← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والإقناع، فمن هم الأسلاف؟ لنتفكر بأصلهم ومصيرهم، إنهم من البشر يأكلون ويشربون ويمرضون، ثم يأتيهم الموت، وبعده ينخرُ الدودُ أجسادهم، ويحيلها إلى البلى، ومن كان هذا أصله ومصيره، فهل من العقل اللجوء إليه، وطلب المعونة منه١. إن عبادة الأسلاف تشتمل على كثير من الخرافات والأساطير، والقيام بشعائر وطقوس يمكن وصفها بالإجمال بأنها نوع من التخديرات التي خدرت الشعوب، ووقفت حائلاً دون تقدمها ورقيها. فمن آثار عبادة السلف عند العلماء: حلق الرأس، وإحداث جروح في الجسد، واحتفالات دفن الموتى، ولبس المسوح، والعناية بالقبور، والصلاة عليها، أو إقامة شعائر دينية فوقها٢. وللإستفادة مما كان عليه الآباء، ينبغي أن يخضع ما كانوا عليه للعلم والهدى، ويجري عليه التصحيح دائماً، وعلى المسلم أنْ لا يضع الآباء المسلمين -المتقدمين منهم والمتأخرين- مكان القواعد والسنن المأثورة، ومهما أحسنا الظن فيهم، فإنّهم ليسوا فوق أن نختبر ما هم عليه، على أساس الآيات والسنن والعلم والقوانين٣.

стр. 142

ولما كان عليه اتباع الأسلاف من الآباء والأشياخ ونحو ذلك من التقليد المذموم الذي يفضي أحياناً إلى الشرك، فإنَّ الله تعالى ذمه في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١. ومن روعة القرآن الكريم أنه حضَّ على تخليص الإنسان من هذه الأباطيل التي طرأت على الجنس البشري، قال تعالى: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢. فقد وصف الله تعالى في هذه الآية الكريمة قدرته العظيمة على الإحياء والإماتة، بينما الأسلاف الغابرون لا يملكون شيئاً من ذلك، بل هم أموات، فما أبعد الميت عن نفع نفسه، فضلاً عن نفع غيره. وفي الآية الكريمة إعلان من الله تعالى بأنه رب الناس جميعاً الأحياء

стр. 143

منهم والميتين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١. ?- عبادة بعض الظواهر الطبيعية: ومن الناس من راعه الكون وما فيه من عجائب الطبيعة وجمالها، وما فيها من منافع وخيرات للخلق، كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، فعبد بعض هذه الظواهر. وقد أبطل القرآن الكريم عبادة هذه المخلوقات، وبين أنها من حجج الله تعالى على خلقه، ومن آياته العظيمة الدالة على وحدانيته ، وأنه لا يجوز التوجه إليها بشيء من أنواع العبادة كالصلاة، أو السجود، أو الركوع، أو الدعاء، ونحو ذلك. قال تعالى: الْخَلْق ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.

стр. 144

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا َيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .

стр. 145

الفصل الثالث: تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السالفين في محاربته . ... الفصل الثالث: تسرب الشرك إلى البشرية ومناهج الأنبياء السابقين في محاربته: ويشتمل على ما يلي: ١- الشرك في قوم نوح ﵇ ومنهجه في محاربته: تقدم معنا في موضوع أقدمية التوحيد على الشرك، بأن نبي الله آدم ﵇ قد عاش موحداً لله تعالى، على أنقى ما يكون التوحيد وأصفاه، وأنه قد ربى أبناءه على هذا التوحيد، وأن ذريته تلقت هذا التوحيد من جيل إلى جيل، وأنهم كانوا على الإسلام يعبدون الله تعالى وحده، حتى عهد نوح ﵇. وكان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون على الإسلام، كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون على الإسلام"١. والقرن إما أن يكون المراد به مائة سنة، كما هو المشهور عند كثير من الناس، وإما أن يكون المراد به الجيل من الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ٣. فقد كان الجيل قبل نوح يعمّرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون

стр. 146

بين آدم ﵇، ونوح ﵇ ألوف السنين١. والذي أميل إليه، أن المراد بالقرن هو الجيل من الناس، ويؤيد ذلك حديث الرسول ﷺ : "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ... " ٢ الحديث. والمراد أن الناس من آدم ﵇ إلى عهد نوح ﵇ كانوا على التوحيد، يعبدون الله وحده، ولا يشركون به شيئاً، وكانوا على الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٣. ولما انحرف الناس عن الفطرة بسبب جهلهم وبعدهم عن العلم، وإغواء الشيطان لهم، وعبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان، وقبور الصالحين، بعث الله إليهم نوحاً ﵇، ليردّهم إلى الصواب، وعبادة الله وحده.

