المطلب الثالث: التفاضل بين الملائكة والأنبياء:
وقد وقع خلاف بين الناس حول تفضيل الملائكة على الأنبياء وصالحي البشر أو العكس، على أقوال. ثالثها: التوقف، ورابعها: التفصيل
стр. 632
في ذلك. فالتوقف مذهب أبي حنيفة ﵀ ورجحه شارح الطحاوية ١. والتفصيل مذهب شيخ الإسلام، وهو أن الأنبياء والصالحين أفضل من الملائكة باعتبار كمال النهاية، وذلك إنما يكون إذا دخلوا دار القرار، ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، فلا يظهر فضلهم في ابتداء أحوالهم وإنما يظهر فضلهم عند كما أحوالهم، بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره ٢.
وليس الخلاف في هذه المسألة كتفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، فإن هذه قد ورد بها نص قرآني، وفي مسألتنا هذه الأدلة متكافئة ٣.
وقد ذكر الشيخ رشيد هذا الخلاف وأدلة كل فريق ثم قال: " والحق أن ظواهر القرآن الواردة في الملائكة والرسل تدل على أن الملائكة أفضل من البشر، ولعله ـ لولا ذلك ـ لما قال تعالى في بني آدم ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٤، بل لقال على جميع من خلقنا، ومقتضى ذلك أن خواص الملائكة كالمقربين أفضل من خواص الرسل، ولا يتحتم أن يقتضي كون عوام الملائكة أفضل من خواص البشر كالرسل، قد ينافيه كون بعض الملائكة مسخرين لمصالح البشر، ولكن ليس في المسألة نص قاطع في المعنى ... والأولى أن يفوض هذا الأمر إلى الله تعالى ولا يجعل محل القيل والقال إذ لا فائدة لنا في ذلك ... " ٥.
فالذي اختاره الشيخ رشيد في هذه المسألة التوقف، وهو كما قلت قبل ذلك مذهب أبي حنيفة ورجحه شارح الطحاوية.
ومن خلال عرض آراء رشيد رضا في فصل الملائكة يتبين عدم صدق
стр. 633
الدعوى التي ادعاها يوسف الدجوي ١ على رشيد رضا وهي: "إنكاره للملائكة" وقد ردّ رشيد رضا نفسه هذه الدعوى، رداً مجملاً ومفصلاً، فمن حيث الجملة قال: "فمن كان لا يؤمن بالملائكة فهو لا يؤمن بوحي الله إلى رسله، ولا يكون مسلماً ولا يهودياً ولا نصرانياً ولا ملياً وثنياً. فإن كان صاحب المنار من هذا الصنف فلماذا سكت له على كفره هذا علماء الأزهر الأعلام وغيرهم من علماء الإسلام مدة خمس وثلاثين سنة ... هذا ما نقوله من ناحية الإلزام العقلي ونقضي عليه ببعض الشواهد الناطقة بعقيدة الإيمان بالملائكة واتباعنا عقيدة السلف الصالح فيهم ... " ٢.ثم أورد الشيخ رشيد سبعة شواهد من تفسيره لتدل تفصيلاً على اعتقاده فيهم.
وأما الشبهة التي اعتمد عليها في توجيه هذه التهمة للشيخ رشيد فهي عبارة نقلها عن الأستاذ محمد عبده كما يقول الشيخ رشيد:"وإنما هي حكاية حكاها الأستاذ الإمام عن بعض الناس ونقلها مؤلف التفسير عنه، فلو كانت كفراً لكانت من باب حاكي الكفر ليس بكافر، فكيف بالحاكي عن الحاكي" ٣.
والحق أن الشيخ رشيد كان أحياناً يعقب على آراء محمد عبده، ولكنه كان يسكت في أحيان أخرى، والسكوت علامة الموافقة مما يجعل الحجة تتجه عليه، إلا أنني أميل لقبول رده هذا، لما سبق بيانه في هذا الفصل، وكما أني أميل لقبول رده في المسائل الأخرى، إذا أن الصدق هو الأصل في مثل رشيد رضا ٤.
стр. 634
المبحث الثاني: الجن والشياطين:
وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة ١. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قد خاطب الجن وخاطبوه، وقرأ عليهم القرآن ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ... وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء، تواتراً معلوماً بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة ... " ٣.
وبعد ظهور المدنية الحديثة وأفكارها المادية، ظهر اتجاه إنكار وجود الجن ـ في جملة إنكار ما لا يرى ـ وقد تصدى رشيد رضا لهذا الاتجاه فأثبت وجود الجن وعدم وجود حجة عند من أنكرهم على ذلك. وأثبت إمكان رؤيتهم ومخاطبتهم. وإن كان تشدد في مسألة دخولهم جسم الإنسان، وفيما يلي تفصيل ذلك.
стр. 635
المطلب الأول: معنى الجن والشيطان:
عرّف رشيد رضا هذين اللفظين في اللغة فقال: "الجن والجان والجنة ـ بالكسر ـ مأخوذة من مادة جنن، وهذه المادة تدل على الستر والخفاء ... والشياطين في اللغة: كل عاتٍ متمرد حتى من الدواب، والشاطن: الخبيث ... وقيل: إن الشيطان مشتق من شاط يشيط أي احترق غضباً ... " ١.
وقد عرّفهم أيضاً تعريفاً شرعياً فقال: " ... الجن خلق خفي مستتر من عالم الغيب أثبتتهم جميع الأديان ... " ٢.
ثم بين حكم الإيمان بهم فقال: "وطريقتنا فيهم الإيمان بكل ما أخبر الله تعالى من أمرهم في كتابه وبكل ما صح عن رسوله ﷺ لمن علم به ... " ٣.
والإيمان بوجود الجن من الإيمان بالغيب الذي أمر الله تعالى بالإيمان به، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥ فإنكار الجن مخالف للشرع بل لجميع أهل الملل الذين أجمعوا على وجودهم ٦. وهو مخالف أيضاً للعقل، الذي يقضي بأن إنكار الشيء لمجرد عدم رؤيته أو الإحساس به غير سديد. وهذا ما يقرره الشيخ رشيد بقوله: "إنكار شيء ونفيه لعدم الإحساس به مما يمنعه العقل، ولو أنكرنا كل ما لم نطلع عليه وندركه بالحواس لما توجهت نفوسنا إلى
стр. 636
اكتشاف هذه المجهولات الكثيرة ... " ١.. ويقول أيضاً: " ... وجود أي شيء من الموجودات لا يعرف بالأدلة العقلية، وإنما يعرف بالحس أو بالخبر الصادق، فإننا نعتقد وجود كثير من الحيوانات والنباتات والمعادن ولم نرها. أما العقل فإنه يدلنا مع الاختبار بأن في الكون موجودات كثيرة لا نعرفها ... لأنها لا تدرك بحواسنا هذه، ولو خلق لنا حواس غيرها لأدركنا ما لا ندركه الآن ... " ٢، ويقول في موضع آخر: "إن عدم وجدان الشيء لا يقتضي عدم وجوده، فتكذيب جميع أصناف البشر في الاعتقاد بوجود عالم خفي لا تظهر آثاره إلا نادراً لبعض الناس بناءً على أن المكذب لم يدرك ذلك بحواسه ـ غير سديد ـ" ٣. ويقرر رشيد رضا أن الإيمان بوجود الجن واجب وثابت بخبر الشرع فيقول عن الجن إنه: "عالم خفي أو غيبي أخبرنا بوجوده الأنبياء المؤيدون من خالق الكون بالوحي والإلهام فوجب التصديق بذلك ... " ٤.
