نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه، ولا في آياته، فإنّ الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١ ".
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن طريقة سلف الأمة وأئمتها، تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٣.
وبين ﵀ إن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل، ثم قال:
стр. 72
والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، فإثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصل له من التشبيه والتمثيل. انتهى.
وهذا التوحيد لا يكفي أيضاً في حصول الإسلام من الشخص بمجرد الاعتراف به، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والمشركون كانوا يقرون بجنس هذا النوع من التوحيد، وإن كان بعضهم قد ينكر بعضه، إما جهلاً، وإما عناداً، كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: "والظاهر أن إنكارهم هذا، إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنه قد وجد في بعض أشعار الجاهلية تسمية الله بالرحمن.
قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال:
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ... ألا قضب الرحمن ربي يمينها
وقال سلامة بن جندب الطهوي:
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق٢
стр. 73
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "قلت ولم يعرف عنهم إنكار شيء من هذا التوحيد، إلاّ في اسم الرحمن خاصة، ولو كانوا ينكرونه لردوا على النبي ﷺ ، كما ردوا عليه توحيد الإلهية"١.
وجاء في كتاب مصرع الشرك والخرافة٢: "ولم يقع في هذا التوحيد خلاف في القرن الأول، بل كانوا مطبقين على ذلك، وإنما وقع النزاع فيه في أوائل القرن الثاني، وأول من عرف عنه القول بنفي الأسماء والصفات، هو: الجهم بن صفوان، تابعاً للجعد بن درهم، وفي أوائل المائة الثالثة فشت هذه المقالة، وكان المتصدر لنشرها والدعوة إليها، بشر المريسي في عصر المأمون.... ".
ج- أما توحيد الإلهية:
فهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، وهو مبني على إخلاص التأله لله تعالى وحده، وإفراده بجميع أنواع العبادات، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والدعاء، والنذر، والنحر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادات والقربات.
ويسمى هذا التوحيد: توحيد العبادة، وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من
стр. 74
الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ... "١.
وينبني على ذلك إخلاص العبادات كلها لله تعالى فرضها ونفلها، باطنها وظاهرها، فلا يجعل فيها شيئاً لغير الله تعالى، لا ملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلاً عن ما سواهما.
وهذا التوحيد هو المطلوب من العباد إنسهم وجنهم، ولأجله خلقوا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢.
وهو دعوة جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ٤.
وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد غيره، كما قال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء
стр. 75
الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"١.
وهو حق الله على العباد، كما جاء في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً"٢.
стр. 76
العلاقة بين أنواع التوحيد
أما العلاقة بين أنواع التوحيد فهي علاقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، فمن أتى بنوع منها دون الآخر، فإنه لم يأت بالتوحيد على وجه الكمال المطلوب، فالإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي لتحقيق معنى التوحيد المطلوب من العبد شرعاً، وأن العبد لا يكون موحداً التوحيد الذي يمنع صاحبه من القتل والأسر في الدنيا، ومن عذاب النار في الآخرة بمجرد اعتقاده أن الله هو الخالق الرازق، المدبر للأمور جميعاً، المجيب الدعاء عند الاضطرار، لأن هذا التوحيد كان يقربه المشركون، قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن
стр. 77
بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
فهم مع إقرارهم بجميع ذلك، واعترافهم بأن الله واحد في هذه الأمور، لم يدخلوا بذلك في الإسلام، وأمر النبي ﷺ بقتالهم، ولذلك فإنه لا بدّ مع الإقرار بتوحيد الربوبية من الإتيان بتوحيد الإلهية الذي هو الغاية من بعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام، والذي من أجله خلق الله الخلق، وجعل الجنة والنار، وفرق الناس إلى سعداء وأشقياء.
ومن المهم في توحيد الإلهية أن تصرف جميع العبادات لله تعالى، والإخلاص له فيها، سواء كانت هذه العبادات قلبية كالحب والخوف والإخلاص، والتوكل والصبر والتعظيم، والرضا والتسليم وغيرها.
أو كانت عبادات قولية كالدعاء والذكر والتسمية والاستعاذة والاستغاثة، والحلف والتوسل والشفاعة وغير ذلك.
أو كانت عبادات بدنية عملية مثل الصلاة من سجود وركوع،
стр. 78
وتسليم، وكالصيام والحج، والطواف والسعي، والجهاد والرحلة في طلب العلم، وغير ذلك.
