القاعدة، ونقل عنه نقلاً طويلاً، وعلّق عليه قائلاً: "كل مؤمن سليم الفطرة صحيح العقل إذا قرأ هذا جزم بأنه الحق.." ١.
стр. 177
القاعدة السابعة: المحكم والمتشابه:
اعتمد الشيخ رشيد أيضاً في فهم المحكم والمتشابه على شيخ الإسلام ﵀ فقد نقل كلامه في " تفسير سورة الإخلاص" وفيه بيان مذهب السلف في هذه المسألة والمذهب الصحيح للمحكم والمتشابه، كما أنه بين خطأ المتكلمين في جعلهم نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وسوف يأتي تفصيل موقف الشيخ رشيد ـ إن شاء الله في موضعه ـ ٢.
ولا شك أن قواعد الاستدلال خطوة أساسية في منهج الاستدلال، وأرجو أن أكون قد نجحت في إبراز هذه القواعد عند الشيخ رشيد، وفي التدليل على أنه اعتمد فيها اعتماداً تاماً على مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما أرجو أن أكون قد نجحت في بيان موقفه من مصادر التلقي، وما أُخذ عليه فيها.
стр. 178
المبحث الثالث موقف الشيخ رشيد من علم الكلام
تمهيد:
لقد تأثر علم الكلام بالتيار العقلي اليوناني في نهجه العقلي، وكان علم الكلام بذلك فلسفة يرتطم بكل ما يعترض الفلسفة من عقبات، وأضاع ـ بمقدار قربه من الفلسفة ـ ما كان ينبغي له من مكانة، وكان ـ ابتعاده عن النهج القرآني السليم الفطري ـ يثير الكثير من المشاكل التي تفرق المسلمين وتجعلهم فرقاً وأشياعاً متنافرين متخاصمين. لقد ابتعد علم الكلام ـ على مر الزمن ـ عن القرآن مقترباً من الفلسفة، حتى إنه ليوشك أن يصير فلسفة عقلية بحتة، ولسان المتكلمين هو لسان أرسطو، هو نمط خفيف، ولكنه من غير شك لسان من ألسنة أرسطو. فالمتكلمون ـ في الإسلام ـ إنما يعبرون عن نزعة بشرية عقلية تقحم نفسها في الوحي بصورة تحاول أن تكون مقنعة، ولكنها مهما حاولت أن تخفى على الناس تعلم وتظهر وتتضح. ولقد ثار على هذا الاتجاه أئمة المسلمين من السلف الصالح ووقفوا له، وأعلنوا رفضهم لهذا النهج. ولكن: ما هو موقف الشيخ رشيد من "علم الكلام" و "المتكلمين" و "طريقتهم" و "لسانهم"؟ وبالجملة ما هو موقفه من "مناهج المتكلمين"؟
стр. 179
المطلب الأول: نشأة رشيد رضا على مذهب الأشعرية وتحوله عنه:
لقد نشأ الشيخ رشيد ـ يوم نشأ ـ على ما ينشأ عليه لداته وأترابه من طلبة العلم، فدرس الكتب المتداولة يومه ذاك، فقرأ "أم البراهين" و "جوهرة التوحيد" وشروحهما ١ على شيوخه الأزهريين. وكان الطالب يومئذ يُعد ليكون متكلماً مجادلاً، وفقيهاً مقلداً. وكان الشيخ رشيد يحاول أن يفهم ما في هذه الكتب التي لُقنها في بداية طلبه للعلم في طرابلس الشام، ويحاول أن يُفهمها للعوام فيعجز عن ذلك ٢. وكان ـ متأثراً بهذه النشأة ـ يرى: "أن كتب الأشاعرة هي وحدها منبع الدين وطريق اليقين" ٣، وكان ينظر إلى آراء السلف في هذه الكتب فيحسب أنهم "قوم جمدوا على ظواهر النقول وما فهموها حق فهمها ولا عرفوا حقائق العلوم وطابقوا بين النقل وبينها" ٤. وبقي الشيخ رشيد على هذا، حتى أنشأ المنار وشرع في شرح العقيدة في "أمالي دينية" اعتمد فيها على ما نشأ عليه من كتب المتكلمين، فأخذ يشرح ـ في الإيمان بالله ـ اصطلاحات المتكلمين: الوجوب والواجب، الاستحالة والمستحيل، الإمكان والممكن، الترجيح بلا مرجح، حدوث العالم، معتمداً في ذلك على "السنوسي" ٥ والإيجي" ٦ وكان يرى أن هذه الكتب هي أمثل كتب العقائد ٧.
стр. 180
ولكن ما لبث الشيخ رشيد أن تحول تدريجياً ـ عن هذا الاتجاه ـ وأقول تدريجياً ـ لأن الأفكار لا تتحول في يوم وليلة ـ ولا سيما أن الشيخ رشيد قد رافق رجلاً ـ أول عهده قد تأثر بالفلسفة القديمة والحديثة، وارتبط به ارتباطاً وثيقاً حتى صار " ترجمان أفكاره" هذا الرجل هو الشيخ محمد عبده. لذا كان التحول تدريجياً وزادت سرعته بعد وفاة أستاذه ١. ولكن متى كانت بداية هذا التحول؟
إن أول مرة ورد فيها اسم عالم سلفي في مجلة المنار كان في المجلد الثالث، فقد ذكر الشيخ رشيد اسم "العلامة ابن القيم" في أثناء رده على طائفة الجبربة٢٣، وفي المجلد الثالث أيضاً وقف الشيخ رشيد على إحدى رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي "الواسطة بين الحق والخلق" فقرظها في مناره ٤. ورغم أن الشام هي الموطن الأصلي لشيخ الإسلام إلا أن الشيخ رشيد لم يعرفه هناك، وربما كان السبب في ذلك أن كتب شيخ الإسلام قد تعرضت لحملات إبادة من خصوم دعوته ٥.
ومهما يكن من شيء، وبدءاً من هذا المجلد الثالث ارتبط الشيخ رشيد بمؤلفات السلف، وكان لانتشار مجلة المنار في العالم الإسلامي أثر كبير في ذلك، فلقد استطاع أن يحصل على مؤلفات شيخ الإسلام التي انتشرت في كل مكان بواسطة قرائه السلفيين في العالم الإسلامي ٦.
стр. 181
وفي المجلد السابع من المجلة تحديداً حدث تغيير أساسي في منهج الشيخ رشيد، مما حدا به إلى أن يسمي هذا العام بـ" سن التمييز": "فقد دخل المنار في العام السابع من حياته، وهو سن التمييز في الحياة الشخصية، ولعل حياته تكون في هذا الطور خيراً منها فيما قبله إن شاء الله تعالى ١". وفي هذه السنة وقع كتاب "لوامع الأنوار" للسفاريني الحنبلي ٢، في يد الشيخ رشيد بواسطة "بعض محبي العلم والدين من العرب" ٣، فأرسل منه نسخة خطية للشيخ رشيد فطبع منها عدداً من النسخ وقفاً على طلبة العلم في بلاد مختلفة، وطبع منه الشيخ رشيد على نفقته عدداً آخر ٤، ويحسن أن أنقل كلام الشيخ رشيد عن هذا الكتاب، إذا يبدو لي أن هذا الكتاب كان أول الطريق السلفي الذي سار فيه الشيخ رشيد، وتعرف منه ـ ومن خلال ما ينقله السفاريني عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ على منهج السلف في مسائل العقيدة، يقول: الشيخ رشيد تحت عنوان: "شرح عقيدة السفاريني":" للشيخ محمد بن أحمد السفاريني الأثري الحنبلي رحمه الله تعالى عقيدة منظومة اسمها: "الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية" بلغني أن الشيخ حسناً الطويل ٥، ـ عليه الرحمة ـ قال لما اطلع عليها ما معناه: إن هذه أول عقيدة إسلامية اطلعت عليها. ولناظمها شرح مطول عليها سماه: لوائح الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية" جمع فيها المؤلف أقوال السلف والخلف ومذاهب الفرق في مسائل
стр. 182
الاعتقاد، وبين رجحان مذهب السلف على غيره، مؤيداً ذلك بالدلائل النقلية وكذا العقلية فيما يستدل على مثله بالعقل، واقتبس جل تحقيقاته فيه من كلام الإمامين الجليلين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم عليهما الرحمة والرضوان.. وجملة القول: إن هذا الكتاب لا يستغنى عنه بشيء من كتب العقائد التي يتداولها طلاب العلم، وكلها من وضع المتكلمين الذين جروا علىطريقة فلاسفة اليونان.."١. لقد وصل كتاب لوامع الأنوار للشيخ رشيد مبكراً، إذ أن أول نقل عنه كان في أثناء المجلد السابع، ولكنه كان يحتاج إلى وقت حتى يقرأ الكتاب قبل الشروع في طبعه ونشره، فمن المرجح أنه وصل إليه قبل ذلك بكثير.
