← Акыда

Акыда · id 7251

منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة

تامر محمد محمود متولي

Полный текст (934 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

سورة النساء أن التفرقة بينهم في الإيمان هي الكفر حق الكفر، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان ١ ... وقد انفرد بهذه الحقيقة العادية المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل ... " ٢. وموقف المسلمين هذا يستند إذاً إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما سداه ولحمته، ولذلك جاء موقفها هذا موقفاً معتدلاً وسطاً، لا غلو فيه ولا إفراط ٣

стр. 667

المبحث الثاني: الحاجة إلى الوحي والنبوة: لا شك أن النبوة ضرورة من ضرورات حياة البشر، لا غنى عنها بحال من الأحوال، فحاجة البشرية إلى النبوة، كحاجة الحياة إلى الروح، وأنهم ـ أي الرسل ـ من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص. قال ابن القيم ﵀ مبيناً حاجة العباد إلى الأنبياء والرسل: " ... ومن ههنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم ... فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير ... " ١. وقد ذهب قوم إلى أن البشر يستغنون عن الدين في انتظام شملهم وقوام مدنيتهم وأن الإنسان يمكن أن يصل بعقله إلى ما فيه سعادته من غير وحي إلهي ولا إرشاد سماوي اكتفاء بالعقل والمشاعر والوجدان والإلهام التي وهبها له مدبر الكون ٢. ويقولون أيضاً: ها هو ذا الدين الذي يقال أنه جامع الكلمة ورسول المحبة كان سبباً في الشقاق والخلاف ٣.

стр. 668

وقد بين الشيخ رشيد حاجة البشر إلى الرسالة وأجاب عن شبهات المنكرين لهذه الحاجة. قال: "وجه حاجة البشر إلى هداية الأنبياء ﵈ في الجملة: أن موضوع رسالتهم المقصود بالذات، أو القصد الأول ثلاثة أمور، لا تستقل معارفهم المكتسبة بحواسهم وعقولهم بها، ولا يذعنون فيها إلا لأمر ربهم وخالقهم: أحدها: الإيمان بالغيب ورأسه توحيد الله وصفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب من عبادته وشكره وذكره الذي هو أعلى ما تتزكى به الأنفس، وتتطهر من أدران مساويها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها، ويليه الإيمان بملائكته وما يناط بهم من الوحي والنظام في الخلق والأمر ويجب الوقوف في ذلك عند ما ورد به النص.... ثانيها: ما يجب اعتقاده من البعث بعد الموت والحساب والجزاء على الإيمان والأعمال، وهو أكبر البواعث ـ بعد الإيمان بالله ومعرفته ـ على اتباع ما شرعه من اتباع الحق، وإقامة العدل، وأعمال البر والخير والصدود عن أضدادها. ثالثها: وضع حدود وأصول للأعمال التشريعية المشار إليها لا مجال للآراء والأهواء فيها، لتكون جامعة للكلمة، مانعة من التفرقة، متبعة في السر والعلانية ... " ١. ويبين رشيد رضا ـ مُفصِلاً ومؤكداً لهذا المعنى ـ إن حاجة البشر إلى الوحي تظهر في جهتين: الدنيا والآخرة؛ فأما في الدنيا فمن حيث أن الإنسان يعيش في جماعة ـ وقد أودع في كل فرد من أفرادها ما يقتضي التباين والتنازع، ولا يتم لنوع الإنسان ارتقاؤه ولا بقاؤه مع هذه الغرائز المتعارضة، فمن ثم كان محتاجاً إلى إرشاد يوفق بين آثار هذه الغرائز وعوارضها، بما يذهب بتعارضها، ويعرف كل فرد من الأفراد حده، ويجعل له من نفسه وازعاً يوقفه عنده، ولم تكمل له هذه الحاجة إلا بالدين ٢. وأما سعادة الآخرة فلا طريق إليها إلا الرسل ﵈ فهم أولاً: يخبرون

стр. 669

بها ويؤكدون ما فطر عليه الإنسان من الإحساس بوقوعها، ثم يبينون السبيل للفوز بنعيمها وسعادتها ١. وأما كون الدين لم يرفع الشقاق، بل ربما كان سبباً فيه، وهي من الشبه التي يلقيها منكرو الوحي والرسالة، فيجيب عنها الشيخ بقوله: " ... نعم كل ذاك قد كان ولكن بعد زمن الأنبياء، وانقضاء عهدهم ووقوع الدين في أيدي من لا يفهمه أو يفهمه ويغلو فيه ولكن لم يمتزج حبه بقلبه، أو امتزج بقلبه حب الدين ولكن ضاقت سعة عقولهم عن تصريفه تصريف الأنبياء ... وإلا فقل لنا: أي نبي لم يأت أمته بالخير الجم، والفيض الأعم، ولم يكن دينه وافياً بجميع ما تمس إليه حاجتها في أفرادها وجملتها ... وكذلك الرسل ﵈ أعلام هداية نصبها الله على طريق النجاة، فمن الناس من اهتدى بها فانتهى إلى غايات السعادة، ومنهم من غلط في فهمها وانحرف عن هديها فانكب في مهاوي الشقاء، فالدين هاد والنقص يعرض لمن دُعوا إلى الاهتداء به ... " ٢. إن الرسل دعوا إلى كل خير، وتفاوتت الأمم في إجابة دعواتهم، دعت الرسل للتوحيد فأجابهم بعض وأعرض بعض وضل بعدهم آخرون، ودعوا إلى التآلف فعاش فيه الناس حقبة من الدهر ثم نكصوا على أعقابهم، ولو كان الناس على عهد الأنبياء لما وردت مثل هذه الشبهة على الحاجة إلى الوحي والرسالة. ولم يقف الشيخ رشيد عند إثبات الحاجة إلى الوحي والرسالة، إذ قد يقال: "إن الحاجة إلى الشيء لا تستلزم وقوعه، وكذا إمكانه وعدم استحالته عقلاً لا يقتضي حصوله" ٣، فذهب الشيخ رشيد ليثبت أيضاً وقوع الوحي والرسالة، بالأدلة والبراهين، بما لا يدع مجالاً للشك في وقوعها ٤.