وهذا الموقف من رشيد رضا في مسألة الإيمان بالجن موقف سديد موافق لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، فوجود الجن قطعي لثبوته بهذه الأدلة. ولكن وقع الخلاف بعد إثباتهم في مسائل، منها إمكان رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، وكذلك مسألة تلبسهم بالإنسي وهو ما أود بيان موقف رشيد رضا منهما.
стр. 637
المطلب الثاني: رؤية الجن:
اختلف في جواز رؤية الجن، فذهب بعض أهل العلم إلى أن أحداً لا يراهم في الدنيا واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا
стр. 638
تَرَوْنَهُمْ﴾ ١، والصواب في معنى هذه الآية هو ما قاله شيخ الإسلام لما سئل عنها: " الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس، وهذا حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال، بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضاً لكن لا يرونهم في كل حال" ٢.
وهذا هو الصواب فليس في الآية ما يدل على عدم رؤيتهم أبداً، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً ٣.
وأما السنة فقد ثبت أن النبي ﷺ رآهم وخاطبهم، وهو قول ابن مسعود ﵁ وإن كان ابن عباس يجزم بعدم رؤيتهم إلا أن ابن مسعود مثبت فهو مقدم، وابن عباس ﵁ لم يعلم ما علمه ابن مسعود ٤.
وقد بدا رشيد رضا متشدداً في مسائل الجن ـ بعد إثبات وجودهم ـ كما يظهر في هذه المسألة، والمسألة التي تليها، وسبب ذلك ما عرفنا عند تصوير الحالة الدينية يومئذ، والتي كان من أبرز سماتها انتشار البدع والخرافات ومنها عبادة الجن.
ورد سؤال لرشيد رضا عن دعوى بعضهم أن بعض الجن كان يدرس في الأزهر ويحضر الدروس ويلقي الأسئلة على بعض العلماء على مسمع ومرأى من الناس، فأجاب: "إن الجن من العوالم الغيبية، واسمهم يدل على
стр. 639
خفائهم واستتارهم، وقد قال الله في إبليس وهو من الجن: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ١ وقد نقل عن الإمام الشافعي تشديد عظيم على من يدعي رؤيتهم ... وقد اختلف النقل عن الصحابة في رؤية النبي ﵌ لهم، فروي عن ابن مسعود أنه رآهم، وروي عن ابن عباس أنه لم يرهم وأنه لو رآهم لما قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٢، وقال بعض العلماء: إن ابن عباس قال بما يدل عليه القرآن، وابن مسعود قال بما ثبت عنده ولا منافاة. وادعى بعضهم أن رؤيتهم تكون كرامة للأولياء وسيأتي البحث فيه في موضعه ... ولكن لم يقل أحد من المسلمين ولا من غيرهم أن الجن يظهرون ويسألون العلماء على مرأى من الناس ومسمع. وأن للناس من الحكايات عن الجن في كل قطر وكل شعب ما يكاد يصل إلى حد الجنون. والله يعلم إنهم لكاذبون" ٣.
والذي يدفع رشيد رضا إلى اتخاذ هذا الموقف هو الأمر الذي وصلت إليه البدع من عبادة الجن والتقرب إليهم لاعتقاد الناس أنهم يمرضون الأجسام ويخطفون الأطفال ويشفون المرضى ويردون المفقودين. "ومن ذلك الزار الذي يخرجون به الشياطين من الأجساد بزعمهم، ولهذه الخرافات مضار ورزايا كثيرة في الأبدان والأرواح والأموال والأعراض ... " ٤.وبينما يقر رشيد رضا بالطب الشرعي أو الروحي إلا أنه ينعى على الناس ما تسرب إليهم من هذا الباب من الخرافات والبدع، فيقول: "ومن المصائب على البشر أن أكثر المؤمنين بطب الدين الروحي في هذه القرون الأخيرة لا يقفون عند حدود ما أنزل الله على رسوله وما فهمه من حملته من السلف الصالح، بل زادوا وما زالوا يزيدون من الخرافات والبدع والضلالات، ما جعلهم حجة على دينهم وفتنة للذين كفروا ... " ٥.
стр. 640
ولذلك يتخذ رشيد رضا موقفاً متشدداً في هذه المسألة، فيرى ـ وينقله عن الشافعي ـ أن رؤية الجن خاصة بالأنبياء، ويريد بذلك أن يقطع حجة الدجالين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل بولايتهم للشياطين، وولاية الشياطين لهم، "وقد خوفوا الناس منهم حتى أوقعوا الرعب في قلوبهم، وأوقعوهم في ضلالات كثيرة" ١.
والحق أن رؤية الناس الجن وكلامهم إياهم ثابت لا يدفع، وهذا يكون للصالحين على سبيل الكرامة، ولغير الصالحين، كما يقع لبعض السحرة وتسخيرهم لهم في الشرور وغيرها ٢. والفرق بين هؤلاء وهؤلاء بيّن والحمد لله، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ـ بيان الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق الأشقياء.
стр. 641
المطلب الثالث: دخول الجن في جسم الإنسان:
وردت إشارة واحدة في القرآن الكريم تشير إلى تأثير الجن في الإنسان، هي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ٣، أي لا يقومون إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له" ٤.
ووردت في السنة عدة أحاديث تثبت صرع الجن للإنس وغلبتهم على عقله، وورد فيها معالجته ﷺ للمصروعين، منها:
حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أم أبان بنت الوازع عن أبيها
стр. 642
أن جدها الوازع ١ انطلق إلى رسول الله ﷺ فانطلق معه بابن له مجنون أو ابن أخت له، قال جدي: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة قلت يا رسول الله إن معي ابن لي، أو ابن أخت لي مجنون آتيك به فتدعوا الله عزوجل له، قال له: "ائتني به". فانطلقت إليه وهو في الركاب فأطلقت عنه، وألقيت عليه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "ادنه مني، واجعل ظهره مما يليني، قال: فأخذ بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض أبطيه ويقول: أخرج عدو الله، أخرج عدو الله، فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس نظره الأول، ثم أقعده رسول الله ﷺ يبن يديه فدعا له فمسح وجهه"، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله ﷺ يفضل عليه" ٢.
