لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ١، فقد هداهم تعالى هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها ٢. وأما المرتبة الثالثة، فيشير إليها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ وهذه المرتبة هي التي أنكرتها المعتزلة ٥.
ويقرر الشيخ رشيد ﵀ كأهل السنة ـ وكما صرحت آيات الكتاب العزيز ـ أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
قال الله تعالى:
﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٦.
قال الشيخ رشيد: "أي من تعلقت مشيئة الله بإضلاله يضلله، ... وإنما إضلاله إياهم اقتضاء سنته في عقول البشر وغرائزهم وأخلاقهم أن يعرض المستكبر عن دعوة من يراه دونه، واتباع من يراه مثله، وإن ظهر له أن الحق معه، وأن يعرض المقلد عن النظر في الآيات والدلائل التي تنصب لبيان بطلان تقاليده وإثبات خلافها ... وليس معنى ذلك أن يخلق الله الضلال لمن شاء إضلاله خلقاً، ويجعله له غريزة وطبعاً، ولا أن يلجئه إليه إلجاءً، ويكرهه عليه إكراهاً ... ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ومن يشأ هدايته واستقامته يجعله على طريق مستقيم، وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه ولا ينجو تاركه، بأن يوفقه لاستعمال سمعه وبصره وعقله في آيات الله المنزلة وآياته المكونة ... " ٧.
стр. 597
يعني أن الله تعالى يقدر الهدى والضلال، على وفق مبدأ السببية وارتباط الأسباب بالمسببات.
وقد نقل الشيخ رشيد رضا عن شيخه معنى الهداية ومراتبها، فقال:
"ذكر الأستاذ الإمام أولاً ما قالوه في معنى الهداية لغة من أنها الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب ... " ١.
ثم ذكر أنواعها ومراتبها، فقال نقلاً عنه: "ومنح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته:
(أولاها) : هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم....
(الثانية) : هداية الحواس والمشاعر وهي متممة لهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيها الحيوان الأعجم، بل هو فيها أكمل من الإنسان....
(الهداية الثالثة) : العقل: ... وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه....
(الهداية الرابعة) : ... ، أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٢ أي طريقي السعادة والشقاوة والخير والشر. قال الأستاذ الإمام: وهذه تشتمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين. ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٣ أي دللناهم على طريقي الخير والشر، فسلكوا سبل الشر المعبر عنه بالعمى ... " ٤.
стр. 598
وإن كان الله ﵎ قد منح هذه الهدايات الأربع لكل فرد من أفراد الإنسان، إلا أن هناك هداية خامسة، هي هداية خاصة لم تمنح للكافة، بل اختص الله تعالى بها بعض خلقه.
وهذه الهداية الخاصة وهي هداية التوفيق، هي التي افترق الناس فيها، فأثبتها أهل السنة، وأنكرتها المعتزلة والقدرية، وأثبتها كذلك الشيخ رشيد رضا ﵀ فيقول:
"بقي هنا هداية أخرى وهي المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١ فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين؛ المهلك والمنجي، مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما، وهي ما تفضل الله به على جميع أفراد البشر. أما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل، وشرع الدين.
ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين، وفي استعمال الحواس والعقل ... كان محتاجاً إلى المعونة الخاصة، فأمرنا الله بطلبها منه في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢ فمعنى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ ... " ٣.
ثم قال الشيخ رشيد: "هذا الفرق بين معنى الهداية معروف في اللغة، وبه يجاب عن التناقض الظاهري في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
стр. 599
مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ فالهداية التي أثبتها للنبي ﷺ هي الدلالة على الخير والحق، والتي نفاها عنه هي الثانية التي بمعنى الإعانة والتوفيق" ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٣ يقرر الشيخ رشيد نفس المعنى، مع زيادة بيان وتوضيح، فيقول: " أي ذلك الهدى إلى صراط مستقيم، وهو ما كان عليه أولئك الأخيار مما ذكر من الدين القويم، والفضل العظيم، هو هدى الله الخاص، الذي هو وراء جميع أنواع الهدى العام كهدى الحواس والعقل والوجدان، لأنه عبارة عن الإيصال بالفعل إلى الحق والخير، على الوجه الذي يؤدي إلى السعادة ... " ٤.
وبهذا البيان الواضح، يظهر لنا أن الشيخ رشيد، وكما هو مذهب السنة يثبت هذه المرتبة التي تفضل الله بها على عباده، وقد أنكرتها المعتزلة والقدرية.
وكما أن الله تعالى يهدي من يشاء، فإنه يضل من يشاء، ولكن هذا الإضلال ليس على سبيل الجبر، كما هو مذهب الجبرية، بل هو ـ وكما بين الشيخ رشيد ـ من باب ترتب المسببات على الأسباب والمقدمات على النتائج.
"وقد علم مما قررناه أن إسناد الضلال إلى الله تعالى ليس معناه أنه أجبرهم على الضلال إجباراً، وأعجزهم بقدرته عن الهدى فكان ضلالهم اضطراراً لا اختياراً، بل معناه أنهم مارسوا الكفر والضلال وأسرفوا فيهما حتى وصلوا إلى الحد العمه في الطغيان، ففقدوا بهذه الأعمال الاختيارية ما
стр. 600
يضادها من الهدى والإيمان" ١. "والله تعالى يسند الأمور إلى أسبابها تارة وإليه تعالى تعالى تارة من حيث أنه خالق كل شيء وواضع سنن الأسباب والمسببات، ومن هذه الأسباب ما جعله من أفعال المخلوقات الاختيارية على علم، وما جعله بأسباب لا يعلم للخلق اختيار فيها ولا علم، وكل من القسمين يسند إلى سببه تارة وإلى رب الأسباب تارة، والجهة مختلفة معروفة ... وجملة القول: أن من سننه تعالى في البشر أن من يتبع هواه في أعماله ويستمر على ذلك ويدمنه الزمن الطويل تضعف إرادته في هواه، حتى تذوب وتفنى فيه، فلا تعود تؤثر فيه المواعظ القولية، ولا العبر المبصرة ولا المعقولة، وهذه الحالة يعبر عنها بالختم والرين والطبع على القلب ... وأمثال هذه الأمثال المضروبة لهذه الحالة قد ضل بها الجبرية غافلين عن كونها عاقبة طبيعية لإدمان تلك الأعمال الاختيارية ... " ٢.