стр. 670

العقل والوحي: ومن الشبهات التي يطلقها الملحدون بين حين وآخر ويلبسون بها على الأغرار والدهماء دعوى كفاية العقول البشرية عن الرسل ـ لا سيما بعد رقيها في سلم الحكمة والمعرفة في الاستقلال بوضع ما يكفل سعادة الإنسان، لا سيما وقد قررنا أن معرفة الله تعالى أمر فطري ١، وإن بعض الحكماء المفكرين قد ارتقوا في المعارف العقلية إلى حيث أقاموا البراهين على وجود الله تعالى وحكمته وعلمه، ووجوب تعظيمه وشكره، بل قد قرر بعضهم وجوب بقاء النفس بعد الموت، وقد أثبت التاريخ أن من هؤلاء من وضع أصولاً للفضائل والشرائع، والآداب التي تكفل سعادة الإنسان. هكذا يعرض الشيخ رشيد هذه الدعوى ثم يجيب عليها بقوله: " ... نعم لكل ذلك أصل يثبته التاريخ الماضي، ويشهده العصر الحاضر، ولكن بين هداية الأنبياء وحكمة الحكماء وعلومهم فروقاً في مصدر كل منها، وفي الثقة بصحته، وفي الإذعان لحقيقته، وفي تأثيره في أنفس جميع طبقات المخاطبين. فحكمة الحكماء وعلومهم آراء بشرية ناقصة؛ وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود مجهول، وهي عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة مخصوصة من الناس، وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحتها يرجحها على هواه وشهواته، إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد، لأن النوع البشري يأبى طبعه وغريزته أن يدين ويخضع خضوع التعبد لمن هو مثله في بشريته، وإن فاقه في علمه وحكمته، وإنما يدين لمن يعتقد أن له سلطاناً غيبياً عليه، بما يملكه من القدرة على النفع والضر بذاته دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس بحسب سنن الكون ونظامه.." ٢. ولقد وجد ـ على طول التاريخ وعرضه ـ حكماء وفلاسفة و "عقلاء" دعوا الناس إلى الفضيلة والحكمة، ولكنهم ذهبوا أثراً بعد عين،

стр. 671

ولم يستجب لهم من الناس إلا أفذاذ أو أفراد، ثم ذهبت معهم دعوتهم، فاتخذت لنفسها مكاناً معهم في أجداثهم، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟. وأين علوم الأنبياء من علوم الحكماء؟ لقد أتى الأنبياء بعلوم وحقائق مات بحسرتها الفلاسفة، وما بلغوا شيئاً منها، وما أتوا إلا بجهالات وسفسطات. يقول الشيخ رشيد: " ... فمن أعظم مزايا الوحي الدينية على العلمية الكسبية أن جميع طبقات المؤمنين بها يذعنون لها بالوازع النفسي التعبدي، فبذلك تكون عامة ثابتة لا مجال للخلاف والتفرق فيها، ما دام الفهم لها صحيحاً، والإيمان بها راسخاً، ولذلك نرى الشعوب التي ساء فهمها للدين وتزلزل إيمانها به أو زال، لا ينفعها من دونه علوم العلماء ولا حكمة الحكماء، وقد ارتقت العلوم والحكمة في هذا العصر، وعم انتشارها بما لم يعرف مثله في عصر آخر، وهم لا يذعنون في أنفسهم لإرادة ملك أو أمير، ولا لرأي عالم نحرير، ولا فيلسوف شهير، ولا مشرع خبير، بل صاروا إلى فوضى في الأخلاق والآداب والاجتماع، واستباحة الأموال والأعراض، وكذا الدماء لم يعهد لها في البشر نظير، صارت بها الأمم والدول عرضة لفتنة في الأرض وفساد كبير ... " ١. وبهذا يبطل رشيد رضا كل الشبه التي قد توجه إلى عدم حاجة البشر إلى الوحي، ويثبت أن هذه الحاجة كانت شديدة، وأننا اليوم بحاجة إلى هداية الأنبياء ـ ولا نبي بعد محمد ﷺ فلا بد إذن من الرجوع إلى هديه والاهتداء برسالته، وهو ما ألف رشيد رضا كتابه "الوحي المحمدي" من أجله.

стр. 672

المبحث الثالث: معنى الوحي وأنواعه، وشبهة الوحي النفسي المطلب الأول: تعريف الوحي ... وبعد تعريف النبوة والرسالة وبيان حاجة الناس إليها ووقوعها فعلاً وإزاحة الشبه عنها، يحسن أن نعرف معنى الوحي وأقسامه، ونعرج بعد ذلك إلى تمحيص شبهة الوحي النفسي التي لجأ لها بعض الماديين بعدما تبين لهم ـ بلا ريب ـ صدق الأنبياء وتواترهم بما يحيل كذبهم ـ وقد ركزوا في ذلك على نبينا ﷺ ، وكل ذلك تناوله الشيخ رشيد ـ رحمه الله تعالى ـ. المطلب الأول: تعريف الوحي: عرف رشيد رضا الوحي في اللغة فقال: " ... إنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره، ومنه: الإلهام الغريزي كالوحي إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، كالوحي إلى أم موسى، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ١، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ٢ ... " ٣.

стр. 673

وأما الوحي شرعاً فقد عرفه الشيخ رشيد أيضاً، فقال: " ... هو ما أنزله الله على أنبيائه وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتاباً، أي تشريعاً يكتب ومنهم من لم يعطه ... " ١. أنواع الوحي: ويبين الشيخ رشيد أنواع الوحي معتمداً على قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ ٢، قال: "فالآية الشريفة ناطقة بأن طرق كلام الله لأنبيائه ثلاثة: أحدها الوحي بلا واسطة ... وهذا التلقي قد يكون بالإلهام وعبرت عنه الآية بالوحي المطلق. وهذا الحرف مستعمل في القرآن بمعنى الإلهام كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾ ٣ ... وقال جل ذكره: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ٤ الآية وليس كل موحى إليه بالإلهام الصحيح نبياً أو مرسلاً، بل النبي هو الموحى إليه بالدين الذي يرشد به الناس والرؤيا الصادقة من هذا القسم وكانت أول وحي نبينا ﵊، وأدخل بعضهم الإلقاء في القلب في معنى وحي الإلهام ... ولكن ورد في الحديث ذكر الإلقاء والنفث في الروع مضافاً إلى روح القدس، فيدل على أنه من القسم الثالث وهو الوحي بواسطة الرسول ... " ٥. فهذا النوع الأول هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْياً﴾ . أما النوع الثاني من الوحي فقد قال في تعريفه: " ... والكلام من وراء حجاب: هو أن يسمع كلام الله من حيث لا يراه، كما سمع موسى ﵇ النداء من وراء الشجرة ... " ٦. وأما النوع الثالث فهو الوحي بواسطة

стр. 674

الملك المسمى بالروح القدس، وكما يقول الشيخ رشيد: "فهو ما يلقيه ملك الوحي المرسل من الله إلى رسول الله، فيراه متمثلاً بصورة رجل، أو غير متمثل ويسمعه منه أو يعيه بقلبه" ١.