ومهما يكن من شيء فبدءاً من المجلد السابع بدأ الشيخ رشيد ينقل عن السفاريني تصريحاً، فينقل نصوصاً كاملة من الدرة وشرح السفاريني عليها ٢. وصار بعد ذلك اعتماد الشيخ رشيد في دروسه الدينية على هذا الكتاب وحده بدلاً من " الإيجي" " والتفتازاني" ٣ وفي إحدى هذه المرات يعلق الشيخ قائلاً: " كنا عند ابتداء الاشتغال بعلم الكلام نرى في الكتب خلاف الحنابلة فنحسب أنهم قوم جمدوا على ظواهر النقول ... ثم اطلعنا على كتب القوم فإذا هي الكتب التي تجلي للمسلمين طريقة السلف المثلى، وإذا بقارئها يشعر ببشاشة الإيمان، ويحس بسريان برد الإيقان، وإذا الفرق بينها وبين كتب الأشاعرة كالفرق يبن من يمشي على الصراط السوي ومن يسبح في بحر لجيّ، تتدافعه أمواج الشكوك الفلسفية وتتجاذبه تيارات المباحث النظرية، وقد ظهر لي أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم.."٤. ومن ذلك الحين ـ وكما ذكرت ـ صار اعتماد الشيخ على
стр. 183
كتاب لوامع الأنوار أساسياً فقد نقل عنه من مسائل العقيدة في الكرامات ١، والمراد بمذهب السلف وذم الكلام ٢، وفي القدر ٣، وفي الإيمان ٤، وقد انتهى الشيخ رشيد من طبع هذا الكتاب أثناء المجلد العاشر من مناره ٥.
وعندما أعاد طبع الأجزاء الأولى من مجلة المنار بعد اثني عشر عاماً، علق عليه بعض التعليقات التي يظهر فيها تحوله عن مذهبه الأول ٦.
وفي المجلد السابع عشر انتقد السنوسي قائلاً: "ما كتبه السنوسي ﵀ من العقائد ولا سيما العقيدة الصغرى، التي انتشرت في المشرقين والمغربين وحذا حذوه فيها معلمو المدارس الرسمية وغيرها، حتى فيما يضعونه من العقائد للمبتدئين، وقاعدتها في الإلهيات: أن الواجب على كل مكلف شرعاً انه يؤمن بأنه يجب لله تعالى عشرون صفة، ويستحيل عليه أضدادها، واصطلاحه في هذه الصفات مخالف لما كان يفهمه السلف وأهل اللغة من معنى كلمة:"صفة" ومن إطلاقهم: الإيمان بصفات الله تعالى، فهو يعد الأمور الاعتبارية والعدمية صفات، فالوجود والمخالفة للحوادث ـ أي عدم الاحتياج إلى المكان، والمخصص صفتان لله تعالى عنده ـ والقدرة وكونه تعالى قادراً صفتان متغايرتان ولم ينقل مثل هذا عن أحد من الصحابة ولا التابعين، دع عدم ذكره في القرآن أو في كلام الرسول ﷺ فكيف نقتصر عليه ونجعله هو العمدة في تلقين عقيدة الإسلام..؟ "٧. فهذا النقل يؤيد ما ذهبت إليه ـ من التحول التدريجي ـ للشيخ رشيد إلى مذهب السلف ـ وأكرر
стр. 184
التدريجي ـ لأننا سوف نجد له كلاماً في خلال هذه السنوات مخالفاً لذلك ـ لأنه وكما قلت: لا تتغير الأفكار طفرة ولا فجأة وإنما على سنة الترقي والصعود التدريجي، وأرى أن الشيخ رشيد ـ عندما كان يحكي لنا قصة أبي الحسن الأشعري ١ في تحوله لمذهب السلف ـ إنما كان يرى فيها قصته هو نفسه، إذ يقول: ".. وكان أبو الحسن الأشعري من المعتزلة المتأولين ثم رجع عن أشهر قواعد الاعتزال واتبع فيها أهل السنة وظل على ما اعتاد من بعض تأويلات الاعتزال حتى صفا له مذهب أهل السنة من الشوائب، ورجع إلى مذهب السلف كما صرح به في آخر كتابه المسمى بـ الإبانة ... " ٢.
وأستطيع أن أقول: إن كتاب الشيخ رشيد الذي يصور لنا مذهبه الذي صفا له أخيراً والذي يوازي الإبانة للأشعري، هو: كتاب "السنة والشيعة" ٣.
стр. 185
المطلب الثاني: مخالفة رشيد رضا للمتكلمين:
ومنذ ذلك الحين أصبح رشيد رضا عدواً للمتكلمين يخالفهم في كل طريق، ويحمل عليهم وعلى منهجهم وعلى كتبهم في كل مناسبة، ولا اختاروا سبيلاً إلا سلك غيره.
فقد نقل عن أئمة السلف ذمهم لعلم الكلام والنهي عن الخوض فيه ٤. كما أن الشيخ رشيد أضحى يرى:" أن علم الكلام ليس من علوم
стр. 186
الدين الأصلية وإنما هو ضرورة الجأ إليها العلماء الرد على المبتدعة والفلاسفة فيما خالفوا فيه النصوص القطعية، فهو كحرس الحجيج الذي يحرسهم من قطاع الطريق ما وجد المعتدون على الحجيج، فإذالم يوجد من يعتدي عليهم يستغنى عن الحرس لأنه ليسن من أركان الحج ولا من واجباته ولا من سننه ١. إن علم الكلام إذاً ليس له من الدين نسب، ولا يتعلق منه بسبب، لذلك يعد الشيخ رشيد مذهب المتكلمين بدعة في الدين ٢، ومن سوء أثر طريقة المتكلمين أن العامة تأثروا بها فـ"صار كل عاميّ يجادل في الله بغير علم ولا كتاب منير، ويخوض في القدر ويذهب مذهب الجبر، ويكون هذا أكثر جدلاً كلما كان أقرب من الشيوخ في العلم والطريقة، فلا هو مجتهد يفهم، ولا مقلد يسلم" ٣.
لقد سلك المتكلمون مناهج مختلفة في محاولتهم إثبات قضايا الدين فيحتجون مثلاً على وجود الله تعالى بالعقل وحده ٤، على طريقة نظرية جدلية، ولذا فإن الشيخ رشيد يرفضها، ويقول: " المسلم لا يحتاج إلى الاستدلال على وجود الله تعالى بالطريقة الكلامية، وإن الدلائل التي تبنى على فرض خلاف المطلوب قد يكون إثمها أكبر من نفعها لأنها تثير الشبهات، وتوقع كثيراً من السامعين في الشك، وإنما الطريقة المثلى في ذلك طريقة القرآن الحكيم.. ٥.