ومنها حديث ابن عباس "أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن به لمماً، وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له، فثع ٣ ثعة فخرج من فيه مثل الجرو ٤ الأسود فشفي" ٥.
ففي هذه الأحاديث دلالة على دخول الجني في جسم الإنسي وصرعه له. وعلى هذا كان السلف. فقد قال عبد الله بن أحمد لأبيه: " إن قوماً يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي، فقال: يا بني يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه" ٦. وقال ابن تيمية: "وليس في أئمة المسلمين من ينكر
стр. 643
دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك" ١.
وفي الأناجيل المتداولة الآن أخبار عن المسيح ﵇ تدل على علاجه للمصروعين، وإخراج الجن منهم ٢.
ولقد سئل الشيخ رشيد ﵀ عن دخول الجن والشيطان في بدن الإنسان بناء على ما ذكر في الأناجيل، وبناء على ما ورد عن السلف، لا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
وفيما يتعلق بما أثبتته الأناجيل، فقد أجاب الشيخ أولاً: بأن الأناجيل لا يعتمد عليها إذ ليس لها أسانيد صحيحة ٣.
وقد أمرنا أن لا نصدق أهل الكتاب ولا نكذبهم فيما لا حجة له أو عليه في كتابنا، ثم قال: "على أننا إذا سلمنا بأن بعض الشياطين دخلت في أجسام بعض الناس، وأنها خرجت على يد المسيح معجزة له فلا يلزم من ذلك أن نقيس خرافات عجائز الزار على معجزات الأنبياء المصطفين الأخيار " ٤.
وأما ما ورد عن شيخي الإسلام فيجيب عنه الشيخ رشيد بقوله: " ... وإن كان شيخا الإسلام من أجل الثقات عندنا فيما يرويانه عن أنفسهما وعن غيرهما بالجزم ـ فإننا نقول: إن وقائع الأحوال في هذا المقام فيها إجمال، هي قابلة لأنواع شتى من الاحتمال، على أن ما يؤخذ منها على ظاهره لا حجة فيه على شيء من أعمال الدجالين التي ينكرها الشرع والعقل، وأين دجل هؤلاء الفساق المحتالين من معجزة أو كرامة يكرم الله بها نبياً مرسلاً أو ولياً صالحاً، فيشفي على يديه مصروعاً ألم به شيطان أم لم يلم؟ وما إلمام الشيطان ببعض الناس بالمحال عقلاً حتى نحار في فهم
стр. 644
أمثال هذه الروايات النادرة عند أهل الكتاب وعندنا، بل عند جميع الأمم، وإن بعض الأمراض العصبية التي يصرع أصحابها لابسهم الشيطان فيها أم لا لتشفى بتأثير الاعتقاد وتأثير إرادة الأرواح القوية إذا توجهت إلى الله تعالى سائلة شفاءها، وما نحن بالذين يدارون الماديين أو يبالون بإنكارهم لكل ما لا يثبته الحس لهم، بل نرى أن جملة ما روي عن الأنبياء والعلماء وما اشتهر عند كل الأمم يفيد بمجموعه التواتر المعنوي في إثبات أصل المسألة، وما لنا لا نذكر أنه قد وقع لنا من ذلك ما يعده كثير من الناس أمراً عظيماً يستبعدون أن يكون من فلتات الاتفاق ونوادر المصادفات.." ثم ذكر بعض ما حدث له من ذلك. ١.
والدجالون الذين يشير إليهم الشيخ رشيد هم عبدة الجن الذين يقيمون الاحتفالات لإرضائهم وهو ما يعرف بالزار. يقول الشيخ رشيد في نفس السياق السابق: "إن مفاسد (الزار) ٢ كثيرة مشهورة في هذه البلاد، وقد وصفناها من قبل في المنار. وسببها اعتقاد الكثيرات من النساء المريضات بأمراض عادية ولا سيما إذا كانت عصبية أن الشياطين قد دخلت في أجسادهن. وأن صانعات الزار يخرجنهم منها بإرضائهم والتقرب إليهم بالقرابين وغيرها. وهذا نوع من عبادة الجن التي كانت في الجاهلية فأزالها الإسلام بإصلاحه، ولما جهل الإسلام في كثير من البلاد وقبائل البدو عادت إلى أهلها ... " ٣.
والذي يريده رشيد رضا من هذا، هو ما أراده في المسألة السابقة، وهو قطع الطرق على الدجالين كما سبق بيانه، فهو لا ينكر دخول الجن في جسد الإنسان، بدليل ما يرويه هو عن نفسه وما حدث له مع أصحاب الصرع، ولكنه يتشدد في إثبات هذه الوقائع لسد باب الشر، فهو كما يقول بلسانه بعدما روى بعض هذه الوقائع: "إنني لم أذكر مثل هذا إلا لأمرين
стр. 645
أحدهما: أن لا يظن ظان أني أميل في تشددي في كشف غش الدجالين إلى آراء الماديين، وثانيهما: أن لا يجعل أحد ما نقل عن مثل شيخ الإسلام من إرساله رسولاً إلى المصروع يخرج منه الشيطان حجة على من ينكر دجل هؤلاء الضالين من عباد الشياطين أو الدعاة إلىعبادتهم ... " ١.
فيريد رشيد رضا إغلاق هذا الباب سداً للذريعة، على أنه لا ينكر أن يقع ذلك معجزة لنبي أو كرامة لولي ولكن: "أين دجل هؤلاء الفساق المحتالين من معجزة أو كرامة يكرم الله بها نبياً مرسلاً أو ولياً صالحاً فيشفي على يديه مصروعاً ألم به الشيطان ... " ٢.
والذي يدل على أن إخراج الجني من المصروع هو من باب "خوارق العادات، أو المعجزات والكرامات، صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، الذين يوردون هذه المسألة تحت باب معجزات نبينا ﷺ ٣
стр. 646
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب
تمهيد
...
تمهيد:
إن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عزوجل على أنبيائه ورسله ركن من أركان الإيمان الستة، وقد دلت آيات كثيرة على أن الله أنزل القرآن على نبينا محمد ﷺ كما دلت على إنزال الكتب السابقة على من سبقه من الأنبياء والمرسلين، كما أنها ذكرت بعض ما تضمنته هذه الكتب السابقة، كما ذكرت ما اعتراها من التغيير والتبديل.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ١.
وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿آلم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٣.
وقال ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً
стр. 647
قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وكان يجب على أهل الكتاب أن يحكموا بما أنزل الله فيه، ولكنهم حرفوه ونبذوه وراء ظهورهم كما أنهم نسوا وأضاعوا جزءاً منه ٢.
والإيمان بهذه الكتب ـ أي بجنسها ـ قبل أن يصيبها ما أصابها واجب على المؤمن. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ ٣.
وقد قرر الشيخ محمد رشيد هذه المعاني جميعاً وأثبتها في كتاباته وتحدث عن القرآن الكريم والكتب السابقة عليه، وبين ما اعتورها من تحريف وتبديل.
فقرر الشيخ رشيد أولاً وجوب الإيمان بجنس هذه الكتب، فقال عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٤ " ... جمهور المفسرين على أن الخطاب فيها للمؤمنين كافة، أمرهم الله أن يجمعوا بين الإيمان به وبرسوله الأعظم خاتم النبيين والقرآن الذي نزل عليه وبين الإيمان بجنس الكتب التي نزلها على رسله من قبل بعثة خاتم النبيين، بأن يعلموا أن الله قد بعث قبله رسلاً، وأنزل عليهم كتباً، وأنه لم يترك عباده في الزمن الماضي سدى، محرومين من البينات والهدى، ولا يقتضي ذلك أن يعرفوا أعيان تلك الكتب ولا أن تكون موجودة، ولا أن يكون الموجود منها صحيحاً غير
стр. 648
محرف، ... " ١. ثم قال: "فالإيمان بالله هو الركن الأول، والإيمان بجنس الملائكة الذين يحملون الوحي إلى الرسل هو الركن الثاني، والإيمان بجنس الكتب التي نزل بها الملائكة على الرسل هو الركن الثالث ... " ٢. ثم يتحدث رشيد رضا عن كل كتاب من هذه الكتب على حدة.
стр. 649
المبحث الأول: القرآن
ويولي الشيخ رشيد القرآن الكريم عناية خاصة فيشير إلى خصائصه ومكانته بين الكتب الإلهية وما امتاز به عليها وما اشتمل عليه من النور والهدى. فيقول الشيخ رشيد واصفاً هذا الكتاب: "القرآن العظيم، القرآن الكريم، القرآن الحكيم، القرآن المجيد، الكتاب العزيز، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١ هو كتاب لا كالكتب، هو آية لا كالآيات، هو معجزة لا كالمعجزات، هو نور لا كالأنوار، هو سر لا كالأسرار، هو كلام لا كالكلام ... " ٢.
ولم يتعرض القرآن لما تعرض له غيره من الكتب السابقة من التغيير والتبديل والتحريف، لأن الله تعالى تعهد بحفظ هذا الكتاب ـ ومن أوفى بعهده من الله ـ وفي هذا يقول الشيخ رشيد: " ... وما كفل تعالى حفظ كتاب من كتبه بنصه إلا هذا القرآن المجيد الذي قال فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣ وظهر صدق كفالته بتسخير الألوف الكثيرة في كل عصر لحفظه عن ظهر قلب ولكتابة النسخ التي لا تحصى منه في كل عصر، من زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إلى هذا العصر، وناهيك
стр. 650
بما طبع من ألوف الألوف من نسخه في عهد وجود الطباعة بمنتهى الدقة والتصحيح. ولم يتفق ذلك لكتاب إلهي ولا غير إلهي ... " ١.
ومن خصائص القرآن الكريم أنه الآية الكبرى لنبينا ﵊، وإنها لآية مشتملة على آيات كثيرة، عقلية وكونية، لو لم يكن لنبينا ﷺ غيرها لكفى، وفي ذلك يقول الشيخ رشيد: " ... فالقرآن في جملته آية علمية، وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية كعصا موسى مثلاً، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول كما كانت آية موسى الكبرى خاصة بمن رآها في عصره، وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية ... فالآية العلمية القطعية لا يمكن المراء فيها، كما يمكن المراء في الآية الكونية، التي هي أمر غريب غير معتاد يشتبه بكثير من الأمور النادرة التي لها أسباب خفية كالسحر وغيره ... وقد جاء في الفصل الثالث عشر من سفر تثنية الاشتراع أن من أتى بآية أو أعجوبة من نبي أو حالم، وأمر بعبادة غير الله تعالى لا يسمع له بل يجب قتله لأنه تكلم بالزيغ ٢ فالآيات الكونية إذاً لا تدل على صدق كل من تظهر على يديه، بل تختلف دلالتها باختلاف أحوال من تظهر على أيديهم ... " ٣.
والقرآن ـ في الحق ـ آية كونية كذلك، لأنه من غير المعتاد "أن من عاش أربعين سنة لم يصدر عنه علم ولا عرفان ولا بلاغة لسان، لا يمكن أن يصدر عنه بعد الاكتهال ما لم يكن له أدنى نصيب منه في سن الشباب" ٤. وكما يقول الشيخ رشيد: "فظهور أعلى علوم الهداية على لسان أميّ كان ـ هو وقومه ـ أبعد الناس عن كل علم بعبارة أعجزت ببلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم، على أنه لم يكن من قبل معدوداً من بلغائهم، أدل
стр. 651
على كون ذلك موحى به من الله عزوجل من عصا موسى على كون ما جاء به من التوراة موحى به منه تعالى وهي غير معجزة في نفسها، وقد نشأ من جاء بها في دار ملك أربى على سائر ممالك الأرض بالعلوم والشرائع" ١.
وأخيراً فإن القرآن هو الحكم العدل وشاهد الصدق على ما سبقه من الكتب، ومهيمناً عليه، ولا طريق لإثبات صدق وحقية ما سبق من الكتب إلا عن طريقه، فهو ـ أي القرآن ـ "الأصل في معرفة ما أنزل عليهم والمثبت له، ولا طريق لإثباته سواه لانقطاع سند تلك وفقد بعضها ووقوع الشك فيما بقي منها، فما أثبته كتابنا من نبوة كثير من الأنبياء نؤمن به إجمالاً فيما أجمل وتفصيلاً فيما فصل وما أثبته لهم من الكتب كذلك ... " ٢.
стр. 652
المبحث الثاني: التوراة:
وتحدث رشيد رضا عن التوراة حديثاً كثيراً، ولكني أقتصر عل ما يناسب هذا الموضوع.
يفرق الشيخ رشيد بين التوراة التي ذكرها الله تعالى في القرآن وأنه ﵎ أنزلها على موسى ـ وبين التوارة الحالية المقدسة عند اليهود والنصارى، فالتوراة المذكورة في القرآن هي ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى ﵊ ليبلغه قومه لعلهم يهتدون به، وقد بين تعالى أن قومه لم يحفظوه كله، كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ١ كما أخبر عنهم في آيات أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وذلك فيما حفظوه واعتقدوه ٢، فهذه التوراة القرآنية هي التي يجب أن نؤمن بها ٣.