стр. 675

المطلب الثاني: الوحي النفسي: يتبين لنا من أنواع الوحي السابقة أنها كلها تأتي من خارج نفس الإنسان، في كل نوع منها، أي أنه لم يسر إليها بل هي التي سارت إليه، وأنه لم يصعد إليها بل هي نزلت عليه، وأن الناس لم يعرفوا ربهم بنور العقل بل بنور الوحي. ولكنّ فريقاً من الماديين، وقد أعيتهم حجج النبوة، وبراهين صدق الأنبياء، فلم يكن لهم بد من التسليم بوقوع الوحي، إلا أنهم قالوا إنه وحي من داخل الإنسان، بتأثير عوامل نفسية من نوع الملاحظات والتأملات الفردية، أو من جنس التأثيرات والضرورات الاجتماعية، اللاشعورية. وسموا هذا النوع من الوحي: الوحي النفسي ٢. ويلخص لنا الشيخ محمد رشيد رأي هؤلاء الماديين فيقول مصوراً شبهتهم: "إن الوحي إلهام كان يفيض من نفس الموحى إليه لا من الخارج، وذلك أن منازع نفسه العالية وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة، يكون لها في جملتها من التأثير ما ينجلي في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحلام الروحية فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشاداً إلهياً نازلاً عليه من السماء بدون واسطة ... " ٣. وأول ما أجاب به الشيخ رشيد على هذه الشبهة إيراده لحديث بدء

стр. 676

الوحي في صحيح البخاري ١ ففيه صفة الوحي وكيف كان بدؤه ثم فتوره، وأثر ذلك على النبي ﷺ ، مما يدفع شبهة التخيل والرؤى والوهمية ٢. ثم عقب ذلك بما يراه الشيخ: "أقوى دليلاً، وأقوم قيلاً، وهو موضوع الوحي الذي هو آية نبوته الخالدة، وحجته الناهضة، ومصدر جميع تلك الأنوار الفائقة، وهو آية الله الكبرى ـ القرآن العظيم" ٣، ووجه الشيخ رشيد الكلام هنا إلى هداية القرآن بأسلوبه وتأثيره وعلومه المصلحة للبشر، وهو القدر الذي يعلم منه أن هذه العلوم أهدى من كل ما حفظه التاريخ عن جميع الأنبياء والحكماء، وواضعي الشرائع والقوانين، فإعجازه من هذه الناحية أقوى البراهين على كونه وحياً من الله تعالى تقوم به الحجة على جميع البشر. "ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب الحكيم فهذا القرآن حجة ناهضة على وجوده الحق، بكونه ليس من المعهود في الخلق، وبما اشتمل عليه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق" ٤. وأما ما وصفوا به الأنبياء، لا سيما نبينا ـ عليهم الصلاة والسلام، من صفاء النفس وحب الخير فهو حق، ولكنه استعداد فطري لا كسبي، فهو عبارة عن جعل الله تعالى روحه الكريمة كمرآة صقيلة حيل بينها وبين كل ما في العالم من التقاليد الدينية والأعمال الوراثية والعادات المنكرة ... " ٥. وهذا هو حقيقة الاستعداد الفطري لتلقي الوحي، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٦ وأما الحوادث التي احتج بها هؤلاء الماديين وزعموا أن الوحي النفسي لنبينا ﷺ من جنسها، كقصة جان دارك ٧، فيرد عليها الشيخ

стр. 677

رشيد ـ بعد بسطه لها ـ فيقول: "أين هذه النوبة العصبية القصيرة الزمن، المعروفة السبب، التي لا دعوة فيها إلى علم ولا إصلاح اجتماعي، إلا المدافعة عن الوطن عند الضيق التي هي مشتركة بين الإنسان والحيوان، التي لا حجة تدعمها، ولا معجزة تؤيدها، التي اشتعلت بنفخة وطفئت بنفخة أين هي من دعوة الأنبياء ... إن الأمم التي ارتقت بما أرشدها تعليم الوحي إنما ارتقت بطبيعة ذلك التعليم وتأثيره ... أين حال تلك الفتاة التي كانت كبارقة خفت (أي: ظهرت وأومضت) ثم خفيت، وصيحة علت ولم تلبث أن خفتت، من حال شمس النبوة المحمدية التي أشرقت فأنارت الأرجاء ولا يزال نورها ولن يزال متألق السناء ... لا جرم أن الفرق بين الحالين عظيم ... " ١. إن المقارنة بين هذه الحالة التي احتجوا بها ـ ومثلها ـ وبين حالة الأنبياء وآثارها، هو كالمقارنة بين الثرى والثريا، أو بين السماء والأرض في العلو والسعة، فالأنبياء قد أتوا بالمعجزات وبإصلاح أحوال أممهم، وأحوال الأنبياء لا تخفى على العقلاء. "أنوار التقوى تتلألأ في وجه صاحب المعجزات، وآثار الصلاح تلوح في وجوه أهل الخيرات ... " ٢.

стр. 678

المطلب الثالث: الوحي والنبوة عند أهل الكتاب: تحدث الشيخ رشيد عن معنى الوحي والنبوة عند أهل الكتاب، فنقل تعريفهم لهذين المصطلحين ليقارن بين هذين المفهومين عند المسلمين وأهل الكتاب، فقد نقل عن "قاموس الكتاب المقدس" مع حذفه للشواهد، في معنى كلمة "وحي" ما يلي: "تستعمل هذه اللفظة للدلالة على نبوة خاصة

стр. 679

بمدينة أو شعب" وجاء في جزء (١٢: ١٠) "هذا الوحي هو الرئيس" أي: أنه آية للشعب، وعلى العموم يراد بالوحي الإلهام ... وهو حلول روح الله في روح الكتاب الملهمين ... " ١. وأما كلمة "نبي" فقد نقل ما يلي: "النبوة لفظة تفيد معنى الإخبار عن الله وعن الأمور الدينية ولا سيما عما سيحدث فيما بعد، وسمي هارون نبياً، لأنه كان المخبر والمتكلم عن موسى نظراً لفصاحته (خروج: ٧: ١) أما أنبياء العهد القديم فكانوا ينادون بالشريعة الموسوية، وينبئون بمجيء المسيح، ولما قلت رغبة الكهنة وقل اهتمامهم بالتعليم والعلم في أيام صموئيل أقام مدرسة الرامة ٢، وأطلق عليها تلامذتها اسم "بني الأنبياء" فاشتهر من ثم صموئيل بإحياء الشريعة وقرن اسمه باسم موسى وهارون في مواضع كثيرة من الكتاب، وتأسست أيضاً مدارس أخرى للأنبياء ... وكان يعلم في هذه المدارس تفسير التوراة والموسيقى والشعر ... " ٣. ثم انتقد الشيخ رشيد هذه التعريفات، فقال عن تعريفهم للوحي: بأنه حلول روح الله في روح الملهم إنه تحكم، ويلزم منه أن يكونوا آلهة، إذ المسيح لم يكن إلهاً عند النصارى إلا بحلول الروح فيه ٤. وأما تعريفهم للنبوة: "فيؤخذ منه ما يأتي: "أن أكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا يتخرجون في مدارس خاصة بهم، يتعلمون فيها تفسير شريعتهم التوراة والموسيقى والشعر، وأنهم كانوا شعراء ومغنين وعزافين على آلات الطرب، وبارعين في كل ما يؤثر في الأنفس ويحرك الشعور والوجدان ويثير رواكد الخيال، فلا غرو أن يكون عزر ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل "أرتحشستا" ومغنين له ... فالنبوة على هذا كانت صناعة

