله ومشيئته وحكمته ورحمته.. ويلي ذلك في الكثرة آيات كتابه التشريعية ووصاياه، كقوله تعالى في تفصيل الوصايا الجامعة من آخر سورة الأنعام: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤... وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله في أهل النار.. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٥.. وكذلك آيات النظر العقلي والتفكر كثيرة
стр. 166
في الكتاب العزيز فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين هم أهل النظر والتفكر والعقل والتدبر.."١.
ولكن هل يستقل العقل في المعارف الدينية؟ يجيب الشيخ رشيد على ذلك بالنفي فيقول: " إن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي.. وإنما على العقل بعد التصديق برسالة نبي أن يصدق بجميع ما جاء به، وإن لم يستطع الوصول إلى كنه بعضه والنفوذ إلى حقيقته.." ٢. ويقول في موضع آخر:"ما شرع الله الدين للناس إلا لأنهم لا يستغنون عن هدايته بعقولهم، ومن كان يؤمن بدين منزل من عند الله لا يمكن أن يقبل ما يوافق عقله ويرد ما لا يوافقه من المسائل التي يعتقد أن الله فرضها عليه.. فمن فعل ذلك كان غير متبع لدين يؤمن به قطعاً وإنما يكون متبعاً لهواه بغير هدى من الله، فوظيفة العقل أن يعلم ويفهم ليعمل، لا أن يتحكم في دينه.. ثم إن عقول الناس تختلف اختلافاً كثيراً فيما يوافق أصحابها وما لا يوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكل فرد ممن يحكمون عقولهم في الدين دين خاص به، وللمجموع أديان كثيرة بقدر عددهم..٣.
وقرر الشيخ رشيد مسألة هامة في ذلك، هي: " إن تحكيم العقل في كل مسألة من مسائل الدين مخالف لحكم العقل الصحيح.." ٤.
هذا الموقف الصحيح من الشيخ رشيد تجاه العقل لا بد أنه تأثر فيه بأبحاث شيخ الإسلام في كتبه التي وقعت تحت يده، لا سيما "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" ٥، وأيضاً كتبه الأخرى، فإن شيخ الإسلام قد بث هذا الكلام في كثير من كتبه وفي مناسبات شتى.
стр. 167
وهذا الموقف من العقل هو الموقف الصحيح، فالإسلام دين العقل بهذه المعاني:
أنه هاد للعقل ومرشد له وقائد، وهو مبادئ يفهمها العقل في سهولة ويسر، وهو لا يناقض العقل ١.
стр. 168
المبحث الثاني: قواعد الاستدلال عند الشيخ رشيد رضا
القاعدة الأولى: الإيمان بظاهر القرآن
...
قواعد الاستدلال عند الشيخ رشيد رضا:
هذه القواعد هي التي يتعامل بها مع النصوص ـ أعني نصوص الكتاب والسنة ـ وهي التي تميز أهل السنة من غيرهم من أهل الأهواء والبدع. وسوف أعرض بعض تلك القواعد التي وجدت أن الشيخ رشيد قد اتبعها في استدلاله بنصوص الشرع:
القاعدة الأولى: الإيمان بظاهر القرآن:
وهي قاعدة أساسية عند أهل السنة والجماعة خلافاً للمتكلمين الذين يرفضون هذه القاعدة حتى قالوا: إن الإيمان ببعض هذه الظواهر كفر ١. وقد ردّ على هذه الدعوى علماء أهل السنة، كما أن الشيخ رشيد اطلع على هذه الردود، ورد هو بدوره على هذه الدعوى وبَيَّن وجوب الإيمان بهذا الظاهر ٢.
стр. 169
القاعدة الثانية: الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة:
لقد نهج الشيخ رشيد نهجاً لم يكن شائعاً يومه ذاك، وهو الاستدلال
стр. 170
على مسائل الدين بنصوص الكتاب والسنة مباشرة دون وسائط، وهو ما يسميه بـ"طريقة السلف في الاستدلال" وهو ما أثار عليه حفيظة معاصريه الذين رأوا في ذلك ادعاءه للاجتهاد الذي اشتهر منعه في تلك الأيام ١. ويعلل الشيخ رشيد طريقته هذه بأن "فهم القرآن والسنة أسهل من فهم كتب الفقهاء" ٢. وبأن " الله تعالى ذم التقليد ونعى على أهله" ٣.