أما التوراة المتداولة الآن بين أهل الكتاب فيعرفها الشيخ رشيد لغة واصطلاحاً فيقول: "التوراة كلمة عبرانية معناها المراد: الشريعة أو الناموس. وهي تطلق عند أهل الكتاب على خمسة أسفار، يقولون إن موسى كتبها،
стр. 653
وهي: سفر التكوين؛ وفيه الكلام عن بدء الخليقة، وأخبار بعض الأنبياء، وسفر الخروج، وسفر اللاويين أو الأخبار، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع، ويقال: التثنية فقط ... " ١.
ويقرر الشيخ رشيد أن التوراة الحالية تشهد بما قرره القرآن من وقوع التحريف فيها، ويستدل على ذلك بأدلة منها:
أولاً: أنه لم يقم دليل على أن موسى هو الذي كتب هذه التوراة، بل قام الدليل عند الباحثين من الأوروبيين على أنها كتبت بعده بمئات السنين. قال الشيخ رشيد: "ولا تعرف اللغة التي كتبت بها التوراة أول مرة، ولا دليل على أن موسى ﵇ كان يعرف اللغة العبرانية وإنما كانت لغته مصرية، فأين التوراة التي كتبها بتلك اللغة ومن ترجمها عنه؟ " ٢.
والحق ما قاله الشيخ رشيد، فمن المعقول جداً أن تكون التوراة التي نزلت على موسى المصري هي بلسان قومه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ٣ وإلا فكيف يخاطب موسى فرعون والمصريين بلغة عبرانية لا يفهمونها، والأقرب أن موسى كان هو وقومه من بني إسرائيل يتكلمون المصرية القديمة، من أن يتكلم المصريون، الذين كانوا يعدون بني إسرائيل عبيداً لهم، لغة هؤلاء العبيد. إلا أنني لم أجد أحداً أشار إلى هذه الملاحظة غير رشيد رضا، والجميع يقولون إن التوراة دونت باللغة العبرية لغة إسرائيل ٤.
ثانياً: أن النسخة التي كتبها موسى فقدت، وكان عندهم قراطيس
стр. 654
متفرقة ـ يبدونها ويخفون كثيراً منها ـ فأرادوا أن يؤلفوا بين الموجود فجاء فيه ذلك الخلط، وقد وقعت هذه المحاولة بعد موسى بعدة مئات من السنين ١.
ثالثاً: أن الإلهام الذي ادعوا أن عزرا جمع تلك الكتب بناءً عليه ويحتجون بذلك على صدقها وسلامتها، لا سبيل إلى إقامة البرهان عليه. "وهو مما يحتاج فيه إلى جمع ما في أيدي الناس الذين لا ثقة بنقلهم، ولو جمع عزرا بالإلهام الصحيح لكتب شريعة موسى مجردة عن الأخبار التاريخية، ومنها ذكر كتابته لها ووضعها في جانب التابوت وذكر موته وعدم مجيء مثله ٢.
رابعاً: أن علماء أوروبا قد قرروا أن أسفار التوراة كتبت بأساليب مختلفة ولا يمكن أن تكون كتابة واحد ٣.
خامساً: اشتمال التوراة الحالية على حوادث وقعت بعد موسى أي: أن موسى لا يمكنه كتابتها، ومنها خبر موته، وكونه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله "فهذان الخبران عن كتابة موسى للتوراة وعن موته معدودان عندهم من التوراة وما هما في الحقيقة من الشريعة المنزلة على موسى" ٤.
غير أن الشيخ رشيد يقرر أن التوراة الحالية لا بد أن تكون مشتملة على بعض الحقائق "لأن القرآن يقول في اليهود: إنهم أوتوا نصيباً من الكتاب ٥، كما يقول: إنهم نسوا حظاً مما ذكروا به ٦ ولأنه يستحيل أن تنسى تلك الأمة بعد فقد كتاب شريعتها جميع أحكامها، فما كتبه عزرا
стр. 655
وغيره مشتمل على ما حفظ منها إلى عهده وعلى غيره من الأخبار، وهذا كاف في الاحتجاج على بني إسرائيل بإقامة التوراة وللشهادة بأن فيها حكم الله كما في سورة المائدة ١، وبهذا يجمع بين الآيات الواردة في التوراة وبين المعقول والمعروف في تاريخ القوم" ٢.
стр. 656
المبحث الثالث: الإنجيل:
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ ١. وقد عرف الشيخ رشيد الإنجيل بحسب اللغة، ثم عرفه بحسب اصطلاح النصارى والمسلمين، فقال عن معنى الإنجيل في اللغة: "أما لفظ الإنجيل فهو يوناني الأصل، ومعناه: البشارة، قيل: والتعليم الجديد ... " ٢.
وكانت البشرى هي أهم ما احتواه الإنجيل، وأهم ما أخبر عنه المسيح ﵇ ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٣.
وأما الإنجيل في اصطلاح القرآن فهو ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ: "ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى بن مريم ﵊ من البشارة بالنبي الذي يتمم الشريعة والحكم والأحكام وهو ما يدل عليه اللفظ ... " ٤.
والإنجيل "يطلق عند النصارى على أربعة كتب تعرف بالأناجيل الأربعة وعلى ما يسمونه العهد الجديد وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال
стр. 657
الرسل (أي الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا ... " ١.
ومن الفرق بين الاصطلاحين ـ الإسلامي والمسيحي ـ يتبين أن النصارى لا يقولون إن هذه الأناجيل نزلت من السماء ـ كما هو المفهوم من تعبير القرآن، بل إنهم يقولون: إنها كتبت بأيدي تلامذته لتحوي سيرته التي شاهدوها، فهي ـ وكما يقول الشيخ رشيد: " ... عبارة عن كتب وجيزة في سيرة المسيح ﵇ وشيء من تاريخه وتعليمه، ولهذا سميت أناجيل وليس لهذه الكتب سند متصل عند أهلها، وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة ... " ٢.
وفيما يتعلق أيضاً بتاريخ كتابة هذه الكتب يقول الشيخ رشيد: "وأما كتب النصارى فلم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الرابع للمسيح، لأن أتباعالمسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما آمنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سياسة ظهرت كتبهم ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرة فتحكم فيها الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة ... " ٣.