стр. 680

تعلم موادها في المدارس، ويستعان على الإقناع بها بالتخييلات الشعرية والإلهامات الكلامية، والمؤثرات الغنائية والموسيقية، والمعلومات المكتسبة فأين هذا من نبوة محمد الأميّ الذي لم يتعلم شيئاً ولم يقل شعراً، وقد جاء مفرداً بأعظم مما جاءوا به كلهم أجمعون مجتمعاً، ... " ١. وكان هذا المفهوم للنبوة سبباً في إنكار الماديين للوحي والأنبياء جميعاً، طالما أن النبوة تعلم في مدارس مع الشعر والموسيقى، فكونها صناعة تنال بالكسب يتنافى مع كونها وحياً من الله تعالى.

стр. 681

المبحث الرابع: عدد الرسل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ... ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية في السور المكية وغيرها، وتسمية هؤلاء الأنبياء الذين نص عليهم في القرآن هي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً٢. وآدم وإدريس وهود وصالح وشعيب ومحمد وذو الكفل ٣ صلى الله تعالى عليهم. ويروى عن ابن عباس وابن مسعود أن إلياس هو إدريس ٤. كما وقع خلاف في "ذو الكفل" فقيل: إنما هو رجل صالح، وتوقف في ذلك ابن جرير، وظاهر سياقه مع الأنبياء أنه منهم ٥.

стр. 682

قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ١. وأما السنة فقد ورد فيها ذكر أنبياء ليسوا في القرآن، منهم: شيث ٢، ويوشع بن نون ٣. ووقع في السنة ذكر عدد الأنبياء والرسل إجمالاً. ولم يرد ذكر أسمائهم كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ٤، فعن أبي ذر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن عدد الأنبياء فقال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، فقلت: يا رسول الله: كم الرسل منهم؟ فقال: ثلاثمائة وثلاثة عشرة جم غفير، وسأله: من أولهم؟ فقال: آدم" ٥. وعن أبي أمامة قال: قال أبو ذر قلت يا رسول الله: كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً" ٦. وقد عقد رشيد رضا فصلاً في تفسيره بحث فيه مسألة عدد الأنبياء صلى الله تعالى عليهم كما أنه أشار إلى هذه المسألة في عدة مناسبات.

стр. 683

فقرر رشيد رضا أن من أصول العقائد الإسلامية أنه يجب الإيمان بأن الله تعالى أرسل في كل الأمم رسلاً منهم من قص على رسولنا ومنهم من لم يقصص عليه، وأنه يجب الإيمان بمن ذكر منهم في القرآن إيماناً تفصيلياً، أي تجب معرفتهم بأسمائهم ١ وهؤلاء الرسل الذين يجب الإيمان بهم تفصيلاً ـ كما يقول رشيد رضا ـ هم المسرودة أسماؤهم في السور المكية وأجمعها آية سورة الأنعام، وآيات قصصهم في سورة هود ٢ والشعراء ٣، والرسل الذين لم يقصصهم الله ﵎، ويجب الإيمانبهم إجمالاً أي دون معرفة أسمائهم وعددهم؛ هم الرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى الأمم المجهولة علمها وتاريخها. قال: " وحسبنا العلم بأن الله تعالى أرسل الرسل في كل الأمم فكانت رحمته بهم عامة لا محصورة في شعب معين احتكرها لنفسه كما كان يزعم أهل الكتاب غير مبالين بكونه لا يليق بحكمة الله، ولا ينطبق على سعة رحمته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤ ... " ٥. ويحدد رشيد رضا أسماء الرسل الذين يجب الإيمان بهم تفصيلاً وهم المذكورون في القرآن فقط، ولكنه يذكر أن العدد المتفق على رسالته منهم هو ثلاثة وعشرون فقط ـ إذا أن هؤلاء هم: "المجمع على وجوب الإيمان برسالتهم" ٦. قال: "فجملة هذه النقول ... أن آدم مختلف في رسالته وأن إدريس مختلف في رسالته وفي كونه هو إلياس المذكور في آيات سورة الأنعام.." ٧. ومع أن رشيد رضا يقر بوجود رسل لم يقصصهم الله تعالى علينا إلا أنه لا يعترف بالعدد الوارد في الأحاديث المشار إليها أول هذا المبحث،

стр. 684

ومنها حديث أبي ذر لأنه ـ كما يقول ـ مختلف فيه بين الضعف والوضع ١. والذي أريد أن أقف عنده هو مسألة نبوة إدريس وآدم. فالذي ورد فيما يتعلق بإدريس ﷺ الخلاف في كونه هو إلياس أو غيره، ولم أر أحداً اختلف في كونه نبياً ولا في كون إلياس نبياً. فقد قال تعالى عن إلياس: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢، وقال عن إدريس: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾ ٣. وقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤، فإن كان رشيد رضا يقصد ـ بناءً على تعريفه للنبوة وأنها أعم من الرسالة ـ أن إدريس نبي وليس رسولاً فالخلاف يتجه على تعريفه هذا ٥. وأما آدم فرشيد رضا يرى أنه ليس نبياً ولا رسولاً، واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... ﴾ ٦ وبحديث أنس في الشفاعة: " ... ولكن ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله" ٧. وأما حديث أبي أمامة: أن رجلاً قال: "يا رسول الله أنبياً كان آدم؟ قال: نعم، معلم مكلم" ٨ فرده لأنه أحادي ٩ وتأول المعلم بالملهم