وأما في اليوم الآخر فيذهب المتكلمون إلى إثباته بطريق السمع فقط ٦، وهذا أيضاً يرفضه الشيخ رشيد، فيقول:"كان الذين ألفوا كتب
стр. 187
الكلام على طريقة فلسفة اليونان النظرية يرون أن الدليل على البعث لا يكون إلا سمعياً، إذ لا يمكن عندهم أن يستدل عليه بالعقل بأدلة علمية، ولم يفهم هؤلاء قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢. وغيرها من الآيات" ٣.
وأما الطريقة الصحيحة عند الشيخ رشيد لتلقي العقائد وعرضها على الناس فهي طريقة القرآن لأن "مسائل العقائد في الإلهيات قد فصلت أبلغ تفصيل بأساليب القرآن العالية الجامعة بين الإقناع والتأثير، كبيان صفات الله في سياق بيان أفعاله وسننه في الخلق والتكوين، والتصيير والتدبير، وآياته في الأنفس والآفاق.. وتأثير العقائد في الأعمال وما يترتب عليها في الدارين من الجزاء ... ٤ ". وهذه العقائد: " إنما يجب تعلمها على طريقة القرآن، لا على طريقة المتكلمين وفلاسفة اليونان..٥".
ولكن المتكلمون لم يسيروا على طريقة القرآن فقد" أضلت الفلسفة اليونانية علماء الكلام عن هذه الأساليب العليا فلم يهتدوا بها، ولا اقتدوا بشيء منها، بل طفقوا يلقنون النشء الإسلامي صفات الله مسرودة سرداً معدودة عداً، معرفة بحدود ناقصة، أو رسوم دارسة، مقرونة بأدلة نظرية، وتشكيكات جدلية، لا تثمر إيمان الإذعان، ولا خشية الديان، ولا حب الرحمن، بل تثير رواكد الشبهات، وتتعارض في إثباتها دلائل النظريات ... ٦".
والسبب في إعراض المتكلمين هذا عن طريقة القرآن: " افتتانهم
стр. 188
بالطريقة النظرية التي أخذوها عن كتب اليونان.. ١" ولقد فشلت تلك النظريات الفلسفية على مرّ العصور، والدليل على ذلك أن أحداً من الناس لم يهتد بها بينما: "اهتدى بحجج القرآن الألوف وألوف الألوف ... "٢.
ويقارن الشيخ رشيد بين أثر الفلسفة في النفس وبين أثر الدين، ويأخذ "الفضيلة" ميداناً لهذه المقارنة، فبينما يعمل المؤمن بالدين ابتغاء مرضاة الله تعالى وثوابه، و"صاحب تلك النظرية الفلسفية قلما يعمل بها، وإن عمل بها أحياناً فقلما يكون مخلصاً في عمله، وإذا تعارض هواه مع شهوته مع خير غيره ومنفعته، فإنه يؤثر نفسه ولو بالباطل، على غيره من أصحاب الحق، فإذا كان مما وصف الله تعالى به المؤمنين أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ٣، فهؤلاء الفلاسفة ومقلدتهم يؤثرون أنفسهم على غيرهم، ولو عن ظهر غنى، ثم إنهم يميلون في تأويل الخير والنفع مع الهوى.. ٤.
والسرقة والخيانة والفاحشة وجميع الرذائل حتى القتل، يمكن أن تعد من الفضائل عند الفلاسفة المتأخرين، يقول الشيخ رشيد واصفاً هذا المذهب الجديد:"فهذا المذهب الجديد في الفلسفة العملية هو شر مذهب أخرج للناس، فإن الرذائل فيه قد تسمى عقائل الفضائل، والمفاسد تعدّ فيه من أنفع المصالح، والحاكم في ذلك الهوى.."٥.
ويتخذ نفس الموقف من كتب الكلام لأنها "لم توضع لأجل تلقين المسلمين ما يجب عليهم اعتقاده، وإنما وضعت لرد شبهات الفلاسفة والمبتدعة..٦". وبسب هذه الكتب التي راجت في المسلمين انتشرت
стр. 189
تأويلات المتكلمين "المخالفة للسلف فلا يسلم منها أحد اعتمد في طلبه لعلوم الدين على كتب العقائد الرائجة في مصر وأكثر الأمصار.."١.
ويرفض الشيخ رشيد لغة المتكلمين ولسان الفلاسفة فإنهم يأتون إلى المعاني الواضحة البسيطة ويركبونها فتتعقد وتنغلق، كالموت وغيره فإن معناها ظاهر معروف "ولكنهم أوردوا عليها إشكالات بحسب علوم الفلسفة التي تغلغلت اصطلاحاتها في كتب المسلمين" ٢. وللمتكلمين لغة خاصة لا يشاركهم فيها أحد لا من المحدِّثين ولا من الفقهاء، ولا من اللغويين، فإنهم قد يفسرون الشيء بما يباينه تمام المباينة، ومن ذلك كلمة "الأفول" التي وردت في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ٣، قال الشيخ رشيد:"وقد فسر بعض النظار وعلماء الكلام الأفول بالانتقال من مكان إلى مكان، وجعلوا هذا هو المنافي للربوبية لدلالته على الحدوث والإمكان، وهو تفسير للشيء بما قد يباينه، فإن المحفوظ عند العرب أنها استعملت "الأفول" في غروب القمرين والنجوم.." ٤. ويقول في موضع آخر: "فإن جعل السؤال بـ "ما" خاصاً بالسؤال عن الماهية والحقيقة من اصطلاح علماء المنطق لا من أساليب العربية.. وليس أسلوب القرآن جارياً على مذهب أرسطو في منطقه وإنما هو بلسان عربي مبين..٥".
وفيما يتعلق بالمنطق ٦ يقول الشيخ رشيد:"إننا نجزم بأن ما ذكروه في تعريف المنطق لا يصح باطراد، وإن حكماء اليونان وغيرهم ممن كانوا يحاولون إثبات العلوم العقلية بأنواعها حتى الإلهيات بتطبيقها على قواعد
стр. 190
المنطق لم يستطيعوا مراعاة أحكامه لا في التصورات ١ ولا في التصديقات ٢..." ٣.
والحق ما قال الشيخ رشيد: إن المنطق لم يعصم واضعيه عن الخطأ في التفكير، وكل الذين استخدموه أخطأوا ولم يعصم المنطق أحداً من الخطأ أبداً. لقد فشل المنطق كما فشلت الفلسفة وأصبح المنطق مجرد مراس ومران عقلي على أشكال عدة وضروب منتجة أو غير منتجة، ولا نتيجة له ٤.
стр. 191
المبحث الرابع: موقف الشيخ رشيد من ابن تيمية ومدرسته
موقف الشيخ رشيد من ابن تيمية ومدرسته
...
المبحث الرابع: موقف الشيخ رشيد من ابن تيمية ومدرسته:
نستطيع أن نقول إن هذا العصر هو عصر "ابن تيمية" إذ كان لشخصيته ودعوته وعقيدته وإصلاحه عودة في هذا العصر ولكتاباته ظهور وانتفاضة، لم تكن لمصلح إسلامي قبله، ولا لمؤلف من المؤلفين القدامى ١. لقد كاد مذهب السلف أن يندرس، إذ لم يكن له وجود إلا في زوايا أهل الحديث من الحنابلة، والذين لم يكونوا ليجهروا به في الناس، لولا أن ظهر في أوائل القرن الثامن الهجري زعيم المجددين شيخ الإسلام ابن تيمية. لقد كان قوياً حتى واجه جميع الفرق والمذاهب القائمة في عصره بحرارة وشجاعة فأعلن مذهب السلف في جرأة وصراحة وكتب به فتوى لم تنشب أن سرت في العالم الإسلامي سير الريح ٢. واختصم الناس فيه واختلفوا حوله فهو في نظر فريق شيخ الإسلام وقدوة الأنام، وفي نظر فريق آخر مشبه ومجسم ومنتقص للرسول ﷺ ٣.