стр. 601
المبحث السادس: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى
انقسم الناس في هذه المسألة إلى فريقين: الأول: من نفى الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وهم الفلاسفة والأشعرية. والثاني: من أثبت الحكمة والتعليل وهم السلف ومن وافقهم. فالفريق الأول وهم النفاة؛ الفلاسفة والأشعرية، يقولون: إن الله تعالى خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل إنه تعالى فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة ١. قال ابن سينا: "فما أقبح ما يقال من أن الأمور العالية تحاول أن تفعل شيئاً لما تحتها ... وأن الأول الحق يفعل شيئاً لأجل شيء وأن لفعله لميّة" ٢.وقال شارحه: "وإنما سلب الغاية عن فعل الحق الأول ﷻ مطلقاً، لأن الفاعل الذي يفعل لغاية فهو غير تام ... " ٣. والغرض عندهم "أنه علة تامة بذاته، واحد لا كثرة فيه، ولا شيء قبله ولا معه ولا غاية لفعله، بل هو بذاته فاعل وغاية للوجود كله" ٤.
فالفلاسفة ينفون الحكمة في أفعاله تعالى لأنه تعالى كامل بذاته، ومن يفعل لغاية فهو غير كامل بذاته، بل يكون مستكملاً بوجود تلك الغاية.
стр. 602
ولنفس السبب نفى الأشعرية الحكمة والتعليل في أفعاله تعالى ـ أي ينفون لأن تتوقف أفعاله على الحكم بل الحكم مترتبة على أفعاله وحاصلة على عقيبها، فهي ليست مقصودة ومطلوبة بالفعل ١.
أما أهل السنة فيقولون: "إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى" ٢.
ويذهب الشيخ رشيد ﵀ كأهل السنة والجماعة ـ إلى أن الله تعالى فاعل مختار، وأن فعله عن علم وحكمة، وأن حكمته موافقة لمشيئته.
فقد نقل الشيخ رشيد قول السفاريني ٣:
"وربنا يخلق باختيار ... من غير حاجة واضطرار
لكنه لا يخلق الخلق سدى ... كما أتى في النص فاتبع الهدى ٤"
ونقل كلام السفاريني ثم علق قائلاً مخاطباً الأشعرية المنكرين للحكمة والتعليل: " أيها الأشعري إنك ترى في هذه الجملة من النقول عن أئمة الأمة ما ينبئك بتحقيق معنى العلة والحكمة، وأن كلاً من المعتزلة والأشعرية أخطأوا من جهة وأصابوا من أخرى، وأن مذهب السنة الصحيح وسط بين المذهبين ... وخلاصة القول: أن العقل والكتاب يدلان على حكمة الله تعالى وعدله ورحمته وفضله كما يدلان على قدرته وإرادته، واختياره، يستحيل عليه أضدادها، فكل أفعاله حكمة ومصلحة للخلق، والحكمة أو
стр. 603
المصلحة في الفعل تسمى في اللغة: علة، وجاء ذلك في القرآن بحرف التعليل، فاجمع بين العقل والنقل تهتدي السبيل ... " ١.
وعلى ذلك سار الشيخ رشيد في تفسيره للآيات، فعند قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، قال: "أي يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده المذنبين، وإنما مشيئته موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سننه ... " ٣.
وعند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤، قال: "فما شرع لكم هذه الأحكام وسواها إلا عن علم بأن فيها الخير لكم وحفظ مصالحكم وصلاح ذات بينكم، كما هو شأنه في جميع أحكامه وأفعاله، كلها موافقة للحكمة الدالة على إحاطة العلم وسعة الرحمة" ٥.
ويبين الشيخ رشيد الحكمة العليا لخلق جميع المخلوقات فيقول: "اعلم أن الحكمة العليا لخلق جميع المخلوقات هي أن يتجلى بها الرب الخالق لها بما هو متصف به من صفات الكمال ـ ليعرف ويعبد ويشكر ويحمد، ويحكم ويجزي فيعدل، ويغفر ويعفو ويرحم، ألخ، فهي مظهر أسمائه وصفاته، ومجلى سننه وآياته، وترجمان حمده وشكره، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ٦ لذلك كانت في غاية الإحكام والنظام، الدالين على العلم والحكمة والمشيئة والاختيار، ووحدانية الذات والصفات والأفعال ... " ٧.
وقد كان من مقتضى تحقق معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أن
стр. 604
يخلق ما علمنا وما لم نعلم من أنواع المخلوقات وأن تكون المقابلات والنسب بين بعضها مختلفة من توافق وتباين وتضاد، ويترتب على ذلك في نظام الخلق أن الضد يظهر حسنه الضد، وأن تكون مصائب قوم عند قوم فوائد ... وجملة القول: إن ما خلقه الله تعالى فهو حسن في نفسه، متقن في صنعه، مظهر لنوع أو أنواع من حكمه في خلقه، ومن كماله في ذاته وصفاته، ولا شيء منه بباطل ولا بشر محض ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ١ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢" ٣.
وآيات القرآن الكريم المثبتة لحكمة الله تعالى تؤيد ما ذهب إليه السلف ﵏ وتابعهم فيه الشيخ رشيد، وهي حجة على منكري الحكمة ونفاة التعليل، ومنها:
آيات كثيرة في وصف الله تعالى بالحكمة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٤ ﴿ ... إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ في آيات من ذلك كثيرة ٦.
والمعنى في ذلك " ... الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء" ٧.
والعقل يؤيد ذلك ويفرضه، فإن معطي الحكمة ومانحها لا بد أن يكون حكيماً، وفاقد الشيء لا يعطيه.
стр. 605
المبحث السابع: الحسن والقبح:
ومما يتعلق بمسألة الحكمة والتعليل، مسألة الحسن والقبح العقلي والشرعي.
فيذهب المعتزلة إلى أن في الأشياء حسن وقبح عقلي، يدرك بالعقل ١، وذهب الأشعرية إلى أنه لا يوجد في الأشياء حسن وقبح ذاتي يدرك بالعقل، بل الحسن ما حسنه الشرع والقبح ما قبحه الشرع، ولو عكس الشرع ذلك لانعكس ولصار القبيح حسناً والحسن قبيحاً ٢.
وهناك قول ثالث ـ وهو الحق ـ وهو: أن الأفعال تتصف بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم، ولكن لا يُعاقِب أحداً إلا بعد بلوغ الرسالة لا بمجرد الدلالة العقلية.
قال شيخ الإسلام: "وهذا أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة، فإن الله أخبر عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة، قبل مجيء الرسول إليهم، وأخبر أنه لا يعذبهم إلا بعد إرسال رسول إليهم.." ٣.