стр. 685

للخير والصواب ١. ولم يرضَ رشيد رضا بأوجه الجمع التي حاول بها العلماء التوفيق بين الثابت من نبوة آدم وبين ما دلت عليه الآية والحديث من أولية نوح ﵉ ٢، واختار هو طريقاً للجمع فقال: "والذي يتجه في الجمع بغير تكلف هو التفرقة بين هداية من ولدوا على الفطرة وبين بعثة نوح ومن بعده من الرسل إلى من فسدت فطرتهم واختلفوا في الدين الفطري أو في الكتاب الإلهي ... بأن تجعل هذه الهداية الأخيرة هي الرسالة الشرعية التي يسمى من جاءوا بها رسلاً دون الأولى، وبهذا يجمع بين عدة أجوبة مما نقل عن العلماء في رفع التعارض بتوضيح قليل كقول من قال: إنما كانت رسالة آدم إلى بنيه المؤمنين، ورسالة نوح ومن بعده إلى الكافرين، ومن قال: إنما كانت رسالة آدم إلى بنيه من قبيل تربية الوالد لأولاده، وفيهما أن تسميتها رسالة شرعية بالمعنى المراد من الآيات هو الذي يحقق التعارض، فكيف يجعل دافعاً له؟ وأما إذا أثبتنا ما ذكر لآدم ولم نسمه رسالة بالمعنى الشرعي المذكور فإن التعارض يندفع بغير تكلف ... ويكون الخلاف أشبه باللفظي، فهو رسول بالمعنى المشهور عند المتكلمين دون المعنى المتبادر من القرآن والحديث" ٣. فيرى رشيد رضا ـ جمعاً بين ما هو مشهور من نبوة آدم وبين آية النساء وحديث أنس ـ أن آدم في هدايته كان على الفطرة التي خلقه الله عليها، فهي هداية فطرية نشأ عليها ونشأت عليها ذريته إلى زمن نوح، ثم فسدت الفطرة فأرسل الله نوحاً نبياً رسولاً بالمعنى الشرعي الاصطلاحي. فليس آدم نبياً رسولاً كنوح ومن بعده، لذا فإن الله تعالى لم يذكره معهم في سياقهم. وهذا التحقيق يشكل عليه سبق شيث وإدريس، فهما قبل نوح. وقد

стр. 686

يجاب بأن الثلاثة: آدم وشيث وإدريس، كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً، ولكن يشكل عليه حديث أبي ذر الذي صححه ابن حبان ففيه تصريح برسالة شيث، وإنزال الصحف عليه ١. وهو من علامات الإرسال. وأما إدريس فقد سبق القول بأنه قد يكون هو إلياس، وهو متأخر في بني إسرائيل فيندفع ـ لو صح ـ هذا الإشكال ٢. والذي دفع رشيد رضا إلى اتخاذ هذا الموقف من "نبوة آدم" أن أحد طلاب مدرسته "الدعوة والإرشاد" قد تعرض للحكم بالكفر من المحكمة الشرعية بسبب رأيه في نبوة آدم. وقد دافع عنه رشيد رضا في مجلته "المنار" وهاجم المدعين عليه. وإن كانت محكمة الاستئناف الشرعية قد ألغت هذا الحكم، إلا أن رشيد رضا أراد في تفسيره أن يقرر هذا المذهب على نحو ما رأينا ليقول إن طالبه لم يكن مخطئاً. ولأن هذه القضية شغلت مصر يومئذ بين أنصار "نبوة آدم" وأنصار "عدم نبوته بالأدلة القطعية" ٣. اتفاق الأنبياء: هؤلاء الأنبياء ـ صلى الله تعالى عليهم ـ على كثرة عددهم وتباعد أوطانهم وأزمانهم، متفقون في أصل دينهم، وإن اختلفت شرائعهم، إلا أنهم جميعاً متفقون في أصل الدين والدعوة إليه، وهو الإيمان بالله تعالى وتوحيده. وهذا ما قرره رشيد رضا، فقال: "فالرسل ﵈ كانوا متفقين في الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وإنما كانوا يختلفون في تفصيل الأعمال الصالحة والشرائع المصلحة، بحسب اختلاف استعداد أممهم ... " ٤.

стр. 687

وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ قال: "المراد بهذا تقرير وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، وكلاهما متفق عليه بين الأنبياء، فقد كان إبراهيم موحداً صرفاً، وقد كان الأساس الأول لشريعة موسى قول الله له (أنا الرب إلهك لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة مما في السماء من فوق ومما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن) ٢، وعلى هذا درج جميع أنبياء بني إسرائيل حتى المسيح ﵇، وهم لا يزالون ينقلون عنه في إنجيل يوحنا قوله (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) ٣. وغير ذلك من عبارات التوحيد، وكان يحتج على اليهود بعدم إقامتهم ناموس موسى (شريعته) وهو لم ينسخ من هذا الناموس إلا بعض الرسوم الظاهرة كالتشديدات في المعاملة، أمّا الوصايا العشر ـ ورأسها التوحيد والنهي عن الشرك ـ فلم ينسخ منها شيئاً ... " ٤. والذي قرره رشيد رضا هو الصواب، وهو مما اتفقت عليه الأنبياء جميعاً٥. المفاضلة بين الأنبياء: ولا يمنع اتفاق الأنبياء في الدعوة من كونهم متفاضلين في الدرجات. فهناك نصوص صريحة في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبعض الرسل على بعض. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٦، وقال:

стр. 688

﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١ ولكن ما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين قوله ﷺ : "لا تفضلوا بين أنبياء الله" ٢ وقوله: "لا تخيروني على موسى" ٣، وقوله: "لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى" ٤. ولقد قرر رشيد رضا المفاضلة بين الأنبياء، كما أجاب عن التعارض الظاهري بين النصوص في ذلك. قال رشيد رضا مقرراً التفاضل بين الأنبياء: " ... ومن المعلوم بنص القرآن أن بعض الأنبياء والرسل أفضل من بعض، بتخصيص الله تعالى وبما كان لكل نبي من عمل في نفع العباد وهدايتهم وهي متفاوتة جداً ... " ٥. فالسبب في هذا التفاضل كما يشير رشيد رضا في النص السابق: أمران: الأول: تخصيص الله تعالى لهؤلاء الأنبياء بهذا الفضل، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ٦ وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٧. الثاني: الأثر والنفع الذي يتركه النبي في أمته، ومقدار هدايته لهم، وكثرة أتباعه منهم. وبناءً على هذين الأمرين نستطيع أن نقرر باطمئنان أن نبينا ﷺ هو أرفع هؤلاء الأنبياء درجة ـ صلى الله تعالى عليهم ـ وهو ما يقرره رشيد رضا فيقول: "ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية أن محمداً