لقد شعّ على يدي ابن تيمية نور الوحيين ـ الكتاب والسنة ـ كفلق الصبح، يبدد ظلام التقليد والفلسفة، وينشر صحيح الاعتقاد ومستقيم
стр. 192
الأخلاق. وأصبح ابن تيمية ميزاناً توزن عليه أفكار الرجال طوال القرون السابقة المتطاولة. لأنه أصبح ممثل السلف في العصور المتأخرة، والقنطرة الموصلة إلى مذهبهم، حتى يذكر المترجمون في تراجمهم أن فلاناً كان من المائلين إلى ابن تيمية أو المائلين عنه ١.
ليس لدي أي دليل على أن الشيخ رشيد عرف شيئاً ذا بال عن شيخ الإسلام قبل وصوله إلى مصر، وأول مرة ورد فيها ذكر اسم شيخ الإسلام على لسان الشيخ رشيد كانت في المجلد الثالث من المنار في مناسبة تقريظه لرسالتين من رسائل شيخ الإسلام هما: "الواسطة بين الحق والخلق" و "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ٢. فكيف كان الشيخ رشيد يرى شيخ الإسلام؟ في المجلد الرابع من المنار يقول الشيخ رشيد: "ولقد كان الإمام أحمد ابن تيمية في عصره ناصر السنة وخاذل البدعة والمحيط بعلوم الدين والمحيي اجتهاد المجتهدين، وكان جرد حسام قلمه لمحاربة البدع والدعوة إلى مذهب السلف لا سيما فيما يتعلق بالعقائد وأصول الدين فحمل عليه بعض علماء التقليد الذين يرون معاشهم وجاههم بإرضاء العامة، فخاضوا فيه كما خاضوا في الأئمة من قبله..." ٣.
ويقول في موضع آخر متحدثاً عن ابن القيم وشيخه: "فقد كان هو وشيخه ـ بل شيخ الإسلام وعلم الأعلام أحمد ابن تيمية ـ أعلم أهل الأرض بالكتاب والسنة. وعندي: أنه لا يستغني أحد يطلب علم الدين عن الاطلاع على كتبهما..." ٤. ورغم أن الشيخ رشيد لم يطلع على كل ما
стр. 193
كتبه شيخ الإسلام وابن القيم إلا أنه من خلال ما قرأه واطلع عليه ـ يرى: "أنها من أفضل ما كتب علماء الإسلام هداية وتحقيقاً وانطباقاً على الكتاب والسنة، بل لا نظير لها فيما نعرفه من كتب المسلمين في مجموع مزاياها ..." ١.
ويبرر لنا الشيخ رشيد حكمه هذا ببيان حيثياته فيقول: " أما كتب شيخ الإسلام في الكلام فتمتاز على كتب جميع المتكلمين ببيان الفصل بين مذاهب الفلاسفة والمتكلمين على اختلاف فرقهم وتحرير دلائلهم وشبههم عليها، وبين مذهب السلف الصالح المأخوذ من نصوص الكتاب والسنة وفهم علماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لها ... ووالله إنه لا يغني عنها ولا عن شيء منها الوقوف على أشهر كتب الأشاعرة وأمثالهم كشروح وحواشي الدوانية والتفتازانية والمواقف والمقاصد فإن أكثر هذه الكتب فلسفية يونانية، ولا يمكن الوصول إلى معرفة عقيدة سلف الأمة الصالح منها ... " ٢.
ومن مميزات كتب شيخ الإسلام كما يشهد به الشيخ رشيد قائلاً: "وأشهد الله بأنني لم أجد في كتب أحد من علماء هذه الملة من أحاط بما أحاط به ـ يعني ابن تيمية ـ من حفظ النصوص وأقوال الناس من المحدثين والمتكلمين والفلاسفة والمبتدعة ... والوقوف على أدلتهم وتحقيقها وتحرير الحق الذي كان عليه سلف الأمة وإقامة الحجة عليه ..." ٣.
ويقر الشيخ رشيد على نفسه ـ اعترافاً بالحق ـ فيقول: "فأنا أشهد على نفسي أنني لم يطمئن قلبي لمذهب السلف إلا بقراءة كتبهما ... " ٤، وهذه الشهادة تؤيد ما ذكرته من أن ابن تيمية يعد بحق الطريق أو القنطرة الموصلة لمذهب السلف.
стр. 194
وقد كان لشيخ الإسلام خصوم وأعداء في القديم والحديث هم دائماً ـ أعداء الاستدلال بالكتاب والسنة وأنصار البدعة ١.
وقد وصل بهم التعصب إلى اتهام الشيخ بالكفر، وقد قام تلامذته ﵀ ومن كبار علماء عصره ـ بالرد على هذه الافتراءات ـ قديماً ٢ ـ وفي الحديث أيضاً.. فقد قام الشيخ رشيد بالدفاع عن شيخ الإسلام في كل مناسبة، فعن مخالفة شيخ الإسلام لجمهور المتكلمين يقول الشيخ رشيد: "ولا يهولنك تخطئة هذا الرجل ـ يعني ابن تيمية ـ لجميع أولئك الأساطين من الفلاسفة والنظار غروراً بشبهة الشيطان أنه لا يعقل أن يكون هو أعلم منهم وأذكى حتى يكون أحق بالصواب وأولى، فالرجل ليس صاحب مذهب مخترع تعارضت أدلته مع أدلة هذه الفرق واشتبه علينا الأمر حتى نرجح بالأدلة العقلية التي انخدع بنظرياتها كل من شذ عنه قليلاً أو كثيراً، وأساس مذهبهم الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله وصحّ عن رسوله على الوجه الذي كان عليه خير الأمة قبل افتتانها بالنظريات التي فرقتها شيعاً ... " ٣.
وبالنسبة للفروع الفقهية يقارن رشيد رضا بين الأئمة الأربعة المشهورين وبين ابن تيمية فيقول: "إنه اطلع على ما لم يطلعوا عليه كلهم من الأخبار والآثار لأنه اطلع على ما رووه وعلى غيره وحفظه وعرف ما قالوه هم وما قاله غيرهم من أقرانهم في أسانيدها ومعانيها، فهو في فتاويه يذكر خلاف الأئمة المجتهدين في المسألة وأدلة كل منهم ويمحص هذه الأدلة فيبين الراجح منها بالدليل، فمن تأمل فتاويه بنظر الإنصاف يرى أن ما رجحه هو الحق في الغالب ... " ٤، ومع ذلك يرى الشيخ رشيد أنه "لا ينبغي لأحد
стр. 195
أن يقول إن ابن تيمية أعلم من هؤلاء الأربعة هكذا على الإطلاق ... " ١.
وأكبر دفاع عن شيخ الإسلام للشيخ رشيد كان بسبب تعدي بعض الرافضة على مذهب السلف وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، فقد أجاب الشيخ رشيد على كل كلمة نسبها الرافضي لشيخ الإسلام ٢ وتلامذته لا سيما "الوهابية" أتباع محمد بن عبد الوهاب وهو ما يجب بسطه قليلاً.
موقف الشيخ رشيد من دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:
تعتبر دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب امتداداً لدعوة ابن تيمية في التمسك بالمنهج السلفي. ولا جرم إذن أن يكال لهذا مثل الذي كيل لسلفه. وأن يدافع عن ابن عبد الوهاب من يدافع عن ابن تيمية.
