← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فلا يتعارض مع الحب الذي يجب أن يكون خالصاً لله تعالى، إلا إذا غلا ذلك الحب وطغى على تقديم محبة الله، أو تسبب في الإنشغال عن طاعته، فإنه يكون حينئذ من الحب المنهي عنه. ج- الشرك في الخوف: ولما كان الله تعالى هو النافع الضار، فقد أمر عباده أنْ يخافوه ولا يخافوا أحداً سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناساً خائفين منهم، ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما في الآية الأولى، بل يجب عليه أن يخاف الله، فخوف الله أمر به، وخوف الشيطان وأوليائه نهى عنه"٢. وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ... ﴾ ٣ الآية.

стр. 107

وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ١. إلى غير ذلك من الآيات التي تفيد أن من أخلص الناس في العبادة وأكملهم إيماناً أخوفهم لله تعالى، وأشدهم له خشية. والخوف الذي لا يجوز تعلقه بغير الله أصلاً، هو: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض، أو فقر، أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخلوق بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله نداً يخافه هذا الخوف؛ فهو مشرك٢. أما الخوف الطبيعي كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، وحريق، ونحو ذلك هذا لا يذم٣. ومن هذا القبيل خاف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أكمل الناس توحيداً، فهذا إبراهيم ﵇ لما جاءته الملائكة بالبشارة في صورة الآدميين، وقدم لهم عجلاً ظاناً إنهم من البشر، ورأى أيديهم لا تمتد إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، عند ذلك قالوا له: ﴿لاَ

стр. 108

تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ١. وذكر الله تعالى هذا الخوف عن موسى ﵇ لما قتل المصري حين استغاثه الإسرائيلي ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٢. وكذلك لما أمره الله تعالى أن يلقي عصاه، ورآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب، حتى قال له الله : ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ٣. د- الشرك في الطاعة والانقياد: ولما كانت الطاعة من أعظم أنواع العبادات التي أمر الله بها، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ٤. قال المراغي في تفسيره: "أي أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبين للناس ما نزل إليهم، فقد جرت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه رسل منهم تكفل بعصمتهم، وأوجب علينا طاعتهم. وأطيعوا أولي الأمر، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند،

стр. 109

وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، بشرط أن يكونوا أمناء، وألا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسوله الصحيحة، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه"١. أما من أطاع أحداً من الخلق في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحلّ الله، فقد اتخذ ذلك المخلوق رباً في التشريع من دون الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. وروى الترمذي وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه"٣.

стр. 110

وفي لفظ: قال عدي: يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة.. فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه إما ديناً، وإما دنيا، وإما ديناً ودنيا، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئاًَ في طاعته بغير سلطان من الله"٢.

стр. 111

٧- صور من الشرك في العبادات: ويشتمل على يأتي: أـ دعاء غير الله. ب ـ الغلو في قبور الأنبياء والصالحين. ج ـ الشرك في الذبح. د ـ الشرك في النذر. هـ ـ إدعاء علم الغيب. وـ السحر والخداع. ز ـ الأحجبة والرقى والتمائم. أ- دعاء غير الله: ومن أنواع الشرك: دعاء غير الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى بين أن الدعاء من أجلّ العبادات وأكرمها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١.

стр. 112

وقال الرسول ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ١. فعلى هذا فمن دعا أحداً غير الله تعالى ممن لا يملك جلب نفع، أو دفع ضر، فقد وقع في الشرك، سواء كان ملكاً من الملائكة المقربين، أو نبياً من المرسلين، أو ولياً من الصالحين، أو جنياً من الشياطين، أو أي مخلوق حياً أو ميتاً. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.