أو كانت عبادات مالية كالزكاة والصدقات والذبائح والنذور وغيرها.
وتوحيد الأسماء والصفات " لا يكفي وحده، بل لا بدّ مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية "١ كما تقدم.
جاء في معارج القبول للحكمي: " فإنه لا يكون إلهاً مستحقاً للعبادة إلاّ من كان خالقاً، رازقاً، مالكاً، متصرفاً، مدبراً لجميع الأمور، حياً، قيوماً، سميعاً، بصيراً، عليماً، حكيماً، موصوفاً بكل كمال، منزهاً عن كل نقص، غنياً عما سواه، مفتقراً إليه كل ما عداه، فاعلاً مختاراً لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية، وهذه صفات الله لا تنبغي إلاّ له، ولا يشركه فيها غيره، فكذلك لا يسستحق العبادة إلا هو، ولا تجوز لغيره، فحيث كان متفرداً بالخلق والإنشاء والبدء والإعادة، لا يشركه في ذلك أحد، وجب إفراده بالعبادة دون من سواه، لا يشركه معه في عبادته أحد"٢.
стр. 79
وبعد أن تحدثت عن معنى التوحيد وأصالته في البشرية، وأنه دعوة جميع الرسل، وتحدتث عن أنواعه، أود أن نعرف معنى الشرك وأنواعه، وبعض صوره في الاعتقاد وفي العبادات، وبعض المعبودات التي عبدت من دون الله تعالى في الفصل التالي.
стр. 80
الفصل الثاني: معنى الشرك وبعض صوره: ويشتمل على ما يلي:
١- تعريف الشرك لغة:
جاء في لسان العرب: " الشِّرْكَةُ والشَّرِكَةُ سواء: مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا وشارك أحدهما الآخر، والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء، وطريق مشترك يستوي فيه الناس، واسم مشترك فيه معان كثيرة: كالعين ونحوها، وأشرك بالله جعل له شريكاً في ملكه تعالى الله عن ذلك، والإسم الشرك، قال الله تعالى حكاية عن عبده لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
والشرك أن يجعل لله شريكاً في ربوبيته، تعالى الله عن الشركاء والأنداد"٢.
وجاء في مقاييس اللغة: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة.
стр. 81
فالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال شاركت فلاناً في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلاناً إذا جعلته شريكاً لك.
قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١.
ويقال في الدعاء: "اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين" أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك الدعاء.
وأما الثاني: فالشرك: لَقَم الطريق، وهو شراكه أيضاً، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شرك الصائد سُمِيَ بذلك لامتداده"٢.
وفي تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك، وهو بمعنى النصيب، وجمعه أشراك كشبر وأشبار، والشرك حبائل الصائد، وكذلك ما ينصب للغير، وفي الحديث: "أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه" ٣، أي حبائله ومصائده، يعني ما يدعو إليه ويوسوس به من الإشراك بالله تعالى.
وفي حديث تلبية الجاهلية: "لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو
стр. 82
لك، تملكه وما ملك" ١، يعنون بالشرك الصنم، يريدون أن الصنم وما يملكه، ويختص به من الآلات التي تكون عنده، وحوله من النذور التي كانوا يتقربون بها إليه، ملك لله تعالى ... "٢.
وفي القاموس المحيط: "وأشرك بالله كفر"٣.
وفي المفردات في غريب القرآن: "يقال أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر"٤.
ومن هذا يتبين لنا أن مادة (الشين والراء والكاف) في اللغة تدور حول المخالطة، والنصيب، والتسوية، والكفر، وحبائل الصائد، والند، والمثل، والشبيه، والكفء، والنظير، ونحو ذلك.
стр. 83
٢- مواضع ورود كلمات الشرك في القرآن الكريم:
والقرآن الكريم يكشف لنا هذا الأمر الخطير في ألفاظ متعددة، ليتضح أمره للناس ويبتعدوا عنه، فقال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال ابن جرير: "والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفِداء
يعني ولست له بند: لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيراً لشيء وشبيها، فهو له ند "٢.
ونقل ابن جرير ﵀ كلام العلماء في معنى الأنداد في الآية، فعن قتادة ومجاهد: "أنداداً" أي: عدلاء.
