٥٠ ـ القسطاس المستقيم: له أيضاً:
امتدح رشيد رضا هذا الكتاب للغزالي ١، ونقل منه فصلاً في محاورات المصلح والمقلد ٢.
٥١ ـ الأربعين: له أيضاً:
نقل عنه مذهب المعتزلة والأشعرية في خوارق العادات ٣.
٥٢ ـ الاقتصاد في الاعتقاد: له أيضاً:
مدحه رشيد رضا لسهولة عبارته وانتقد مذهبه على طريقة الفلاسفة والمتكلمين ٤.
٥٣ ـ الشفا في حقوق المصطفى: للقاضي عياض (ت: ٥٤٤هـ)
ونقل عنه فصولاً كاملة، واستفاد منه في بيان أوجه إعجاز القرآن٥.
٥٤ ـ أساس التقديس: للرازي (ت: ٦٠٦هـ)
قرظه رشيد رضا ٦، وهو كتاب صغير الحجم لكنه كبير الضرر، إذ بسط فيه الكلام على تأويل آيات الصفات، ولقد ردّ ابن تيمية على هذا الكتاب رداً مفحماً ومستفيضاً ٧.
٥٥ ـ حجج القرآن: لأحمد بن محمد بن المظفر (ت: بعد: ٦٣٠هـ) :
جمع فيه مؤلفه الآيات التي احتجت بها كل فرقة على مذهبها، وأحال عليه رشيد رضا ٨.
стр. 212
٥٦ ـ المواقف: للإيجي (ت: ٧٥٦هـ) :
وهو من كتب الكلام الأشعرية، كان رشيد رضا يعتمد عليه في دروسه الدينية في المجلة قبل أن يظفر بكتب السلف، ولكنه عاد فلجأ إليه مع غيره من كتب المتكلمين للبحث في مسالة " الخلافة" وأحكامها ١.
٥٧ ـ الاعتصام: للشاطبي (ت: ٧٩٠هـ)
طبعه رشيد رضا في مطبعته، ونشر منه فصولاً في تعريف البدع وأنواعها، واستمر ذلك على طول المجلد السابع عشر من مجلة المنار ٢.
٥٨ ـ المقاصد: للسعد التفتازاني (ت: ٧٩٣) وهو من محققي الأشعرية المتأخرين، وله شرح عليها، وقد نقل عنه رشيد رضا وانتقده ٣.
٥٩ ـ أم البراهين (أو السنوسية الصغرى) : لمحمد بن يوسف السنوسي (ت: ٨٩٥) وهي من أهم المتون التي يعتمد عليها الأشعرية، قرأها رشيد رضا في بداية طلبه للعلم ثم صار ينتقدها أيضاً ٤.
٦٠ ـ الكشف في مجاوزة عمر هذه الأمة الألف: للسيوطي (ت: ٩١١)
انتقد رشيد رضا عليه كلامه في عمر الدنيا ٥، والكتاب موجود ضمن "الحاوي للفتاوي" ٦.
стр. 213
٦١ ـ الدوانية (حاشية لجلال الدين الدواني (ت: ٩١٨) على العقائد العضدية للإيجي) ١: وقد عمل "محمد عبده" حاشية عليها ٢.
٦٢ ـ الزواجر عن اقتراف الكبائر: لابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٣هـ) : وقد طالعه مبكراً وعرف منه بدع البناء على القبور وغيرها ٣.
٦٣ ـ العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ: لصالح بن المهدي المقبلي (ت:١١٠٨هـ)
طبعه الشيخ رشيد سنة ١٣٢٨هـ ونشر منه فصولاً، والكتاب يبحث في مسائل القدر، واعتمد عليه الشيخ رشيد لا سيما في مسالة التحسين والتقبيح ٤ والشيخ صالح المقبلي من علماء اليمن في القرن الحادي عشر يميل إلى الاجتهاد ٥.
٦٤ ـ تحفة المريد على جوهرة التوحيد: (لإبراهيم البيجوري، ت: ١٢٣٦هـ) :
وهي من الكتب الأشعرية التي درسها على حسين الجسر في طرابلس ٦، ولكن موقفه منها تغير كما حدث مع سائر كتب الأشعرية.
٦٥ ـ الرد على الدهريين، لجمال الدين الأفغاني (ت: ١٨٩٧م.) :
وهي من الآثار القليلة التي تركها الأفغاني شيخ محمد عبده وقد ألفها بالفارسية، وترجمها محمد عبده إلى العربية، ونقل عنها رشيد رضا في تفسيره ٧.
стр. 214
٦٦ ـ رسالة التوحيد: لمحمد عبده (ت: ١٣٢٣هـ = ١٩٠٥م.) :
وطبعها رشيد رضا بتحقيقه، وكان كثير الثناء عليها، يدعي مخالفتها لأساليب كتب المتكلمين، ولم يظهر لي ذلك، بل هي على طريقة الأشعرية في التأليف، إلا ما كان من الأسلوب الأدبي الذي وضعها فيه صاحبها، أما المنهج فهو طريقة الأشعرية في تقرير مسائل الاعتقاد.
٦٧ ـ الإبداع في مضار الابتداع ١: لعلي محفوظ (ت: ١٣٦١هـ)
٦٨ ـ البروق النجدية: لعبد الله بن علي النجدي القصيمي، من طلاب العلم في الأزهر، وطبعه رشيد رضا في مطبعته، وهذا الكتاب رد على الشيخ يوسف الدجوي في طعنه على الوهابية في مجلة الأزهر ٢.
كما أن الشيخ رشيد نقل بالواسطة عن السنة لللالكائي، والعظمة لأبي الشيخ، والأسماء والصفات للبيهقي ٣، والذي يظهر أن نقله عنها كان بواسطة " الدر المنثور" للسيوطي.
كما أن الشيخ رشيد اعتمد على كتب التفسير المشهورة وقد طبع تفسير ابن كثير مع تفسير البغوي، وكان يكثر من مطالعة " مفاتح الغيب" للرازي، إلا أنه كان كثير الانتقاد له. كما أنه اعتمد على كتب الحديث وشروحها لا سيما شرح ابن حجر على البخاري.
стр. 215
الباب الأول: منهج رشيد رضا في الإيمان بالله تعالى
الفصل الأول: تعريف رشيد رضا الإيمان ومباحثه
المبحث الأول: تعريف الإيمان
المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة
...
المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة:
يكون من الخطأ أن نلجأ إلى المعاجم اللغوية لنبحث فيها عن معنى حقيقة من حقائق الدين، مثل البحث عن معنى كلمة إيمان أو عبادة أو دعاء، إنه يجب أن نتنبه إلى أن المعاجم اللغوية وضعت لأهداف محددة، حتى لا نطلب منها فوق ما تستطيعه، هذه الأهداف هي: ضبط الألفاظ لا تحديد المعاني. وإذا تقدمت هذه المعاجم بعض الشيء وأرادت أن تساعد الباحث فتحدد وتعرف له بعض التحديد، فإنها لا تبالي بأن تعرف الشيء بنفسه أو بأنه غير ضده. فيقال: البلاغ ما يتبلغ به، والدواء ما يتداوى به، والدين هو الملّة، والحلال ضد الحرام، وإذا أردت أن تعرف موقع مكة أو صفتها، فإنك لن تجد هناك إلا قولهم: بلد معروف. وعند تفسير الدعاء، يقال: النداء، وإن لم يكن كل نداء دعاء، كما سوف يأتي في موضعه إن شاء الله، وعند البحث عن كلمة عبادة ستجد أنها ـ في المعجم ـ: الخضوع والتذلل، ولكن ليس كل خضوع وتذلل عبادة ـ كما سوف ترى ـ.
وفيما يتعلق بكلمة: "الإيمان" فإن المعاجم اللغوية تقول: " إنه
стр. 216
التصديق"١، ولكن هل التصديق مطابق للفظ الإيمان؟ وهل كل تصديق إيمان؟ أي ألا يوجد فرق بين التصديق والإيمان؟
الحق أن ثمة فروق بين "آمن " و" صدق" فالأول مثلاً يتعدى بالحرف، إما بالباء وإما باللام، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ٢، وكما قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٣. أما "صدق" فإنه يصح تعديته بنفسه فيقال: صدقه.
وكذلك فإنه من حيث الاشتقاق اللغوي نجد أن الإيمان مشتق من الأمن٤، الذي هو ضد الخوف، فآمن: أي صار داخلاً في الأمن. فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة، كما قال: أخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٥ أي: لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين، فالتصديق وحده لا يدل على ذلك. ٦.
وأيضاً فإن الإيمان لا يقال إلا في الأمور الغيبية التي تعتمد على أمانة المخبر، أما المشاهد المحسوس فيقال فيه: صدوق. كما أن مقابل الإيمان: الكفر، ومقابل التصديق: الكذب.
فالخلاصة إذن أن الإيمان تصديق وزيادة، وهو للإقرار أقرب منه إلى التصديق ٧.
стр. 217
وهذا هو ما لاحظه وأكد عليه الشيخ رشيد، فإنه لم يذهب إلى أن الإيمان ـ لغة ـ هو التصديق فقط، بل قرر في تعريفه اللغوي، أنه تصديق وإذعان، أو تصديق مع ثقة وركون، وقد صرح بذلك في عدة مواضع، فقد قال في موضع: "الإيمان هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها واستسلامها، وآيته العمل..." ١ وقال في موضع آخر: "الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه.." ٢. وقال في موضع ثالث:"إن الإيمان يتعدى باللام إذا أراد بالتصديق الثقة والركون، أي فيكون تصديقاً خاصاً تضمن معنى زائداً.." ٣.
وكون الإيمان يتضمن التصديق وزيادة هي الإقرار والاطمئنان أو كما يقول رشيد رضا: الثقة والركون والإذعان، هو الصحيح، وهو مبطل لاستدلال المرجئة باللغة على مذهبهم في تعريف الإيمان الشرعي، بأنه " التصديق" لأنه كذلك في اللغة ٤.
стр. 218
المطلب الثاني: تعريف الإيمان في الشرع:
لقد اتفق أهل السنة على أن الإيمان: قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان الجوارج. ٥.
стр. 219
قال الإمام مالك: "الإيمان قول وعمل" ١، وورد هذا القول عن الإمام الشافعي ٢، والإمام أحمد ٣، ﵏، وهو قول الصحابة، منهم: ابن مسعود وحذيفة وعمر وعلي ومعاذ وابن عباس وأبو الدرداء ٤، ومن التابعين: الحسن ٥، وعمر بن عبد العزيز ٦، وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ٧، ومجاهد ٨، ومن الفقهاء: عبد العزيز بن أبي سلمة ٩، والليث ١٠، والأوزاعي ١١ ١٢، والثوري ١٣، وابن عيينة ١٤، وفضيل بن
стр. 220
عياض ١ وجماعة ٢.
فأهل السنة متفقون على هذا المعنى مع اختلاف عباراتهم فيه ٣، واتبع الشيخ رشيد رضا أهل السنة في ذلك فإنه ربط بين الإيمان والعمل برباط وثيق، ولا يزال يبدي ويعيد في هذا المعنى "لعل التكرار في المقامات المختلفة يؤثر في صخرة التقليد الصماء فيفتتها أو ينسفها نسفاً، فيعود المسلمون إلى إيمان القرآن الذي كان عليه السلف وصفوة الخلف ... " ٤. وأما إيمان القرآن فهو كما يقول: " ... والقرآن لا يكاد يذكر الإيمان إلا مقروناً بذكر العمل الصالح، وورد في السنة الصحيحة أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان ٥، وهذه السنة مؤيدة بخمس وسبعين آية من القرآن" ٦.
ويردد رشيد رضا هذه العبارات بقوة ليحطم الجدار الذي ضربه الإرجاء بين الناس وبين الإيمان الشرعي، فصار الإيمان عندهم ـ كما يقول ـ: "قولاً باللسان ورسماً يلوح في الخيال، تكذبه الأعمال، وتطمسه السجايا الراسخة والخلال، وهذا هو الإيمان الذي لا قيمة له عند الله تعالى ... " ٧.
وأما الإيمان الصحيح المقبول عند الله تعالى، فهو كما فهمه السلف من الكتاب والسنة "وقد فهم السلف الصالح من الكتاب والسنة: أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وله شعب كثيرة" ٨، ويحكي رشيد رضا
стр. 221
إجماع السلف على ذلك، فيقول: "ولإجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد" ١. وعلى هذا يحمل قول رشيد رضا "الإيمان الصحيح يقتضي العمل" ٢، وقوله "العمل الصالح أثر لازم للإيمان ... "٣، ولأنه يصرح بتعريف الإيمان شرعاً فيقول: "ويطلق الإيمان في عرف الشرع على مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه" ٤، ويقول: "وهذا هو الإيمان الصحيح المرضي عند الله تعالى" ٥. إذن فلا يلتبس قول رشيد رضا بقول مرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن العمل لازم للإيمان وليس داخلاً في تعريفه ٦.