стр. 113

وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ الآية. وكذلك لا تجوز الاستعاذة أو الاستغاثة ونحوها إلاّ بالله تعالى. ب- الغلو في قبور الأنبياء والصالحين: ومن أنواع هذا الشرك الخبيث، والداء العضال، والوباء المعدي، والسرطان الفتاك، الذي ما حل بأرض إلا شوه معالمها، وأهلك أهلها، وعطل مسيرتها، الغلو والمبالغة وتجاوز الحدود في تعظيم قبور الأولياء وتقديسها. وقد نهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وتوعد الغالين، فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ ٣ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ

стр. 114

أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ١. قال ابن كثير ﵀ عند الآية الأولى: "ينهى تعالى أهل الكتاب من الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله، يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوا، سواء كان حقاً أو باطلاً، أو ضلالاً أو رشاداً، أو صحيحاً أو كذباً"٢. وقال ﵀ عند الآية الثانية: "أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلاّ لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً "٣. كما لعن النبي ﷺ اليهود والنصارى لغلوهم

стр. 115

في اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، محذراً أمته من الوقوع في ما وقع فيه أولئك القوم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١. وعن جندب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ... ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ٢. وجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق

стр. 116

عند الله" ١. وأمر النبي ﷺ بتسوية القبور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" ٢. والأحاديث التي تنهى عن البناء على القبور، وتوجب هدمها كثيرة، وصحيحة، وصريحة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فأما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه"، ثم قال: "فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم، يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين"٣.

стр. 117

وعلى كل فالغلو في الصالحين والأولياء، والعكوف عند قبورهم بالصلاة، أو الدعاء، أو الذبح، أو الطواف، أو النذر، ونحو ذلك، لهو من أعمال الشرك الذي حذرنا منه ديننا الإسلامي، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة الأنبياء، والأولياء، والصالحين، ولكن لا نرفعهم فوق المنزلة التي لهم من العبودية لله تعالى، وإنما تكون محبتهم باتباع ما دعوا إليه من الهدى والعلم النافع، والتقوى والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم في ذلك دون عبادتهم، وعبادة قبورهم والعكوف عليها. ج- الشرك في الذبح: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. قال ابن كثير: "يأمر الله نبيه ﷺ أن يخبر المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له، بأنه أخلص صلاته وذبيحته، لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية، والعزم على الإخلاص لله تعالى"٢.

стр. 118

وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١. ومن هذا يتبين لنا أن من ذبح لغير الله من الجن، أو الإنس، أو الأنبياء، أو الصالحين وغيرهم، من الأصنام والأوثان، فقد أشرك بهذا الفعل غير الله تعالى، ولا يجوز أكل ذبيحته؛ لأنها مما أهل لغير الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلو ذبح لغير الله متقرباً به إليه لحرم، وإن قال فيه بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب بالذبح والبخور، ونحو ذلك"٣. د- الشرك في النذر: والنذر -كما يقول اللغويون-: ما كان وعداً على شرط٤، أو أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر٥. وقد ورد النهي عنه في قوله ﷺ : "لا تنذروا فإنّ النذر لا يغني من القدر شيئاً، ولا يؤخر، وإنما يستخرج به من

стр. 119

البخيل" ١. لكن العبد إذا نذر لزمه الوفاء بنذره، بشرط أن يكون النذر في طاعة الله تعالى، وفيما يملك الناذر، قال ﷺ : "من نذر أن يطع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه" ٢. وقال ﷺ : "لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٣. لهذا فإن النذر قربة من القرب، وعبادة من العبادات، يجب أن تكون خالصة لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٤. وقال تعالى في مدحه للأبرار من عباده: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا

стр. 120

كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ١. أما النذر للأضرحة والأصنام والأوثان، والأولياء والصالحين، ونحو ذلك، طلباً لنفعهم، أو رجاء شفاعتهم، فلا ريب أن ذلك من الشرك الواضح الصريح؛ لأنه صرفت فيه العبادة لغير الله تعالى. جاء في الحديث أن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً ببوانة٢، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "هل كان فيها صنم من أصنام الجاهلية يعبد؟ فقيل: لا، فقال: هل كان فيها عيد من أعياد الجاهلية يقام؟ فقيل: لا، فقال للرجل: أوف بنذرك"٣. ?- ادعاء علم الغيب: لم يطلع الله تعالى أحداً من خلقه على علم الغيب -سوى الملائكة والرسل- ومن زعم أنّ أحداً من الناس يعلم الغيب فقد وقع في الشرك. وقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة نصوص مستفيضة أن علم الغيب هو من خصائص الله تعالى التي استأثر الله بها، ومن هذه النصوص،