فالمسلمون يقولون إن الإنجيل هو موحى به من الله تعالى، بينما يقول النصارى إنها كتب ألفت لتحتوي سيرة المسيح، كتبها تلامذته. والحق أن نصوص الإنجيل ـ الحالي ـ تشهد لقول المسلمين. إن المسيح نفسه قال ـ بحسب الإنجيل المتداول ـ إن الإنجيل أوحي إليه من عند الله كما يعتقد المسلمون وخاطبه به جبريل الأمين، فقال: "الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم" ٤. ويقول بولس: "كل الكلام هو موحى به من عند الله" ٥.
стр. 658
وتشير الأناجيل المتداولة الآن إلى إنجيل آخر مفقود، هو إنجيل المسيح، وهو بالضرورة مختلف عن الأناجيل الموجودة حالياً والمنسوبة إلى كاتبيها ١.
وهذا هو ما أراد الشيخ رشيد أن يقرره بقوله: "الإنجيل في الحقيقة واحد، وهو ما جاء به المسيح ﵇ من الهدى والبشارة بخاتم النبيين ﷺ وهو ما كان يدور ذكره على ألسنة كتاب تلك التواريخ الأربعة وغيرهم حكاية عن المسيح وعن ألسنتهم أنفسهم. قال متى حكاية عنه "الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها" ٢، أي ما فعلته المرأة التي سكبت قارورة الطيب على رأسه. أوجب عليهم أن يخبروا كل من يبلغونهم الإنجيل في عالم اليهودية كلها بما فعلته تلك المرأة، فخبر تلك المرأة ليس من الإنجيل الذي جاء في كلام المسيح وقد ذكر في تلك التواريخ امتثالاً لأمره. وسميت تلك التواريخ أناجيل لأنها تتكلم عن إنجيل المسيح وتجيء بشيء منه. ولذلك بدأ مرقس تاريخه بقوله "بدء إنجيل يسوع المسيح" ٣ ثم قال حكاية عن المسيح "فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" ٤ فالإنجيل الذي أمر الناس أن يؤمنوا به ليس هو أحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها. وهو الذي سماه بولس في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي ٥ "الإنجيل" المطلق (٢: ٤) وإنجيل الله (٢: ٨ و٩) وإنجيل المسيح (٣: ٢) ... " ٦.
وتحدث الشيخ رشيد باستفاضة عن تاريخ هذه الأناجيل وعن أدلة
стр. 659
وظروف تحريفها وضياعها، وعن أسباب عدم الثقة فيها. والحق أن للشيخ رشيد بحوثاً وتحقيقات هامة وطويلة في مقارنة الأديان وتاريخها تستحق أن تدرس على حدة، وأسأل الله تعالى أن ينسأ في أجلي وأن يوفقني لبيان جهود رشيد رضا في "مقارنة الأديان وتاريخها" والله تعالى ولي التوفيق.
стр. 660
الفصل الثالث: الإيمان بالرسل
تمهيد
...
تمهيد:
إرسال الرسل لوازم ربوبية الله تعالى لخلقه، لأنه لا يحسن أن يترك عباده سدى هملاً لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم ١.والإيمان بالنبوة والرسالة ينبني على الإيمان بالربوبية والإلهية، فلا يخاطب بها إلا من يؤمن بالله تعالى وصفاته من العلم والحكمة والمشيئة ٢. وبالتالي فقد أصاب النبوة مثل ما أصاب الربوبية في هذا العصر الحديث، فالنبوة في العصر الحديث لا تزيد على مرتبة العبقرية، عند الكتّاب والأدباء، كما أنهما عند الشيخ محمد عبده غير النبوة المعروفة في الإسلام، إذ أنه يعرف النبي بأنه: "إنسان فطر على الحق علماً وعملاً، بحيث لا يعلم إلا حقاً ولا يعمل إلا حقاً على مقتضى الحكمة ... " ٣. فهذه هي النبوة عند الكتاب والفلاسفة في العصر الحديث.
ولقد كان آخر مؤلفات الشيخ رشيد، وأحبها إليه، كتاب يبحث في هذا الموضوع دون غيره، وهو كتاب "الوحي المحمدي". فلدينا إذاً مادة غزيرة في مبحث النبوات عند الشيخ رشيد، أعرض لأهمها في ما يلي.
стр. 661
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول:
الرسول في لغة العرب مشتق من الإرسال، ومعناه: البعث والتوجيه، فإذا بعثت أحداً في مهمة؛ فهو رسولك فيها، كما قال تعالى عن ملكة سبأ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ١. ويجمع الرسول على أرسل ورسل، ورسلاء، وسمي الرسل بذلك لأنهم مبعوثون وموجهون من قبل الله عزوجل لتبليغ الخلق أمر الله تعالى ووحيه ٢.
وأما النبي في اللغة فهو من النَّبْوَة أي: الرفعة، وسمي نبياً لرفعة محله عن سائر الناس. والنبوة والنباوة: الارتفاع، ومنه قيل: نبا بفلان مكانه، كقوله: قضّ عليه مضجعه ٣. وقد تكون من النبأ ـ بالهمز ـ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة الذي يحصل به العلم أو الظن، وسمي النبي لكونه منبئاً بما تسكن إليه العقول الزكية ٤.
ولقد عرّف رشيد رضا النبي في اللغة والاصطلاح، فقال عن "النبي" لغة: "والنبي في اللغة فعيل من مادة النبأ، بمعنى الخبر المهم العظيم الشأن
стр. 662
أو بمعنى الارتفاع وعلو الشأن، والأول أظهر، وأكثر العرب لا تهمزه، بل نقل أنه لم يهمزه إلا أهل مكة ... " ١.
وقال في موضع آخر: "النبيءُ في اللغة العربية: وصف من النبأ، وهو الخبر المفيد لما له شأن مهم، ويصح فيه معنى الفاعل والمفعول، لأنه منبئٌ عن الله ومنبأٌ منه، والنبيّ بالتشديد أكثر استعمالاً ... " ٢.
فيظهر من هذا موافقة رشيد رضا في المعنى اللغوي لما عليه أهل اللغة ٣.
وأما معنى النبي في الاصطلاح، فقد تعددت أقوال العلماء فيه، والذي اختاره شيخ الإسلام: أن " النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ عما أنبأ الله به. فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ٤، فذكر إرسالاً يعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره الله بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح ... " ٥.
وأما رشيد رضا فقد وقفت له على تعريفين لمعنى النبي في الاصطلاح الشرعي.