ويبقى أن نشير إلى أن رشيد رضا قد استقى مذهبه هذا من كتابات ابن تيمية والشاطبي، فيقول: "الإيمان الصحيح يقتضي العمل.. وقرره الأئمة المحققون كحجة الإسلام الغزالي ٧ وشيخ الإسلام ابن تيمية ٨ والمحقق الشاطبي ٩ والأستاذ الإمام ١٠." ١١.
ومهما يكن من شيء فإن هذا الموقف الذي اتخذه الشيخ رشيد رضا من تعريف الإيمان موقف صحيح، دلت عليه آيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ وأجمع عليه السلف.
стр. 222
المطلب الثالث: أدلة أهل السنة على خصال الإيمان الثلاثة:
يستدل أهل السنة على أن الإيمان يشمل القول والاعتقاد والعمل، بالكتاب والسنة، فأما دليلهم على أن الإيمان قول باللسان فقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١ الآية. وقول الرسول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٢. وأما دليلهم على أنه اعتقاد بالقلب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٣ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٤. وقول النبي ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه" ٥. وأما دليلهم على أنه عمل بالجوارح فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧. فأهل السنة يعتمدون في مذهبهم على الكتاب والسنة.
стр. 223
المبحث الثاني: الصلة بين "الإيمان" و"الإسلام ":
اختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في هذه المسألة نظراً لاختلافهم في فهم بعض النصوص. وأقوالهم فيها ثلاثة:
الأول: الترادف: فذهب فريق من أهل العلم ﵏ إلى أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد وأنهما مترادفان، وممن قال بهذا القول: البخاري في صحيحه ١، ومحمد بن نصر المروزي ٢، فقد بسط القول في هذه المسألة واختار هذا الرأي وعزاه إلى جمهور أهل السنة ٣، وكذلك الحافظ ابن منده ٤، رحمهم الله تعالى، واحتج هؤلاء بما يلي:
قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ
стр. 224
مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١، وبقوله ﴿.. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٢ مع قوله: ﴿.. فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٣، ففي هذين الدليلين سوّى الله تعالى بين اسم الإسلام واسم الإيمان فدل ذلك على أن من آمن فهو مسلم، وأن من استحق أحد الاسمين فقد استحق الآخر ٤.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٥، والذي يدل بظاهره على الفرق بينهما، بأن الإسلام المذكور ليس على الحقيقة، وإنما كان على الاستسلام أو الخوف من القتل، وكذا أجابوا على كل دليل ظاهره الفرق ٦.
القول الثاني: التباين: فقال فريق من أهل العلم أن الإسلام يباين الإيمان ويفترق عنه، وممن قال به: الزهري ٧ وحماد بن زيد ٨ وأحمد بن حنبل، ومن التابعين: الحسن ومحمد بن سيرين ٩ ومن الصحابة عبد الله بن عباس ١٠، واستدل هؤلاء بآية الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١١ على أن الإيمان المنفي هو الإيمان الكامل الذي يمدح
стр. 225
به ١. وبحديث سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله ﷺ أعطى رجلاً ولم يعطِ رجلاً منهم شيئاً فقلت: يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلاناً، ولم تعط فلاناً ـ وهو مؤمن ـ فقال رسول الله ﷺ أو مسلم.." ٢.
القول الثالث: وفي الحقيقة إن هذا القول يجمع بين القولين اللذين قبله وهو الذي تجتمع عليه النصوص، وملخصه: أن بين الإسلام والإيمان تلازماً مع افتراق اسميهما كالروح والبدن، ليس أحدهما الآخر وإن كان لا يوجد بدن حي إلا مع روح، فالإيمان كالروح والإسلام كالبدن، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن أحدهما هو الآخر، فإسلام المنافقين كالبدن الميت جسد بلا روح ٣، كإسلام الأعراب في آية الحجرات.
وعلى هذا الرأي الأخير مشى رشيد رضا، فإنه قرر أولاً تباين مسمى "الإسلام" و " الإيمان" ففسر الإيمان بما فسره به النبي ﷺ في حديث جبريل "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث" ٤. وفسر الإسلام بما جاء في الحديث نفسه من الأعمال أو الأركان الخمسة ٥.
وقال رشيد رضا: ".. الصواب أن مفهومي الإسلام والإيمان في اللغة متباينان، فالإسلام الدخول في السلم وهو يطلق على ضد الحرب وعلى السلامة والخلوص وعلى الانقياد.. والإيمان التصديق ويكون بالقلب.. ويكون باللسان.." ٦.
ولكن وعلى رغم هذا التباين اللغوي فإن اسم الإيمان والإسلام يتواردان على معنى واحد. هذا ما يقرره الشيخ رشيد بعد أن يبين المعنى القرآني للإيمان والإسلام فيقول: "وقد أطلق كل من الإيمان والإسلام في
стр. 226
القرآن على إيمان خاص جُعل هو المنجي عند الله تعالى، وإسلام خاص هو دينه المقبول عنده. أما الأول فهو التصديق اليقيني بوحدانية الله وكماله وبالوحي والرسل وباليوم الآخر بحيث يكون له السلطان على الإرادة والوجدان فيترتب عليه العمل الصالح. ولذلك قال بعد نفي دخول الإيمان في قلوب أولئك الأعراب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١، وأما الثاني فهو الإخلاص له تعالى في التوحيد والعبادة والانقياد.." ٢.وبعد هذا التمهيد يصل إلى الرأي الذي يجمع به بين نصوص الكتاب فيقول: "فالإيمان والإسلام على هذا يتواردان على حقيقة واحدة يتناولها كل واحد منهما باعتبار، ولذلك عدا شيئاً واحداً في الآيات التي ذكرت ٣ آنفاً وفي قوله تعالى بعد ما ذكر عن إيمان الأعراب وإسلامهم في (٤٩/١٥) ٤ ثم بيان حقيقة الإيمان الصادق: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥ فهذا هو الإيمان الصادق والإسلام الصحيح وهما المطلوبان لأجل السعادة.." ٦.