стр. 147

سبب دخول الأصنام في قوم نوح: وكان سبب عبادتهم للأصنام، ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن جريج عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وانتسخ العلم، عبدت٢. قال ابن عباس: "وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ... "٣. وروى ابن جرير بسنده عن محمد بن قيس في تفسيره: "كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يعتقدون بهم، فقالوا: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس، فقالوا: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون

стр. 148

المطر، فعبدوهم"١. ونقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده عن أبي المطهر قال:" ذكروا عند أبي جعفر الباقر يزيد بن المهلب، فقال: أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر "ود"، قال: وكان ود رجلاً صالحاً، وكان محبباً في قومه، فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره، قال: هل لكم أن أجعل لكل أهل بيت تمثالاً مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يسرُّون ما يصنعون به، وتناسوا ودرس أمر ذكرهم إياه، حتى اتخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله، قال: فكان أول ما عبد غير الله في الأرض "ود" الصنم الذي يسمونه بود"٢. أقول: وما تقدم من أدلة على أن أول حدوث الشرك في البشرية كان في قوم نوح ﵇، يجعلنا نتردد في ما جاء في كتاب الأصنام للكلبي: "أول ما عبدت الأصنام، أنَّ آدم ﵇ لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، وكان بنو

стр. 149

شيث يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل إن لبني شيث دواراً١ يدُورُون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء، فنحت لهم صنماً، فكان أول من عملها"٢. فإن معنى هذا الخبر أن عهد بني آدم ﵇ بالتوحيد لم يبق طويلاً، وأنهم لم يلبثوا أن غيرُوا بعد موته، والحق أنَّ هذا ليس صحيح، وغير معقول لما تقدم من أدلة، لا سيما وقد قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون على الإسلام"٣. ومن هنا نجد أن تعظيم القبور والدعاء عندها، والتمسح بها، وتقبيلها هو من أسباب الشرك، وعبادة غير الله تعالى من الأصنام والأوثان.

стр. 150

ولهذا ندرك أيضاً السر العظيم في نهي الإسلام عن اتخاذ القبور مساجد، واتخاذ السرج عليها، والنهي عن رفعها، وإقامة القباب عليها، وتعظيمها إلى غير ذلك مما قصد به سد الذريعة، وقطع دابر الشر والفتنة. منهج نوح ﵇ في دعوة قومه إلى التوحيد: وقد سلك نوح ﵇ في ردّ قومه إلى عقيدة التوحيد منهجاً فريداً وعجيباً، جديراً بالتأمل والاعتبار، يمكن تلخيصه فيما يلي: ١- لين الكلمة، وسهولة الأسلوب، وعدم مقابلة السب والأذى بمثله، يظهر ذلك واضحاً من جوابه لقومه عندما قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ١. حيث ردّ عليهم في هدوء ولين، قائلاً لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. ٢- تبرؤه من ادعائهم ما ليس له، كما وصف القرآن الكريم: ﴿وَلاَ

стр. 151

أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. ٣-تنويعه للأساليب في الدعوة، فلم يلتزم أسلوباً معيناً، أو حالة واحدة، ولكنه أخذ يدعوهم في الليل والنهار، وفي السر والجهر، يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ٢. ٤-ترغيبهم بمغفرة الذنوب إنْ هم أطاعوه، وصدقوا ما جاء به، ويمد الله في أعمارهم، ويدرأ عنهم العذاب الذي إنْ لم يجتنبوا ما نهاهم عنه أوقعه الله بهم، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا

стр. 152

جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. كما رغبهم في سعة العيش، ويسر الحياة السعيدة، وذلك بهطول الأمطار، والإمداد بالأموال والبنين، إنْ هم استغفروا الله تعالى، وتابوا إليه من الشرك وجميع الذنوب، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٢. ٥-استعماله معهم أسلوب الجدل والحوار، يتضح ذلك من آيات كثيرة، منها ما جاء في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ

стр. 153

لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ١. وكما هو واضح من قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿ ... يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢. ٦- التكرار الدائم في دعوتهم، على الرغم من مرور الأعوام الطوال، وبذله كل الجهود الهادفة إلى إرجاعهم إلى الحق، وسلوك الطريق المستقيم، ولكن ليس هناك جدوى تذكر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ... ﴾ ٣. وعن كثرة دعوته إليهم وتكرارها، كما في الآية المتقدمة: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ... ﴾ ٤. ٧- دعوتهم إلى النظر إلى الكون، وما فيه من نظام وإبداع، وإلى

стр. 154

الأنفس وما فيها من عجائب تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه المستحق للعبادة وحده، قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا﴾ ١. وبعد أن بذل نوح ﵇ غاية جهده في سبيل هداية قومه وإصلاحهم، وصبره وحلمه الطويل عليهم، ومع ذلك كله ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ ، وأخيراً لجأ إلى ربه يشكو قومه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. كما دعا عليهم بالهلاك قائلاً: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ٣. وقد استجاب الله لدعاء رسوله، وأوحى إليه أنه لن يؤمن من قومه

стр. 155

سوى من آمن منهم، وأمره أن يصنع سفينة لنجاته ونجاة من آمن معه، وأعلمه أنه سيكون محاطاً بعنايته ورعايته، وأخبره أن من لم يؤمن من قومه فإنَّ مصيره الغرق؛ لإصراره على الكفر والعناد، وأن لا يحزن لغرقهم وهلاكهم، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ١. وبعد أن انتهى نوح ﵇ من صنع السفينة، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، وركب هو فيها وجميع من آمن معه، وأهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله تعالى، وأمره الله ومن آمن معه أن يذكروا اسم الله تعالى الذي عليه توكلهم واعتمادهم، وهو المجري والمرسي للسفينة، كما ذكرهم بأنَّ الله تعالى رحيم بعباده المؤمنين، ومن رحمته أنجاهم من الغرق والهلاك الذي حلّ بالكافرين، عند ذلك (أرسل الله من السماء مطراً لم تعهده الأرض قبله، كأفواه القرب، وأمر الأرض

стр. 156

فنبعت من جميع فجاجها، وسائر أرجائها) ١. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ٣. وفي خلال زمن قليل جداً تم هلاك الكافرين، ونجاة المؤمنين، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها، وأمر السماء أن تمسك عن المطر، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ

стр. 157

عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١. يقول صاحب المنار: "ما أفظع المنظر! ما أشد هوله! ما أعظم روعته! ماء ينهمر من آفاق السماء انهماراً، وأرض تتفجر عيوناً فوارة فتفيض مدراراً، ماء ثجاج يصير بحراً ذا أمواج، خفيت من تحته الأرض بجبالها، وخفيت من فوقه السماء بشمسها وكواكبها ... فتخيل أنك ناظر إلى هذه السفينة كما صورها لك التنزيل، تتفكر في أمر هذا الخطب الجليل، واستمع لما بينه الذكر الحكيم، في أوجز عبارة، وأبلغها تأثيراً، جعلت أعظم ما في العالم، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً"٢. وهكذا انتهت محنة دامت طويلاً بهلاك الكفرة المشركين، الذين حادُّوا الله ورسوله، وأبوا التوبة والعودة إلى الله تعالى في مدة قصيرة، فهل من مدكر؟