لم يعرف الشيخ رشيد عن دعوة "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" في الشام إلا ما يعرفه عامة الناس آنذاك وما تتناقله الألسن من الكذب والافتراء على دعوة "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" ٣، ولم يعرف الشيخ رشيد حقيقة هذه الدعوة إلا بعد قدومه مصر والاطلاع على تاريخ الجبرتي ٤. ولقد وصلت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى مصر عن طريق أولاده وأحفاده الذين أتي بهم واليها محمد علي ومعهم علمهم وكتبهم، لقد قدم إلى مصر عدد كبير من أسرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ودرس بعضهم في الأزهر، وكان طلقاء يمشون بين الناس ٥، ولهذا السبب ولأنهم درسوا في الأزهر ودرّسوا وصنفوا انتشرت
стр. 196
هذه الدعوة بمصر وعرفت ١. لقد بقي عبد الرحمن بن حسن تلميذ الجبرتي مدة ثمان سنوات في مصر قبل عودته إلى وطنه، وبقي ابنه "عبد اللطيف" ثلاثين عاماً في الأزهر ٢. ومن هذا يتضح أن دعوة الشيخ محمد وصلت لمصر مبكراً، وهناك عرفها الشيخ رشيد على حقيقتها. فماذا عرف عنها؟ يقول الشيخ رشيد: "لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة أمر دينها، بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ... ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ ، وترك البدع والمعاصي وإقامة شرائع الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة ... " ٣.
وعن أثر هذه الدعوة في نجد يقول الشيخ رشيد: "وقد كان من حسنات تأثير محمد بن عبد الوهاب المجدد للإسلام في نجد إبطال عبادة الجن وغير الجن منها، ولم يبق فيها إلا أهل تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله ... " ٤. ومن ذلك الحين والشيخ رشيد هو نصير دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مصر ٥، وينشر رسائله ويرد على أعدائه ٦. ولقد وصلت إلى الشيخ رشيد مؤلفات الشيخ عبد اللطيف بن
стр. 197
عبد الرحمن بن حسن ونشر بعضها في مناره ١ ويقول عنه وعن كتبه: ".. الذي يظهر أن الشيخ عبد اللطيف كان أوسع علماً بفنون العربية وأصول الفقه ومصطلح الحديث من جده شيخ الإسلام، ولكن جده هو الذي هدى إلى العلم الواسع الدقيق بتوحيد الله تعالى الذي هو أساس الإسلام وقام بالدعوة وهدى الله به الألوف ومئات الألوف إلى دين الله الخالص، وكان أولاده وأحفاده ـ ومنهم عبد اللطيف هذا ـ من بعض حسناته ... " ٢.
وفي حياة الشيخ رشيد قامت الدولة السعودية الثالثة، فكان الشيخ رشيد ـ من قبل قيامها ومن بعده ـ أكبر نصير لها، ونستطيع أن نقول: إن مجلة المنار صارت لسان حال الدولة السعودية الثالثة، ومقالها أيضاً، دفاعاً عنها ودعاية لها وتأييداً لملكها في كل محفل ومناسبة، ونستطيع بسهولة أن ندرك ذلك بمطالعة الأجزاء الأخيرة من مجلة المنار ٣، ولقد كان موقف الشيخ رشيد من دعوة الشيخ محمد والدولة السعودية محل دراسة وبحث للعلماء والباحثين ٤.
стр. 198
المبحث الخامس: موارد رشيد رضا في العقيدة
أولاً: مؤلفات ابن تيمية
...
لقد كان من المعقول أن كاتباً يكتب خمسة وثلاثين مجلداً في كل مجلد ما يقرب من ألف صفحة، أن تكون موارده من الكثرة بمكان. وهكذا كان الشيخ رشيد، ولذلك فإني سأقتصر على موارده في العقيدة دون غيرها من العلوم، وإن كان الشيخ ﵀ قد استعان بكتب التفسير المتداولة، وكذا كتب الحديث وشروحها، في تقرير مسائل العقيدة، إلا أنني سأقتصر أيضاً على ما كان موضوعه في العقيدة مباشرة، وسأبدأ بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية.
أولاً: مؤلفات ابن تيمية:
الذي ظهر لي أن الشيخ رشيد لم يعرف كتب شيخ الإسلام إلا في مصر، ولكن كيف أتت كتب شيخ الإسلام إلى مصر؟
لقد هبط شيخ الإسلام مصراً سنة ٧٠٥هـ ووصل الإسكندرية في صفر سنة ٧٠٩هـ وسافر إلى القاهرة ثم عاد إلى الإسكندرية ثم غادر مصر نهائياً في سنة ٧١٢هـ، أي أنه أمضى في مصر حوالي سبع سنين، وكان في هذه الفترة ترد إليه الأسئلة ويجيب عنها، ولا بدّ أن ذلك كان له أثره ١.
стр. 199
وكان في الأزهر رواق للشوام وكثير منهم من الحنابلة، بل كان يوجد رواق بأكمله للحنابلة، كما أن مذهب "أحمد" كان يدرس هناك كما كان له أئمته المشهورون ١.
والسبب الأكبر في رأيي ـ هو وصول أعداد كبيرة من أئمة الدعوة ـ كما سبق ـ إلى مصر، ولا بدّ أنهم حملوا في متاعهم الكتب التي اعتمد عليها أئمة الدعوة في نجد، ولاسيما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته ٢. لا سيما وقد خربت الدرعية حاضرتهم السلفية، فيكون أنفس ما يحمله هؤلاء معهم كتب دعوتهم.
وفي المطبعة التي أنشأها محمد علي، طبع درء التعارض لشيخ الإسلام ٣. وانتشرت المطابع بعد ذلك وكثر طبع هذه الكتب، ودرء التعارض هو أول كتاب أعرض له:
١ـ درء تعارض العقل والنقل:
ألّف شيخ الإسلام هذا الكتاب بين عامي ٧١٣ و٧١٧ ٤. على الراجح وقد طبع الكتاب في مطبعة بولاق سنة ١٣٢٢هـ وقد وصل رشيد رضا إلى الإسكندرية سنة ١٣١٥هـ، ولا بدّ أنه حصل على نسخة من درء التعارض الذي طبع على هامش " منهاج السنة" وإن كان المطبوع منه لا يتجاوز ثلث حجم الكتاب الحقيقي، إلا أن هذا القدر كان كافياً ليطلع الشيخ رشيد على مذهب السلف في التعارض بين العقل والنقل، ولقد نقل الشيخ رشيد عن ابن تيمية من هذا الكتاب في هذا الموضوع نصاً طويلاً ٥، ونقل عنه مرّة
١ انظر: عبد الله عنان: تاريخ الجامع الأزهر (ص:٢١١، ٣٠١ـ ٣٠٢ و ٣٠٤) ،وانظر أيضاً: وزارة الأوقاف المصرية الأزهر: تاريخه وتطوره (١٧٠ـ ١٧١)
٢ انظر: ابن بشر: عنوان المجد (١/ ٢١٥) وابن بسام: علماء نجد (١/١٧٧و١٨٤و٢٠٢) وما بعدها.
٣ انظر: محمد رشاد سالم: مقدمة درء التعارض (ص:٣)
٤ المصدر السابق (ص: ٩)
٥ انظر: مجلة المنار (٢٢/ ١٩١) وما بعدها
стр. 200
أخرى من جـ ٢/١٦٢ من طبعة بولاق ١. وأستطيع أن أقول: إن مذهب السلف الذي تبناه رشيد رضا كان مصدره كتب شيخ الإسلام، سواء نقل تصريحاً أو تلميحاً.
٢ـ الفتوى الحموية: وهي أول ما أُنكر على ابن تيمية وقام عليه معاصروه بسببها، وقد حقق ابن تيمية فيها مذهب السلف في الصفات تحقيقاً لم يسبق إليه، وقد طبعت بمصر، سنة ١٣٢٣هـ في المطبعة العامرة الشرفية، ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، الطبعة الأولى، وقد نقل عنها الشيخ رشيد تحقيق شيخ الإسلام لمذهب السلف وتقريره له ٢، وفي رأيي أن من اطلع على الفتوى الحموية، ودرء التعارض فقد وقف على مذهب السلف وعرف فضله على من خالفه وتبين له أتم بيان.
