هذا من الأنبياء يعاتبهم الله تعالى عليه ويغفره لهم ويأمرهم بتبليغ ذلك لأمتهم ليعرفوا الفرق بين الرب والعبد، فلا يفضي بهم الغلو بتعظيم أنبيائهم والإعجاب بفضائلهم ونزاهتهم إلى عبادتهم مع الله تعالى ... " ١.
ثم أورد الشيخ رشيد أمثلة لذلك منها قصة الأعمى ٢، ومسألة زيد وزينب ٣، ومسألة أسرى بدر ٤، كأمثلة على اجتهادات خالفت الأولى أو الصواب. ثم قال: "فهذه هي ذنوب الأنبياء وهم يستغفرون منها وهي مغفورة لهم بفضل الله تعالى ... وإنما فيها فائدةمعرفة الناس أن النبي وإن جل قدره وعلت نفسه فهو بشر مثلهم ميزه الله تعالى بالوحي وجعله إماماً في الخير وأنه على هذه الخصوصية يعاتب وينسب إليه الذنب والتقصير ويمنحه الله المغفرة دلالة على أنه له أن يغفر له وله أن يعاقبه ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ٥ ... " ٦.
إن الشيخ رشيد يثبت العصمة للأنبياء ولكن يثبت أيضاً ما يكون من مقتضى الجبلة البشرية والجنس الإنساني من جواز الخطأ في الاجتهاد واختيار الأقرب والأسهل إلى نفس الإنسان، لأن الأنبياء لا يتحولون بنبوتهم إلى آلهة وهذه هي الذنوب التي تقع منهم ويغفر لهم ولا يقرون عليها.
فالشيخ رشيد قد وافق أهل السنة في إثبات وقوع هذا النوع من الصغائر ٧. إلا أنه أيضاً لم يخالف الفريق الآخر، لأنه لم يثبت ما أنكروه، وهو ما أراه راجحاً في المسألة، وأن الخلاف بين الفريقين لفظي، لأن الذنوب التي ينفيها هؤلاء غير الذنوب التي يثبتها هؤلاء، فإن الذي ينفيه
стр. 702
ليس كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وإنما الذنوب التي لغيرهم هي ما يأخذ من اسمها وهو الشيء الدني الرذل، أما الأنبياء فإن أسوأ ما يكون منهم هو ما ذكر من خطأ في اجتهاد أو شيء دفعت إليه الجبلة الإنسانية، لولاه لكان الإنسان ملكاً ١.
وبناءً على ذلك لا يكون النسيان ـ مثلاً ـ منافياً للعصمة، وهو ما يقرره الشيخ رشيد ٢.
ثانياً: العصمة في التبليغ:
قال الشيخ رشيد نقلاً عن الإيجي: " ... إن أهل الملل والشرائع قد أجمعوا على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله تعالى، وإن عاقلاً لا يجمع بين الإيمان بالوحي والنبوة وبين تجويز كذب النبي على الله تعالى فيما يبلغ عنه، فإن كان هذا جائزاً فأي ثقة بالوحي ... " ٣.
فالشيخ رشيد هنا يعتمد الدليل العقلي على عصمة الأنبياء بناءً على ثبوت نبوتهم حتى إن الدليل على العصمة في التبليغ هو نفس الدليل على النبوة نفسها ٤.
العصمة من الكفر وكبائر الذنوب:
قال الشيخ رشيد: "وأجمع المسلمون من جميع الفرق على عصمتهم من الكفر قبل النبوة وبعدها، وليس هنا شبهة لأحد فنتوسع فيه" ٥.
وأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر
стр. 703
والموبقات ١. وقد نقل الشيخ رشيد عن الإيجي ذلك الحكم، كما نقل الخلاف بين الأشعرية الذين يقولون بأن دليل ذلك السمع مخالفة للمعتزلة الذين يقولون أن دليل ذلك العقل بناءً على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ووجوب رعاية الصلاح والأصلح، لأن صدور الكبائر عنهم عمداً يوجب سقوط هيبتهم من القلوب، وانحطاط رتبتهم في أعين الناس فيؤدي إلى النفرة منهم ... " ٢.
ثم أبدى الشيخ رشيد رأيه في ذلك فقال: "والذي نراه أنه يصح الاستدلال بالعقل على عصمة الأنبياء ﵈ ولا يستلزم ذلك القول بقاعدة التحسين والتقبيح العقليين ولا سلب الاختيار عن الله تعالى، وكذلك يستنبط من كثير من الآيات القرآنية ما يدل على نزاهتهم وكونهم قدوة في الخير والفضائل ... وفي الكتاب والسنة إسناد الذنوب إلى بعض الأنبياء ﵈ وما جاز على بعضهم جاز على الآخرين والعلماء يأولون ذلك، وقصارى هذا كله وجوب الاعتماد على الدليل العقلي والتوفيق بينه وبين ما ورد من إسناد الذنوب إليهم ... " ٣.
فالعصمة ثابتة بالعقل وبالنقل، والذي يثبت أيضاً نسبة بعض الذنوب إليهم، ويحتاج هذا إلى الجمع بين ما يظهر من التعارض. فسوف يبين الشيخ رشيد لنا الأدلة العقلية ثم النقلية على وجوب العصمة للأنبياء، ثم يرد ما قد يرد على ذلك من شبهات تقدح ـ بحسب الظاهر ـ فيما قررناه.
стр. 704
المطلب الثالث: الأدلة العقلية والنقلية على ثبوت العصمة:
لقد بنى الشيخ رشيد ﵀ الدليل العقلي على وجوب ثبوت العصمة للأنبياء على ما بينه من وجه الحاجة إليهم ومن وظائفهم التي بينها
стр. 705
إجمالاً ثم تفصيلاً ١. وقد قسم هذه الوظائف إلى قسمين: نوع في بيان الاعتقادات، ونوع في تهذيب النفس وتزكيتها. قال: " ... وبديهي أن العمدة في بيان النوع الأول صدق الخبر بحيث لا يحوم حوله الشك والريب، والعمدة في الثاني صدق الخبر كذلك مع حسن الأسوة وصحة القدوة بالمخبر ... ولا تحصل الثقة القطعية بصدق الخبر إلا إذا كان المخبر معصوماً من الكذب والخطأ في التبليغ، ولا تتم القدوة وتحسن الأسوة إلا إذا كان الإمام المقتدى به بريئاً من النقائص ... إذاً لا تتم حكمة الله تعالى في إرسال الرسل إلا إذا كانوا بحيث ذكرنا من الصدق والنزاهة ... ولا يلزم من هذا إيجاب شيء على الله تعالى فيكون حجة للمعتزلة ... " ٢.
وبعد إيراده للدليل العقلي يورد الشيخ رشيد أدلة الكتاب العزيز التي تثبت عصمة الأنبياء، فيقول: "الدليل النقلي على عصمتهم أن الله تعالى ما أرسل المرسلين إلا ليتبعوا ويقتدى بهم وقد أمر باتباعهم كقوله في خاتمهم ﵇: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٣، فلو كانوا يخالفون ما يجيئون به من الهدى لكان الله تعالى آمراً بالشيء ناهياً عنه في آن واحد، وهو محال على الله تعالى. ولو فعلوا الفاحشة لكان الله آمراً بها من حيث أمر باتباعهم أمر تشريع، وأمر بالتأسي بالعظماء أمر تكوين بأن أودع ذلك في فطرة الإنسان، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٤ ... " ٥.