стр. 158

٢- الشرك في قوم هود ﵇ ومنهجه في محاربته. وبعد أن أهلك الله تعالى المشركين من قوم نوح ﵇ بالغرق، وأنجى الله نبيه نوحاً والذين آمنوا معه، عاد الناس إلى عبادة الأصنام والأوثان في قوم هود ﵇. وذكر ابن كثير ﵀: "أن عاداً الأولى كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، وكان أصنامهم ثلاثة: صمداً، وصموداً، وهراً، فبعث الله فيهم أخاهم هوداً ﵇، فدعاهم إلى الله"١. وعن دعوة هود ﵇ في قومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، يقول تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ

стр. 159

مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١. منهجه في دعوة قومه: وقد سلك هود ﵇ في دعوة قومه منهجاً راشداً وطريقاً واضحاً، يمكن تلخيصه فيما يلي: ١-ضرب لهم المثل بما أصاب قوم نوح من قبلهم، وما وقع منهم من عناد ومكابرة، وإصرار على الزيغ والضلال، وكيف دمّر الله عليهم سعادتهم حينما بغوا وتجبّروا، وأصروا على الباطل والاستكبار، مذكراً إيّاهم بنعم الله عليهم، إذ زادهم في الخلق بسطة، وجعلهم خلفاء من بعد قوم نوح. قال تعالى: ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢. ٢- وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم محاولاً إقناعهم بالرجوع إلى طريق الحق، مبيناً لهم أنّ الله تعالى جعلهم وارثين للأرض من بعد قوم نوح، الذين أهلكهم الله بذنوبهم، وزادهم قوة في السلطان وفي الأجسام، وذكرهم بإعطائهم الخيرات الجليلة من الأنعام والبنين، والحدائق والمياه،

стр. 160

وخوفهم من العذاب الأليم، وانقلاب النعمة إلى نقمة إذا لم يؤمنوا بالله وحده. وهذا يتضح من الآية السابقة، كما يتضح من قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١. ٣- ومن منهجه ﵇ القول اللين، والخطاب الجميل، وعدم مقابلة الأذى بمثله، يتضح ذلك عندما رماه قومه بالسفه والكذب، حيث ردّ عليهم قائلاً: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ ٢. ٤- واستعمل معهم أسلوب الجدل والحوار، يظهر ذلك عندما أصر زعماؤهم على عبادة الأوثان، وقالوا لهود ﵇ بأنه لم يأتهم ببينة واضحة على صحة ما يدعو إليه، وقالوا له: إنهم غير تاركي آلهتهم، ولن يؤمنوا به، وزعموا أن آلهتهم قد مسته بضر، فصار يتكلم بأقوال باطلة،

стр. 161

فأجابهم هود ﵇ بأنه يشهد الله، ويشهدهم بأنه بريء من الشرك الذي هم فيه. قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ١. ولما ضجرت عاد من نبيها هود ﵇، وتبرموا من كثرة نصحه لهم، تحدوه أن يقع فيهم إنذاره ووعيده، عند ذلك قال لهم هود ﵇ لا بد أنْ يقع عليكم غضب من الله تعالى فانتظروا عذاب الله، وإني معكم من المنتظرين. قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَب

стр. 162

أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ١. ٥- وبيّن لهم ﵇ أنه لا يطلب على نصيحته أجراً منهم، أو رياسة ينتزعها، ولا يريد منهم جزاءاً ولا شكوراً، وإنّما يطلب الأجر والثواب من الله . قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢. ٦- وأرشدهم إلى الاستغفار والتوبة فبسببهما تهطل الأمطار المتتابعة، وتحصل الخيرات، ويزيدهم ربهم قوة إلى قوتهم، وعزاً إلى عزهم، قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ ٣. لكن ما هو تأثير هذه الدعوة الطيبة المباركة على قبيلة عاد؟ إنهم احتقروا هوداً ﵇، واستصغروا أمره، ووصفوه بالسفه

стр. 163

والكذب، إلاّ أنْ هوداً ﵇ نفى عن نفسه ما اتهموه به، وبين لهم إنه رسول من رب العالمين، لا يريد منهم إلا الخير والصلاح. قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ ١. ولما تمادى قوم هود ﵇ في الباطل والضلال، باتخاذ آلهة ما أنزل الله بها من سلطان، دعا ربه أن ينصر دينه، وقد أجاب الله تعالى دعوته، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. لقد أرسل الله عليهم الريح العقيم، سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، فأهلكهم الله وأبادهم، وصارت أجسامهم كأنها أعجاز نخل منقعر، وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة، ونجى الله هوداً والذين

стр. 164

آمنوا معه برحمة منه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ١.