الأول: هو التعريف المشهور، وهو: "من أوحى الله إليه وحياً فإن أمره بتبليغه كان رسولاً، فكل رسول نبي وما كل نبي رسولاً" ٦. وقد اعْتُرِضَ على هذا التعريف بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا
стр. 663
نَبِيٍّ﴾ الآية ١. لأنها تدل على أن كلاً منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير ٢. لكن للشيخ رشيد تعريف آخر، يقترب فيه من تعريف ابن تيمية الذي سبق ذكره، فقد قال معرفاً له: "وأما في الاصطلاح فالنبي من أوحى الله إليه وأنبأه بما لم يكن يعلمه بكسبه من خبر أو حكم، يعلم به علماً ضرورياً أنه من الله عزوجل، والرسول نبي أمره الله بتبليغ شرع ودعوة دين وبإقامته، بالعمل، ولا يشترط في الوحي إليه أن يكون كتاباً يقرأ وينشر ولا شرعاً جديداً يعمل به ويحكم بين الناس. بل قد يكون تابعاً لشرع غيره كله، كالرسل من بني إسرائيل كانوا متبعين لشريعة التوراة ... ، وقد يكون ناسخاً لبعضه كما نسخ عيسى ﵇ بعض أحكام التوراة ... ، وجملة القول أن الرسول أخص في عرف شرعنا من النبي، فكل رسول نبي ولا عكس ... " ٣.
وكون الرسول أخص من النبي هو المتفق عليه، وإنما الخلاف في وجه هذه الخصوصية. وتعريف ابن تيمية السابق هو الأقرب، وقد اقترب منه رشيد رضا ٤.
ولقد ذكر رشيد رضا تعريف النبي لغة واصطلاحاً عند أهل الكتاب فقال: "إن معنى أصل مادته في العبرانية القديمة: المتكلم بصوت جهوري مطلقاً، أو في الأمور التشريعية ... " ٥.
وأما اصطلاحاً فهو "يطلق عند أهل الكتاب على الملهم الذي يخبر بشيء من أمور الغيب المستقبلة" ٦.
ويشير رشيد رضا إلى مسألة "ختم النبوة" مستشهداً بقوله تعالى: ﴿مَا
стр. 664
كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ فيقول: إنه "يدل على انقطاع النبوة والرسالة معاً بعد محمد ﷺ " ٢، وذلك بناءً على كون النبوة أعم من الرسالة.
ويقرر رشيد رضا أن النبوة فضل من الله تعالى، ليس لأحد فيها شيء، ولا هي من نوع العبقريات، فيقول: "الرسالة فضل من الله تعالى يختص به من يشاء من خلقه، ولا ينالها أحد بكسبه، ولا يتوسل إليها بسبب ولا نسب، على أنه لا يختص بهذه الرحمة العظيمة والمنقبة الكريمة إلا من كان أهلاً لها بما أهله هو من سلامة الفطرة وعلو الهمة، وزكاء النفس وطهارة القلب وحب الخير والحق ... " ٣.
ويبين رشيد رضا أن النبوة والرسالة من مقتضى صفات الله تعالى وربوبيته، فيقول: "إن إرسال الرسل وإنزال الكتب شأن من شؤونه سبحانه ومتعلق صفاته في النوع البشري، فإنها من مقتضى الحكمة، وأجل آثار الرحمة ... " ٤.
ويقول: "إن الإيمان بالنبوة والرسالة ينبني على الإيمان بالربوبية والإلهية" ٥.
موقف الناس من الرسل:
ولقد أرسل الله الرسل لهداية الناس إلى سعادة الدارين، ولكن تباينت مواقف الناس من رسل الله تعالى بين مؤمن ومنكر، فيبين الشيخ رشيد هذا وشبهة كل فريق من المنكرين، ثم يبين حكم الإيمان بهم، فيقول أولاً إن العرب كانت تنكر الوحي والرسالة، إلا قليلاً منهم، وكانت شبهتهم في
стр. 665
ذلك: "استبعاد اختصاص الله تعالى بعض البشر بهذا التفضيل على سائرهم وهم متساوون في الصفات البشرية بزعمهم ... " ١.
وقريباً من موقف العرب، يقف اليهود "الذين أنكروا أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده، وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده ... على أنهم وصفوا الأنبياء بالكذب والخداع والاحتيال ... ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم وأثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من البابوات والعباد ... " ٢.
ومن بين هذه المواقف يأتي موقف المسلمين الوسط بين الأمم، فالمسلمون ـ وكما يقول الشيخ رشيد ـ "يؤمنون بأن رب العالمين أرسل في كل الأمم رسلاً هادين مهديين، فهم يؤمنون بهم إجمالاً، وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلاً ... فالمسلم صديق ومحب وحبيب لجميع الأنبياء والمرسلين في الدنيا والآخرة، وتجاه هذا يصح أن يقال: إن غير المسلم عدو لله ولهم كلهم، لأن تكذيب بعضهم تكذيب لرسالتهم ولمرسلهم سبحانه ... " ٣.
والحق ما قال الشيخ رشيد، فإن المسلم هو صاحب أصح موقف بين الأمم باتخاذه الموقف الوسط بينها في الإيمان بجميع رسل الله تعالى، وعدم تفريقه بينهم بالإيمان ببعضهم والكفر ببعضهم، وفي هذا يقول الشيخ رشيد: "ومما بينه القرآن في مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى وعدم التفرقة بينهم في الإيمان، وأن الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلهم لأن إضافتهم إلى الله تعالى واحدة ... قال تعالى في خواتيم سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٤، وبين في
стр. 666
سورة النساء أن التفرقة بينهم في الإيمان هي الكفر حق الكفر، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان ١ ... وقد انفرد بهذه الحقيقة العادية المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل ... " ٢.
وموقف المسلمين هذا يستند إذاً إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما سداه ولحمته، ولذلك جاء موقفها هذا موقفاً معتدلاً وسطاً، لا غلو فيه ولا إفراط ٣
стр. 667
المبحث الثاني: الحاجة إلى الوحي والنبوة:
لا شك أن النبوة ضرورة من ضرورات حياة البشر، لا غنى عنها بحال من الأحوال، فحاجة البشرية إلى النبوة، كحاجة الحياة إلى الروح، وأنهم ـ أي الرسل ـ من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص. قال ابن القيم ﵀ مبيناً حاجة العباد إلى الأنبياء والرسل: " ... ومن ههنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم ... فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير ... " ١.
وقد ذهب قوم إلى أن البشر يستغنون عن الدين في انتظام شملهم وقوام مدنيتهم وأن الإنسان يمكن أن يصل بعقله إلى ما فيه سعادته من غير وحي إلهي ولا إرشاد سماوي اكتفاء بالعقل والمشاعر والوجدان والإلهام التي وهبها له مدبر الكون ٢. ويقولون أيضاً: ها هو ذا الدين الذي يقال أنه جامع الكلمة ورسول المحبة كان سبباً في الشقاق والخلاف ٣.