٣ـ التوسل: وفي هذا الكتاب قرر شيخ الإسلام التوحيد الذي أرسل الله به الرسل، وحسم مادة الشرك وقطع أصله وهو الغلو ٣، وعالج فيه القضايا الآتية: التوسل وأنواعه، والشفاعة وأنواعها، والدعاء وأنواعه، مفرقاً في كل هذا بين ما هو شرعي محمود وبدعي مردود.
أُرسل هذا الكتاب للشيخ رشيد لطبعه ٤، وقد طبعه ثلاث مرات ٥، أولها سنة ١٣٢٧هـ =١٩٠٩م. ونقل نماذجاً منه في المجلة، والتفسير ٦، ولم يخطئ الشيخ رشيد في هذه المسألة أبداً ٧.
٤ ـ تفسير سورة الإخلاص: وفي هذه الرسالة تناول شيخ الإسلام موضوعات كثيرة من أهمها: " المحكم والمتشابه" وقد نقل الشيخ رشيد نصاً
стр. 201
طويلاً لابن تيمية في تفسير المنار في هذا الموضوع، ومن موضوعات تلك الرسالة بعض انتقادات ابن تيمية على الغزالي، ولا بدّ أن رشيد رضا قد استفاد منها أيضاً في هذا الجانب ١.
٥ ـ التدمرية: استفاد منها الشيخ رشيد بواسطة السفاريني في "لوائح الأنوار" ٢، ونقل عنه كلام شيخ الإسلام في قاعدة هامة من قواعد أهل السنة في عدم التفريق بين الصفات، وهي "القول في بعض الصفات كالقول في بعض" ٣.
٦ ـ الأصفهانية: ألف ابن تيمية هذا الشرح لأحد متون الأشعرية بناء على طلب بعضهم أثناء وجوده في مصر وذلك سنة ٧١٢هـ فوافقه مشترطاً التنبيه على ما فيها من المخالفات ٤، وقد نقل السفاريني في " لوائح الأنوار" كثيراً عن هذا المؤلف ٥، فقد عرفه الشيخ رشيد إذن، ثم إنه طبع ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام فقرظه وحث القراء على اقتنائه مع سائر كتب شيخ الإسلام ٦.
٧ ـ شرح حديث النزول: طبع هذا الكتاب في الهند ٧، واطلع عليه رشيد رضا ونقل عنه، في سياق دفاعه عن ابن تيمية، وقد اتهم بتشبيه نزوله تعالى بنزوله هو، وبلغ النقل خمس صفحات ٨.
стр. 202
٨ ـ فتاوى ابن تيمية: طبع هذا المجموع سنة ١٣٣٠هـ ١، وهي خمس مجلدات كبار، وأكثر ما فيها فتاوى لشيخ الإسلام، وفي الجزء الخامس، وضعت هذه الرسائل: شرح الأصفهانية، والسبعينية، والتسعينية، وكما أن في هذه المجلدات فتاوى تتعلق بالعقود والمعاملات، وقد حث الشيخ رشيد قرّاءه على الإطلاع عليها ٢.
٩ ـ إقتضاء الصراط المستقيم: أشار إليه الشيخ رشيد فقط، ولم أجد له نقلاً عنه، ولكن لا بدّ أن يكون قد استفاد منه في محاربة البدع والشركيات ٣.
١٠ ـ شرح قاعدة لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ٤:
١١ ـ إبطال وحدة الوجود: أرسلها الشيخ محمد بهجت الأثري للشيخ رشيد رضا مع مجموعة من الرسائل، وذلك بإرشاد من محمود شكري الآلوسي ٥. ونشرها الشيخ رشيد تباعاً بدءاً من المجلد السادس والعشرين، وقد أصبح لا يخلو مجلد بل ولا جزء من "مجلة المنار" من رسائل لشيخ الإسلام.
١٢ ـ مناظرة ابن تيمية لدجاجلة البطائحية الرفاعية ٦: هذه الرسالة هي من أعظم ما تصدى له وقام به ابن تيمية من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي ضمن المجموع المشار إليه قبل ٧.
стр. 203
١٣ ـ لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة: كانت ضمن المجموع السابق ذكره، ونشرها رشيد رضا في المجلة في جزئين ١،
١٤ ـ قاعدة أهل السنة في رحمة أهل البدع: نشرها الشيخ رشيد وقال: إنها من أنفس ما كتب شيخ الإسلام ولخص منهجه في الرد على أهل البدع من خلالها في مسألتين، الأولى: بيان الحق بالأدلة. والثانية: عدم الجزم بتكفير شخص معين له شبهة تأويل ٢.
١٥ ـ الصوفية والفقراء ٣: اعتمد عليه رشيد رضا في بيان بدع الصوفية.
١٦ ـ السبعينية: طبعت ضمن مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ٤. وقد ردّ فيه على ابن سبعين.
١٧ ـ التسعينية: لقد حقق هذا الكتاب لدرجة " الدكتوراه" في جامعة الإمام ٥، وقد اطلع عليه رشيد رضا ضمن "مجموع الفتاوى " المشار إليه قبل.
١٨ ـ منهاج السنة النبوية: وهو أعظم ردّ على الرافضة، وقد طبع مع " درء التعارض" في مطبعة بولاق، وإذا كان الشيخ رشيد قد اطلع على درء التعارض فقد اطلع أيضاً ضرورة على " منهاج السنة" وقد أشار إلى أنه اطلع على كتاب في الرد على الرافضة، لشيخ الإسلام ٦.
١٩ـ المراكشية: هي جواب سؤال رفع لشيخ الإسلام ونشرها رشيد
стр. 204
رضا دون أن يذكر هذا الاسم ولكنه عنون لها بقوله: "مسألة صفات الله تعالى وعلوه بين النفي والإثبات" ١.
وقد اطلع الشيخ رشيد على غير ذلك من مؤلفات ابن تيمية ولكني اقتصرت هنا على ما كان موضوعه عقدي مباشرة.
стр. 205
ثانياً مؤلفات ابن القيم (ت: ٧٥١هـ) ومدرسة ابن تيمية:
٢ ٠ ـ مدارج السالكين: وقد طبع أول مرة في مطبعة المنار سنة ١٣٣٤هـ ٢. وهو من خير ما كتب الإمام ابن القيم. ونقل منه الشيخ رشيد نصوصاً كاملة في مجلته ٣. وأثنى على ابن القيم وسائر مؤلفاته ٤.
٢١ ـ شفاء العليل: وقد انتفع به رشيد رضا في تقرير مسائل العقيدة في باب القدر ونقد المخالفين، ونقل في تفسيره نص كلامه ٥.
٢٢ـ حادي الأرواح: اعتمد عليه الشيخ رشيد في تقرير مسألة "فناء النار" ونقل كلامه كاملاً وبلغ ذلك من صفحة ٧٠ إلى صفحة ٩٨ أي ٢٨ صفحة كاملة ٦. وقال: "وفيه من دقائق المعرفة بالله تعالى وفهم كتابه والغوص على درر حكمه في أحكامه وأسراره في أقداره، والإفصاح عن سعة رحمته وخفي لطفه، وجليل إحسانه، ما لم يسبقه إليه فيما نعلم سابق..." ٧.
٢٣ ـ أعلام الموقعين: كان الشيخ رشيد قد اطلع على شيء منه
стр. 206
بواسطة ثم جاءته نسخة من أحد قرائه في البحرين، ونشر من هذا الكتاب ما يتعلق بمباحث الاجتهاد والتقليد ١.
٢٤ ـ مفتاح دار السعادة: اعتمد عليه في تقرير عقيدة القدر ٢.