стр. 689

خاتم النبيين الذي أكمل الله به الدين وأرسله رحمة للعالمين، هو الذي رفعه الله عليهم كلهم درجات ... " ١. ويشير رشيد رضا إلى وجه آخر لتفضيل نبينا ﷺ وهو عموم بعثته للعالم أجمع فهو صاحب الدين الكامل والخاتم، والرحمة العامة ٢. وأما الأدلة على هذا فهي من الكتاب والسنة. وإن كانت آيات الكتاب لا تنص صراحة على هذا المعنى إلا أنها تشير إليه إشارة لا تنطبق على غيره ٣ منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤ قال رشيد رضا: "ولم يجئ رسول يصدق عليه ما ذكر غير محمد ﷺ ومن ثم اتفقوا على أنه هو" ٥، ومن هذه الآيات كذلك: الآيات التي تشير إلى عموم بعثته ﷺ وكونه خاتم النبيين ٦. وأما أدلة السنة فهي كثيرة وصريحة، منها قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي: آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" ٧. وكان ينبغي لرشيد رضا أن يستدل بهذا الحديث أيضاً على نبوة آدم. ثم يجمع رشيد رضا بين هذه النصوص والنصوص التي تنهى عن المفاضلة، فيقول: إن هذه النصوص وردت على سبب والغرض منها: "منع المسلمين من تنقيص أحد من الأنبياء ﵈ ومن التعادي بين

стр. 690

الناس لأجله، ومن الغلو فيه ﷺ " ١. وكون بعض هذه النصوص ورد على سبب هو الصحيح ٢. وأما قوله ﷺ : "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" ٣ وقوله: "لا تفضلوني على يونس بن متى" ٤ فالنهي عن التفضيل فيه ـ كما يقول رشيد رضا ـ " في أصل النبوة لأجل هفوته" ٥. وأيضاً: المراد منه عدم التفريق بين الرسل، والأنبياء، لا منع مطلق التفضيل ٦. وهذا أدب عالٍ من آداب النبوة التي تأدب بها المسلمون، وهذا التشريع المحكم هو الذي ينزه الأنبياء عن تعدي السفهاء.

стр. 691

المبحث الخامس: صفات الرسل ووظائفهم المطلب الأول: صفات الرسل ... المطلب الأول: صفات الرسل: النبوة فضل من الله تعالى يختص به من يشاء فالله تعالى يختار ويصطفي هؤلاء الرسل ـ صلى الله تعالى عليهم ـ ويخصهم بصفات كمال النوع الإنساني من العلوم والمعارف والفضائل والآداب ١، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٢، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ٤. وقد أشار الشيخ رشيد ﵀ إلى بعض صفات الرسل ـ صلى الله تعالى عليهم ـ وأول هذه الصفات "أنهم رجال من البشر في جميع الشؤون البشرية الفطرية، ليسوا أرباباً ولا شركاء لرب العباد في علم الغيب ... ". ولقد كرر الشيخ رشيد هذا المعنى مراراً للتأكيد عليه ٥.

стр. 692

وفيما يتعلق بهذه الصفة ـ أعني البشرية ـ فقد افترق الناس ثلاث فرق: طرفان ووسط، فأحد الطرفين هو الذي غلا في الأنبياء ﵈، فأفرط في تصوير خصوصيتهم، فرفعهم فوق جنس البشر، وجعل لهم صفات الإلهية والربوبية ١. وآخرون ـ وقفوا في الطرف الآخرـ وجعلوا هذه الصفة مانعة من النبوة، فلم يروا مزية لهؤلاء الرسل، إذ رأوهم بشراً وظنوا أن الوحي يخرجهم منها ويجعلهم كالملائكة ٢. وإنما أنزل الله الوحي على البشر "لاقتضاء حكمته أن يكونوا معلمين لسائر البشر ما فيه هدايتهم ... " ٣. و "كون الرسول إلى البشر بشراً مثلهم يفهمون أقواله ويتأسون بأفعاله هو المعقول الذي تقتضيه الفطرة وطبيعة الاجتماع" ٤. ومقتضى بشرية الرسل أنهم "كسائر البشر في سنن الله تعالى فيهم إلا أنه ميزهم بالوحي وعصمهم من الخطأ في تبليغ ما أمرهم بتبليغه قولاً وعملاً ... " ٥. ومن صفات الرسل أيضاً أنهم رجال، وكما يقول رشيد رضا، فإن النبوة حصرت في الرجال دون النساء، وهو ما يدل عليه ظاهر آيات القرآن، كما أنها حصرت في ذرية نوح وإبراهيم ﵉ ٦. وكون الرسل من البشر يبطل "ما سرى إلى المسلمين من أهل الوثنية والكتب المحرفة من الغلو في الأنبياء والصالحين، كزعمهم أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في خزائن ملك الله تعالى بالعطاء والمنع، والضر والنفع، وإلحاقهم بالملائكة من عالم الغيب، حتى صاروا يطلبون ما لا يطلب إلا من الله تعالى، وهذا عين العبادة التي يسمى الذين توجه إليهم آلهة ... " ٧.

стр. 693

وأما مسألة الرسل من الجن، فقد اختلف فيها أهل العلم، والأدلة فيها متكافئة، وقد اختار رشيد رضا التوقف مع التسليم بأن محمداً ﷺ أرسل إليهم كما أرسل إلى الإنس ١.

стр. 694

المطلب الثاني: وظيفة الرسل: إن طبيعة الرسل البشرية تساعد على فهم وظيفتهم ـ صلى الله تعالى عليهم ـ فإن الآيات المنزلة تفيد حصر "وظيفة جميع المرسلين في التبليغ والتعليم المنقسم إلى التبشير والإنذار، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢ ... لأنها من أول ما نزل في بيان هذه العقيدة الهادمة لعقائد الكفار في الرسل وخواص أتباعهم، التي منها أنهم وكلاء الله على الأرض بيدهم الهدى والحرمان منه، والإسعاد والإشقاء والرحمة والغفران والعقاب وغير ذلك ... " ٣ وينتقل الشيخ رشيد من هذا الإجمال إلى شيء من التفصيل في وظائف الرسل ـ صلى الله تعالى عليهم ـ فيقول: "الوظيفة الأولى: هي بيان ما يجب اعتقاده في خالق الكون ومقدره وحكيمه، فقد علم أن هذا الاعتقاد مركوز في فطرة الإنسان بصفة مجملة مبهمة يغلط فيها العقل ويضل فيها الفكر ... الوظيفة الثانية: بيان ما يجب لهذا الإله العظيم، والمبدع الحكيم، من الشكر على آلائه والعبادة التي ترضيه ... الوظيفة الثالثة: ما يجب اعتقاده في الدار الآخرة والحياة في النشأة الثانية ...