стр. 165

٣- الشرك في قوم صالح ﵇ ومنهجه في محاربته. ثم ظهرت عبادة الأصنام في ثمود، والتي كانت تسكن الحجر، بين المدينة وتبوك، وكانت ثمود تتعبد لأصنام كثيرة، منها الصنم: "ود" و (شمس) و (مناف) و (اللات) وغيرها. فبعث الله تعالى فيهم نبيه صالح ﵇، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وأن يخلعوا عبادة الأصنام والأنداد١. قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٣. منهجه في دعوة قومه: ومنهج صالح ﵇ في دعوته، لا يختلف عن المنهج الذي

стр. 166

سلكه نبي الله هود ﵇ في دعوة قومه عاد. ولعل السبب في ذلك وجود التشابه بين القبيلتين، فإنه بالإضافة إلى أنّ كلاً من الشعبين كان يسكن الجزيرة العربية، فقبيلة عاد تسكن في الجنوب بالأحقاف، بين اليمن وعمان، وثمود تسكن بالحجر، بين المدينة النبوية وتبوك –كما تقدم- فإن الأوضاع الاجتماعية والعمرانية في زمان كل منهما قد بلغت أقصى حدود القوة والمنعة، لا سيما في فنون البناء والعمارة، كنحت البيوت في الجبال، وإقامة القصور في السهول، وتشييد المصانع وشق العيون ... وفوق ذلك فقد منحهم الله بسطة في الأجسام، وقوة في الأبدان. كما يوجد تشابه في سلوك كل منهما القائم على البطر والطغيان، وإيثار الشرك على التوحيد، وقد قرن الله تعالى بين ذكر القبيلتين، وما حلّ بهما من العقاب الأليم في كثير من السور، كما في سورة: براءة، وإبراهيم، والفرقان، وص، وق، والنجم، والقمر، والحاقة، والفجر. ونلخص منهجه ﵇ في دعوة قومه فيما يلي: ١- ضرب المثل لهم بقوم هود ﵇، مذكراً لهم بنعم الله عليهم، حيث جعلهم خلفاء من بعدهم، ومكّنهم في الأرض يتخذون من سهولها قصوراً ومن الجبال بيوتاً، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا

стр. 167

فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١. ٢- وذكّرهم بنعم الله تعالى عليهم، قال تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ ٢. ٣- كان لطيفاً في القول، ولين الجانب، يظهر ذلك في جوابه لهم: ﴿ ... قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٣. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٤. ٤- أسلوب الحوار المبني على إقامة الحجة البينة، يظهر ذلك جلياً

стр. 168

في كثير من السور التي تعرضت لقصته ﵇. ففي سورة هود: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ ١. وفي سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ٢.

стр. 169

٥- وأفهمهم أنه لا يطلب على دعوته أجراً، جاء ذلك في قوله لهم: ﴿ ... وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ٦- ووجههم إلى الاستغفار والتوبة، فهما سبب للخير والبركة والقوة، جاء ذلك في قوله لهم: ﴿ ... فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ ٢. وقوله لهم: ﴿ ... يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣. إلا أنه على الرغم من هذه الدعوة المباركة المبنية على الحجة والإقناع، فإن الثموديين لم يؤمنوا بما نصحهم به نبيهم، ولم يسيروا في طريق الحق الذي أرشدهم إليه، بل أخذوا يتهمونه بالسحر الذي سيطر على عقله، فادعى أنه رسول من عند الله تعالى. وطلبوا منه أن يأتيهم بمعجزة تدل على أنه رسول من عند الله حقاً. قال ابن كثير: " وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوماً في