стр. 606
ويعرض الشيخ رشيد رضا هذه الآراء مشيراً إلى هذه المسألة ـ الحسن والقبح ـ بمسألتي الحكمة والتعليل، مشيراً إلى سبب افتراق المعتزلة والأشعرية في هذه المسألة وهو الغلو، فيقول: " غلت القدرية في مسألة الحكمة في الخلق والتكوين، والأمر والتشريع، وغلت الجبرية في مسألة المشيئة والإرادة، فهؤلاء جوزوا أن تخلو المشيئة عن الحكمة، وأولئك قيدوا مشيئة الرب بما يصل إليه أفهامهم من الحكمة، وإن كان كل منهما يؤمن بالصفتين كلتيهما.."١.
ثم يبين الشيخ رشيد أن النزاع في مسألة الحسن والقبح مبني على الخلاف في الحكمة والتعليل، مبيناً مذهب الفريقين، قائلاً: ".. ونزاعهم الطويل العريض في مسألة الحسن والقبح والتحسين والتقبيح مبني على ذلك، فالغلاة في إثباتها قالوا: إن في كل فعل يقع التكليف به فعلاً أو تركاً حسناً أو قبحاً ذاتياً يغرف بالعقل ويأتي بالشرع كاشفاً لحسن المأمور به، وبالنهي كاشفاً لقبح المنهي عنه، ولا يكون شيء حسناً بمجرد الأمر، ولا قبيحاً بمجرد النهي، والغلاة في نفيها قالوا: لا حسن ولا قبح ذاتياً في شيء من الأشياء يكون مناط التكليف، وسببه وسبب ما يترتب عليه من الثواب والعقاب وإنما ذلك بالشرع وحده ... والقول الأول أقرب إلى المعقول والمنقول، ولكن وقع كثير من القائلين به في الإفراط والغلو ... " ٢.
ويظهر من هذا النقل أن الشيخ رشيد رضا يقول بالحسن والقبح العقلي. وهذا هو الواقع، فإن الشيخ رشيد يذهب إليه ويقول به صراحة ولكنه يشير إلى الفرق بين قول أهل السنة وقول المعتزلة المتفقين معاً في هذه المسألة خلافاً للأشعرية.
فأولاً: يعرف الشيخ رشيد المعروف والمنكر، قائلاً: "والمعروف ما تعرف العقول السليمة حسنه، وترتاح القلوب الطاهرة له، لنفعه وموافقته
стр. 607
للفطرة والمصلحة بحيث لا يستطيع العاقل المنصف السليم الفطرة أن يرده أو يعترض عليه إذا ورد الشرع به.
والمنكر ما تنكره العقول السليمة وتنفر منه القلوب وتأباه على الوجه المذكور أيضاً ... " ١.
وهذا التعريف من الشيخ فيه إثبات للحسن والقبح العقلي، ثم يرد الشيخ رشيد تفسير الأشعرية لهذين المصطلحين باضطلاع خاص بهم فيقول: "وأما تفسير المعروف بما أمرت به الشريعة والمنكر بما نهت عنه فهو من قبيل تفسير الماء بالماء ... " ٢.
ثم بين الفرق بين قوله بالتحسين والتقبيح وبين قول المعتزلة، الموافقة لقوله، فيقول: "وكون ما قلناه يثبت مسألة التحسين والتقبيح العقليين وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للأشعرية مردود إطلاقه بأننا إنما نوافق كلاً منهما من وجه ونخالفه من وجه اتباعاً لظواهر الكتاب والسنة وفهم السلف لهما، فلا ننكر إدراك العقول لحسن الأشياء مطلقاً، ولا نقيد التشريع بعقولنا، ولا نوجب على الله شيئاً من عند أنفسنا، بل نقول إنه لا سلطان لشيء عليه فهو الذي يوجب على نفسه ما شاء إن شاء، كما كتب على نفسه الرحمة لمن شاء، وإن من الشرع ما لم تعرف العقول حسنه قبل شرعه، وإن كل ما شرعه تعالى يطاع بلا شرط ولا قيد ... " ٣.
فالقول الوسط بين قولي المعتزلة والأشعرية هو ما يلخصه الشيخ رشيد موضحاً أنه مذهب السنة، وهو: "أن صفات الله تعالى لا تعارض بينها، فلا تتعلق مشيئته تعالى بما ينافي حكمته وعدله ورحمته، وحكمته لا تقتضي تقييد مشيئته بما نفهمه ونعقله نحن منها بحيث نوجب عليه بعض الأوامر أو الأفعال ونحظر عليه بعضها، وإنما نعتقد إن كل ما يأمر به فهو حسن، وأنه لا يأمر إلا بما هو حسن، ولا ينهى إلا عما هو قبيح.." ٤.
стр. 608
وهذا الموقف من الشيخ رشيد رضا موقف صحيح إذا التفصيل هو الحق في الخلاف بين المعتزلة والأشعرية. وربط رشيد رضا بين هذين المبحثين الحسن والقبح والحكمة والتعليل هو الصواب. قال ابن القيم: "وكل من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ودرء المفاسد فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين، إذ لو كان حسنه وقبحه بمجرد الأمر والنهي لم يتعرض في إثبات ذلك لغير الأمر والنهي" ١.
стр. 609
المبحث الثامن: الصلاح والأصلح
هذه المسألة من المسائل التي كانت محل نزاع بين المعتزلة والأشعرية، وهي مترتبة على ما قبلها، لأن من جعل العقل حاكماً يقبح القبيح ويحسن الحسن؛ فإنه يقول بقبح بعض الأفعال منا ـ تعالى ـ ووجوب بعضها عليه ـ وبناءً على ذلك اشتهر عن المعتزلة قولهم بوجوب فعل الصلاح والأصلح عليه تعالى، كما اشتهر عن الأشعرية القول بعدم وجوب ذلك. فانقضت المعتزلة على أن كل فعل من أفعال الله تعالى لا يخلو من الصلاح والخير، لأنه حكيم، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وليس ذلك فحسب، بل إن الله تعالى فعل بعباده من الصلاح ما لا يقدر أن يزيد عليه، فليس في الإمكان أبدع مما أمكن ١.
ومما يوضح هذه المسألة، ويصور الخلاف فيها بين المعتزلة والأشعرية، المناظرة التي جرت بين أبي الحسن الأشعري، وشيخه الجبائي ٢، فقد قيل: أن الأشعري سأل أبا علي الجبائي عن ثلاثة أخوة،
стр. 610
أحدهم تقيّ، والثاني كافر، والثالث مات صبياً؟ فقال أبو علي: أما الأول ففي الجنة، والثاني ففي النار، والصبي فمن أهل السلامة. قال الأشعري: فإن أراد أن يصعد إلى أخيه؟ قال: لا؛ لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هناك بعمله. قال: (يعني الأشعري) : فإن قال الصغير: ما التقصير مني، فإنك ما أبقيتني، ولا أقدرتني على الطاعة. قال: يقول الله له: كنت أعمل أنك لو بقيت لعصيت، ولاستحققت العذاب، فراعيت مصلحتك. قال: فلو قال الأخ الأكبر: يا رب كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلمَ راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي ١. قال ابن القيم معلقاً على هذه المناظرة: "فلعمر الله إنها مبطلة لطريقة أهل البدع من المعتزلة والقدرية الذين يوجبون على ربهم مراعاة الأصلح لكل عبد وهو الأصلح عندهم، فيشرعون له شريعة بعقولهم، ويحجرون عليه، ويحرمون عليه أن يخرج عنها ... والمقصود أن هذه المناظرة وإن أبظلت قول هؤلاء وزلزلت قواعدهم فإنها لا تبطل حكمة الله التي اختص بها دون خلقه ... " ٢.