стр. 121

قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢. وورد في الحديث الصحيح أنّ رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، لا يعلم أحد ما يكون في غده، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر"٣. واستثنى الله تعالى من ذلك الملائكة، والرسل الكرام، فقد أطلعهم على ما شاء لهم أن يعرفوه من غيبه، من أجل تبليغ رسالاته وأوامره إلى خلقه، بما لا يخرج عن نطاق ما يكون فيه مصالح البشر ومنافعهم. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ

стр. 122

رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ١. قال ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ : "وهذا يعم الرسول الملكي والبشري"٢. أما ما عدا ذلك، فلا يعلم أحدٌ من خلقه شيئاً مما استأثر بعلمه من الغيب، حتى الرسول ﷺ نفسه نفى الله عنه الإحاطة بالغيب، إلا ما شاء الله، ولذلك علم الله خاتم رسله أن يقول للناس ما ورد في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٣ الآية. وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤. فإذا كان الرسول ﷺ -وهو سيد البشر على

стр. 123

الإطلاق قد نفى الله عنه علمه بالغيب، إلاّ ما يوحيه إليه بواسطة الملك، فكيف يزعم الدجالون معرفتهم للغيب، واطلاعهم على أمور مستقبلة؟ ومن هذه المزاعم ما يفتريه بعضهم بأنّ الجن يعرفون غيب الماضي.. مع أن الله تعالى نفى عن الجن معرفتهم بالغيب كله، ماضيه ومستقبله. وقصة الجن الذين سخرهم الله للعمل بين يدي سليمان ﵇، يذكر القرآن الكريم أن سليمان بعد أن مات أعمى الله موته عن الجن، ولو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا مدة من الزمن، وهم يعانون الأعمال الشاقة. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ١ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ٢. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عمّى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئاً على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس ﵄ ومجاهد والحسن وقتادة، وغير واحد مدة طويلة، نحواً من

стр. 124

سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة ضعفت وسقطت على الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة، وتبينت الجن والإنس أيضاً أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك"١. كما نجد أنّ القرآن الكريم يصرح بأنّ الجن قد نفوا عن أنفسهم معرفة الغيب كلية، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ٢. و السحر والخداع: ومن أنواع الشرك الممقوت، الاشتغال بالسحر وتصديق السحرة، قال ابن منظور: "والسحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق، فهو سحر"٣. وقال ابن فارس: "السحر قال قوم: هو إخراج الباطل في صورة الحق. ويقال: هو الخديعة"٤.

стр. 125

وقال الراغب: والسحر على معان: الأول: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يده، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ ١. وقال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٢. الثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣. وعلى ذلك قوله : ﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٤. والثالث: ما يذهب إليه الآغتام -الجهلة- وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حماراً، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين "٥.

стр. 126

ولهذا فإن السحر في اللغة، هو: عبارة عما خفي ولطف سببه، وقد جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ من البيان لسحرا، أو إن بعض البيان سحر" ١. وسُمّيَّ السّحرُ سحراً؛ لأنه يقع خفياً آخر الليل٢. وقد سمى الله تعالى السحر كفراً، قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٣. وقد حذّر الله تعالى أمته عن السحر والاشتغال به، لأن الشياطين يعلمونه للناس عن طريق الوسوسة إليهم، ويعرفونهم كيف يوقدون العداوات ويثيرون الفتن بين الزوج وزوجته بالنميمة والوشاية، وفي هذا العمل قطع للأرحام، وخراب للبيوت والعمران. قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ٤.

стр. 127

وقد ذمّ الله عمل الساحر ووصفه بالخسران في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ١. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه" ٢. لذلك: "فمن مارس السحر، ودعا بأسماء الشياطين، وعقد العقد، ووضع التمائم والحروز التي تذكر أسماء الجن، وفعل محبات ومكاره

стр. 128

للأزواج والزوجات، فقد وقع في الكفر"١. ز- الأحجبة والرقى والتمائم: ومن الشرك عمل الأحجبة والرقى، وتعليق الودع ونحوها على الأولاد والحيوانات والسيارات، وكذلك البيوت والدكاكين. وقد عرف الجاهليون قديماً هذه الأعمال نتيجة لاعتقادات وهمية باطلة. ولما جاء الإسلام الحنيف، حارب تلك الإعتقادات الفاسدة، والخرافات الساقطة، وحذّر الناس من أخطارها وويلاتها، نظراً لما يترتب عليها من مفاسد وشرور دينية ودنيوية. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرقى٢، والتمائم٣،