стр. 171
القاعدة الثالثة: رفض التأويل:
وهي من قواعد أهل السنة في الاستدلال بالكتاب والسنة ٤، وقد رفض الشيخ رشيد التأويل وبين خطره على الدين، وتلاعب أهله بنصوصه، وإن كان الشيخ رشيد قد وقع في التأويل أحياناً، كما أنه يرى أن التأويل يجوز عند عدم القدرة على دفع الشبه، لأنه خير من الكفر، وسيأتي تفنيد ذلك ٥.
стр. 172
القاعدة الرابعة: الردّ عند التنازع إلى الكتاب والسنة:
وهذه القاعدة من قواعد أهل السنة التي ميزتهم عن أهل البدع، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٦. والرد إلى الله تعالى ردّ إلى كتابه والرد إلى رسوله ردٌّ إلى سنته ٧. ويقرر الشيخ رشيد هذه القاعدة قائلاً: "القاعدة في كل ما حدث بعد الصدر الأول من الأقوال والآراء وتنازع فيه العلماء فلم يجمعوا فيه على قول: أنه يردّ إلى الكتاب
القاعدة الخامسة: مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم:
وطريقة السلف هي فهم النصوص وإثبات ما دلت عليه من صفات وإثبات موافقتها لصحيح المنقول وصريح المعقول، لذلك فهي أسلم وأعلم وأحكم ٣. وهذا ما قرره الشيخ رشيد، ولكنه بين أولاً ما هو مذهب السلف فقال: "وإنما مذهب أهل السنة والجماعة ما كان عليه السواد الأعظم من الصحابة وعلماء التابعين وأئمة الحديث والفقه، ممن تبعهم في الاعتصام بنصوص الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تكلف لإرجاع ظواهرها إلى ما ابتدع من البدع والآراء التي أحدثها أهل الأهواء.."٤.
ويقرر الشيخ رشيد أن هذا المذهب هو الأولى بالاتباع لأنه أسلم وأعلم وأحكم ٥.
стр. 175
القاعدة السادسة: درء التعارض بين العقل والنقل:
لقد ألف شيخ الإسلام كتابه العظيم الذي يحمل هذا العنوان من أجل تقرير هذه المسألة. وقد اطلع الشيخ رشيد على هذا الكتاب، إذا أنه طبع في مطبعة بولاق بعد قدومه مصر بسنوات ٦، وقد اعتمد عليه في تقرير هذه
стр. 176
القاعدة، ونقل عنه نقلاً طويلاً، وعلّق عليه قائلاً: "كل مؤمن سليم الفطرة صحيح العقل إذا قرأ هذا جزم بأنه الحق.." ١.
стр. 177
القاعدة السابعة: المحكم والمتشابه:
اعتمد الشيخ رشيد أيضاً في فهم المحكم والمتشابه على شيخ الإسلام ﵀ فقد نقل كلامه في " تفسير سورة الإخلاص" وفيه بيان مذهب السلف في هذه المسألة والمذهب الصحيح للمحكم والمتشابه، كما أنه بين خطأ المتكلمين في جعلهم نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وسوف يأتي تفصيل موقف الشيخ رشيد ـ إن شاء الله في موضعه ـ ٢.
ولا شك أن قواعد الاستدلال خطوة أساسية في منهج الاستدلال، وأرجو أن أكون قد نجحت في إبراز هذه القواعد عند الشيخ رشيد، وفي التدليل على أنه اعتمد فيها اعتماداً تاماً على مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما أرجو أن أكون قد نجحت في بيان موقفه من مصادر التلقي، وما أُخذ عليه فيها.