أما موقف رشيد رضا فأبينه مبتدئاً ببيان موقفه من طريق المتكلمين في هذه المسألة ـ وغيرها ـ إذ يقول: "إن نظريات متكلمي المعتزلة والجهمية والأشاعرة في مثل هذه المسألة، ونظريات من سبقهم إلى ابتداع الكلام مخالفة لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم ومن تبعهم من علماء الأمصار ... فلم يكونوا جبرية ولا قدرية، ولا منكرين لشيء مما وصف الله تعالى به نفسه ... ولم يبن أحد منهم عقيدته على استحالة المتسلسل والحوادث التي لا أول لها، ولا على إنكار حسن الأشياء وقبحها في نفسها، أو إنكار امتناع التكليف بما لا حسن فيه لذاته عند العقل ... " ٣.
وفيما يتعلق بالمسألة نفسها يرى رشيد رضا أنه تعالى لا يجب عليه
стр. 611
إلا ما أوجبه وكتبه على نفسه ـ فيقول مرجحاً مذهب السلف ـ: " ... مذهب السلف الصالح هو الحق في المسألة، وما كانوا ينكرون الوجوب ولا يقولون به على إطلاقه، وإنما مذهبهم أنه لا يجب على الله تعالى إلا ما أوجبه وكتبه على نفسه، وما هو مقتضى صفاته ومتعلقاتها، فكما وجب له تعالى في حكم العقل الاتصاف بصفات الكمال، وجب أن يترتب على تلك الصفات ما يسمونه متعلقاتها، كالعدل والحكمة والرحمة ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ وأنه لا يجب عليه سبحانه شيء بحكم غيره ولا سلطان فوق سلطانه، فيوجب عليه ... " ٢. ويقول: "ولا يمكن أن يظن عاقل أن قانوناً يحكم على الألوهية" ٣.
فالمسألة إذاً ثابتة في نفسها، إلا أنه لا يصح أن يوجب أحد على الله شيئاً، ولا شك أن فعله تعالى كله صلاح وخير وعدل وحكمة، ولكنه تعالى لم يوجب على نفسه رعاية الأصلح لكل واحد من عباده. ولا شك أن الله سبحانه يفعل ما فيه صلاح العباد ونفعهم وكل ذلك تفضل منه تعالى، وليس شيء من ذلك بواجب عليه تعالى، يقول رشيد رضا: "والذي عليه المحققون أن مسألة الصلاح والأصلح ثابتة لا ريب فيها وأن الخطأ والضلال إنما هو في قولهم أن ذلك واجب عليه ... وإنما يقال في كل ما ثبت له من صفات الكمال وما يتعلق به من الأفعال المطردة أنها واجبة له لا عليه، لأنه سبحانه هو الأعلى فلا يعلو عليه شيء في شيء، ومذهب الأشعرية أن مراعاة المصلحة ليست من الكمال الواجب له تعالى ويحتجون على ذلك بأمراض الأطفال والبهائم، وفي هذه الحجة بحث لا محل له هنا ... " ٤.
стр. 612
ويعلق رشيد رضا على المناظرة التي قيل إنها وقعت بين الأشعري والجبائي متخذاً موقف الحكم بينهما، فيقول: "فأما جواب الجبائي الأول في المؤمن الطائع والكافر الفاسق فهو الحق الذي بينه الله في كتابه ... والنصوص في ترتيب الجزاء على الإيمان والكفر مع الأعمال، كثيرة جداً. وكذلك جوابه الأول عن مسألة الصبي، فإنه لا يستحق الدرجات التي نالها المؤمن الذي عمل الصالحات بحسب وعد الله الحق وجزائه العدل، ولكن ذرية المؤمنين تلحق بالأصل. وأما جوابه الثاني فهو خطأ نشأ عن غفلته عن فساد السؤال في نفسه، وذلك أن عدم حياة الصبي إلى أن يبلغ ويعمل ما يعمل مسألة عدمية لا وجه لسؤال الخالق عنها، ولا يأتي فيها مسألة الأصلح في مذهب المعتزلة" ١.
كما أن رشيد رضا يرى أن هذا الجدال بين الأشعرية والمعتزلة وما يشوبه من احتجاج بعضهم على بعض بعبارات مبتدعة هي من سوء الأدب مع الله تعالى وهو مما يجب الاستغفار منه ٢.
стр. 613
المبحث التاسع: العمر، والرزق، والدعاء:
وهذه المسائل الثلاث فمن فروع عقيدة القدر. ولدينا في مسألة العمر أدلة ظاهرها التعارض، فتدل طائفة منها على أن الأجل لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ٢. وطائفة أخرى من الأدلة تشير إلى معنى زيادة العمر ونقصه؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ ٤.
ومن السنة أحاديث: منها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه" ٥.
стр. 614
فاختلفت أنظار العلماء في ذلك، وتباينت وجهاتهم في الجمع بين هذه النصوص على أقوال:
الأول: أن الزيادة ليس حقيقية بل هي كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة ١.
الثاني: أن الزيادة حقيقية، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، أما الأجل الذي لا يتغير فهو ما في علمه تعالى.
الثالث: أن الزيادة هي عبارة عن دعاء ذريته الصالحة له بعد موته، وورد ذلك في بعض الروايات إلا أن إسنادها ضعيف ٢. قال ابن تيمية: "والأجل أجلان "أجل مطلق" يعلمه الله، و "أجل مقيد"، وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ : "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" ٣ فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلاً وقال: "إن وصل رحمه زدته كذا وكذا" والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" ٤.