стр. 129

والتولة١ شرك" ٢. وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة٣، فلا ودع الله له" ٤. وقال ﷺ : "من علق تميمة فقد أشرك" ٥. وجاء في الحديث الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل

стр. 130

رسولاً "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر١، أو قلادة من حبل إلاّ قطعت" ٢. ومع هذه النواهي والتحذيرات من الرسول ﷺ فهناك من جهال المسلمين لا يزالون يعلقون حروزاً فيها أسماء الجن، ورسوم مجهولة، ويوجد من يأكلون تراب القبور، أو يتمسحون بها، ومن يعلقون الودع والأوتار وغيرها. وأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فيهما الهداية والنور، وإرشاد أولئك الحيارى إلى الاتجاه الصحيح إلى الله تعالى الذي بيده النفع والضر وحده. ألم يقرأ أو يسمع أولئك الجهلة قول إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ٣.

стр. 131

إن الشريعة الإسلامية لم تحرم التداوي بالمباح، بل شرعته وأمرت به، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام" ١.

стр. 132

٨- صور من المعبودات من دون الله: ويشتمل على ما يلي: أـ عبادة الشخصية الإنسانية. ب ـ عبادة الأصنام والأوثان. ج ـ عبادة الأهواء. د ـ عبادة الأسلاف. هـ ـ عبادة بعض الظواهر الطبيعية. أ- عبادة الشخصية الإنسانية: ومن أنواع الإشراك بالله عبادة الشخصية الإنسانية، وكان منشأ هذه العبادة إما ناتج عن بعض أنواع العنف التي استغلها بعض الطغاة لدى الجهلة من الناس، كما فعل فرعون، قال تعالى حكاية عن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ

стр. 133

خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١. وإما أنه ناتج عن الجهل والغلو في بعض الأشخاص، كما يفعل القبوريون نحو قبور الأنبياء والصالحين بعد موتهم، فعظموهم ونذروا لهم، ودعوهم لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات. يقول ابن القيم ﵀: "ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعلوا فيه حظ الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبية الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه، وبعث رسله، وأنزل كتبه بإنكاره والردّ على أهله"٢. ولما كانت دعوة القرآن الكريم حرباً على الشرك، وجعل الأمر كله لله تعالى، فلا قدسية لفرد ولا عبادة لإنسان مهما كانت منزلته حتى ولو كان نبياً من الأنبياء، فإننا نجد أن الله تعالى يأمر رسوله ﷺ أن يبلغ الناس بأنه بشر كسائر البشر، يوحى إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣. وهو مع ذلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يعلم الغيب، وإنما

стр. 134

هو عبد مرسل للإنذار والبشارة، قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. وقد ذم الله تعالى الحكام الظالمين من أهل الكتاب الذين استغلوا سذاجة الناس وضعفهم، فشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن الله به، إذ أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. وقد زعم اليهود بأنّ عزير ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله. وقد أبطل القرآن الكريم هذه المبادئ والمعتقدات الباطلة، وعمل على اجتثاثها من جذورها حتى لا يقع اللاحقون فيما وقع فيه السابقون. فقال تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ

стр. 135

مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢. ب- عبادة الأصنام والأوثان: ومن أنواع الشرك بالله تعالى عبادة الأصنام والأوثان، -والأصنام جمع صنم، وهو التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان، وهو الوثن، وقد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في