وهذا الاستدلال من الشيخ رشيد صحيح، ولكن أرى أنه استدلال عقلي أيضاً، كالأول، والأولى عند الاستدلال بالكتاب العزيز أن يستدل بأدلة مباشرة، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٦ وكقوله تعالى:
المطلب الرابع: دفع شبهات حول العصمة:
وبعد إثبات العصمة عقلاً ونقلاً يحسن دفع ما يرد عليها من شبهات وهو ما فعله رشيد رضا في دفعه عن عدد من الأنبياء شبهات ترد على عصمتهم، منها:
أولاً: قصة آدم وحواء:
تمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم، وزوجها المخلوق منها هي حواء، وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما. وتمسكوا ببعض الآثار التي تشير إلى هذا المعنى، منها حديث سمرة بن جندب ﵁ مرفوعاً: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث
стр. 708
فعاش، فكان ذلك وحياً من الشيطان" ١.
وقد أجاب أهل العلم على ذلك بوجوه:
الأول: إن الآية تشير إلى خلق الناس من آدم وحواء كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ٢.
وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ٣.
وإنما وقع الشرك في قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ من بعض ذريته، وروي ذلك عن الحسن ٤، واختاره ابن كثير ٥.
الثاني: إن النفس الواحدة في الآية ليست هي آدم، إذ لا دليل في نص الآية على ذلك ـ مع عدم صحة حديث سمرة ـ في رأيهم ـ بل الخطاب في الآية لقريش، والمعنى: خلقكم من نفس قصي وجعل منها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة عبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار ٦.
الثالث: على التسليم بأن الآية في آدم وحواء وأن الشرك فيها منسوب إليهما، وكما ورد في حديث سمرة، أن هذا الشرك لم يكن شركاً في العبادة، وإنما هو شرك في التسمية واللفظ، فقد قصدت بتسمية
стр. 709
عبد الحارث أن الحرث سبب لنجاة الولد، فالمعاتبة على ذلك من حيث أنها نظرت إلى السبب دون المسبب، والشرك في الألفاظ مما يقع وحكمه الاستغفار منه والتوبة منه، وعدم العود إليه ١.
وأما رشيد رضا فقد رجح في معنى الآية أن المراد جنس الذكر والأنثى ولا يقصد فيه إلى معين، آدم ولا غيره، فالمعنى خلقكم جنساً واحداً وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليها سكوناً زوجياً، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الآخر الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين ما حكي في الآية ٢. فيرى رشيد رضا أن الآية ليست نصاً في آدم وحواء. وأما الحديث والآثار المروية كحديث سمرة فيهذب رشيد رضا إلى أنه ضعيف، ومأخوذ من الإسرائيليات لأن فيه طعناً صريحاً في آدم وحواء، ورمياً لهما بالشرك. وقد نقل كلام ابن كثير بطوله ٣ واستحسنه، لأنه يؤيد رأيه في الآثار المروية وكونها من الإسرائيليات المروية عن أهل الكتاب. قال: "إن هذه الآثار مأخوذة من الإسرائيليات ولما كانت طعناً في عقيدة أبوينا آدم وحواء ﵉ بما تبطله عقائد الإسلام، وجب الجزم ببطلانها وتكذيبهم فيها"٤.
ثانياً: قصة يوسف ﵇:
وتمسك الطاعنون في العصمة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ٥.
стр. 710
وقد اختلف في معنى الهم في الآية، فقيل هو: الهم منها بالفاحشة ١، وقيل المراد به منه: حديث النفس ٢، كقوله ﷺ حكاية عن الله تعالى: "إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة ... وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ... " ٣.
ولكن الشيخ رشيد يذهب في ذلك مذهباً خاصاً، فإنه يرى أن الهم بالفاحشة لم يقع منها ولا منه ﵇ وإنما الذي وقع منها هو المراودة، فلما امتنع وكان ذلك إهانة لها وكسراً لطبيعة الأنثى التي فطرت على أن تكون مُرَاوَدة لا مراوِدة، من عبدها العبراني، وعدّت هذا احتقاراً منه، أرادت الانتقام منه بالاعتداء عليه والبطش به في ثورة غضبها وهو انتقام معهود من مثلها ومن دونها في كل زمان ومكان، والهم منه كان هماً بدفع اعتدائها عليه، والبرهان الذي رآه يوسف ـ كما يرى رشيد رضا ـ هو آية رآها يوسف في نفسه، وهي إما النبوة التي آتاه الله إياها بعد الحكم، أو مقدمات هذه النبوة من مقام الصديقية العليا وهي: مراقبته لله تعالى، ورؤية ربه متجلياً له ناظراً إليه، فهذا هو البرهان الذي رآه يوسف ﵇ ٤، ويرفض رشيد رضا كل ما روي في معنى الهم منها ومنه، ويعده من الإسرائيليات التي انخدع بها كثير من الناس ٥، كما يرفض الروايات في البرهان الذي رآه يوسف ٦.
ومهما يكن من شيء في معنى الهم فإن يوسف ﵇ كان
стр. 711
معصوماً كالأنبياء ولم يرتكب الفاحشة قط، فقد شهد ببراءة يوسف من الذنب كل من له تعلق بتلك الواقعة من زوج وحاكم ونسوة وملك، وادعى يوسف ذلك واعترف له خصمه بصدق ما قال مرتين، وشهد بذلك رب العالمين وهو أصدق القائلين ١.
ثالثاً: سحر النبي ﷺ :
ومما يشبه أن يكون شبهة على عصمة الأنبياء، ما روي من "أن اليهود سحروا النبي ﷺ حتى أنه كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله" ٢. وفي رواية: "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن" ٣، وطعن بعض الملحدة في الشرع متمسكين بهذا الحديث ٤، كما أن بعض المبتدعة أنكرته بزعم أن تجويز ذلك يطرح الثقة بالشرائع. وممن أنكر أحاديث سحر النبي ﷺ الشيخ محمد عبده ٥.
وكان رشيد رضا قد أورد هذه الأحاديث ضمن الأحاديث التي ينبغي أن ترد لعلة في متنها لأنها تمثل شبهة على الدين، ولأن نفس النبي ﷺ أقوى من أن يكون لمن دونه تأثير فيها ٦، ونسب رشيد رضا رد هذه الرواية للأستاذ الإمام. ولكن رشيد رضا أورد هذا الحديث في السياق الذي أشرت إليه ليمثل للأحاديث التي ترد لعلة في متنها، وإن صح بحسب صناعة تعديل الرجال سندها ٧. إلا أنه عندما هاجمه يوسف الدجوي ـ
стр. 712
محرر مجلة الأزهر ـ أنكر رشيد رضا رده للحديث واعتبر كلام الدجوي بهتاً له. وقال: " ... إنني ناقل لهذه المسألة عن الأستاذ الإمام ولست أنا الذي رددت الحديث، فإسناد الرد إليّ، بهت لي وافتراء عليّ" ١.
ولكن أليس السكوت في موطن الحاجة بيان وهو علامة الموافقة؟ لقد أورد رشيد رضا عبارة "الأستاذ الإمام" من تفسير جزء عم بطولها، وفيها حجته ومنها قوله: "ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه ﵇ حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه فعل شيئاً وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ ٢ وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئاً يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه وقد قال كثير من المقلدة الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها أن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين ... " ٣. ثم علق رشيد رضا قائلاً: "هذه حجة "الأستاذ الإمام" على إنكاره لوقوع السحر على تلك النفس القدسية العليا ... فهو يجلها أن يؤثر فيها سحر ذلك اليهودي الرجيم ... وإننا لم نرَ من علماء الملة متقدميهم ومتأخريهم من بين لنا من فضل تلك النفس الزكية العلوية، والشخصية الشريفة المحمدية، ما بينه لنا هذا الإمام الجليل ... " ٤، وهذا التعليق من الشيخ رشيد يدل على استحسانه لرأي الشيخ محمد عبده وموافقته له وإعجابه به.