أما رشيد رضا فالذي اختاره وأراد أن يبينه هو الفرق بين الأجل الحقيقي الذي هو في علم الله تعالى، وذهب إلى أن هذا ى يتغير، وإلا صار العلم جهلاً، وبين الأجل التقديري وذهب إلى أن هذا هو الذي تقع به الزيادة والنقصان بحسب الأسباب الشرعية والطبيعية، فالذي يزيد وينقص هو أجل آخر غير الذي في علم الله تعالى، والذي في علمه تعالى لا يتغير ولا يتبدل، ويعرف بالوقوع، فإذا مات الشخص علم أن ذلك أجله المحتوم في علم اله تعالى. وأشار رشيد رضا إلى أن الأجل يطلق ويراد بع معنيان: الأو: المدة التي يعيشها الإنسان بالواقع ونفس الأمر. قال رشيد رضا: "والأجل بهذا المعنى لا يعرف إلا بالوقوع، فمتى مات المرء يعلم أن هذه المدة التي قضاها
стр. 615
هي أجله في الواقع ونفس الأمر, ولما كان الله وحده هو الذي يعلم ما سيعرض على الأحياء ... أطلق الأجل على علم الله تعالى بالعمر؛ وبهذا المعنى قالوا: إن عمر الإنسان لا يزيد ولا ينقصن وهو صحيح إذ لو وقع في الوجود خلاف ما يعلم الله أنه سيقع لكان العلم جهلاً" ١. وأما المعنى الثاني للأجل فهو الذي يقع فيه الزيادة والنقصان، قال رشيد رضا: "وكل ما ورد في نقص العمر وإطالته والإنساء فيه بالأسباب العلمية، والنفسية كصلة الرحم والدعاء، فإنما هو بالنسبة إلى الأجلق التقديري أو الطبيعي، الذي هو عبارة عن مظهر سنن الله في الأسباب والمسببات" ٢.
وبناءً على ذلك فزيادة العمر ونقصه جائز لكن لا باعتبار العلم الإلهي فهو لا يتغير، ولكن باعتبارات أخرى، وله أسباب شرعية وطبيعية. هذا ما يقرره رشيد رضا، ويقول: "كيف ينكر المسلم أن شيئاً من الأشياء يكون سبباً في بسطة الأجل وطول البقاء، وهو أمر ثابت في الفطرة، ودينه دين الفطرة، وثابت بالعقل ودينه دين العقل، وثابت بالنقل أيضاً ... " ٣.
ويستدل رشيد رضا على زيادة العمر بالأسباب الشرعية، بأحاديث منها حديث أنس المشار إليه أول المبحث، ومنها حديث ثوبان مرفوعاً "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" ٤.
ويشير رشيد رضا إلى أن ذلك هو ما يعرف "بالقضاء المعلق" ومعناه كما يفسره: "أن المسببات معلقة في علم الله تعالى بأسبابها، فإذا وقعت الأسباب وقعت معها المسببات لا محالة وإلا فلا ... " ٥. قال: "ولا فرق
стр. 616
فيه بين السبب الذي علم بالاختبار والوجود والسبب الذي علم بالشرع" ١. وتفرقة رشيد رضا بين ما في علم الله تعالى، وبين غيره صحيح، غير أني لاحظت عليه أنه في مسألة "العمر التقديري" يعتمد على ما يقرره الأطباء، بحسب الاستقراء، وهو لا يسلم لا له ولا لهم، لا سيما مع حديث النبي ﷺ : "أعمار أمتي بين ستين سنة وسبعين سنة" ٢ فإذا كنا بحاجة إلى معرفة متوسط أعمال هذه الأمة فنرجع إلى الشرع. ولو صح في الجمع بين أدلة الشرع حديث لوجب المصير إليه دون غيره مما حاول به أهل العلم التوفيق بين الأدلة وإن لم تصح فالأولى ما ذهب إليه السلف في كون الزيادة والنقص تقع في علم الملك الموكل بالعمر.
ويسلك رشيد رضا في مسألة الرزق وزيادته وحرمانه نفس المسلك الذي سلكه في الأجل، يقول: "والبحث في زيادة الرزق كالبحث في طول العمر سواء لأن لكل منهما أسباب ... " ٣.
وعلى ذلك، فالرزق الذي في علم الله تعالى لا يتغير، ولكن الرزق "التقديري" الذي يعتبر بحسب سنن ارتباط الأسباب والمسببات أو "القضاء المعلق" فيزيد وينقص. وإن كان رشيد رضا لم يفسر لنا "الرزق التقديري" كما فسر العمر "العمر التقديري" وإن كان يظهر من كلامه قصده وهو ما يتوقف على الأسباب الشرعية والطبيعية.
الدعاء:
وأما في مسألة الدعاء، فقد سئل عنها الشيخ، ولكنه أجاب إجابة سريعة، مضطربة، أحال في أولها على تخريج العلماء لها بناءً على مسألة القضاء المعلق والمبرم أيضاً. ولكنه في آخر جوابه ذكر أن هناك أحاديث مشكلة لا يجاب عنها ٤.
стр. 617
والقول الحق في مسألة الدعاء، أنه من قضاء الله تعالى وقدره، كسائر الأسباب التي جعلها الله تعالى لازمة لمسبباتها، متى وجد السبب وجد المسبب بحسب سنة الله تعالى، وكل شيء بقدر الله تعالى.
ففي علم الله أن فلاناً يدعو فيرفع بدعائه كذا وكذا من البلاء، أو يحدث له كذا وكذا من الخير، بسبب دعائه، وكل في علم الله تعالى.
قال شيخ الإسلام: "لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي تنال بها مغفرته ورحمته وهداه ورزقه، وإذا قدر للعبد خيراً يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات" ١.
وأما ما هذب إليه الشيخ رشيد في مسألة العمر، والرزق، من أن ما في علمه تعالى لا يتغير، وأن الله تعالى عالم بالأجل الحقيقي المكتوب، وأن المتغير بالزيادة والنقصان هو أجل آخر باعتبار آخر، يسميه الشيخ رشيد بالأجل التقديري، والرزق التقديري، وما هو ثم إلا ما كتبته الملائكة فهو الذي يقع فيه ذلك. وهو الصواب ٢.
стр. 618
المبحث العاشر: الكونيات والشرعيات:
فرق الشيخ رشيد رضا ﵀ بين الكونيات والدينيات، فبين الفرق بين الأمر الكوني والأمر الشرعي، وبين الجعل الكوني والشرعي، والإرادة الكونية والشرعية.
قال الشيخ رشيد: " ... وهذا الأمر نوعان: أمر تكوين وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، وقد سمى الله التكوين أمراً بما عبر عنه بقوله "كن"، وأمر تشريع: وهو ما أوحاه الله إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به ... " ١.
كما فرق الشيخ رشيد بين الجعل التكويني والتشريعي، قال عند قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ... ﴾ ٢ "الجعل هنا إما خلقي تكويني وهو التصيير، وإما أمري تكليفي وهو التشريع ... " ٣.
وفرق أيضاً بين إرادة التكوين وإرادة التشريع، فعند قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ قال: "والمراد بالإرادة هنا
стр. 619
حكمة التشريع لا إرادة التكوين" ١.