إذن فالإيمان والإسلام ـ عند رشيد رضا ـ وإن كانا متباينين في التعريف اللغوي، وكذلك المعنى الشرعي إلا أنهما يتواردان على معنى واحد هو الإيمان الصادق والإسلام الصحيح المقبول عند الله تعالى، لأنه ـ عند الله تعالى ـ لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان ـ ٧. ولذلك
стр. 227
فإن رشيد رضا يرى أن معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١ أي: "أنقذنا لأحكام الدين الظاهرة وأخذنا بأعماله البدنية..." ٢ أي أنه ليس على الحقيقة المقبولة عند الله تعالى والتي تتوارد مع اسم الإيمان باعتبارهما الإسلام الصحيح والإيمان الصادق. وعلى ذلك يكون رشيد رضا قد جمع بين الآيات التي تثبت إسلاماً بلا إيمان والآيات التي تعتبرهما حقيقة واحدة.
ويرى رشيد رضا أنه كما يطلق اسم الإسلام في القرآن على ما ليس على الحقيقة فكذلك اسم الإيمان قد يطلق على مجرد الدعوى الظاهرة، فيقول: "وقد يطلق كل من الإيمان والإسلام على ما يكون منهما ظاهراً سواء كان ذلك عن يقين أو عن جهل ونفاق. فمن الأول: الشق الأول من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية ٣ فالمراد بالذين آمنوا في أول الآية الذين صدقوا بهذا الدين في الظاهر. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ﴾ ألخ هو الإيمان الحقيقي الذي عليه مدار النجاة...ومن الثاني قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٤ أي: دخلنا في السلم الذي هو مسالمة المؤمنين بعد أن كنا حرباً لهم، وليس معناه الإخلاص والانقياد مع الإذعان وإلا لما نفى عنهم إيمان القلب. وهذا هو التحقيق في المسألة ولله الحمد.." ٥.
والذي أراه أن الشيخ رشيد قد أصاب كبد الحقيقة وهذا من تحقيقاته الدقيقة ﵀ التي وافق فيها مذهب السلف.
стр. 228
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه
نطقت آيات الكتاب العزيز بزيادة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ١ وقال: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ ٢ وتدل هذه لآيات أيضاً على النقصان لأن ما زاد كان قبل الزيادة ناقصاً، وكل ما كان قابلاً للزيادة فهو قابل للنقصان.
وهذا القول ـ زيادة الإيمان ونقصانه ـ هو قول أهل السنة والجماعة، ويروى عن الصحابة، فقد قال أبو هريرة: "الإيمان يزداد وينقص" ٣، وقال عمر ابن حبيب ٤: "الإيمان يزيد وينقص" ٥، وممن قال به من الأئمة: مالك ٦، والشافعي ٧، وأحمد ٨، وهو قول الثوري وابن عيينة ٩ وابن
стр. 229
جريج ووكيع ١ ٢ والبخاري ٣ وقد لقي أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار كلهم متفقون على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ٤.
فأهل السنة متفقون على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
رأي الشيخ رشيد:
ولقد قرر الشيخ رشيد مذهب أهل السنة في ذلك، فيبين في أكثر من موضع أن الإيمان يزيد وينقص واستدل على ذلك بآيات القرآن المصرحة بذلك، وبالأحاديث الصحيحة المشيرة إلى هذا المعنى.
فعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٥ قال: "أي: إذا تليت عليهم آياته المنزلة على خاتم أنبيائه ﷺ زادتهم إيماناً أي: يقيناً في الإذعان وقوة في الاطمئنان، وسعة في العرفان، ونشاطاً في الأعمال، ويطلق الإيمان في عرف الشرع على مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه" ٦.
ويستدل الشيخ رشيد بالسنة على هذا فيقول: "وفيما رواه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحيهما شواهد صريحة في ذلك ومن أهمها أحاديث أقل الإيمان المنجى في الآخرة ٧ وحديث "الإيمان بضعة
стр. 230
وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" ١، ولهذا حمل الناس زيادة الإيمان على زيادة العمل اللازم له، وبعضهم على زيادة ما يتعلق به الإيمان الذي فسروه بالتصديق القطعي، والحق أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص أيضاً، فإن إبراهيم ﷺ كان مؤمناً بإحياء الله للموتى لما دعاه أن يريه كيف يحييهم ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢ فمقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالاً..." ٣.
والذي ذهب إليه الشيخ رشيد من أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص هو الحق، وهو ما يشعر به كل فرد من نفسه. "فمن يقول إن الإيمان النفسي لا يزيد ولا ينقص فقد نظر إلى الاصطلاحات اللفظية لا إلى نفسه في إدراكها وشعورها وقوتها في الإذعان وضعفها" ٤.
ويبين الشيخ رشيد بعض أوجه هذه الزيادة، وهي العلم التفصيلي، فمن كان علمه تفصيلياً كان إيمانه أشد ممن عنده علم إجمالي. وضرب الشيخ لذلك مثالين:
الأول: الإيمان بتوحيد الله تعالى فهو لا يكمل إلا بمعرفة أنواع الشرك الظاهر والباطن التي تنافيه أو تنافي كماله.
الثاني: الإيمان بعلم الله تعالى المحيط بالمعلومات وحكمته التي قام بها نظام الأرض والسماوات، علماً إجمالياً، لا يوزن إيمانه بإيمان ذي العلم التفصيلي بسنن الله في الكائنات وعجائب صنعه فيها ٥.
стр. 231
قال الشيخ رشيد: "وجملة القول أن زيادة الإيمان ثابتة بنص هذه الآية وآيات أخرى كقوله تعالى في سورة آل عمران في وصف الذين استجابوا لله والرسول إذا دعاهم إلى القتال بعدما أصابهم القرح ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ وفي معناه قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ٢ وعطف التسليم هنا يؤيد كون المراد به إيمان القلب لا العمل..." ٣ يعني أن الزيادة كانت فيما في القلب لا في العمل كما قال بعضهم.
ويكون الشيخ رشيد بذلك قد وافق السلف في مسألة زيادة الإيمان ونقصه، وقد استدل بما استدلوا به من الكتاب والسنة ٤.
стр. 232
المبحث الرابع: الكبائر
أشارت آيات الكتاب العزيز إلى أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ ١ وقال: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: "وكيف ينكر أحد انقسام الذنوب إلى كبائر وغير كبائر وقد صرح بذلك القرآن... وهو من ذاته بديهي... فإن المنهيات أنواع لها أفراد تتفاوت في أنفسها وفي الداعية النفسية التي تسوق إليها" ٣.