стр. 136

الحائط وغيره: صنم ووثن١. وقيل: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن ما كان له جثة من خشب، أو حجر، أو فضة ينحت ويعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومن العرب من جعل الوثن المنصوب صنماً٢. وسواء سُمي المعبود من دون الله صنماً أو وثناً مصوراً على شكل إنسان أو حيوان أو طائر أو غير ذلك، أو لم يكن مصوراً كالأحجار والأشجار والأخشاب والقبور ونحوها. فإنّ جميعها تشترك في كونها معبودات من دون الله تعالى. وقد كانت عبادة الأصنام منتشرة انتشاراً واسعاً في جزيرة العرب، قبل الإسلام، كما سيأتي بيانه في الفصل الرابع من هذا الباب. والحق أن هذه العبادة مع عدم استنادها إلى دليل علمي، أو حجة مقنعة، فإنّ فيها استخفاف بالعقل الإنساني، إذ كيف يرضى عاقل أنْ يعبد أجساماً أو صوراً، لا حياة فيها، ولا نفع ولا ضر؟ قال تعالى: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾ ٣. بل إنَّ هذه الأصنام والأوثان قد أضللن كثيراً من الناس، قال تعالى

стр. 137

حكاية عن قول إبراهيم ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ ... ﴾ ١. وقد بين القرآن الكريم الدافع الذي حمل المشركين على عبادة تلك الأصنام من واقع تعليلهم في ذلك، حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. وهذا التعليل هو الذي يحتج به بعض الوثنيين في الحاضر، وحجتهم في ذلك أن وجود الصنم أمام المتعبد يساعد على تركيز الفكر والتعمق في التفكير للتقرب إلى الله، ولكن نلفت النظر إلى أنّ السجود للصنم على أنه رمز لله، أو القول بأنّ الصنم يقرب إلى الله هو باطل منطقياً، لأنَّ وجود الصنم أمام المتعبد في صلاته يصرف الفكر عن الله، وأن التقرب إلى الله يحصل بالتوجه رأساً إليه، لا بواسطة جماد أو صورة، ولأنه ليس من الصعب توجيه الفكر رأساً إلى الله بدون واسطة، بل ذلك أدعى لطبيعة الإنسان في رفع قيمته المعنوية، وعدم جعل أحداً قيماً عليه، هذا وإن الإنسان كثيراً ما يلجأ إلى الله في محن ومصائب لا تتوفر له فيها الواسطة،

стр. 138

. مع العلم بأنَّ هذه الواسطة لا تنفع ولا تضر١. وذكر ابن القيم ﵀: أن من أسباب عبادتها: أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها، وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، فجهلتهم وسقطُهم يظنون أنَّ الصنم نفسه هو المتكلم.."٢. ج- عبادة الأهواء: ومن أنواع الشركيات المظلمة إتباع الإنسان وانقياده لهوى نفسه، فلا تميل نفسه إلى شيء إلا اتبعه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ٣. قال ابن عباس ﵄: "كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمناً، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني، وترك الأول"٤. وقال ابن كثير:" أي مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى

стр. 139

نفسه، كان دينه ومذهبه"١. ومن هنا نرى أن الهوى صار إلهاً يعبد من دون الله، كما قال الشاعر٢: لعمر أبيها لو تبدت لناسك ... قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك لصلى لها قبل الصلاة لربه ... ولارتدّ في الدنيا بأعمال فاتك ومن الآيات في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ٤. وفي العصر الحديث، ظهرت مذاهب وشعارات شتى، أصبحت تمتلك قلوب بعض الناس ومشاعرهم وولاءهم، بذكرها يهتفون، وباسمها يقسمون، وفي سبيلها يجاهدون ويستشهدون.

стр. 140

تلك هي: شعارات القومية، والوطنية، والاشتراكية، والحزبية، والبعثية، والعلمانية، والديمقراطية، وما شاكلها ... وهي تشكل خطراً جسيماً على عقيدة المسلمين من حيث لا يشعرون١. ولا حول ولا قوة إلا بالله. د- عبادة الأسلاف: إنّ المتتبع لأحداث التاريخ، لا يجد عقيدة شاعت في الأمم قديماً وحديثاً، كعقيدة الأسلاف، حيث أسبغت قدسية وتعظيماً على الآباء والأجداد والشيوخ، وأطلقت عليهم من الصفات والنعوت ما جعل الجاهلين يتصروتهم آلهتهم. وقد ادعى العالم "تايلور": "أنَّ عبادة الأجداد نشأت من الاعتقاد بالأرواح فالآباء، والأجداد في القبائل البدائية كانوا رؤساء الأسر، وبيدهم مقاليد الأمور، لأنهم أخبرُ بشئون الحياة، فإذا ماتوا فإنَّ أرواحهم ترفرف في سماء الأسرة، لتقيها شر النوائب، ورد أذى الأعداء الأموات منهم والأحياء"٢. أي مفكر في حقيقة هذا المعتقد يجده غريباً بعيداً عن التصديق