وبهذه التفرقة بين الكونية والدينية يفصل النزاع الذي وقع فيه طوائف من الناس في مسألة الأمر والإرادة، وهل أمر الله مستلزم لإرادته أو لا؟ لأنهم لم يفرقوا بينهما.
ومن الفروق التي فرق بها الشيخ رشيد بين الأمر الكوني والشرعي، أن الأول متعلق صفة الإرادة، والثاني متعلق صفة الكلام.
وأن أمر التكوين يتوجه إلى المعدوم، ليكون ويوجد، كما يتوجه إلى الموجود.
وأما أمر التكليف فيخاطب به العاقل فيسمى المكلف ولا يخاطب به غيره، فضلاً عن المعدوم ٢.
وقد ذكر هذه التفرقة غير واحد من أهل السنة ٣. ويندفع بهذا الإشكال الذي وقع فيه من وقع من أهل البدع، بسبب عدم تفرقتهم بين الكوني القدري والشرعي الديني، وبهذه التفرقة يعطل احتجاج أهل المعاصي بالقدر.
стр. 620
المبحث الحادي عشر: الاحتجاج بالقدر:
وإذا كان الإيمان بالقدر واجباً، بل ركناً من أركان الإيمان، لا يقبل من العبد عمل حتى يؤمن به ويستكمله، فإنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك العمل المشروع أو عمل الممنوع. فأهل السنة يؤمنون بالقدر ولا يحتجون به.
وأول من احتج بالقدر إبليس ١. وحكى القرآن عن المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، ورد تعالى عليهم ذلك، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢.
والمعنى: " ... لو شاء الله تعالى أن لا نشرك به من اتخذنا من الأولياء والشفعاء من الملائكة والبشر وأن لا نعظم ما عظمنا من تماثيلهم وصورهم أو قبورهم ... وأن لا يشرك آباؤنا من قبلنا كذلك ما أشركوا ولا
стр. 621
أشركنا ... ولكنه شاء أن نشرك ... ، وشاء أن نحرم ما حرمنا ... فحرمناه ... " ١.
وهذه الآية قد أتت برد قاطع وبرهان ساطع وأفحمت من أراد إبطال الشرائع.
قال الشيخ رشيد: " ... ولو لم يكن في المسألة غير هذه الآية لكانت كافية في الزجر والردع عن الاحتجاج بالقدر، كيف وهناك آيات كثيرة منها ما هو صريح في المعنى كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢ ... " ٣.
ووجه الرد عليهم في الآية، كما بينه الشيخ رشيد، أنه: " ... لو كانت مشيئة الله لما كانوا عليه من الشرك والمعاصي إجباراً مخرجاً لذلك عن كونه من أعمالهم لما عاقبهم عليه ... ولو كانت مشيئته لذلك متضمنة رضاه عن فاعله وأمره إياه به خلافاً لما قال الرسل ـ لما عاقبهم عليه تصديقاً للرسل" ٤.
هذا هو الوجه الأول في رد احتجاجهم وهد تكذيبهم وإلزامهم الحجة وإفحامهم بذكر ما حدث لمن فعل مثل فعلهم واحتج بمثل حجتهم من الأمم التي أهلكها الله قبلهم.
والوجه الثاني من الرد في هذه الآية، هو بيان جهلهم واحتجاجهم بما لا علم لهم به، واعتمادهم في ذلك على الظن والتخمين دون العلم واليقين.
فما سبق في الوجه الأول كان بياناً للبرهان الفعلي الواقع، وهذا الوجه بيان لبرهان آخر، عقلي نظري.
стр. 622
يقول الشيخ رشيد في بيان هذا الوجه: "وبعد التذكير بهذا البرهان أمر الله رسوله ﷺ أن يطالب المشركين بدليل علمي على زعمهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ ١ أي: هل عندكم بما تقولون علم ما تعتمدون عليه وتحتجون به فتخرجوه لنا لنبحث معكم فيه ونعرضه على ما جئناكم به من الآيات العقلية والمحكية عن وقائع الأمم التي قبلكم، وننصب بينهما الميزان القسط ليظهر الراجح من المرجوح؟ ... " ٢.
فالمحتج بالقدر ليس عالماً بالقدر فيبني علمه عليه، فكيف يصح الاحتجاج للعاصي بأن الله كتب عليه ذلك قبل صدوره منه، وقدر الله قبل وقوعه غيب لا يعلمه إلا هو وقد ورد الجواب بذلك أيضاً في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
يقول الشيخ رشيد: " ... فهل الاعتقاد بعلم وإرادته يكون عذراً للإنسان إذا زاغ عن الصراط المستقيم فوقع في الرجز الأليم؟ ... كلا إن هذا هذيان لا يقول به عاقل ... " ٤.
والحاصل أن رأي الشيخ رشيد ـ وهو الحق ـ أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على ترك العمل، أو عمل المعاصي. يقول الشيخ: "الاحتجاج على ترك العمل بالقدر من عقائد الملحدين، وقد جاء الكتاب الكريم لتشنيع اعتقادهم والنعي عليهم فيه ... فلا يسوغ لأحد منا وهو يدعي أنه مؤمن بالقرآن أن يحتج بما يحتج به المشركون ... " ٥.
стр. 623
الباب الثاني: منهج رشيد رضا في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل
الفصل الأول: الإيمان بالملائكة
تمهيد
...
تمهيد:
الملائكة هم خلق من خلق الله تعالى لهم صفات وخصائص ووظائف خاصة، ومنهم واسطة في البلاغ بين الله تعالى ورسله؛ واسطة في إبلاغ الوحي والرسالة إلى من اصطفاهم الله تعالى من البشر، كما قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ... ﴾ ١.
والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، فلا يتم إيمان امرئ إلا بالإيمان بهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... ﴾ ٢.
وقال: ﴿ ... وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ ٣.
وقد تحدث الله في القرآن الكريم عن الملائكة باستفاضة فذكر من صفاتهم الخُلُقية والخَلْقية الشيء الكثير، فمن الأولى أنهم لا يعصون الله تعالى ويفعلون ما يؤمرون به ٤، وأنهم يعبدون الله تعالى دون كلل أو فتور ٥. ومن الثانية: أنهم ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع ٦.
стр. 624
وقد تناول الشيخ رشيد رضا الحديث عن الملائكة من جوانب متعددة، وأثبت أن الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان، وأن الكافر بهم لا يكون مسلماً، وتحدث عن بعض صفاتهم ووظائفهم، ومع ذلك فقد اتهمه خصومه بإنكارهم، وقد دفع الشيخ عن نفسه ذلك. وفيما يلي أعرض منهج الشيخ رشيد في هذا الفصل.