والذي أريد أن أشير إليه هنا هو حديث الشيخين هنا محمد عبده ورشيد رضا عن النفس وسيأتي أيضاً كلام لرشيد رضا عن "قوى النفس"،
стр. 713
فقول محمد عبده عن المثبتين للسحر المتمسكين بالحديث أنهم "لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها" وإنكاره عليهم قولهم: "إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به ... " هو صحيح، إذ أن النبوة عند الفلاسفة الذين أعجب بهم محمد عبده بعد درسه للإشارات، هي من قوى النفس فالطعن في "قوى النفس" طعن في النبوة. وغني عن البيان أن هؤلاء الفلاسفة هم الذين "لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها" ولا أحد يطعن في الأنبياء طعنهم، إذا أنهم يقولون إن الأنبياء لا يخبرون بالحقائق على ما هي عليه، بل يتابعون "الجمهور" في ما يعتقدون ويخبرونهم بما "يفهمونه ويتخيلونه" بضروب من التمثيل والتخييل ١. كما أنني أريد أن أشير إلى قول رشيد رضا أيضاً أنه "لم ير من علماء الملة متقدميهم ومتأخريهم، من بين لنا فضل تلك النفس الزكية العلوية.... ما بينه لنا هذا الإمام الجليل" وأقول إن هذا "بهت وافتراء" على علماء الملة "متقدميهم ومتأخريهم" إذ أنهم رحمهم الله تعالى قد قاموا ببيان حقيقة النبوة ووضعوها في موضعها، ونقلوا لنا حقيقة هذه "النفس العلوية" بما لم تقم به أمة من الأمم، حتى صار عملهم ذلك من علامات نبوة نبينا ﷺ . وبعد ذلك كله ذكر رشيد رضا أقوالاً أخرى لمنكري السحر ثم ختم ذلك بقوله: "وإن لنا في هذا الحديث كلمتين:
إحداهما في سنده: وهي: أن الذين أعلوا الحديث بهشام بن عروة ٢، ورد عليهم العلامة ابن القيم باتفاق الجماعة على تعديله لهم وجه
стр. 714
وجيه ومستند من أقوال أئمة الجرح والتعديل ... فالقول بوقوع الخطأ منه أهون من قبول روايته هذه وهو أوثق من روى هذا الحديث.
الثانية في متنه: وهو أن الروايات عن عائشة تدور على أمر واحد وهو ما يتعلق بالنساء، فقولها كان يخيل إليه إنه يفعل الشيء وهو لم يفعله كناية عن ذلك الأمر حياء من التصريح به على أنها صرحت في رواية أخرى فظن بعض الرواة أنه عام في كل فعل فعظمت الشبهة فيه على علماء الأصول والعقائد، ويؤيد حصر التأثير فيما ذكر ما في طبقات ابن سعد عن ابن عباس: مرض النبي ﷺ وأخذ عن النساء والطعام والشراب، وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: سحر النبي ﷺ عن عائشة حتى أنكر بصره. فجملة القول أنه مرض مرضاً أثر في الجهاز الهضمي والجهاز التناسلي فقط، وما زالت الناس تعد هذا من أنواع السحر ويعبر عنه العوام في زماننا بالعقد ويسمون الواقع عليه "معقوداً" وكانت العرب تسميه مطبوباً، ... "١. ثم قال الشيخ رشيد مبيناً قصده من ذلك: "وإننا على هذا قد محصنا أقوال علماء المعقول والمنقول في الراوية متناً وسنداً بما يهون فيها أمر منكري الرواية بما قيل في هشام، وبما يرجع أقوال مثبتيها إلى كون التأثير الذي وقع على قولهم هو خاص بمباشرة الراوية له (عائشة) على أن أستاذنا ـ رحمه الله تعالى ـ فوض الأمر في تأويل الحديث لأهله، ولم يرد روايته كغيره" ٢.
وأما الشيخ محمد عبده فإن دفاع رشيد رضا عنه لا يجديه، فإن رده للمسألة هو ردٌ للحديث بلا شك.
стр. 715
ومهما يكن من شيء فإن السحر مرض من الأمراض، وعارض من العوارض والعلل، يجوز عليه ﷺ كأنواع الأمراض مما لا ينكر، ولا يقدح في نبوته ١، بل هو من جنس ما كان يعتريه ﷺ من الأسقام والأوجاع، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما ٢.
стр. 716
المطلب الخامس: عصمة الأنبياء عند أهل الكتاب:
ويقارن رشيد رضا بين العصمة التي قررها المسلمون للأنبياء، وبين مذهب أهل الكتاب في عدم عصمة الأنبياء ونسبتهم إلى سائر الشرر والمعاصي. إلا أنه لا يسلم لهم هذه الدعوى، ويستدل بنصوصهم المقدسة على ذلك.
وأريد هنا ـ وقبل أن أعرض لمقارنة الشيخ رشيد هذه ـ أن أذكر ـ وباختصار ـ بعض الآيات القرآنية التي تبين تزكية الله تعالى لأنبيائه في كتابه، وتبين موقف المسلمين من هؤلاء الأنبياء صلى الله تعالى عليهم؛ يقول الله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... ﴾ ٣. ونلاحظ أن الأمر الأخير بالاقتداء بهم ـ صلى الله تعالى عليهم ـ قد جاء بعد ذكرهم والثناء عليهم وذكر صلاحهم، وإحسانهم وهدى الله تعالى لهم. وهذا
стр. 717
هو ما نقول أنه موجب العصمة. إلا أن أهل الكتاب لا يقولون بهذه العصمة للأنبياء يقول رشيد رضا: "وأهل الكتاب لا يقولون بهذه العصمة، وكتبهم المقدسة ترمي بعض الأنبياء بكبائر الفواحش المنافية لحسن الأسوة، بل المجرئة على الشرور والمفاسد.." ١.
ولا يقف الأمر بأهل الكتاب عند مجرد الدعوى النظرية بل ينسبون إلى الأنبياء في كتبهم ارتكاب جميع الموبقات التي يستنكف عامة المسلمين عن مجرد الحديث عنها. وسأقتصر هنا على ذكر أسماء بعض الأنبياء الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة، فمثلاً تنسب التوراة إلى يعقوب ﵇ أنه سرق مواشي من حميه وخرج خلسة دون أن يراه أحد ٢. وأما إبراهيم الخليل ﵇ فقد قدم ـ بحسب رواية التوراة ـ امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها ٣. ومن ذلك أيضاً: أن لوطاً ﵇ شرب خمراً حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنا بهما الواحدة بعد الأخرى كما تزعم رواية التوراة ٤. وأما دواد الذي يقول في صفته القرآن ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٥ فيقول العهد القديم: إنه زنا بزوجة رجل من قواد جيشه ثم دبر حيلة لقتل الرجل، فقتل وأخذ داود الزوجة وضمها إلى نسائه فولدت له سليمان ٦. وأما سليمان الذي يصفه القرآن بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٧، فيقولون: إنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، وبنى لها المعابد بسبب حب النساء الوثنيات اللاتي أملن قلبه ٨. ويقولون: إن هارون صنع عجلاً وعبده مع بني إسرائيل ٩.