٢٥، ٢٦ ـ طريق الهجرتين، وإغاثة اللهفان: وقد قرظهما رشيد رضا، وقال: " وإن هذين الكتابين يصلحان لإفادة العوام وإن كان لا يستغني عنهما الخواص ٣، وقد طبعا معاً في مطبعة الحلبي سنة ١٣٢١هـ.
٢٧ ـ الروح: اعتمد عليه رشيد رضا في جوابه على الأسئلة المتعلقة بالأرواح، وأحال عليه ٤.
٢٨ ـ بدائع الفوائد: استفاد منه رشيد رضا في مبحث " أسماء الله تعالى" واعتمد عليه اعتماداً كلياً ٥.
٢٩ ـ الصارم المنكي: ألّفه محمد بن عبد الهادي (ت: ٧٤٤هـ) ليرد على السبكي في رسالته "شفاء السقام" والتي أنكر فيها على ابن تيمية منعه من الزيارة البدعية ٦، لقد عرّف الشيخ رشيد قرّاءه بقصة هذا الكتاب الذي طبع يومئذ ونصح قرّاءه بقراءته دون كتاب السبكي ٧، واعتمد عليه في تقرير مسائل التوحيد كالواسطة والزيارة ٨.
٣٠ ـ العلو: للذهبي (ت: ٧٤٨هـ) ﵀، وقد أورد فيه الأدلة
стр. 207
على علو الله تعالى على خلقه من الكتاب والسنة وأقوال السلف ـ رحمهم الله تعالى ـ ولقد طبع لأول مرة في مطبعة المنار سنة ١٣٣٢هـ ونقل منه في مجلته فصولاً ١، واعتمد عليه في إثبات العلو والمعية ٢.
٣١ ـ شرح الطحاوية ٣: لابن أبي العز الحنفي (ت: ٧٩٢هـ)
عزا إليه الشيخ رشيد أقوال أهل السنة في مسألة فناء النار ٤. والظاهر أن الشيخ رشيد كان يقصد العزو إلى الشارح وهو ابن أبي العز، فعزا إلى الطحاوي خطأً.
٣٢ ـ الرد الوافر: لابن ناصر الدين الدمشقي (ت: ٨٤٢هـ) ألفه في الدفاع عن ابن تيمية، وأحال عليه رشيد رضا ٥.
٣٣ ـ تجريد التوحيد: للمقريزي (ت: ٨٥٤هـ) وقد كان المقريزي سبّاقاً في تقرير مسائل التوحيد وتقسيمه إلى ربوبية وألوهية، وبيان ما يناقض الألوهية من الأعمال الشركية كالذبح والمحبة، وقد اطلع عليه رشيد رضا ٦.
٣٤ ـ كشف الشبهات: لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٠٦هـ) ، وهي من أهم رسائل دعوة التوحيد، وفيها تعريف التوحيد وبيانه، وبيان أصل الشرك وجرثومته ٧. وقد نشره الشيخ رشيد رضا في مجلته لبيان حقيقة الدعوة والدفاع عن أهلها ٨.
٣٥ ـ لوامع الأنوار: للسفاريني: (ت: ١١٨٨ أو ٨٩) لقد تعرف رشيد رضا من خلال لوامع الأنوار على العديد من كتب السلف من مدرسة
стр. 208
شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد كان ينقل عنهم ـ مع العزو إليهم ـ نص كلامهم، ووصلت نسخة خطية للشيخ رشيد قبل سنة ١٣٢٥هـ ١ ثم صار ينقل منها فصولاً في مجلته ٢ حتى تم طبعه كاملاً ٣، واستفاد منه في أبواب متعددة، وتعرف من خلاله على مذهب السلف. وفي رأيي أنه أول كتاب تعرف من خلاله على عقيدة السلف، وآراء ابن تيمية وتلامذته، فدرء التعارض طبع سنة ١٣٢٢هـ إلا أنه من المرجح أن "لوامع الأنوار" والذي طبع باسم " لوائح الأنوار" قد وصل لرشيد رضا قبل هذا التاريخ.
٣٦ ـ تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ٤. للصنعاني (ت:١١٨٢هـ)
٣٧ ـ فتوى في الصفات: للشوكاني (١٢٥٠هـ)
ونشر له الشيخ رشيد فتوى في الصفات فيها بيان مذهب السلف ٥.
٣٨ ـ الإيمان والكفر والنفاق والظلم والفسق: للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (ت: ١٢٩٣) نشرها في المجلة ليعلم منها ما عليه علماء نجد في مسألة تكفير المخالفين واحتياطهم فيها ٦.
٣٩ ـ الإذاعة: لصديق حسن خان (ت: ١٣٠٧هـ) نقل عنه في مسألة قرب الساعة وأشراطها نقلاً طويلاً، ونقل عن البرزنجي في " الإشاعة" بواسطة الإذاعة ٧.
стр. 209
٤٠ ـ جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ١: أحمد ابن تيمية، وأحمد بن حجر الهيتمي المكي، لنعمان خير الدين الآلوسي (ت:١٣١٧هـ= ١٨٩٩م.) .
٤١ ـ صيانة الإنسان: للسهسواني الهندي (ت: ١٣٢٦هـ) : طبعه رشيد رضا سنة ١٣٥٢هـ وقد ألفه صاحبه للرد على خصوم دعوة التوحيد، وكما يقول رشيد رضا: " بل هو رد على جميع القبوريين والمبتدعين حتى الذين جاءوا بعده" ٢.
٤٢ ـ تاريخ الجهمية والمعتزلة: لجمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢) نشر منه رشيد رضا فصولاً في مجلته ٣.
٤٣ ـ فصل المقال في توسل الجهال: لأبي بكر خوقير (ت: ١٣٤٩) ، وصاحب هذا الكتاب من الموحدين الذين اضطهدوا في عهد الشريف حسين بسبب عقيدتهم، وقد انتصر له رشيد رضا وقرظ كتابه المشار إليه وطبعه بمطبعته ٤
٤٤ ـ غاية الأماني في الرد على النبهاني لأبي المعالي ٥ الحسيني السلامي الشافعي (ت: ١٣٤٣هـ) : رد فيه على يوسف النبهاني في كتابه شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق. انتصر أبو المعالي فيه لعقيدة السلف، ورد على شبهات المستغيثين بغير الله، وانتصر لعلماء الأمة كابن تيمية ومدرسته ٦.
стр. 210
ثالثاً: مصادر أخرى:
٤٥ ـ الإبانة: للأشعري (ت: ٣٢٤هـ)
طبع هذا الكتاب في الهند سنة ١٣٢١هـ وبالقاهرة سنة ١٣٤٨هـ بدون تحقيق علمي ١، وقد اطلع على كتاب الإبانة وتصريح الأشعري بكونه على مذهب السلف في ذلك الكتاب ٢.
٤٦ ـ جامع بيان العلم وفضله: لابن عبد البر (ت: ٤٦٣هـ)
كان رشيد رضا يتمنى لو ظفر بهذا الكتاب إذ كان يسمع به ويطلع على بعض كتب الحديث التي تعزو إليه، ثم تحققت أمنيته ووجدت نسخة للكتاب وطبعت بمعرفة أحد الشوام الأزهريين ٣، وقد نشر رشيد رضا فصولاً منه كما أنه اعتمد على رواياته في مسألة كتابة الحديث ٤.
٤ ٧ ـ إلجام العوام: للغزالي (ت: ٥٠٥هـ)
واعتمد عليه رشيد رضا في ذم علم الكلام، ونقل عنه نقلاً طويلاً في التفسير ٥.
٤٨ ـ فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة: له أيضاً ٦.
٤٩ ـ إحياء علوم الدين: له أيضاً.
وهو أكبر الكتب تأثيراً في رشيد رضا، وانتفع به بعدما ترك الضار منه ٧، ونقل عنه ذم السلف لعلم الكلام ٨.