стр. 170

ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح، فدعاهم إلى الله، وذكرهم وحذرهم، ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة –وأشاروا إلى صخرة هناك- ناقة صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سموهاونعتوها وتعنتوا فيها ... فقال لهم النبي صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به، قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مصلاه، فصلى لله ما قدر له، ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله تلك الصخرة أنْ تتفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذي طلبوا ... فلما عاينوها.. رأوا أمراً عظيماً، ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم، وضلالهم، وعنادهم"١. ا.? لقد أظهر الله المعجزة العظيمة، الدالة على صدق رسوله ﵇، وأمرهم ألاّ يمسوها بسوء، وجعل لها شرباً في يوم معلوم، ولهم شرباً في يوم غيره، وأوعدهم بالعذاب إنْ هم اعتدوا عليها. قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ

стр. 171

تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢. ولكن المستكبرين من الكفرة أقدموا على عقر الناقة، غير مبالين بما توعدهم به نبيهم ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣. عند ذلك قال لهم نبيهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ٤. وقد حقق الله جلت قدرته هذا الإنذار الذي وجهه إليهم صالح ﵇، فلم تمض ثلاثة أيام حتى حل بهم الهلاك والدمار. يقول ابن كثير: "وأصبحت ثمود في اليوم الأول، وهو يوم الخميس، فإذا وجوههم مصفرة، كما أنذرهم صالح ﵇، فلما أمسوا نادوا

стр. 172

بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث، وهو يوم السبت ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الأجل، فلما كان صبيحة يوم الأحد، تأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحلُّ لهم من العذاب والنكال والنقمة، ولا يدرون كيف يفعل بهم، ولا من أي جهة يأتيهم العذاب، فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفت من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، جثثاً لا أرواح فيها، ولا حراك بها "١. كما ذكر القرآن الكريم وجهاً آخر في سبب هلاكهم، وهو أن تسعة رجال منهم ائتمروا على مباغتة نبيهم صالح وأهله، وقتله سراً، فأهلكهم الله بالصاعقة بسبب ظلمهم وعدوانهم. قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا

стр. 173

لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.

стр. 174

٤- الشرك في قوم إبراهيم ﵇ ومنهجه في محاربته. وبعد مدة طويلة من الزمن، ظهر في بابل عباد الأصنام، كما ظهر في حران عباد الكواكب والأصنام، فبعث الله تعالى فيهم إبراهيم الخليل ﵇. وعن معبودات أهل بابل، يذكر صاحب قصة الحضارة:" بأنه كان لأهل بابل كثير من الآلهة ... ذلك أن كل مدينة كان لها رب يحميها، وقد كان للمقاطعات والقرى آلهة صغرى تعبدها وتخلص لها، وإن كانت تخضع رسمياً للإله الأعظم، ثم قل عدد الآلهة شيئاً فشيئاً بعد أن فسرت الآلهة الصغرى بأنها صور أو صفات للآلهة الكبرى، وعلى هذا النحو أصبح "مزدك" إله باب كبير الآلهة البابلية. وكان الملوك يشعرون بشدة حاجتهم إلى غفران الآلهة، فشادوا لها الهياكل وأمدوها بالأثاث والطعام والعبيد"١. وأما عباد الكواكب من أهل حران، فكانوا على مذهب الصابئة المتعصبة للروحانيات، وهم يقولون بأن للعالم صانعاً فاطراً حكيماً، ولا يمكن الوصول إلى جلاله ومعرفته، وإنما يتقرب إليه بواسطة المقربين إليه، وهم الروحانيون المطهرون الذين ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا

стр. 175

أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١. ويعتقدون أن الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، هي هياكل للروحانيات، فلكل روحاني هيكل، ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به كنسبة الروح إلى الجسد، فهو ربه ومدبره، وكانوا يسمون الهياكل أرباباً، وربما يسمونها آباء، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة، ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة، ورب الأرباب٢. فأعلن إبراهيم ﵇ في قومه دعوة التوحيد، وجادل وناقش كلا الفريقين بالحجة والبرهان، دون خوف أو مبالاة من أحد، وهو فريد لا يجد من ينصره أو يشد أزره، حتى إنّ والده، وهو أقرب الناس إليه وقف له بالمرصاد. ولكن إبراهيم ﵇ سار في طريقه، لا يأبه لشيء، وأعلن في الناس دعوته متحدياً كل من يتصدى له، قائلاً: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.