стр. 625
المبحث الأول: الملائكة
المطلب الأول: وجوب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلاً
...
المطلب الأول: وجوب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلاً:
بناء على ما تقدم من أدلة الكتاب العزيز من بيان وجوب الإيمان بالملائكة، وكذلك ما ورد من حديث جبريل المشهور، يجب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلاً فيما ورد مفصلاً. وهذا ما قرره الشيخ رشيد ﵀ إذ قال: "الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، فيجب الإيمان بهم إجمالاً وبمن وردت النصوص بأسمائهم أو صفاتهم تفصيلاً.." ١ وأعاد الشيخ رشيد هذا المعنى كثيراً ٢.
وبيّن الشيخ رشيد وجوب الإيمان بهذا الركن وبيّن حكم إنكاره، فقال: " ... والملائكة من عالم الغيب الذي يجب على كل مؤمن الإيمان به كما ورد في خبر الوحي من غير تأويل ولا تحريف، ويكفي في ذلك كونه ممكناً عقلاً ... " ٣.
стр. 626
وأما المنكر لهذا الركن فهو كما يقول الشيخ رشيد: "لا يؤمن بوحي الله إلى رسله ولا يكون مسلماً ولا يهودياً ولا نصرانياً ولا ملياً وثنياً ... " ١، وذلك لأن الملائكة مذكورون في جميع هذه الديانات وكتبها.
وكما ذكرت قبل أن الملائكة عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، ووظائفهم متعددة، وذكر القرآن من أسمائهم: جبريل وهو ملك الوحي ٢، وميكال وهو الموكل بالقطر وتصاريفه، وورد في القرآن أيضاً منهم:: مالك وهو خازن النار ٣.
وورد في السنة منهم إسرافيل وهو الموكل بالصور ٤.
فما ورد في الكتاب والسنة من أسمائهم يجب الإيمان به ثم التوقف فيما وراء ذلك. وهذا هو ما قرره الشيخ رشيد إذ قال معلقاً على أسماء لم ترد في الشرع: "وأما تسمية ملك الموت بعزرائيل ٥ وما أوهمه كلام بعضهم من وجوب الإيمان بهذا الاسم فغير صحيح، فإن اسم عزرائيل لم يرد في القرآن كاسم جبريل وميكال ـ وهو ميكائيل ـ، ومالك، ولا في الأحاديث الصحيحة المرفوعة كاسم إسرافيل ... " ٦.
وأما إبليس فقد وقع خلاف في حقيقته هل هو من الملائكة أو من الجن ٧. والذي رجحه الشيخ رشيد أنه من الملائكة لأنه ظاهر الآيات في قصة السجود لآدم، وأما معارضة قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٨ فيجيب عنه الشيخ رشيد بأن: "الجن جنس لهؤلاء المخلوقات الخفية ومنهم
стр. 627
نوع الملائكة المعصومين لقوله تعالى في العرب الذين كانوا يقولون أن الملائكة بنات الله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ فالتحقيق إذن أن إبليس وذريته نوع من هذا الجنس أي الجن المكلفين غير المعصومين ومنهم أشرار كالشياطين"٢.
وكون إبليس من الملائكة أو قبيل منهم فهو مروي عن بعض السلف ﵏، قال ابن عباس: " كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن" ٣.
стр. 628
المطلب الثاني: وظائف الملائكة وخصائصهم:
وقد ذكر رشيد رضا بعض وظائف الملائكة وخصائصهم. فذكر من وظائف الملائكة التوفي؛ مقرراً هذه الوظيفة ومبيناً عدم تعارضها مع التوحيد فقال: "إن تفويض التوفي إلى بعض الملائكة كتفويض تبليغ الوحي للأنبياء إلى بعضهم، وكتفويض تبليغ الرسالة للناس إلى المرسلين، وكتفويض غير ذلك من الأعمال إلى المخلوقين، كل ذلك لا ينافي التوحيد، والله سبحانه هو المتصرف في الكون ... " ٤.
إن تفويض هذه الأعمال إلى الملائكة لا يعني أنهم يتصرفون في الكون بإرادتهم ولكنهم موكلون من الله تعالى بهذه الأعمال، وبإقداره تعالى لهم "وهو الذي سخرهم ولو سلبهم ما أعطاهم لما قدروا على شيء ... " ٥. وفيما يتعلق بتوفي الملائكة للبشر وهل يقوم بذلك ملك واحد فقط أو ملائكة متعددة، يقول الشيخ رشيد في ذلك: " ... وللموت
стр. 629
أصناف كثيرة لكل منها سنن ونظام في الحياة خاص به، فقبض الألوف من الأرواح في كل لحظة ووضعها في المواضع اللائقة بها عمل عظيم واسع النطاق يقوم بإدارته ونظامه رسل كثيرون، وكل عمل عظيم منظم لا بد أن تكون له جهة واحدة هي مكان الرياسة والنظام منه ... " ١.
فقبض الأرواح والتوفي يقوم به ملائكة ذوو عدد كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٢ "وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت الذي قال الله فيه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ٣ كما يقول الشيخ رشيد ﵀ ٤.
ومن وظائف الملائكة التي تكلم عنها الشيخ رشيد كتابة أعمال بني آدم وحفظها في الصحف التي تنشر يوم الحساب وهي المرادة ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ ٥ قال: "وهؤلاء الحفظة هم الملائكة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٦ ... وقيل إن الحفظة من الملائكة غير الكاتبين للأعمال، وهم المعقبات في قوله تعالى من سورة الرعد: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٧ قيل: إنهم ملائكة يحفظونه من الجن والشياطين، وقيل من كل ضرر يكون عرضة له لم يكن مقدراً أن يصيبه فإذا جاء القدر تخلو عنه، ولكن لم يصح في ذلك شيء يعتد به ... وليس عندنا من الأحاديث الصحاح في هذه المسألة إلا حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين وغيرهما مرفوعاً: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار،
стр. 630
يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي، فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" ١ ... فإذا كان هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكاتبين فلا محل لاختلاف العلماء في تجددهم وتعاقبهم" ٢.
وقد رد الشيخ رشيد على من أنكر هذا الصنف من الملائكة، ورد قوله لأنه "لا هو من أهل العلم بالحديث رواية ولا دراية، ... وقوله هو المردود وحديث الرسول ﷺ هو المقبول ... " ٣.
وذكر الشيخ رشيد من خصائص الملائكة أنهم يتشكلون في الصور المختلفة، وأنهم قد يُرون في هذه الحالة فقط، إلا أنهم لا يرون في صورتهم الحقيقية، وهو المختار عند الشيخ رشيد كما يقول: "والمختار عندنا أن البشر في حالتهم العادية غير مستعدين لرؤية الملائكة والجن في حالتهم التي خلقوا عليها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٤ ... " ٥.