стр. 718
واستغل النصارى هذه الروايات الغريبة لصالحهم، ـ وبما أنهم لا بدّ أن يؤمنوا بالتوراة ـ فقد اتخذوا من هذه الروايات سنداً يستندون إليه في تصحيح عقيدتهم في المسيح ﵇ كما يقول الشيخ رشيد: " والنصارى منهم يحعلون معاصي الأنبياء دليلاً على عقيدتهم، وهي أن المسيح هو المعصوم وحده لأنه رب وإله، ولأنه هو المخلص للناس من العقاب على الخطيئة اللازبة اللازمة لكل ذرية آدم بالوراثة عنه، وأنه لا شفيع ولا مخلص لهم غيره، لأن المخطئ لا يخلص المخطئين وهو منهم، وهذه العقيدة الوثنية مخالفة لدين الأنبياء وكتبهم وللعقل، ومطابقة للأديان الوثنية الهندية وغيرها" ١.
ولكن الحقيقة لا تزول أبداً فلا بدّ أن نجد طريقاً لها، يقول الشيخ رشيد: " ... إن كتب العهدين القديم والجديد المقدسة عندهم والمحرفة في اعتقادنا لا تشهد لهم برمي جميع أنبيائها بالذنوب فضلاً عن المعاصي التي هي أشد من الذنوب، فإن يوحنا المعمدان: يحيى بن زكريا ﵉ لم يوصم بخطيئة قط، بل شهدت له أناجيلهم بما يدل على أنه كان أعظم من المسيح في عصمته، ففي إنجيل لوقا: "إنه يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس" ٢ وفيه: "كانت يد الرب معه" ٣، وقال المسيح فيه: "الحق أقول لكم إنه لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" ٤، ثم قال فيه: "جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فيقولون فيه شيطان، وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر محب العشارين والخطاة" ٥ بل شهدت الأناجيل أن المسيح ﵇ أهان أمه وأخواته
стр. 719
ولم يسمح لهم بلقائه، وقد استأذنوا عليه ليكلموه، وعلل ذلك بأنهم مخالفون لمشيئة أبيه كما تراه في آخر الفصل الثاني عشر من إنجيل متى وآخر الثالث من مرقس بالمعنى ... نعم إن إخوته لم يكونوا مؤمنين به كما هو مصرح به في موضع آخر، ولكن هل كانت أمه كذلك؟ وهل يجازيها هذا الجزاء؟ ... وإهانة الأم ذنب في جميع الشرائع والآداب، كما أن المبالغة في شرب الخمر ذنب حتى في الشرائع التي لم تحرمها مطلقاً، وجاء في هذه الأناجيل أن الشيطان استولى عليه أربعين يوماً يجربه ويدعوه إلى عبادته ١ ... ونحن نبرئه من كل ذلك. وهنا شهدت الأناجيل أيضاً بأن يوحنا كان يعمد الناس للتوبة ومغفرة الخطايا، وأنه عمد المسيح نفسه، وبأن أباه زكريا وأمه إليصابات " كان كلاهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم" ٢، وهذه شهادة بالعصمة التامة. وهناك أنبياء آخرون شهدت لهم نبوات العهد القديم بالبر ولم ينسب إلى أحد منهم أدنى خطيئة، وآدم عندما ارتكب الخطيئة لم يكن نبياً مرسلاً إلى أحد، ولا كان معه قوم يسيئون الاقتداء به، وكان قد نسي النهي عن الأكل من الشجرة ... " ٣.
ويريد الشيخ رشيد من هذا كله إثبات العصمة للأنبياء حتى بدلالة الكتب المقدسة عند أهل الكتاب، وأن عصمة المسيح من الذنوب التي يدعيها النصارى دليلاً على ألوهيته ليست كذلك.
وقد سبق الجواب عن الآيات القرآنية التي تتحدث عن استغفار الأنبياء من الذنوب ومغفرتها لهمن كقوله تعالى لخاتمهم: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٥
стр. 720
فالذنب فيه ـ كما يقول الشيخ رشيد ـ: "جاء على أصل معناه اللغوي المشتق من ذنب الدابة، وهو كل عمل له عاقبة ضارة أو منافية للمصلحة، أو لما هو أولى وأنفع، ويدخل فيه الاجتهاد في الرأي المباح شرعاً كإذن النبي ﷺ لمن استأذنه من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وعاتبه الله عليه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١، وإنما العصمة للأنبياء من معصية الله بمخالفة وحيه إليهم، إذ لو عصوه لكان أتباعهم مأمورين من الله بالمعصية لأنه أمرهم باتباعهم، وقال في نبينا ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٢ ... " ٣.
ومهما يكن من شيء فإن الله تعالى يعصم الأنبياء بعد الأخطاء فيبينها لهم فيعرفونها ويتوبون منها ويتوب الله عليهم فيغفرها لهم، فلا خوف من ذلك على الأنبياء ولا أتباعهم.
стр. 721
المبحث السابع: آيات الأنبياء، وكرامات الأولياء، وخوارق الأشقياء
تمهيد
...
آيات الأنبياء هي أدلتهم وبراهين صدقهم، كما سماها الله تعالى آيات وبراهين ١، فالأنبياء الذين بعثهم الله تعالى لهداية الناس لا بد أن يقيموا على دعواهم دليل الصدق لتقوم الحجة بهم على الناس، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ٢ فإذاً كان المقصود هو معرفة صدق مدعي النبوة أو كذبه، فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ فطرق العلم بالرسالة كثيرة جداً ومتنوعة، منها دلالة المعجزة وغير المعجزة ٣.
ولقد كتب الشيخ رشيد عن آيات الأنبياء ومعجزاتهم، فعرفها بعد أن أثبتها ـ وقارن بينها وبين آيات نبينا ﷺ ورجح آية نبينا ﷺ الباقية على مر الأيام والسنين، شاهدة شهادة صدق دائم لا يغيب. كما تحدث الشيخ عن كرامات الأولياء حديثاً طويلاً مسهباً وقارن بينها وبين آيات الأنبياء ـ وبين السحر كذلك، وفيما يلي أعرض للنواحي التي تناولها الشيخ رشيد في مبحث الآيات.
стр. 722
المطلب الأول: تعريف الشيخ رشيد للآية والمعجزة:
يلاحظ الشيخ رشيد أولاً: أن القرآن عبر عما أيد الله تعالى به الأنبياء من أجل إيمان الناس بهم بالآيات، بينما اصطلح المتكلمون على تسميتها معجزات، واختلفوا في وجه دلالتها على صدق النبي هل هي عقلية أو عادية أو وضعية؟ ١، ويعرض الشيخ رشيد ـ كما هي عادته ـ عن الخوض فيما خاض فيه المتكلمون، ويقول: "ولا نبحث في مثل هذه الخلافات النظرية، وإنما نقول إن القصد منها الحمل على قبول الدعوة والإذعان للرسالة عند استعداد الأمة لذلك وإقامة الحجة البالغة على المعاندين بحيث ينقطع لسان الاعتذار من أهل الجحود والإنكار ... " ٢. ثم يعرفها ـ الآية أو المعجزة ـ بأنها "أمر يؤيد الله تعالى به نبيه ويخضع له به النفوس، وكان يختلف باختلاف الأمم ومعارفها ودرجات ارتقائها ... " ٣.
وقد قرر الشيخ رشيد أن الله تعالى قد أعطى كل نبي من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر بدلالة مثله، وأشار إلى أن البينة هي كل ما يتبين به الحق فهي تشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية ٤. وقد اعتمد الشيخ رشيد في تقريره ذلك على حديث الصحيحين: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ٥.
وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في كلام الشيخ رشيد بيان الفرق بين
стр. 723
آيات الأنبياء وآية نبينا عليهم الصلاة والسلام. إلا أنني هنا أريد أن أؤكد على ما يشير إليه الشيخ رشيد بقوله إن "الآيات التي أيد الله بها الأنبياء ليست محصورة في الخوارق الكونية ... " ١.
فعند قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ ٢ قال إن معنى الآيات فيها: "الدلائل والبينات من براهين عقلية، نظرية كانت أو علمية أو كونية، كآياته تعالى في الأنفس والآفاق، ومنها معجزات الأنبياء ﵈ وأظهرها وأقواها القرآن العظيم من حيث هو دال على صدق النبي الأمي في دعوى الرسالة من وجوه كثيرة ... " ٣.
стр. 724
المطلب الثاني: أنواع الآيات:
لقد قسم الشيخ رشيد آيات الله تعالى إلى أقسام، فقسمها أولاً إلى: آيات كونية آفاقية ـ أي متعلقة بالكون والآفاق كآيات موسى وآيات المسيح صلى الله تعالى عليهما، وأشار الشيخ رشيد إلى أن هذا النوع من الآيات غايته إخضاع النفوس أمام صاحب الآية، وإن كانت نفس الآية لا تشتمل على بيان أمور الدين ومسائله. وأنها أيضاً قد تشتبه على المؤمنين بها وغير المؤمنين بالسحر والشعوذة ٤.
وقسيم هذا النوع عند الشيخ رشيد ـ نوع آخر من الآيات هو أولى وأقوى من تلك وهو الآيات النفسية العلمية ـ وهي كما يعرفها الشيخ: "ما تدل على صدق النبي دلالة حقيقية بالبرهان الذي يجزم العقل بأن صاحبها مؤيد من الله تعالى وموحى إليه ما بلغه ودعا إليه لأنها عبارة عن كون حال
стр. 725
النبي وما جاء به يشهدان بأنهما لا يمكن أن يكونا إلا بإمداد إلهي ووحي سماوي، لأنها كحجة من يدعي الطب ويستدل على دعواه بمعالجة المرضى وشفائهم على يده وبالإتيان بكتاب في الطب إذا عمل به الناس تذهب أمراضهم وتحفظ صحتهم ... " ١.
والفرق بين النوعين من الآيات أن "مدعي الطب إذا استدل على صدقه بأنه يقلب العصا حية ويكشف حيلة مشعوذ يُري الناس الحبال والعصي حيات وثعابين وفعل ذلك لم يكن بين الدليل والمدلول اتصال يربط أحدهما بالآخر ... " ٢.
وهذا هو الفارق بين آية خاتم النبيين وآيات من سبقه من الأنبياء ـ صلى الله تعالى عليهم ـ وهو ما أشار إليه الحديث السابق في قوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحياً" وسيأتي مزيد بيان لذلك ـ إن شاء الله ـ.
وأود أن أشير هنا إلى قول الشيخ رشيد في النوع الثاني: "إنها عبارة عن كون حال النبي وما جاء به يشهدان بأنهما لا يمكن أن يكونا إلا بإمداد إلهي" وإلى أن هذا يعني الاستدلال من جهتين:
الأولى: حال النبي: وهو استدلال شخصي، وهو ما استدل به ملك الروم في سؤالاته لأبي سفيان ٣.
والثاني: نوعي: وهو المقارنة بين ما جاء به ومعرفة نوعه، مع نوع ما جاء به الأنبياء ـ وهو ما استدل به النجاشي ٤ وورقة بن نوفل ٥. يقول الشيخ رشيد: "لقد كانت عمدة هذا الرسول ﵊ في الاستدلال على
стр. 726
نبوته ورسالته: نفسَه وما جاء به من النور والهدى كالطبيب الذي يستدل على إتقانه صناعة الطب بما بيديه من العلم والعمل والنجاح فيها" ١.
ويقسم الشيخ رشيد آيات الله تعالى أيضاً ـ وبشكل عام ـ إلى نوعين: الأول: الآيات الجارية على سننه تعالى العامة المطردة في نظام الخلق والتكوين، وهي أكثرها، وأظهرها وأدلها على كمال قدرته وإرادته وإحاطة علمه وحكمته وسعة فضله ورحمته" ٢.
والنوع الثاني: "الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهي أقلها، وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره عزوجل في جميع ما خلق وما يخلق وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التي قام بها نظام العالم، فالسنن مقتضى حكمته وإتقانه لكل شيء خلقه، وقد يأتي بما يخالفها لحكمة أخرى من حكمه البالغة ... " ٣.
وفيما يخص النوع الثاني ـ وهو ما جاء على خلاف السنن ـ فإن الشيخ رشيد يقسمه أيضاً إلى حقيقي وصوري. فالحقيقي هو "آيات الله تعالى الحقيقية التي نسميها المعجزات هي فوق هذه الأعمال الصناعية الغريبة، لا كسب لأحد من البشر، ولا صنع لهم فيها، وإن ما أيد الله به رسله منها لم يكن بكسبهم ولا عملهم ولا تأثيرهم حتى ما يكون بدؤه بحركة إرادية يأمرهم الله تعالى بها ... " ٤.
وأما القسم الصوري: فهو الأعمال الصناعية "فإن منها ما له أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هو صناعي يستفاد بتعليم خاص، وإن منها لما هو من خصائص قوى النفس في توجيهها إلى مطالبها وفي تأثير أقوياء الإرادة في ضعفائها ... " ٥.
стр. 727
وأخيراً يقسم الشيخ رشيد آيات الأنبياء إلى معجزات كونية، كآيات موسى، وروحانية كآيات المسيح صلى الله تعالى عليهما، ويفرق بينهما بأن الأولى منها لا تحتمل أن تكون بسبب من الأسباب المعروفة بين الناس كالرياضة وتوجيه الإرادة أو خواص المادة، وإن الثانية: على كونها خارقة للعادات الكسبية وعلى خلاف السنن المعروفة للناس ـ إلا أنها قد يظهر فيها أنها على سنة الله في عالم الأرواح ١.
على أن هذه الفروق قد لا تسلم للشيخ رشيد ـ وهولم يسبق إليها ـ على أنه كان يعرض هذا في مقام المناظرة وإقامة الحجة على أهل الكتاب ـ والغلبة يومئذ لهم ـ وفي سياق إثبات الوحي المحمدي وعلوه وتفوقه على غيره.
وأما كون بعضها من قوى النفس، وكما سبق أن أشرت فهذا من أثر فلسفة الشيخ محمد عبده في رشيد رضا، فإن الفلاسفة يقولون: إن معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة: هي قوى أنفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية دون انشقاق القمر ونحو ذلك فإنهم ينكرونه ٢.
إثبات معجزات الأنبياء بالقرآن:
أشار الشيخ رشيد إلى حقيقة هامة وهي "أنه لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء في هذا العصر بحجة لا يمكن لمن عقلها ردها، إلا هذا القرآن العظيم، وما ثبت فيه بالنص الصريح منها ... " ٣.
وهذه الحقيقة التي أشار إليها الشيخ رشيد ترد على شبهتين أدتا إلى إنكار المعجزات ودلالتها على النبوة: الأولى منهما: أن التواتر غير متوافر
стр. 728
في كتب أهل الكتاب التي نقلت هذه المعجزات، وهو الذي يحملنا على تصديقها. والثانية: أن وقوع الخوارق المذكورة فيها لا يدل على النبوة والرسالة، وأنها خوارق غير حقيقية ١.