стр. 176

دعوة إبراهيم لوالده: ولما كان والد إبراهيم ﵇ أعلم القوم بصناعة الأصنام، وكان الناس يشترونها منه، كان إبراهيم ﵇ يحمل أكثر وأقوى الإلزامات على والده، وقد ضرب إبراهيم ﵇ المثل الرائع في الجمع بين قوة الحجة والإقناع، وأدب الحديث مع والده. وقد قص الله تعالى لنا تلك المجادلة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ ١. وفي هذه الآيات نحس أسلوب الداعية المخلص في التوجيه والتعليم، الذي يحذر في لطف وينذر في لين، ويعرف منزلة الأبوة ومكانتها، فيعطيها حقها من اللين والاحترام. ومع أنّ تلك الأبوة لم تقابل هذه الدعوة بالحنان والشفقة، بل انقلبت إلى نار تتأجج وجحيم يتوقد، تمثل ذلك في قول تلك الأبوة

стр. 177

الظالمة: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأََرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١. فإن إبراهيم ﵇ لم يقابل تلك الشدة بمثلها، كما يفعل الأبناء الجهلة، ولكنه قابل تلك الشدة باللين والإحسان، فهو يقول لوالده: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ ٢. وهذا الاستغفار من إبراهيم ﵇ إنّما كان طمعاً منه في إيمان أبيه، ولكنه حينما ظهر له إصراره على الشرك، وعداوته المتأصلة لدين الله تعالى، تبرأ منه وقطع صلته به، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٣. دعوة إبراهيم للوثنيين: أما دعوة إبراهيم ﵇ لقومه الوثنيين، فقد سلك معهم منهجاً مرتباً لا تعقيد فيه ولا غموض، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ

стр. 178

إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ١. فمن خلال الآيات الكريمة، نرى أن إبراهيم ﵇ قد دعا قومه دعوة بسيطة واضحة، وهي مرتبة في عرضها ترتيباً دقيقاً يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوة، لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب. ١- فهو أولاً: بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ . ٢- ثم أثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم، وما تضمنته من الخير لهم، لو كانوا يعلمون أين يكون الخير ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ٣- وفي الخطوة الثالثة يبين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه: أ- إنهم يعبدون من دون الله أوثاناً، والوثن -التمثال من الخشب-

стр. 179

وهي عبادة سخيفة، وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة الله. ب- إنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أو دليل، وإنما يخلقون إفكاً وينشئون باطلاً من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة. ج- إن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعاً، ولا ترزقهم شيئاً ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ . ٤- وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى الله ليطلبوا منه الرزق، الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ، والرزق مشغلة النفوس، وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان، ولكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس. وفي النهاية يهتف بهم إلى وهاب الأرزاق المتفضل بالنعم، ليعبدوه ويشكروه: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ ، ويكشف لهم أنه لا مفر من الله، فمن الخير أن يتوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . ٥- وأخيراً بين لهم أنهم إن كذبوا بعد ذلك فلن يضروا الله شيئاً، ولن يخسر رسوله شيئاً، فقد كذّب الكثيرون من قبل، وما على الرسول إلى واجب التبليغ ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ

стр. 180

الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ١. بهذا الأسلوب المثالي في الدعوة، أخذ إبراهيم ﵇ يدعو قومه، ولكنه حينما لم يجد قبولاً لدعوته أو سماعاً لتوجيهاته ونصائحه، أخذته الغيرة والحماس لدين الله تعالى ونصرته، فصاح بهم قائلاً: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ٢، ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ٣. ثم توعدهم بتحطيم تلك الأصنام في غيابهم ﴿وَتَاللَّهِ لأََكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ٤. وكان للقوم عيد يخرجون فيه كل عام بعيداً عن العمران، وطلبوا من إبراهيم أن يشاركهم في بهجة ذلك الاحتفال، لكنه رفض مشاركتهم واعتذر بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ٥، ولما خرجوا إلى ذلك الاحتفال، وغادروا المساكن والعمران، ذهب إبراهيم ﵇ إلى معبودات أولئك القوم،
следующие страницы →