стр. 668
وقد بين الشيخ رشيد حاجة البشر إلى الرسالة وأجاب عن شبهات المنكرين لهذه الحاجة. قال: "وجه حاجة البشر إلى هداية الأنبياء ﵈ في الجملة: أن موضوع رسالتهم المقصود بالذات، أو القصد الأول ثلاثة أمور، لا تستقل معارفهم المكتسبة بحواسهم وعقولهم بها، ولا يذعنون فيها إلا لأمر ربهم وخالقهم:
أحدها: الإيمان بالغيب ورأسه توحيد الله وصفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب من عبادته وشكره وذكره الذي هو أعلى ما تتزكى به الأنفس، وتتطهر من أدران مساويها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها، ويليه الإيمان بملائكته وما يناط بهم من الوحي والنظام في الخلق والأمر ويجب الوقوف في ذلك عند ما ورد به النص....
ثانيها: ما يجب اعتقاده من البعث بعد الموت والحساب والجزاء على الإيمان والأعمال، وهو أكبر البواعث ـ بعد الإيمان بالله ومعرفته ـ على اتباع ما شرعه من اتباع الحق، وإقامة العدل، وأعمال البر والخير والصدود عن أضدادها.
ثالثها: وضع حدود وأصول للأعمال التشريعية المشار إليها لا مجال للآراء والأهواء فيها، لتكون جامعة للكلمة، مانعة من التفرقة، متبعة في السر والعلانية ... " ١. ويبين رشيد رضا ـ مُفصِلاً ومؤكداً لهذا المعنى ـ إن حاجة البشر إلى الوحي تظهر في جهتين: الدنيا والآخرة؛ فأما في الدنيا فمن حيث أن الإنسان يعيش في جماعة ـ وقد أودع في كل فرد من أفرادها ما يقتضي التباين والتنازع، ولا يتم لنوع الإنسان ارتقاؤه ولا بقاؤه مع هذه الغرائز المتعارضة، فمن ثم كان محتاجاً إلى إرشاد يوفق بين آثار هذه الغرائز وعوارضها، بما يذهب بتعارضها، ويعرف كل فرد من الأفراد حده، ويجعل له من نفسه وازعاً يوقفه عنده، ولم تكمل له هذه الحاجة إلا بالدين ٢. وأما سعادة الآخرة فلا طريق إليها إلا الرسل ﵈ فهم أولاً: يخبرون
стр. 669
بها ويؤكدون ما فطر عليه الإنسان من الإحساس بوقوعها، ثم يبينون السبيل للفوز بنعيمها وسعادتها ١.
وأما كون الدين لم يرفع الشقاق، بل ربما كان سبباً فيه، وهي من الشبه التي يلقيها منكرو الوحي والرسالة، فيجيب عنها الشيخ بقوله: " ... نعم كل ذاك قد كان ولكن بعد زمن الأنبياء، وانقضاء عهدهم ووقوع الدين في أيدي من لا يفهمه أو يفهمه ويغلو فيه ولكن لم يمتزج حبه بقلبه، أو امتزج بقلبه حب الدين ولكن ضاقت سعة عقولهم عن تصريفه تصريف الأنبياء ... وإلا فقل لنا: أي نبي لم يأت أمته بالخير الجم، والفيض الأعم، ولم يكن دينه وافياً بجميع ما تمس إليه حاجتها في أفرادها وجملتها ... وكذلك الرسل ﵈ أعلام هداية نصبها الله على طريق النجاة، فمن الناس من اهتدى بها فانتهى إلى غايات السعادة، ومنهم من غلط في فهمها وانحرف عن هديها فانكب في مهاوي الشقاء، فالدين هاد والنقص يعرض لمن دُعوا إلى الاهتداء به ... " ٢.
إن الرسل دعوا إلى كل خير، وتفاوتت الأمم في إجابة دعواتهم، دعت الرسل للتوحيد فأجابهم بعض وأعرض بعض وضل بعدهم آخرون، ودعوا إلى التآلف فعاش فيه الناس حقبة من الدهر ثم نكصوا على أعقابهم، ولو كان الناس على عهد الأنبياء لما وردت مثل هذه الشبهة على الحاجة إلى الوحي والرسالة.
ولم يقف الشيخ رشيد عند إثبات الحاجة إلى الوحي والرسالة، إذ قد يقال: "إن الحاجة إلى الشيء لا تستلزم وقوعه، وكذا إمكانه وعدم استحالته عقلاً لا يقتضي حصوله" ٣، فذهب الشيخ رشيد ليثبت أيضاً وقوع الوحي والرسالة، بالأدلة والبراهين، بما لا يدع مجالاً للشك في وقوعها ٤.
стр. 670
العقل والوحي:
ومن الشبهات التي يطلقها الملحدون بين حين وآخر ويلبسون بها على الأغرار والدهماء دعوى كفاية العقول البشرية عن الرسل ـ لا سيما بعد رقيها في سلم الحكمة والمعرفة في الاستقلال بوضع ما يكفل سعادة الإنسان، لا سيما وقد قررنا أن معرفة الله تعالى أمر فطري ١، وإن بعض الحكماء المفكرين قد ارتقوا في المعارف العقلية إلى حيث أقاموا البراهين على وجود الله تعالى وحكمته وعلمه، ووجوب تعظيمه وشكره، بل قد قرر بعضهم وجوب بقاء النفس بعد الموت، وقد أثبت التاريخ أن من هؤلاء من وضع أصولاً للفضائل والشرائع، والآداب التي تكفل سعادة الإنسان.
هكذا يعرض الشيخ رشيد هذه الدعوى ثم يجيب عليها بقوله: " ... نعم لكل ذلك أصل يثبته التاريخ الماضي، ويشهده العصر الحاضر، ولكن بين هداية الأنبياء وحكمة الحكماء وعلومهم فروقاً في مصدر كل منها، وفي الثقة بصحته، وفي الإذعان لحقيقته، وفي تأثيره في أنفس جميع طبقات المخاطبين. فحكمة الحكماء وعلومهم آراء بشرية ناقصة؛ وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود مجهول، وهي عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة مخصوصة من الناس، وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحتها يرجحها على هواه وشهواته، إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد، لأن النوع البشري يأبى طبعه وغريزته أن يدين ويخضع خضوع التعبد لمن هو مثله في بشريته، وإن فاقه في علمه وحكمته، وإنما يدين لمن يعتقد أن له سلطاناً غيبياً عليه، بما يملكه من القدرة على النفع والضر بذاته دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس بحسب سنن الكون ونظامه.." ٢. ولقد وجد ـ على طول التاريخ وعرضه ـ حكماء وفلاسفة و "عقلاء" دعوا الناس إلى الفضيلة والحكمة، ولكنهم ذهبوا أثراً بعد عين،