أما آية القرآن "فهي باقية ببقائه إلى يوم القيامة، وكل واقف على تاريخ الإسلام يعلم علماً قطعياً أنه متواتر تواتراً متصلاً في كل عصر، ... وإذ قد ثبت بذلك كونه وحياً من الله تعالى فقد وجب الإيمان بكل ما أثبته من آياته في خلقه ... وكما يجب على كل مؤمن أن يؤمن بها، يجب أن يؤمن بانقطاع معجزات الرسل بعد ختم النبوة بمحمد ﷺ ... " ٢.
وهذه أيضاً من الفروق بين آية خاتم النبيين وآيات من سبقه من المرسلين ـ صلى الله تعالى عليهم ـ فهي باقية بقاء الدهر، ثابتة بنفسها مثبتة لما سبقها، لا يتطرق إليها احتمال الاشتباه بالخرافات والشعوذات والحيل، كما تطرق إلى ما سبقها من آيات الرسل الكونية، وكما تأولها من تأولها من الملحدين، وأخيراً فإن القرآن ـ وهو آية كونية أيضاً ـ كما يقرر الشيخ رشيد ـ فهو آية علمية عقلية، ويمتاز أيضاً بأنه يدل على صدق الرسالة كما يدل على موضوعها ومضمونها ٣. وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى.
стр. 729
المطلب الثالث: كرامات الأولياء:
ومما يناسب الحديث عن معجزات الأنبياء الحديث عن كرامات الأولياء، لأن كرامات الأولياء إنما حصلت ببركة اتباع الرسول ﷺ ، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ٤.
стр. 730
ولقد أطال الشيخ رشيد الحديث في موضوع الكرامات وأعاد وكرر ذلك في مجلته وتفسيره وغيرها من مؤلفاته. وسوف أحاول أن اخلص من بين ذلك كله إلى تصوير رأيه ومنهجه في هذا البحث من خلال النقاط التالية:
أولاً: تعريف الولي:
عرف الشيخ رشيد كلمة "الولي" لغة وشرعاً، فقال: "الولي في اللغة الناصر والمتولي للأمور وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من دونه أولياء وقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١، وقال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢، وقال ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٣.وأولياء الله هم أنصار دينه، والمميز لهم كمال الاتباع المعبر عنه بالتقوى، فكل مؤمن تقي ولي، وليس عمل الغرائب ولا صدور الخوارق دليلاً على التقوى ولا على الولاية. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤ ... " ٥.
ثم بين الشيخ رشيد أن هناك اصطلاحاً ـ جاء لاحقاً ـ هو: "أن الأولياء صنف من الناس تظهر على أيديهم الخوارق ويتصرفون في الكون بما وراء الأسباب، ولم يعرف الصحابة هذا المعنى ... " ٦.
وهذا المعنى هو الذي حاربه الشيخ رشيد، وبين الفرق بين أصحابه المدعين للولاية وبين أولياء الله الحقيقيين الذين وصفهم القرآن بالإيمان والتقوى وبين أن هذا المعنى الاصطلاحي الحادث للولاية لم يكن معروفاً في صدر الإسلام. فقال: "إن ما يعتقده عوام المسلمين في الولاية في هذه الأزمنة لم يكن معروفاً
стр. 731
في صدر الإسلام بالمرة، فلم يكن الصحابة يدعون بعض عبادهم بالأولياء. والولي في اللغة الناصر والصديق والمتولي الأمر، وجاء في القرآن أن لله أولياء وللشيطان أولياء، ... فولي الله من ينصر دينه ويقيم سنته وشريعته ... " ١.
وأما الأولياء الجدد فإنهم لا تنطبق عليهم هذه الصفات الشرعية، يقول الشيخ رشيد: "إنك إذا بحثت في حال الذين يدعون الخوارق تجدهم طلاب مال وطلاب جاه، وإنهم يقصدون بما يأتون استرهاب الناس بما يوهمونهم من قدرتهم على إيذائهم متى شاءوا أو تعليق آمالهم بهم وإيهامهم أن بأيديهم مقاليد الرزق ومفاتح الغيب، أو الجمع بين الأمرين، حتى إنهم جعلوا إرادة الله تابعة لإرادتهم، كما قالوا في الكلمة المأثورة عن الربانيين منهم: إن لله عباداً إذا أرادوا أراد ... " ٢.
ويصف أحد هؤلاء الأولياء المدعين، بما يبين الحال التي وصل إليها مفهوم الهداية عند الناس: "في الجيزة ٣ شيخ من الذين يعتقد الناس فيهم الولاية وينسبون لهم الكرامات، وهذا الشيخ متهتك مدمن خمر يجلس في الحانات التي في الشوارع العمومية ويشرب في مجلس واحد أكثر من ثلاثين كأساً، ونقل إلينا أن بعض الأغنياء الموصوفين بالصلاح يتقربون إلى الله ـ تعالى وتنزه عن تقربهم ـ بدفع ثمن الخمرة التي يشربها ويزعمون أن سؤره من الخمر فيه شفاء وبركة فيشربونه بهذه النية ... وحزب ولي الجيزة يعتقدون أنه يشرب الخمر فينزل في جوفه خمراً، ولكنه من أحباب الله (حاشا لله) الذين لا يؤاخذهم ولا يؤاخذ من ينتمي إليهم ويتصل بهم، وهذا الاعتقاد كفر وخروج عن ملة الإسلام بلا خلاف بين الأئمة. وما أوقع
стр. 732
الناس فيه إلا الغلو في اعتقاد الكرامات وجعلها صناعة من الصناعات ... " ١.
وهكذا تحول معنى الولي من الالتزام بالدين بدرجة كبيرة من الإيمان والتقوى، إلى أن أصبح الخروج من الدين إلى الكفر. لقد وصل الأمر بهؤلاء المدعين للكرامات إلى دعوى أنهم يتصرفون في الكون نيابة عن الله تعالى؛ فيسعدون ويشقون، ويحيون ويميتون، ويعزون ويذلون، يقول الشيخ رشيد في ذلك: "حتى قال بعضهم إنهم يخرجون من قبورهم بأجسادهم، ويتولون قضاء الحاجات، وكشف الكربات، ولو كانت كذلك لما كانت من خوارق العادات. وقال بعضهم في كتاب مطبوع: إن فلاناً من الأقطاب يميت ويحيي، ويسعد ويشقي، ويفقر ويغني، بل قالوا وكتبوا ما هو أبعد من ذلك عن نصوص الكتاب والسنة القطعية المحكمة والعقائد المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة في الأصل وما كان عليه مسلمو القرون الأولى، فصارت بانتشار الخرافات والجهل من الكرامات ... " ٢.
فليس وقوع الخوارق على يد بعضهم دليلاً على ولايتهم، وإنما يعرف ولي الله تعالى بالأوصاف التي وصفهم بها الله تعالى. يقول الشيخ رشيد: "وإنما يعرف ولي الله تعالى والصالح من عباده بأمر واحد وهو مطابقة اعتقاده للحق المؤيد بالبراهين الصحيحة، وموافقته في أخلاقه وسجاياه وأعماله السرية والجهرية لما أرشد إليه الدين والعقل ... " ٣. ومذهب الأشعرية أن الخوارق تقع على يد الجميع حتى الكفار والفساق، فيقول الشيخ رشيد معلقاً "وفي كتب العقائد التي تقرأ في الأزهر وغيره ... أن خوارق العادات تظهر على أيدي جميع أصناف الناس حتى الكفار
стр. 733
والفساق ... وإننا نقول لمن يأخذون أقوال هؤلاء بالتسليم: إذا كانت الخوارق تقع على أيدي جميع طبقات الناس فلا يجوز الاستدلال بها على أن من تظهر على يديه محق في اعتقاده أو مرضي عند ربه ... " ١.