стр. 695

الوظيفة الرابعة: تهذيب الأخلاق ... بحملها على الأعمال الصالحة ... " ١. الوظيفة الخامسة: حدود العقوبات وأحكام المعاملات ... " ٢. وهناك وظيفة يجب أن يعتقد أنها ليست من وظائف الرسل ـ كم يقول رشيد رضا ـ وهي: "بيان طرق الكسب وأسباب المعايش، وتعليم الفنون التي يتوسل بها إلى السعة والثروة ... وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في مسألة تأبير النخل بقوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ٣ ... " ٤. ثم يجيب الشيخ رشيد عن كل شبهة واعتراض يرد على هذه الوظائف ٥. ومما سبق من بيان صفات الرسل ووظائفهم يتقرر أنهم ليس لهم من الأمر شيء ـ أو كما يقول الشيخ رشيد: "فعلم مما قررناه أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم الكسبية، كما أنهم لم يعطوا قوة التصرف في خزائن ملك الله، وهي ما لم يمكن البشر من أسبابه فيكون من أعمالهم الكسبية، ولا أعطاهم إياه أيضاً على سبيل الخصوصية، كما أظهرهم على بعض الغيب الذي هو موضوع الرسالة ... ويتضمن بيان جهل المشركين بحقيقة الإلهية وحقيقة الرسالة إذ كانوا يقترحون على الرسول من الأعمال ما لا يقدر عليه إلا من له التصرف فيما وراء الأسباب ... وإذا كان الله تعالى لم يؤت الرسل ما لم يؤت غيرهم من أساب التصرف المخلوقات ومن علم الغيب ... فمن أين جاءت دعوى التصرف في الكون وعلم الغيب، لمن هم دون الرسل منزلة وكرامة عند الله تعالى من المشايخ المعروفين وغير المعروفين حتى صاروا يدعون

стр. 696

من دون الله تعالى لما عز نيله بالأسباب والسنن الإلهية، و "الدعاء هو العبادة" كما قال النبي ﷺ ... " ١. وهكذا لا يترك الشيخ رشيد أي مناسبة إلا وينبه فيها على شيء من توحيد الإلهية.

стр. 697

المبحث السادس: عصمة الأنبياء المطلب الأول: تعريف العصمة ... وأعني بالعصمة: أن يكون الرسل والأنبياء معصومين في تحمل الرسالة والتبليغ عن الله، فلا ينسون شيئاً مما أوحاه الله إليهم، ولا يكتمون شيئاً منه. وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي تحصل مقصود النبوة والرسالة. والكلام في هذا المقام مبني على أصل؛ وهو: أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه ١، وأما عصمتهم في غير ما يتعلق بالتبليغ عن الله فاختلف فيه. وهذه المسألة تناولها وتعرض لها الشيخ رشيد ﵀ عدة مرات في المجلة والتفسير، والوحي المحمدي. فقد ذكر العصمة وأدلتها وقارن بين عصمة الأنبياء عند المسلمين وعند أهل الكتاب وأجاب على شبهات قد ترد على القول بعصمة الأنبياء. المطلب الأول: تعريف العصمة: عرّف الشيخ رشيد العصمة لغةً فقال: "هي في اللغة المنع" ٢.

стр. 698

وأما اصطلاحاً، فقد عرفها معتمداً على مصدرين: أحدهما التعريفات للجرجاني ١، والثاني: المواقف للإيجي ٢، والذي كان يعتبره ـ حتى المجلد الخامس ـ هو أعظم كتب الكلام ٣. وشرح الشيخ رشيد قول الجرجاني "العصمة: ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها" ٤، فقال: "أي أن المعصوم من الشيء يجد في نفسه قدرة عليه ويشرع بزاجر منها يحول دون الوقوع فيه، فالعصمة وازع نفسي راسخ في النفس، وهي في الأنبياء فطرية، وقد يكون لغيرهم ـ بحسن التربية ـ من ملكة الفضيلة ما يربأ بنفوسهم عن موافقة الفجور والدنايا ويسمي علماؤنا هذا المعنى حفظاً للتفرقة ... " ٥. يعني التفرقة بين الأنبياء وغيرهم.

стр. 699

المطلب الثاني: بعض مسائل العصمة: يفصل رشيد رضا في بعض المسائل المتعلقة بالعصمة، ومنها: أولاً: العصمة من الصغائر: وقد وقع خلاف في جواز وقوع صغائر الذنوب من الأنبياء فذهب قوم إلى جوازه، إلا أنهم لا يقرون عليها، بل ينبهون فيتوبون ويستغفرون ٦. وذهب آخرون إلى امتناع ذلك عليهم ـ صلى الله تعالى عليهم ـ لأننا مأمورون بالتأسي بهم، وأولوا ما ورد في ذلك مما ظاهره إثبات الذنوب للأنبياء واستغفارهم منها ٧.

стр. 700

واحتج الأولون بظواهر الآيات التي تدل على ما ذهبوا إليه، كقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢. وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ٤. وقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٥. فهذا وغيره فيه إثبات الأوزار والذنوب والخطايا على الرسل ـ صلى الله تعالى عليهم ـ وأجيب عن كل ذلك بأجوبة منها أن ذلك كان من بعضهم قبل النبوة، وأنها ـ لعلو منزلتهم وشدة خوفهم من الله تعالى، ليست ذنوباً حقيقية وإنما هي أشياء خافوا منها، وقد وقعت منهم بناءً على اجتهاد لم يسبق فيه نص، أو هي: كانت ـ كما قيل ـ: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي أنهم يرونها بالنسبة إلى نبوتهم كالسيئات ـ لذلك استغفروا منها، وأخبروا أنها قد غفرت لهم ٦. وأما الشيخ رشيد فيقول ـ بعد إثباته للعصمة كما سبق ـ أنه ليس معناها أن الأنبياء "آلهة منزهون عن جميع ما يقتضيه الضعف البشري من التقصير في القيام بحقوق الله تعالى على الوجه الأكمل، ومن الخطأ في الاجتهاد في بعض المصالح والمنافع ودفع المضار ... ولا يمكن أن يحيط بوجوه المصالح والمنافع ودرء المضار والمفاسد إلا من هو بكل شيء عليم، ومن ليس له هذه الإحاطة قد يخطئ في اجتهاده فيعمل العمل وهو يعتقد أنه الصواب والخير فيجيء بخلاف ذلك ومثل هذا يسمى ذنباً من الكامل والمقرب ... فإذا وقع