وقد ورد في السنة إشارة لبعض هذه الكبائر ـ في عدة أحاديث ـ وفي عددها. قال الشيخ رشيد: "أقول: أشهر هذه الأحاديث ما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٤. ومنها أيضاً من
стр. 233
حديث أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ـ وكان متكئاً فجلس ـ وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" ١... وكان ﷺ يذكر في كل مقام ما تمس إليه الحاجة، فلم يرد شيء من ذلك في مقام الحصر والتحديد، ولكن الأحاديث صريحة في إثبات الكبائر ويقابلها الصغائر والظاهر منها أن كبرها في ذواتها وأنفسها لما فيها من المفسدة والضرر، والموبقات أكبر الكبائر.."٢.
وفي ذهاب الشيخ رشيد إلى أن الكبائر وصفت بذلك لشيء في ذاتها، مخالفة لشيخه "محمد عبده" الذي يذهب إلى أن الكبائر هي كذلك بحسب قصد فاعلها، أي لسبب خارجي غير ذاتي ٣.
ويظهر أيضاً من هذا النفي أن الشيخ رشيد يرى أن الكبائر لم تحصر في عدد معين، وكما قال أيضاً: "وقال بعضهم: إن الله تعالى أبهم الكبائر لتجتنب كل المعاصي، فإن عرضت له كل معصية لم يعلم أنها من الكبائر التي يعاقب عليها أو من الصغائر التي يكفرها الله عنه بترك الكبائر، فالاحتياط يقضي عليه بأن يجتنبها.."٤.
стр. 234
المطلب الأول: تعريف الكبيرة وحكم مرتكبها:
اختلف العلماء ﵏ في تعريف الكبيرة على أقوال كثيرة تزيد على عشرين قولاً، وأكثرها متقاربة وبعضها ضعيف ٥. وأقرب الأقوال
стр. 235
إلى الصواب هو قول ابن عباس ﵄ أنها: "كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" ١. وممن قال بهذا القول أيضاً: سعيد بن جبير ٢، ومجاهد ٣ والحسن٤، والضحاك ٥، ٦. ورجح شيخ الإسلام هذا القول٧.
وأما الشيخ رشيد فإنه ذكر الأقوال في تعريف الكبيرة ومال إلى أحدها فقال: "..اختلفوا في تعريف الكبيرة فقيل هي كل معصية أوجبت الحد، وقيل ما نص الكتاب على تحريمه ووجب في جنسه حدّ، وقيل: كل محرم لعينه لا لعارض أو لا لسد الذريعة، وضعفوا هذه الأقوال، وأقوالاً أخرى كثيرة، وقال بعض العلماء: إن الكبائر كل ما توعد الله عليه، قيل: في القرآن، وقيل: وفي الحديث أيضاً، وقال بعضهم:.. إنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به، وهو قول مقبول قريب من المعقول.." ٨.
وهذا القول وإن كان مقبولاً وجائزاً إلا أنه غير منضبط، والأولى منه هو ما روي عن السلف وقد ذكرته أول البحث.
стр. 236
المسألة الثانية: حكم مرتكب الكبيرة عند السلف:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن من ارتكب كبيرة ـ خلا الشرك ـ ولم يستحلها، فإنه لا يكفر، بل يسمى مؤمناً ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ـ وأن التوبة تجبها ـ وإن مات مصرّاً عليها فهو في مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدرها، ولا يخلد في النار.
قال أحمد:"والكف عن أهل القبلة، ولا نكفر أحداً منهم بذنب ولا نخرجه من الإسلام" ١،وقال البخاري: "..المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك" ٢.
وقال الطبري: "إن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، ما لم تكن كبيرته شركاً بالله" ٣.
المسألة الثالثة: رأي الشيخ رشيد في حكم مرتكب الكبيرة:
يرى الشيخ رشيد أن من قواعد أهل السنة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بكل ذنب خلافاً للخوارج ٤والمعتزلة ٥، وهو في رأيه هذا متبع لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد نقل عنه نصاً طويلاً في شرح هذه القاعدة السلفية، كما نقل عنه حكم المجتهد المخطئ في الأصول والفروع ٦.
стр. 237
فقد ذكر الشيخ رشيد هذه القاعدة " لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب" وقال: "هذه القاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة الذين يصدق عليهم هذا القول ـ لا من يسمون أنفسهم بهذا الاسم ليتميزوا من المعروفين بأسماء أخرى.." ١. ونقل عن شيخ الإسلام أن ذلك مبني على مسألتين:
" إحداهما: أن الذنب لا يوجب كفر صاحبه كما تقوله الخوارج، بل ولا تخليده في النار ومنع الشفاعة فيه كما تقوله المعتزلة.
الثانية: أن المتأول الذي قصد متابعة الرسول ﷺ لا يكفر، ولا يفسق إذا اجتهد وأخطأ.. ٢.
وعند قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، قال: "..ومهما أذنب الموحدون فإن ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم، وظلمتها لا تعم قلوبهم، لأنهم بتوحيد الله ومعرفته وعز الإيمان ورفعته يغلب خيرهم على شرهم، ولا يطول الأمد في غفلتهم عن ربهم، بل هم كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٤ يسرعون إلى التوبة، واتباع الحسنة السيئة ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فإذا ذهب أثر السيئة من النفس كان ذلك هو الغفران، فكل سيئات الموحدين قابلة للمغفرة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده المذنبين وإنما مشيئته موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سنته.. وأما سنته تعالى فيما لا يغفره من الذنوب فتظهر من المقابلة وتلك هي الذنوب التي لا يتوب منها صاحبها ولا يتبعها بالحسنات..." ٥.
ولكن المذنب الذي لا يتوب من ذنبه ويموت عليه هو في مشيئة الله
стр. 238
تعالى، كما ذكرت عن أهل السنة، وكما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو ما يحكيه الشيخ رشيد عن أهل السنة الذين يقولون: "إنه لا يخلد في النار إلا من مات كافراً وأما من مات عاصياً فأمره إلى الله وهو بين أمرين: إما أن يعفو الله عنه ويغفر له، وإما أن يعذبه على قدر ذنبه ثم يدخله الجنة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ ٢...". وهذا القول هو في مقابل قول المعتزلة ومن على رأيهم، "وهؤلاء يقولون: إن مرتكب المعصية القطعية الكبيرة يخلد في النار..." ٣.
واحتجت المعتزلة على مذهبها بآيات منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ ٤. قال الشيخ رشيد عندها: "قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى: واستدلت المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة حتى كأنها لم تعمل، وأجيب عن الآية بأن المراد بها لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يُحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة.." ٥. ثم قال الشيخ رشيد: "والذي تزعمه المعتزلة هو ان ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه.." ٦.