هذه الحالة التي وصل إليها مفهوم الولاية والكرامة حتى وصلت للشرك بالله تعالى هو الذي جعل الشيخ رشيد يعلن الحرب على خوارق الدجالين المشعوذين، ويتخذ مع مبحث الكرامات عموماً موقفاً متشدداً. وهو ما نراه في المبحث التالي.
ثانياً: الكرامات:
لقد بحث الشيخ رشيد مسألة الكرامات ضمن المجلدين الثاني والسادس، وفي غيرهما من مؤلفاته. وقد حصر الكلام في هذه المسألة في النقاط التالية: حقيقتها، والحكمة فيها، حجج القائلين بجوازها ووقوعها، حجج المنكرين لها، ادعاء جميع الأمم لها، منفعة الاعتقاد بها ومضرته، وتمحيص الحقيقة فيما نقل من الكرامات.
وقد يبدو من سياق حديث الشيخ في المجلد الثاني ـ بادئ الرأي ـ أنه ينكر الكرامات أو على الأقل يرجح أدلة المنكرين، ولكن يحسن بنا أن نتريث حتى نصل إلى النهاية.
أ) ـ تعريف الكرامة:
عرف الشيخ رشيد الكرامة، فقال: "بأنها الأمر الخارق للعادة يظهر على يد العبد الصالح وهو من يقوم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد. والأمر الخارق للعادة إما أن يكون خرقه لها بمجيئه على خلاف سنن الكون المعروفة ونقيض ما تقتضيه، أو بكونه لم تعرف له سنة طبيعية يندرج فيها، وإن كان في الواقع ونفس الأمر مندرجاً تحت ناموس طبيعي غير معروف عند كافة الناس. مثال الأول: العلم والتهذيب اللذين كان عليهما نبينا عليه
стр. 734
الصلاة والسلام مع كونه لم يتعلم ولم يتربَ ... ومنه إحياء الموتى لسيدنا عيسى، وعصا سيدنا موسى ﵉، ومثال الثاني: المكاشفات ومعرفة بعض الأمور قبل وقوعها، فإن للنفوس البشرية والأرواح الإنسانية استعداداً لهذا الأمر ولله تعالى فيه سنة روحية ... ولكن هذه السنة لم تزل من الأمور الغامضة التي لم يهتد إليها أكثر الناس ... " ١.
ثم أورد الشيخ رشيد حجج المثبتين للكرامات، ولخصها بأنها على ضربين:
الأول: ما جاء في الكتاب العزيز، وقد أول الشيخ رشيد هذه الآيات محاولاً صرفها عن دلالتها على وقوع الكرامات لغير الأنبياء.
الثاني: ما ورد عن السلف ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وتتبع الشيخ ما روي في ذلك، فأوّل بعضها وسلّم بعضها ٢. قال الشيخ رشيد: "فتخلص مما تقدم أن قصارى ما يحتج به من الآيات الكريمة أن الله أكرم أم موسى بالإلهام الصحيح، وأكرم السيدة مريم بكلام الملائكة، وليس في هذين الأمرين مخالفة لسنن الله تعالى في الخلق، وأن لله تعالى في خلقه آيات لا تنطبق على سنن الكون المعروفة كحبل مريم وولادتها من غير اقتران برجل، وكالضرب على آذان أهل الكهف سنين عدداً. فأما الإلهام فإنه لا يزال يقع في كل عصر لأصحاب النفوس العالية، فهو كرامة اختصوا بها من دون سائر الناس. وأما كلام الملائكة للناس فلم يثبت لغير الأنبياء بوجه قطعي إلا لمريم، فإن كانت غير نبية فهو كرامة قطعية لها تدل على جوازه لغيرها ... " ٣.
وإذا كان لله تعالى آيات خارجة عن سنن الكون فهذه هي التي نقول إنها: الكرامة. وهو ما سلمه الشيخ رشيد نفسه إذ يقول: "ونقول نحن في
стр. 735
هذا المقام إن لله تعالى في خلقه آيات تدل على أن قدرته تعالى حاكمة على سنن الكون لا محكومة بها. وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ ١، فحبلها على غير النحو المعهود في الخلق ليس لها فيه كسب ولا عمل بوجه ما، بل كانت كارهة له، فإن كان يعد مما نحن فيه فقصارى ما يدل عليه جواز وقوع مثله، وهذا هو مراد السبكي وغيره بالاستدلال به وبنحوه مما يأتي، أما الوقوع بالفعل، فلا يثبت إلا بدليل قطعي كالمشاهدة وكنص القرآن أو الخبر المتواتر تواتراً حقيقياً ... " ٢. ويقول في مسألة الثبوت: "على أنني إذا ثبت عندي أثر ابن عمر ﵄ بسند صحيح فإني أعده كرامة أكرمه الله بها بإلهام الأسد التنحي عن الطريق، ولكن لا أقول إن فيه مخالفة لسننه تعالى في الخلق، فإن مثل هذه الإلهامات بخلاف ما تقتضيه العادات الطبيعية الغالبة معهود في العجموات وفي الإنسان أيضاً ... " ٣.
والذي أريده الآن هو ثبوت الكرامة بالسند الصحيح فيضاف إلى الطرق التي بينها الشيخ رشيد: القرآن والتواتر.
وأما مسألة مخالفة السنن فهي التي تحتاج إلى استفهام من الشيخ رشيد. إنه يقول: "إن الله تعالى قد أقام نظام هذا الكون على سنن ثابتة مطردة ... وقال: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ ٤، وهذا نص قطعي لا معارض له إلا بقطعي مثله من مشاهدة ... أو تواتر صحيح ... وإذا أمكن إثبات الكرامات بدليل قطعي كالتواتر الصحيح أو النص القرآني الصريح، فهناك حجة الإثبات ناهضة ... " ٥.
فهل يرى الشيخ رشيد أن الآية تدل على عدم جواز وقوع الكرامات
стр. 736
التي هي خرق للعادة والسنن الكونية، ولكن ما القول في معجزات الأنبياء، وهو يثبتها، وقد وقعت مخالفة لهذه السنن كما رأينا؟ وليس لأحد أن يفرق بين المعجزة والكرامة في أصل التبديل والتحويل لما هو معتاد في نظام الكون.
والحق أن الشيخ رشيد لا ينكر كرامات الأولياء إلا أنه يريد أن يضيق الباب أو يغلقه في وجه الدجالين والمشعوذين، كما أنه يريد أيضاً ـ وهو ما صرح به ـ رد حجة أهل الكتاب الذين لا يحتجون على صحة دينهم إلا بالعجائب ـ خوارق العادات ـ وليس لهم برهان على عقائدهم، ولا سند متواتر على صحة كتابهم، بل ويحتجون على المسلمين بأن القرآن لم يثبت لنبينا ﷺ العجائب والخوارق، فهو إذن ليس نبياً، ولا يرون العلم الإلهي والشرائع الدينية والمدنية وتكوين الأمم وسياستها من رجل أمي تربى يتيماً في جاهلية جهلاء وأمه أمية، لا يرون هذا كله تأييداً إلهياً وبرهاناً على صدقه قطعياً، وإنما البرهان عندهم هو تلك الحكايات التي ينقلونها في عجائب مقدسيهم وينقل الوثنيون عن كهنتهم أعظم منها ١.