стр. 178
المبحث الثالث موقف الشيخ رشيد من علم الكلام
تمهيد:
لقد تأثر علم الكلام بالتيار العقلي اليوناني في نهجه العقلي، وكان علم الكلام بذلك فلسفة يرتطم بكل ما يعترض الفلسفة من عقبات، وأضاع ـ بمقدار قربه من الفلسفة ـ ما كان ينبغي له من مكانة، وكان ـ ابتعاده عن النهج القرآني السليم الفطري ـ يثير الكثير من المشاكل التي تفرق المسلمين وتجعلهم فرقاً وأشياعاً متنافرين متخاصمين. لقد ابتعد علم الكلام ـ على مر الزمن ـ عن القرآن مقترباً من الفلسفة، حتى إنه ليوشك أن يصير فلسفة عقلية بحتة، ولسان المتكلمين هو لسان أرسطو، هو نمط خفيف، ولكنه من غير شك لسان من ألسنة أرسطو. فالمتكلمون ـ في الإسلام ـ إنما يعبرون عن نزعة بشرية عقلية تقحم نفسها في الوحي بصورة تحاول أن تكون مقنعة، ولكنها مهما حاولت أن تخفى على الناس تعلم وتظهر وتتضح. ولقد ثار على هذا الاتجاه أئمة المسلمين من السلف الصالح ووقفوا له، وأعلنوا رفضهم لهذا النهج. ولكن: ما هو موقف الشيخ رشيد من "علم الكلام" و "المتكلمين" و "طريقتهم" و "لسانهم"؟ وبالجملة ما هو موقفه من "مناهج المتكلمين"؟
стр. 179
المطلب الأول: نشأة رشيد رضا على مذهب الأشعرية وتحوله عنه:
لقد نشأ الشيخ رشيد ـ يوم نشأ ـ على ما ينشأ عليه لداته وأترابه من طلبة العلم، فدرس الكتب المتداولة يومه ذاك، فقرأ "أم البراهين" و "جوهرة التوحيد" وشروحهما ١ على شيوخه الأزهريين. وكان الطالب يومئذ يُعد ليكون متكلماً مجادلاً، وفقيهاً مقلداً. وكان الشيخ رشيد يحاول أن يفهم ما في هذه الكتب التي لُقنها في بداية طلبه للعلم في طرابلس الشام، ويحاول أن يُفهمها للعوام فيعجز عن ذلك ٢. وكان ـ متأثراً بهذه النشأة ـ يرى: "أن كتب الأشاعرة هي وحدها منبع الدين وطريق اليقين" ٣، وكان ينظر إلى آراء السلف في هذه الكتب فيحسب أنهم "قوم جمدوا على ظواهر النقول وما فهموها حق فهمها ولا عرفوا حقائق العلوم وطابقوا بين النقل وبينها" ٤. وبقي الشيخ رشيد على هذا، حتى أنشأ المنار وشرع في شرح العقيدة في "أمالي دينية" اعتمد فيها على ما نشأ عليه من كتب المتكلمين، فأخذ يشرح ـ في الإيمان بالله ـ اصطلاحات المتكلمين: الوجوب والواجب، الاستحالة والمستحيل، الإمكان والممكن، الترجيح بلا مرجح، حدوث العالم، معتمداً في ذلك على "السنوسي" ٥ والإيجي" ٦ وكان يرى أن هذه الكتب هي أمثل كتب العقائد ٧.
стр. 180
ولكن ما لبث الشيخ رشيد أن تحول تدريجياً ـ عن هذا الاتجاه ـ وأقول تدريجياً ـ لأن الأفكار لا تتحول في يوم وليلة ـ ولا سيما أن الشيخ رشيد قد رافق رجلاً ـ أول عهده قد تأثر بالفلسفة القديمة والحديثة، وارتبط به ارتباطاً وثيقاً حتى صار " ترجمان أفكاره" هذا الرجل هو الشيخ محمد عبده. لذا كان التحول تدريجياً وزادت سرعته بعد وفاة أستاذه ١. ولكن متى كانت بداية هذا التحول؟
إن أول مرة ورد فيها اسم عالم سلفي في مجلة المنار كان في المجلد الثالث، فقد ذكر الشيخ رشيد اسم "العلامة ابن القيم" في أثناء رده على طائفة الجبربة٢٣، وفي المجلد الثالث أيضاً وقف الشيخ رشيد على إحدى رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي "الواسطة بين الحق والخلق" فقرظها في مناره ٤. ورغم أن الشام هي الموطن الأصلي لشيخ الإسلام إلا أن الشيخ رشيد لم يعرفه هناك، وربما كان السبب في ذلك أن كتب شيخ الإسلام قد تعرضت لحملات إبادة من خصوم دعوته ٥.
ومهما يكن من شيء، وبدءاً من هذا المجلد الثالث ارتبط الشيخ رشيد بمؤلفات السلف، وكان لانتشار مجلة المنار في العالم الإسلامي أثر كبير في ذلك، فلقد استطاع أن يحصل على مؤلفات شيخ الإسلام التي انتشرت في كل مكان بواسطة قرائه السلفيين في العالم الإسلامي ٦.