стр. 211
٥٠ ـ القسطاس المستقيم: له أيضاً:
امتدح رشيد رضا هذا الكتاب للغزالي ١، ونقل منه فصلاً في محاورات المصلح والمقلد ٢.
٥١ ـ الأربعين: له أيضاً:
نقل عنه مذهب المعتزلة والأشعرية في خوارق العادات ٣.
٥٢ ـ الاقتصاد في الاعتقاد: له أيضاً:
مدحه رشيد رضا لسهولة عبارته وانتقد مذهبه على طريقة الفلاسفة والمتكلمين ٤.
٥٣ ـ الشفا في حقوق المصطفى: للقاضي عياض (ت: ٥٤٤هـ)
ونقل عنه فصولاً كاملة، واستفاد منه في بيان أوجه إعجاز القرآن٥.
٥٤ ـ أساس التقديس: للرازي (ت: ٦٠٦هـ)
قرظه رشيد رضا ٦، وهو كتاب صغير الحجم لكنه كبير الضرر، إذ بسط فيه الكلام على تأويل آيات الصفات، ولقد ردّ ابن تيمية على هذا الكتاب رداً مفحماً ومستفيضاً ٧.
٥٥ ـ حجج القرآن: لأحمد بن محمد بن المظفر (ت: بعد: ٦٣٠هـ) :
جمع فيه مؤلفه الآيات التي احتجت بها كل فرقة على مذهبها، وأحال عليه رشيد رضا ٨.
стр. 212
٥٦ ـ المواقف: للإيجي (ت: ٧٥٦هـ) :
وهو من كتب الكلام الأشعرية، كان رشيد رضا يعتمد عليه في دروسه الدينية في المجلة قبل أن يظفر بكتب السلف، ولكنه عاد فلجأ إليه مع غيره من كتب المتكلمين للبحث في مسالة " الخلافة" وأحكامها ١.
٥٧ ـ الاعتصام: للشاطبي (ت: ٧٩٠هـ)
طبعه رشيد رضا في مطبعته، ونشر منه فصولاً في تعريف البدع وأنواعها، واستمر ذلك على طول المجلد السابع عشر من مجلة المنار ٢.
٥٨ ـ المقاصد: للسعد التفتازاني (ت: ٧٩٣) وهو من محققي الأشعرية المتأخرين، وله شرح عليها، وقد نقل عنه رشيد رضا وانتقده ٣.
٥٩ ـ أم البراهين (أو السنوسية الصغرى) : لمحمد بن يوسف السنوسي (ت: ٨٩٥) وهي من أهم المتون التي يعتمد عليها الأشعرية، قرأها رشيد رضا في بداية طلبه للعلم ثم صار ينتقدها أيضاً ٤.
٦٠ ـ الكشف في مجاوزة عمر هذه الأمة الألف: للسيوطي (ت: ٩١١)
انتقد رشيد رضا عليه كلامه في عمر الدنيا ٥، والكتاب موجود ضمن "الحاوي للفتاوي" ٦.
стр. 213
٦١ ـ الدوانية (حاشية لجلال الدين الدواني (ت: ٩١٨) على العقائد العضدية للإيجي) ١: وقد عمل "محمد عبده" حاشية عليها ٢.
٦٢ ـ الزواجر عن اقتراف الكبائر: لابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٣هـ) : وقد طالعه مبكراً وعرف منه بدع البناء على القبور وغيرها ٣.
٦٣ ـ العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ: لصالح بن المهدي المقبلي (ت:١١٠٨هـ)
طبعه الشيخ رشيد سنة ١٣٢٨هـ ونشر منه فصولاً، والكتاب يبحث في مسائل القدر، واعتمد عليه الشيخ رشيد لا سيما في مسالة التحسين والتقبيح ٤ والشيخ صالح المقبلي من علماء اليمن في القرن الحادي عشر يميل إلى الاجتهاد ٥.
٦٤ ـ تحفة المريد على جوهرة التوحيد: (لإبراهيم البيجوري، ت: ١٢٣٦هـ) :
وهي من الكتب الأشعرية التي درسها على حسين الجسر في طرابلس ٦، ولكن موقفه منها تغير كما حدث مع سائر كتب الأشعرية.
٦٥ ـ الرد على الدهريين، لجمال الدين الأفغاني (ت: ١٨٩٧م.) :
وهي من الآثار القليلة التي تركها الأفغاني شيخ محمد عبده وقد ألفها بالفارسية، وترجمها محمد عبده إلى العربية، ونقل عنها رشيد رضا في تفسيره ٧.
стр. 214
٦٦ ـ رسالة التوحيد: لمحمد عبده (ت: ١٣٢٣هـ = ١٩٠٥م.) :
وطبعها رشيد رضا بتحقيقه، وكان كثير الثناء عليها، يدعي مخالفتها لأساليب كتب المتكلمين، ولم يظهر لي ذلك، بل هي على طريقة الأشعرية في التأليف، إلا ما كان من الأسلوب الأدبي الذي وضعها فيه صاحبها، أما المنهج فهو طريقة الأشعرية في تقرير مسائل الاعتقاد.
٦٧ ـ الإبداع في مضار الابتداع ١: لعلي محفوظ (ت: ١٣٦١هـ)
٦٨ ـ البروق النجدية: لعبد الله بن علي النجدي القصيمي، من طلاب العلم في الأزهر، وطبعه رشيد رضا في مطبعته، وهذا الكتاب رد على الشيخ يوسف الدجوي في طعنه على الوهابية في مجلة الأزهر ٢.
كما أن الشيخ رشيد نقل بالواسطة عن السنة لللالكائي، والعظمة لأبي الشيخ، والأسماء والصفات للبيهقي ٣، والذي يظهر أن نقله عنها كان بواسطة " الدر المنثور" للسيوطي.
كما أن الشيخ رشيد اعتمد على كتب التفسير المشهورة وقد طبع تفسير ابن كثير مع تفسير البغوي، وكان يكثر من مطالعة " مفاتح الغيب" للرازي، إلا أنه كان كثير الانتقاد له. كما أنه اعتمد على كتب الحديث وشروحها لا سيما شرح ابن حجر على البخاري.
стр. 215
الباب الأول: منهج رشيد رضا في الإيمان بالله تعالى
الفصل الأول: تعريف رشيد رضا الإيمان ومباحثه
المبحث الأول: تعريف الإيمان
المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة
...
المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة:
يكون من الخطأ أن نلجأ إلى المعاجم اللغوية لنبحث فيها عن معنى حقيقة من حقائق الدين، مثل البحث عن معنى كلمة إيمان أو عبادة أو دعاء، إنه يجب أن نتنبه إلى أن المعاجم اللغوية وضعت لأهداف محددة، حتى لا نطلب منها فوق ما تستطيعه، هذه الأهداف هي: ضبط الألفاظ لا تحديد المعاني. وإذا تقدمت هذه المعاجم بعض الشيء وأرادت أن تساعد الباحث فتحدد وتعرف له بعض التحديد، فإنها لا تبالي بأن تعرف الشيء بنفسه أو بأنه غير ضده. فيقال: البلاغ ما يتبلغ به، والدواء ما يتداوى به، والدين هو الملّة، والحلال ضد الحرام، وإذا أردت أن تعرف موقع مكة أو صفتها، فإنك لن تجد هناك إلا قولهم: بلد معروف. وعند تفسير الدعاء، يقال: النداء، وإن لم يكن كل نداء دعاء، كما سوف يأتي في موضعه إن شاء الله، وعند البحث عن كلمة عبادة ستجد أنها ـ في المعجم ـ: الخضوع والتذلل، ولكن ليس كل خضوع وتذلل عبادة ـ كما سوف ترى ـ.
وفيما يتعلق بكلمة: "الإيمان" فإن المعاجم اللغوية تقول: " إنه