وأما مسألة السنن ومخالفتها: فيفسر الشيخ رشيد ذلك بأن مراده السنن العامة لأن مخالفة آيات الأنبياء وكرامات الأولياء للسنن المادية مشاهد ومنقول بنص الكتاب العزيزـ هكذا يقول الشيخ رشيد ٢ إلا أنه لم يقل لنا ماذا يقصد بالسنن العامة والسنن الأخرى الخاصة.
لقد اتخذ الشيخ رشيد موقفاً متشدداً من الكرامات لهذين السببين اللذين ذكرهما، أما معجزات الأنبياء، فكانت عنده مصونة من كل خطر، لا يتطرق إليها الشك ٣ وأما هذا الموقف المتشدد من الكرامات فقد اتخذه ـ أيضاً ـ لما أوقع فيه مما يسميه: "ضرر الاعتقاد بها" وأكبر ذلك: أنها صارت صناعة من الصناعات وزلزلت قاعدة العقائد الكبرى وهي توحيد الله
стр. 737
تعالى وأوقعت الناس في ضروب من الشرك الأصغر والأكبر ١، ومنها أيضاً: أنها أدت إلى إباحة الموبقات وتحريم الواجبات لأنه لا يجوز الإنكار على الأولياء لأن المعصية التي تشاهد منهم هي صورية لا حقيقية ولذا يجب تأويلها، فإذا رأيت أحدهم يشرب الخمر فاعتقد أنه انقلبت عينها كرامة له فصارت لبناً أو عسلاً، وإذا رأيته يترك الصلاة فاعتقد أنه يصلي بمكة أخذاً من قول السيد البدوي في الرد على الذين اتهموه بذلك:
ولم يعلموا أني أصلي بمكة
مع السادة الأقطاب أهل الطريقة ٢.
وفي ضندتا قالوا صلاتي تركتها
أصلي صلاة الخمس في البيت دائماً
هذا ـ وغيره ـ مما ذكره الشيخ رشيد من ضرر على اعتقاد المسلمين، بسبب ما آلت إليه مسألة الكرامات.
ويقول الشيخ رشيد: "إننا لا نقول بأن ما يعبر عنه بخوارق العادات غير جائز ولا غير واقع بل نقول الآن، كما قلنا من قبل إنه جائز وواقع وإن كانت الآيات التي أيد الله بها الأنبياء ليست محصورة في الخوارق الكونية ... " ٣. ويبين غرضه من موقفه فيقول: "ويعلم الله أن غرضي من فتح باب التأويل المحافظة على دين الله تعالى وإرشاد عباده إلى التمييز بين الحقائق والأوهام ... " ٤.
وخلاصة الأمر أن الشيخ رشيد يثبت الكرامات الصحيحة لأولياء الله الحقيقيين: حتى إنه نفسه من أصحاب الكرامات كما يحكي لنا ذلك في "المنار والأزهر" ٥ ويقول: "وههنا نرجع إلى مذهب جمهور أهل السنة فنقول: إن الكرامة جائزة ... " ٦.
стр. 738
ب) ـ الحيلة في دعوى الكرامة:
ويبين الشيخ رشيد أن الكرامة صارت تقع بالحيل والكذب، فمن ذلك ما راج بين ألوف المصريين ـ ذلك الحين ـ أن أرواح الشهداء تطوف في أعلى قبة في إحدى القرى، وقد كشف تلك الحيلة بعض علماء الأزهر ـ فذهب غير واحد إلى هناك فتبين لهم أن هذه الكرامة مصنوعة للمرتزقين هناك من السدنة وأن الذي يرى في القبة إنما هو ظلال رجال يطوفون للمرتزقين وقت الأصيل حول القبة في مكان يحاذي الكوىمن أعلاها، فيوهم السدنة النساء والأطفال ومن في حكمهم من الرجال أنهم شخوص الشهداء وزاد بعضهم أنه اكتشف حيلة أخرى وهي أنهم يطلعون الناس في قبر هناك على رأس مكسو بشعر طويل يزعمون أنه رأس شهيد لم يتغير بمرور القرون عليه، ولكن الشيخ وصل إلى الرأس فإذا هو جمجمة قديمة بالية وإذا بالشعر قد ألصق عليها حديثاً بنحو صمغ أو غراء ١.
وروى الشيخ رشيد أيضاً حكايات تتعلق بالطعام والشراب مما عدّ من الكرامات، وما هو إلا حيل وكذب ٢.
ونكتفي بذلك ـ عن الحديث عن الكرامات الكاذبة التي وقف الشيخ رشيد منها هذا الموقف، ونعود إلى الحديث عن الكرامات الصادقة ونرى تفريق الشيخ رشيد بينها وبين معجزات الأنبياء، وبين هذه وبين السحر والشعوذة.
جـ) ـ الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق الأشقياء:
خوارق العادات على ثلاث مراتب: الأولى: آيات الأنبياء، والثاني: كرامات الأولياء، ثم خوارق الأشقياء كالسحرة والكهان ٣.
والحق أن آيات الأنبياء وكرامات الأولياء من جنس واحد، فإنه ـ وكما
стр. 739
ذكرت قبل ـ تعد كرامات الأولياء من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا ذلك باتباع طريق الأنبياء. ومثل ذلك أيضاً ما تقدم من الإرهاص ١ ومع ذلك فإن كرامات الأولياء لا تبلغ قط إلى مثل معجزات الأنبياء والمرسلين، فالولي دون النبي والرسول فكما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب مبلغهم، فلا تبلغ كراماتهم مبلغ آياتهم ٢.
وقد ذكر الشيخ رشيد فروقاً بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء ـ تبع فيها المتكلمين في تفرقتهم ـ والحق أن الفروق التي ذكروها فروق ضعيفة، كقولهم: الكرامة يخفيها صاحبها، أو لا يتحدى بها فلا تكون مقرونة بدعوى النبوة وأنها لا تتكرر ٣، إلا أن الشيخ رشيد ذكر فرقاً صحيحاً وهو قوله: "إن الكرامة لا تبلغ مبلغ المعجزة كإحياء الموتى وإنما تكون فيما دون ذلك كشفاء مرض ومكاشفة خلافاً للقول المشهور (ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي) ... " ٤.
وعن هذه العبارة يقول الشيخ رشيد: "العبارة ليست حديثاً ولا أثراً عن الصحابة، وهذه الاصطلاحات من المعجزة والكرامة والولاية قد حدثت من بعدهم، وإنما هي كلمة لبعض المشايخ، وافقت هوى الناس فتلقوها بالقبول وصارت عندهم من قبيل القواعد الدينية وسارت بها الأمثال فيما بينهم، ونحمد الله أننا لم نعدم في شيوخ التصوف والعلم من أنكرها ... " ٥.
وهذا الفرق صحيح فلا تبلغ كرامات الأولياء آيات الأنبياء، كالفرق بين الأنبياء والأولياء، ومهما يكن من شيء، فإن كرامات الأولياء مؤيدة لمعجزات الأنبياء، بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاصات ولكن الذي يحتاج إلى
стр. 740
الفرق هو ما يحدث للأشقياء من الخوارق كالسحرة والكهان وغيرهم، ليظهر الفرق بين الحق والباطل، كما يعرف الفرق بين النبي والمتنبي.