وبيّن الشيخ رشيد اضطراب أصحاب المذاهب والمقالات في فهم قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فقال:"وقد اضطرب في فهم الآية على بلاغتها وظهورها أصحاب المقالات والمذاهب الذين جعلوا القرآن عضين فلم يأخذوا بجملته ويفسروا بعضه
стр. 239
المطلب الثاني: التكفير:
التكفير بما دون الشرك من الذنوب هو مذهب الخوارج ٣.
وقد لاحظ الشيخ رشيد أن المتأخرين قد تجرأوا على التكفير بما لا يكفر، وحتى بعض المصنفين قد زادوا من هذه الجرأة لدى الناس على تكفير من يخالف مذهبهم ٤، ويقرر الشيخ رشيد أن ـ بدعة التكفير قد أحدثها غلاة المبتدعة بتكفيرهم من يخالف بدعتهم وأن مما امتاز به أهل
стр. 240
السنة عدم "تكفير أحد من اهل القبلة" وقد اشتهر أن العمدة عندهم في التكفير هو جحود شيء مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة ممن نشأ بين المسلمين ولم يكن حديث عهد بالإسلام، أي يجحده عالماً به أو جاهلاً غير معذور بجهله، واشترطوا أيضاً أن يكون غير متأول، فإن من جحد ذلك الشيء بتأويل ظهر له لا يكون كافراً.." ١.
ويفصل الشيخ رشيد هذه المسألة ويبين ما يُكفِّر وما لا يُكفِّر، فيقول: "فالمعنى العام الجامع لكل ما ينافي ملة الإسلام هو تكذيب رسالة محمد ﷺ إلى جميع الناس أو تكذيب شيء مما علم المكذب أنه جاء من أمر الدين، وهو قسمان: الأول: المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، ككون القرآن كلام الله تعالى، وتوحيد الله وتنزيهه عن النقص والولد والشريك في تدبير الكون أو العبادة كالدعاء والذبح والنذر له ألخ. وكون محمد هوخاتم النبيين.. فهذا لا يعذر أحد بجهله إلا من كان حديث العهد بالإسلام لم يمض عليه زمن كاف لتعلم هذه الضروريات منه، ومن كان في حكمه كرجل أسلم في مكان أو بلد ليس فيه من المسلمين من يعلمه ذلك كله وطال عليه الزمن، وهو لا يعلم أن عليه واجبات أخرى ولا أنه يجب عليه الهجرة مثلاً.
والقسم الثاني: ما كان غير مجمع عليه أو مجمعاً عليه غير معلوم من الدين بالضرورة كبعض محرمات النكاح وأحكام المواريث مثلاً مما لا يعرفه إلا العلماء فهذا يعذر من جهله، فإن علم شيئاً منه أنه من دين الله قطعاً صار حكمه حكم القسم الأول بالنسبة إليه.."٢.
ومن هذا النص الطويل يظهر أن الشيخ رشيد يذهب إلى أن العذر بالجهل يكون لحديثي العهد بالإسلام، أما من يعيش بين المسلمين وولد لأبوين مسلمين فإنه لا يعذر لجهله بالتوحيد ووقوعه في الشرك إذ أن ذلك هو أصل دين الإسلام.
стр. 241
ويرى الشيخ أيضاً العذر بالتأويل فهو كما يقول: لا يكفر "أحداً بخصوصه ما لم أر أو أسمع منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح بالتصريح الذي لا يحتمل التأويل.." ١. وكما يظهر أيضاً من قوله: "فإن من جحد ذلك الشيء بتأويل ظهر له لا يكون كافراً" وكما أنه ليس كل جهل عذراً فليس كل تأويل عذراً كذلك.
والشيخ رشيد في موقفه هذا متأثر بعلماء الدعوة في نجد فإنه في ذهابه إلى الاحتياط في التكفير بما لا يكفر، مع تكفيره من أشرك بالله وهو في دار الإسلام، يتبع في الحقيقة علماء نجد الموحدين، وقد نشر رسائل لبعضهم وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إمام نجد في عصره، وقال: "ومنها يعلم ما عليه علماء نجد في مسألة تكفير المخالفين واحتياطهم فيها" ٢.
ومن هذا الاحتياط والتثبت ننتقل إلى فتوى الشيخ رشيد في نازلة حادثة، وهي: التجنس بجنسية غير إسلامية، وقد أفتى فيها الشيخ بالكفر والردة.
المسألة الأولى: التجنس:
التجنس نازلة من النوازل أي من الحوادث التي لم تكن على عهد السلف، وقد وقع ما يشبه حكمها في الأندلس ثم في بلاد نجد ثم وقعت في العصر الحديث ودار حولها الجدل ٣.
وأما معنى التجنس لغة: فالجنس هو كل ضرب من الشيء، فالبُر مثلاً جنس من أجناس الحبوب، ويجمع على أجناس وجنوس. والجنس أعم من
стр. 242
النوع، فالحيوان جنس والإنسان نوع منه ١.
ويطلق الجنس في اصطلاح عصري على نوع بشري خاص يقابله نوع آخر لكل منهما مميزات خاصة عرقية أو اجتماعية تفرق بين صنف وصنف. وبناءً على ذلك: فالجنسية هي الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو أمة.. مثل تونسي أو عربي.
فالجنسية هي هوية قانونية لكل دولة ٢، وتكتسب هذه الهوية إما بالأصالة كالنسب والولادة، أو بالاكتساب الناشئ عن طلب التجنس ٣، والتجنس هو: طلب انتساب إنسان إلى جنسية دولة من الدول، وموافقتها على قبوله في عداد رعاياها، وينشأ عن ذلك التجنس خضوع المتجنس لقوانين الدولة التي تجنس بجنسيتها وقبوله لها طوعاً أو كرهاً والتزام الدفاع عنها في حال الحرب، بما أنه أصبح أحد مواطنيها، ويترتب على تجنسه خضوعه لنظام هذه الدولة في المواريث وسائر الأحكام ٤.
والتعريف القانوني للجنسية هو أنها "رابطة سياسية وقانونية تنشئها الدولة بقرار منها تجعل الفرد تابعاً لها أي: عضواً فيها" ٥، والفرق ـ عند القانونيين ـ بين الجنسية ـ بمعناها الاصطلاحي ـ والجنس هو أن الجنسية تفيد انتساب الشخص إلى دولة معينة ـ وهو انتساب سياسي قانوني كما سبق ـ أما الجنس فيفيد انتساب الشخص إلى سلالة بشرية معينة ٦.