غير أن الرؤية على هذه الحالة قد تقع معجزة لنبي أو كرامة لولي كما يقرر الشيخ رشيد، ويقول: "إنه جائز عقلاً ومرويٌ نقلاً ... " ٦.
стр. 631
المطلب الثالث: التفاضل بين الملائكة والأنبياء:
وقد وقع خلاف بين الناس حول تفضيل الملائكة على الأنبياء وصالحي البشر أو العكس، على أقوال. ثالثها: التوقف، ورابعها: التفصيل
стр. 632
في ذلك. فالتوقف مذهب أبي حنيفة ﵀ ورجحه شارح الطحاوية ١. والتفصيل مذهب شيخ الإسلام، وهو أن الأنبياء والصالحين أفضل من الملائكة باعتبار كمال النهاية، وذلك إنما يكون إذا دخلوا دار القرار، ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، فلا يظهر فضلهم في ابتداء أحوالهم وإنما يظهر فضلهم عند كما أحوالهم، بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره ٢.
وليس الخلاف في هذه المسألة كتفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، فإن هذه قد ورد بها نص قرآني، وفي مسألتنا هذه الأدلة متكافئة ٣.
وقد ذكر الشيخ رشيد هذا الخلاف وأدلة كل فريق ثم قال: " والحق أن ظواهر القرآن الواردة في الملائكة والرسل تدل على أن الملائكة أفضل من البشر، ولعله ـ لولا ذلك ـ لما قال تعالى في بني آدم ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٤، بل لقال على جميع من خلقنا، ومقتضى ذلك أن خواص الملائكة كالمقربين أفضل من خواص الرسل، ولا يتحتم أن يقتضي كون عوام الملائكة أفضل من خواص البشر كالرسل، قد ينافيه كون بعض الملائكة مسخرين لمصالح البشر، ولكن ليس في المسألة نص قاطع في المعنى ... والأولى أن يفوض هذا الأمر إلى الله تعالى ولا يجعل محل القيل والقال إذ لا فائدة لنا في ذلك ... " ٥.
فالذي اختاره الشيخ رشيد في هذه المسألة التوقف، وهو كما قلت قبل ذلك مذهب أبي حنيفة ورجحه شارح الطحاوية.
ومن خلال عرض آراء رشيد رضا في فصل الملائكة يتبين عدم صدق
стр. 633
الدعوى التي ادعاها يوسف الدجوي ١ على رشيد رضا وهي: "إنكاره للملائكة" وقد ردّ رشيد رضا نفسه هذه الدعوى، رداً مجملاً ومفصلاً، فمن حيث الجملة قال: "فمن كان لا يؤمن بالملائكة فهو لا يؤمن بوحي الله إلى رسله، ولا يكون مسلماً ولا يهودياً ولا نصرانياً ولا ملياً وثنياً. فإن كان صاحب المنار من هذا الصنف فلماذا سكت له على كفره هذا علماء الأزهر الأعلام وغيرهم من علماء الإسلام مدة خمس وثلاثين سنة ... هذا ما نقوله من ناحية الإلزام العقلي ونقضي عليه ببعض الشواهد الناطقة بعقيدة الإيمان بالملائكة واتباعنا عقيدة السلف الصالح فيهم ... " ٢.ثم أورد الشيخ رشيد سبعة شواهد من تفسيره لتدل تفصيلاً على اعتقاده فيهم.
وأما الشبهة التي اعتمد عليها في توجيه هذه التهمة للشيخ رشيد فهي عبارة نقلها عن الأستاذ محمد عبده كما يقول الشيخ رشيد:"وإنما هي حكاية حكاها الأستاذ الإمام عن بعض الناس ونقلها مؤلف التفسير عنه، فلو كانت كفراً لكانت من باب حاكي الكفر ليس بكافر، فكيف بالحاكي عن الحاكي" ٣.
والحق أن الشيخ رشيد كان أحياناً يعقب على آراء محمد عبده، ولكنه كان يسكت في أحيان أخرى، والسكوت علامة الموافقة مما يجعل الحجة تتجه عليه، إلا أنني أميل لقبول رده هذا، لما سبق بيانه في هذا الفصل، وكما أني أميل لقبول رده في المسائل الأخرى، إذا أن الصدق هو الأصل في مثل رشيد رضا ٤.
стр. 634
المبحث الثاني: الجن والشياطين:
وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة ١. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قد خاطب الجن وخاطبوه، وقرأ عليهم القرآن ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ... وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء، تواتراً معلوماً بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة ... " ٣.
وبعد ظهور المدنية الحديثة وأفكارها المادية، ظهر اتجاه إنكار وجود الجن ـ في جملة إنكار ما لا يرى ـ وقد تصدى رشيد رضا لهذا الاتجاه فأثبت وجود الجن وعدم وجود حجة عند من أنكرهم على ذلك. وأثبت إمكان رؤيتهم ومخاطبتهم. وإن كان تشدد في مسألة دخولهم جسم الإنسان، وفيما يلي تفصيل ذلك.
стр. 635
المطلب الأول: معنى الجن والشيطان:
عرّف رشيد رضا هذين اللفظين في اللغة فقال: "الجن والجان والجنة ـ بالكسر ـ مأخوذة من مادة جنن، وهذه المادة تدل على الستر والخفاء ... والشياطين في اللغة: كل عاتٍ متمرد حتى من الدواب، والشاطن: الخبيث ... وقيل: إن الشيطان مشتق من شاط يشيط أي احترق غضباً ... " ١.
وقد عرّفهم أيضاً تعريفاً شرعياً فقال: " ... الجن خلق خفي مستتر من عالم الغيب أثبتتهم جميع الأديان ... " ٢.
ثم بين حكم الإيمان بهم فقال: "وطريقتنا فيهم الإيمان بكل ما أخبر الله تعالى من أمرهم في كتابه وبكل ما صح عن رسوله ﷺ لمن علم به ... " ٣.
والإيمان بوجود الجن من الإيمان بالغيب الذي أمر الله تعالى بالإيمان به، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥ فإنكار الجن مخالف للشرع بل لجميع أهل الملل الذين أجمعوا على وجودهم ٦. وهو مخالف أيضاً للعقل، الذي يقضي بأن إنكار الشيء لمجرد عدم رؤيته أو الإحساس به غير سديد. وهذا ما يقرره الشيخ رشيد بقوله: "إنكار شيء ونفيه لعدم الإحساس به مما يمنعه العقل، ولو أنكرنا كل ما لم نطلع عليه وندركه بالحواس لما توجهت نفوسنا إلى