стр. 141

والإقناع، فمن هم الأسلاف؟ لنتفكر بأصلهم ومصيرهم، إنهم من البشر يأكلون ويشربون ويمرضون، ثم يأتيهم الموت، وبعده ينخرُ الدودُ أجسادهم، ويحيلها إلى البلى، ومن كان هذا أصله ومصيره، فهل من العقل اللجوء إليه، وطلب المعونة منه١. إن عبادة الأسلاف تشتمل على كثير من الخرافات والأساطير، والقيام بشعائر وطقوس يمكن وصفها بالإجمال بأنها نوع من التخديرات التي خدرت الشعوب، ووقفت حائلاً دون تقدمها ورقيها. فمن آثار عبادة السلف عند العلماء: حلق الرأس، وإحداث جروح في الجسد، واحتفالات دفن الموتى، ولبس المسوح، والعناية بالقبور، والصلاة عليها، أو إقامة شعائر دينية فوقها٢. وللإستفادة مما كان عليه الآباء، ينبغي أن يخضع ما كانوا عليه للعلم والهدى، ويجري عليه التصحيح دائماً، وعلى المسلم أنْ لا يضع الآباء المسلمين -المتقدمين منهم والمتأخرين- مكان القواعد والسنن المأثورة، ومهما أحسنا الظن فيهم، فإنّهم ليسوا فوق أن نختبر ما هم عليه، على أساس الآيات والسنن والعلم والقوانين٣.

стр. 142

ولما كان عليه اتباع الأسلاف من الآباء والأشياخ ونحو ذلك من التقليد المذموم الذي يفضي أحياناً إلى الشرك، فإنَّ الله تعالى ذمه في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١. ومن روعة القرآن الكريم أنه حضَّ على تخليص الإنسان من هذه الأباطيل التي طرأت على الجنس البشري، قال تعالى: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢. فقد وصف الله تعالى في هذه الآية الكريمة قدرته العظيمة على الإحياء والإماتة، بينما الأسلاف الغابرون لا يملكون شيئاً من ذلك، بل هم أموات، فما أبعد الميت عن نفع نفسه، فضلاً عن نفع غيره. وفي الآية الكريمة إعلان من الله تعالى بأنه رب الناس جميعاً الأحياء

стр. 143

منهم والميتين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١. ?- عبادة بعض الظواهر الطبيعية: ومن الناس من راعه الكون وما فيه من عجائب الطبيعة وجمالها، وما فيها من منافع وخيرات للخلق، كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، فعبد بعض هذه الظواهر. وقد أبطل القرآن الكريم عبادة هذه المخلوقات، وبين أنها من حجج الله تعالى على خلقه، ومن آياته العظيمة الدالة على وحدانيته ، وأنه لا يجوز التوجه إليها بشيء من أنواع العبادة كالصلاة، أو السجود، أو الركوع، أو الدعاء، ونحو ذلك. قال تعالى: الْخَلْق ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.

стр. 144

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا َيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .

стр. 145

الفصل الثالث: تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السالفين في محاربته . ... الفصل الثالث: تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السابقين في محاربته: ويشتمل على ما يلي: ١- الشرك في قوم نوح ﵇ ومنهجه في محاربته: تقدم معنا في موضوع أقدمية التوحيد على الشرك، بأن نبي الله آدم ﵇ قد عاش موحداً لله تعالى، على أنقى ما يكون التوحيد وأصفاه، وأنه قد ربى أبناءه على هذا التوحيد، وأن ذريته تلقت هذا التوحيد من جيل إلى جيل، وأنهم كانوا على الإسلام يعبدون الله تعالى وحده، حتى عهد نوح ﵇. وكان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون على الإسلام، كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون على الإسلام"١. والقرن إما أن يكون المراد به مائة سنة، كما هو المشهور عند كثير من الناس، وإما أن يكون المراد به الجيل من الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ٣. فقد كان الجيل قبل نوح يعمّرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون
следующие страницы →