والجنسية علاقة تعاقدية بين الدولة والفرد، فعلى الدولة واجب حماية
стр. 243
الأفراد الداخلية تحت جنسيتها، وعلى الأفراد ـ في مقابل ذلك واجب الطاعة واحترام القوانين، والمساهمة في التكاليف العامة التي تفرضها الدولة، كالخدمة العسكرية ودفع الضرائب، ويكون تعبير الأفراد عن إرادتهم في هذا العقد صريحاً فيما إذا طلب الفرد جنسية دولة ما، وقد يكون ضمنياً في حالة سكوته عندما تعرض عليه الجنسية بخيار الرد "لأن السكوت في معرض الحاجة بيان" وقد يكون التعبير مفترضاً كما في حالة عديمي الإرادة كالطفل ١.
ولأن الجنسية بناءً على ما سبق تفرض على الفرد أن يلتزم أحكام دولة جنسيته فقد أفتى الشيخ رشيد وآخرون بأن الداخل تحت جنسية غير إسلامية كفرنسا وغيرها هو كافر كفر ردة، خارج عن الملة ولا يدفن في مقابر المسلمين ٢. وزاد الشيخ رشيد على غيره من المتقدمين أنه بنى على ذلك أصلاً في مسألة استحلال الحرام، فإن الشيخ يرى أن من فَعَل الحرام فِعْل الحلال والمباح أي بغير حرج ولا مبالاة، وهو يعتقد أنه حرام شرعاً ولو لم يكن مجمعاً عليه، فإن كان المستحل متأولاً بنص أو قاعدة شرعية اعتقد بها أنه حلال شرعاً لم يحكم بردته وإلا كان مرتداً ٣. وهذا التأصيل في الحقيقة هو أكبر من أصل المسألة ـ مسألة التجنس ـ لذا فإنني سأناقش المسألتين كلاًّ على حدة.
مستند الشيخ رشيد في كفر المتجنس:
استند الشيخ رشيد في حكمه على المتجنس بالكفر إلى أن "قبول المسلم لجنسية ذات أحكام مخالفة لشريعة الإسلام خروج من الإسلام فإنه ردّ له، وتفضيل لشريعة الجنسية الجديدة على شريعته، ويكفي في هذا أن يكون عالماً بكون تلك الأحكام التي آثر غيرها عليها هي أحكام الإسلام ... "٤.
стр. 244
وأيضاً:"..إن المسلم الذي يقبل الانتظام في سلك جنسية يتبدل أحكامها بأحكام القرآن فهو ممن يتبدل الكفر بالإيمان، فلا يعامل معاملة المسلمين، وإذا وقع من أهل بلد أو قبيلة وجب قتالهم عليه حتى يرجعوا.." ١.
واستدل الشيخ رشيد من القرآن بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ٢. قال الشيخ رشيد: "الطاغوت مصدر الطغيان ومثاره، ويدخل فيه كل ما خالف ما أنزله الله، وما حكم به رسول ﷺ فإنه جعل مقابلاً له هنا وفي آيات أخرى، ومنه بعض أحكام القانون الفرنسي كإباحة الزنا والربا، دع ما يستلزمه اتباع أي جنسية سياسية غير إسلامية من قتال المسلمين وسلب بلادهم منهم.." ٣.
والشيخ رشيد لا يفرق هنا بين حالة وحالة مع أنه فرق في الحكم بغير ما أنزل الله، وعذر هناك بالإكراه والاضطرار، ولم ير أن الشخص في مسألة الجنسية يكون مضطراً ولا يكون مختاراً ٤ وهذا لا يسلم له.
كما ذكرت ـ قبلاً ـ أن آخرين معاصرين للشيخ أفتوا بمثل ما أفتى به منهم الشيخ علي محفوظ ٥، والشيخ يوسف الدجوي ٦، واستندوا إلى مثل ما استند إليه الشيخ رشيد ٧.
стр. 245
وإذا كان "التجنس بجنسية دولة غير إسلامية" نازلة من النوازل، فإننا ـ مع ذلك ـ لا بدّ أن نجد لها حكماً في كتاب الله ـ وكما يقول الشافعي ﵀ "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" ١. فيقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
حكم التجنس:
في ضوء الآية السابقة لا نستطيع أن نعطي المتجنسين بجنسيات الكفر حكماً واحداً، لأن حال المكره أو المضطر غير حال الراضي أو المختار، فمن المسلمين من دخل في جنسيات الكفر مكرهاً غير راضٍ بها كحال المسلمين الذين دخلوا في حكم الاتحاد السوفياتي قسرياً، وكالذين يفرون من الموت في دار الخوف إلى دار الأمان فراراً بدينهم وأرواحهم، فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يختارون هذه الجنسية حباً لها ورضى بها، وتفضيلاً لقانونها على شريعة الإسلام ٣.
ولقد سلك الشيخ رشيد هذا المسلك في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، ففرق بين حال الاختيار وحال الاضطرار، وهما من باب واحد أي الحكم بغير ما أنزل الله والتحاكم، فليكن الأمر هنا كذلك، طرداً للباب
стр. 246
وعملاً بأدلة الكتاب والسنة التي تقرن بين الحالين وتجيز للمضطر والمكره ما لا تجيز للراضي المختار ١.
وفي كل حال هناك أمور لا تجوز بحال كقتال المسلمين في صفوف الجنسية الجديدة، فإن قتل المسلم لا مندوحة فيه بحال ٢.
وعلى هذا تحمل فتاوى المتقدمين ٣.
المسألة الثانية: الاستحلال:
بعد بيان حكم "التجنس" قعّد الشيخ رشيد رضا قاعدة بناها على حكم التجنس، وهي قاعدة "الاستحلال العملي" لقد أشار رشيد رضا إلى قاعدة أهل السنة وما أجمعوا عليه من عدم التكفير بالمعاصي العملية إذا لم تجحد أو تستحل وإن كانت مجمعاً عليها من الدين بالضرورة ٤. وأشار في ذلك إلى قول صاحب الجوهرة: فلا نكفر مسلماً بالوزر ٥.