стр. 701

هذا من الأنبياء يعاتبهم الله تعالى عليه ويغفره لهم ويأمرهم بتبليغ ذلك لأمتهم ليعرفوا الفرق بين الرب والعبد، فلا يفضي بهم الغلو بتعظيم أنبيائهم والإعجاب بفضائلهم ونزاهتهم إلى عبادتهم مع الله تعالى ... " ١. ثم أورد الشيخ رشيد أمثلة لذلك منها قصة الأعمى ٢، ومسألة زيد وزينب ٣، ومسألة أسرى بدر ٤، كأمثلة على اجتهادات خالفت الأولى أو الصواب. ثم قال: "فهذه هي ذنوب الأنبياء وهم يستغفرون منها وهي مغفورة لهم بفضل الله تعالى ... وإنما فيها فائدةمعرفة الناس أن النبي وإن جل قدره وعلت نفسه فهو بشر مثلهم ميزه الله تعالى بالوحي وجعله إماماً في الخير وأنه على هذه الخصوصية يعاتب وينسب إليه الذنب والتقصير ويمنحه الله المغفرة دلالة على أنه له أن يغفر له وله أن يعاقبه ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ٥ ... " ٦. إن الشيخ رشيد يثبت العصمة للأنبياء ولكن يثبت أيضاً ما يكون من مقتضى الجبلة البشرية والجنس الإنساني من جواز الخطأ في الاجتهاد واختيار الأقرب والأسهل إلى نفس الإنسان، لأن الأنبياء لا يتحولون بنبوتهم إلى آلهة وهذه هي الذنوب التي تقع منهم ويغفر لهم ولا يقرون عليها. فالشيخ رشيد قد وافق أهل السنة في إثبات وقوع هذا النوع من الصغائر ٧. إلا أنه أيضاً لم يخالف الفريق الآخر، لأنه لم يثبت ما أنكروه، وهو ما أراه راجحاً في المسألة، وأن الخلاف بين الفريقين لفظي، لأن الذنوب التي ينفيها هؤلاء غير الذنوب التي يثبتها هؤلاء، فإن الذي ينفيه

стр. 702

ليس كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وإنما الذنوب التي لغيرهم هي ما يأخذ من اسمها وهو الشيء الدني الرذل، أما الأنبياء فإن أسوأ ما يكون منهم هو ما ذكر من خطأ في اجتهاد أو شيء دفعت إليه الجبلة الإنسانية، لولاه لكان الإنسان ملكاً ١. وبناءً على ذلك لا يكون النسيان ـ مثلاً ـ منافياً للعصمة، وهو ما يقرره الشيخ رشيد ٢. ثانياً: العصمة في التبليغ: قال الشيخ رشيد نقلاً عن الإيجي: " ... إن أهل الملل والشرائع قد أجمعوا على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله تعالى، وإن عاقلاً لا يجمع بين الإيمان بالوحي والنبوة وبين تجويز كذب النبي على الله تعالى فيما يبلغ عنه، فإن كان هذا جائزاً فأي ثقة بالوحي ... " ٣. فالشيخ رشيد هنا يعتمد الدليل العقلي على عصمة الأنبياء بناءً على ثبوت نبوتهم حتى إن الدليل على العصمة في التبليغ هو نفس الدليل على النبوة نفسها ٤. العصمة من الكفر وكبائر الذنوب: قال الشيخ رشيد: "وأجمع المسلمون من جميع الفرق على عصمتهم من الكفر قبل النبوة وبعدها، وليس هنا شبهة لأحد فنتوسع فيه" ٥. وأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر

стр. 703

والموبقات ١. وقد نقل الشيخ رشيد عن الإيجي ذلك الحكم، كما نقل الخلاف بين الأشعرية الذين يقولون بأن دليل ذلك السمع مخالفة للمعتزلة الذين يقولون أن دليل ذلك العقل بناءً على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ووجوب رعاية الصلاح والأصلح، لأن صدور الكبائر عنهم عمداً يوجب سقوط هيبتهم من القلوب، وانحطاط رتبتهم في أعين الناس فيؤدي إلى النفرة منهم ... " ٢. ثم أبدى الشيخ رشيد رأيه في ذلك فقال: "والذي نراه أنه يصح الاستدلال بالعقل على عصمة الأنبياء ﵈ ولا يستلزم ذلك القول بقاعدة التحسين والتقبيح العقليين ولا سلب الاختيار عن الله تعالى، وكذلك يستنبط من كثير من الآيات القرآنية ما يدل على نزاهتهم وكونهم قدوة في الخير والفضائل ... وفي الكتاب والسنة إسناد الذنوب إلى بعض الأنبياء ﵈ وما جاز على بعضهم جاز على الآخرين والعلماء يأولون ذلك، وقصارى هذا كله وجوب الاعتماد على الدليل العقلي والتوفيق بينه وبين ما ورد من إسناد الذنوب إليهم ... " ٣. فالعصمة ثابتة بالعقل وبالنقل، والذي يثبت أيضاً نسبة بعض الذنوب إليهم، ويحتاج هذا إلى الجمع بين ما يظهر من التعارض. فسوف يبين الشيخ رشيد لنا الأدلة العقلية ثم النقلية على وجوب العصمة للأنبياء، ثم يرد ما قد يرد على ذلك من شبهات تقدح ـ بحسب الظاهر ـ فيما قررناه.

стр. 704

المطلب الثالث: الأدلة العقلية والنقلية على ثبوت العصمة: لقد بنى الشيخ رشيد ﵀ الدليل العقلي على وجوب ثبوت العصمة للأنبياء على ما بينه من وجه الحاجة إليهم ومن وظائفهم التي بينها

стр. 705

إجمالاً ثم تفصيلاً ١. وقد قسم هذه الوظائف إلى قسمين: نوع في بيان الاعتقادات، ونوع في تهذيب النفس وتزكيتها. قال: " ... وبديهي أن العمدة في بيان النوع الأول صدق الخبر بحيث لا يحوم حوله الشك والريب، والعمدة في الثاني صدق الخبر كذلك مع حسن الأسوة وصحة القدوة بالمخبر ... ولا تحصل الثقة القطعية بصدق الخبر إلا إذا كان المخبر معصوماً من الكذب والخطأ في التبليغ، ولا تتم القدوة وتحسن الأسوة إلا إذا كان الإمام المقتدى به بريئاً من النقائص ... إذاً لا تتم حكمة الله تعالى في إرسال الرسل إلا إذا كانوا بحيث ذكرنا من الصدق والنزاهة ... ولا يلزم من هذا إيجاب شيء على الله تعالى فيكون حجة للمعتزلة ... " ٢. وبعد إيراده للدليل العقلي يورد الشيخ رشيد أدلة الكتاب العزيز التي تثبت عصمة الأنبياء، فيقول: "الدليل النقلي على عصمتهم أن الله تعالى ما أرسل المرسلين إلا ليتبعوا ويقتدى بهم وقد أمر باتباعهم كقوله في خاتمهم ﵇: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٣، فلو كانوا يخالفون ما يجيئون به من الهدى لكان الله تعالى آمراً بالشيء ناهياً عنه في آن واحد، وهو محال على الله تعالى. ولو فعلوا الفاحشة لكان الله آمراً بها من حيث أمر باتباعهم أمر تشريع، وأمر بالتأسي بالعظماء أمر تكوين بأن أودع ذلك في فطرة الإنسان، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٤ ... " ٥. وهذا الاستدلال من الشيخ رشيد صحيح، ولكن أرى أنه استدلال عقلي أيضاً، كالأول، والأولى عند الاستدلال بالكتاب العزيز أن يستدل بأدلة مباشرة، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٦ وكقوله تعالى:
следующие страницы →