كما أشار أيضاً إلى قوله:
" ومن لمعلوم ضرورة جحد من ديننا يقتل كفراً ليس حد" ٦
ثم قال: "فإن هذه القاعدة وقع فيها اللبس والاشتباه حتى بين المشتغلين بالعلم، وفي أحد فروعها وهو استحلال الحرام فإنه إذا كان من المجمع عليه من الدين بالضرورة كان ردة بلا خلاف، ولكن بعض المشتغلين بقشور العلم والمجادلين في ألفاظ الكتب من يظنون أن الجحد والاستحلال من أعمال القلب فجاحد الصلاة ومستحل شرب الخمر والزنا عندهم هو من يعتقد أن وجوب الصلاة وتحريم الخمر والزنا ليسا من دين الإسلام، فلا الصلاة فريضة
стр. 247
ولا الزنا حرام. وفي هذا الظن من التناقض والتهافت ما هو صريح، فإن فرض المسألة: أن الذي يستحل مخالفة ما يعلم أنه من الدين علماً ضرورياً غير قابل للتأويل سواء كان فعلاً أو تركاً يكون به مرتداً عن الإسلام، والعلم: الاعتقاد القطعي، فكيف يفسر الاستحلال بعدم الاعتقاد، وهو جمع بين النقيضين" ١. ثم قال معرفاً الجحد: " إن حقيقة الجحد هو إنكار الحق بالفعل، واشترط أن يكون المنكر معتقداً له بالقلب.. قال الراغب في مفردات القرآن ٢ الجحود: نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جحد جحوداً وجحداً، قال عزوجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ٣، وحسبنا الآية نصاً في الموضوع.." ٤. ثم قال: " وكذلك الاستحلال أو الاستباحة أن يفعل الشيء فعل الحلال والمباح أي بغير حرج ولا مبالاة وهو يعتقد أنه حرام شرعاً ولو لم يكن مجمعاً عليه، فإن كان المستحل متأولاً لنص أو قاعدة شرعية اعتقد بها أنه حلال شرعاًلم يحكم بردته، وإلا كان مرتداً، ويصدق في ادعائه الجهل بحرمته إلا إذا كان مجمعاً عليه معلوماً من الدين بالضرورة" ٥.
ثم وجه رشيد رضا حكمه هذا بقوله:"والوجه في ذلك أن الإسلام هو الإذعان بالفعل لما علم أنه من دين الله في جملته هو الإيمان، إذا الاعتقاد القلبي وحده لا يكون به المعتقد مسلماً ولا يكون الاعتقاد إيماناً حتى يكون نازعاً، ولهذا قالوا بترادف الإيمان والإسلام فيما يصدقان عليه وإن اختلفا في المفهوم.."٦.
هذا هو تصوير مذهب الشيخ رشيد رضا في هذه المسألة، وخلاصته: أنه يكفر من فعل المعاصي واستحلها عملاً بها وإن كان يعتقد أنها محرمة
стр. 248
في الشرع، واحتج بآية سورة النحل وبمذهب من جعل الإيمان والإسلام يتواردان على حقيقة واحدة، وإن اختلف مفهومهما، أما الآية: فمعناها أنهم جحدوا بالآيات في ظاهر الأمر ظلماً من أنفسهم وعلواً واستكباراً عن اتباع الحق، ولم يقروا بها والحال أنهم تيقنوا أنها من عند الله ١. أي أنهم رفضوا الدخول في الإيمان أصلاً لهذا السبب.
وأما القياس الذي ذهب رشيد رضا من الاتفاق على كفر من جحد معلوماً من الدين بالضرورة، فهو كما قال: متفق عليه ٢، ولكن قياسه ذلك غير صحيح فإنه قياس مع الفارق بين المستحل وغيره، فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تابعة لها، فمعنى "يستحله": لا بد أن يضمن معنى يعتقده أو نحو ذلك، والاعتقاد والاستحلال بهذا المعنى لا يعرف من الشخص بمجرد العمل، فإن العاملَين قد يكونا فعلا المعصية الواحدة ولكل واحد منهما حكم، باعتبار الاستحلال وعدمه. فمعتقد حل الزنا يكفر ولو لم يزنِ. والزاني لا يكفر بزناه وإن تكرر ما لم يستحله، والاستحلال لا يعرف بمجرد الفعل ولا بد في معرفته من أن يعرب عنه لسانه ٣. ولا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً ٤.
стр. 249
المسألة الثالثة: الحكم بغير ما أنزل الله:
لم يتبع رشيد رضا في هذه المسألة أسلوب التعميم كما فعل في مسألة "التجنس" بل إنه هنا فصل تفصيلاً. وقبل أن أبين مذهب رشيد رضا في هذه المسألة، أود أن أشير إلى ملاحظة تتعلق بمسألتنا، وبغيرها من مسائل هذا الباب، وهي مسألة الأسماء كالكفر والظلم والفسق وتحديد معانيها ومدلولاتها. يرى رشيد رضا أن هذه الأسماء الثلاثة تتوارد على حقيقة واحدة في كتاب الله كما أنها ترد بمعاني مختلفة. بينما اصطلح علماء الأصول والفروع على التعبير بلفظ الكفر عن الخروج من الملة وما ينافي دين الله الحق، دون لفظي الظلم والفسق. وإن كان القرآن يطلق لفظ الكفر على ما ليس بكفر في اصطلاحهم كما أنه يطلق لفظي الظلم والفسق على ما هو كفر في عرفهم ١. كما أنه يشير إلى أن لفظ الفسق هو أعم هذه الألفاظ، فكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس ٢.
وفيما يتعلق بمسألتنا يتحدث رشيد رضا عن الآيات التي هي الأصل فيها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣. فيقول إن هذا الكلمات الثلاث "وردت بمعانيها في أصل اللغة موافقة لاصطلاح العلماء. ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع وإنزال الكتاب مشتملاً على الهدى والنور والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل والحكم به والوصية بحفظه. وختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له، رغبة عن هدايته ونوره، مؤثراً لغيره عليه، فهو الكافر به، وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب
стр. 250
إلى الله ... وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإيمان وترجمان الدين، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء بالعدل والمساواة، فمن لم يحكم بذلك فهو الظالم في حكمه كما هو ظاهر. وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته لا بحسب ظواهر الألفاظ فقط، فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا بها فهم الفاسقون بالمعصية والخروج عن محيط تأديب الشريعة ... " ١.
وبناء على ذلك يخلص الشيخ رشيد رضا إلى الحكم الذي يراه صحيحاً في هذه المسألة، وهو تفصيل الأحوال، فيقول: "فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله: فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا غير مذعن له لاستقباحه إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعاً. ومن لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط، إذ لفظ الفسق أعم هذا الألفاظ ... ٢ وهذا التفصيل في الحكم هو المذهب الموافق للسلف ٣ فلا نستطيع أن نصدر حكماً واحداً على الجميع أو في جميع الأحوال.