وعن ابن مسعود: "أنداداً"، قال: أكفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله.
وعن ابن عباس: "أنداداً"، قال: أشباهاً.
وعن عكرمة: "أنداداً"، أي: تقولون لولا كلبنا لدخل علينا اللص
стр. 84
الدار، ولولا كلبنا صاح في الدار ونحو ذلك١.
وقال ابن كثير ﵀: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه"٢.
ونقل ابن كثير عن أبي العالية قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ أي: عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وإسماعيل بن أبي خالد"٣.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄: "أن هذه الآية تعني جميع المشركين من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، قال ابن عباس: نزل ذلك في الفريقين جميعاً الكفار والمنافقين، وإنما عني بقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي تدعوكم إليه الرسل من توحيده، هو الحق لا
стр. 85
شك فيه"١.
ومن الآيات التي جاء فيها ذكر الأنداد، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وأطلق الشرك على العدول والتسوية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ ٥.
قال الطبري:"يعدلون: يجعلون له شريكاً في عبادتهم إياه، فيعبدون
стр. 86
معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك، ولا في أنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره"١.
وقال مجاهد: "يعدلون" يشركون٢.
وقال ابن كثير: "أي كفر به بعض عباده، وجعلوا له شريكاً وعدلاً، واتخذوا له صاحبة وولداً"٣.
كما أطلق الشرك على الأرباب، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ ٤.
قال ابن جرير: "فإنَّ اتخاذ بعضهم بعضاً هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاص الله، وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٥.
стр. 87
وعن عدي بن حاتم قال: "أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن من عنقك، فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ ، قال: قلت: يا رسول الله إناّ لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟ قال قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم"١.
وقد نفى الله تعالى عن نفسه الكفء والشبيه والنظير، قال تعالى: ﴿ ... وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢.
ومن هذا يظهر لنا أن معنى الشرك من خلال آيات القرآن لا يختلف عن ما جاء في كتب اللغة، إذ أنّ معناه يدور حول اتخاذ المثيل والشبيه والنظير، والأرباب والعديل أو العدلاء، وأن يجعل العبد لله نداً أو كفؤاً، أو أن ينسب إليه الصاحبة والولد.
стр. 88
٣- تعريف الشرك شرعاً:
فقد عرّفه الذهبي ﵀ بقوله: "هو أن تجعل لله نداً، وهو خلقك، ويمكن القول بأن الشرك في الشرع هو أنْ يصرف العبدُ شيئاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى من أصنام أو أوثان، أو أشجار، أو أحجار، أو إنس، أو جن، أو قبور، أو أجرام سماوية، أو قوى طبيعية، أو غير ذلك.
ومن هذا يتبين لنا أن من صرف شيئاً من أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر والصلاة والاستغاثة والخوف والرجاء والتوكل ونحوها، لغير الله تعالى فقد أشرك بالله .
وقد بين النبي ﷺ حقيقة الشرك وعظم جرمه، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ الذنبِ أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك.." ١ الحديث.
وفي الصحيحين عن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله
стр. 89
صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور ... "١ الحديث.
فالشرك أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، لأنه تنقص برب العالمين وانتهاك لحقه ﵎، فقد ثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حق اللهِ على العباد أن يعبدُوهُ ولا يشرِكُوا به شيئاً ... "٢.
стр. 90
٤- أنواع الشرك:
وشرك الإنسان في الدين نوعان١:
أحدهما الشرك العظيم: وهو إثبات شريك لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٤.
وقال تعالى حكاية عن قول لقمان: ﴿ ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
والثاني: الشرك الأصغر، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ٦.
стр. 91
والآية كما تدل على نعت المشركين بالشرك الأكبر، كما قال ابن عباس ﵄ من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السموات ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون به.
وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم١، فإنها تشير إلى ما يتخلل الأفئدة وينغمس به الأكثرون من الشرك الخفي الذي يشعر صاحبه به غالباً.
ومنه قول الحسن البصري في هذه الآية: "ذاك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك"٢.
وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وأما الشرك فهو نوعان: أكبر، وأصغر.
فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله نداً، يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية المشركين برب العالمين ...
стр. 92
ثم قال: وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وإنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده "١ ا.?
وقد حذر النبي ﷺ من الشرك الخفي، وأخبر أنه يخافه على أمته أكثر مما يخافه عليهم من المسيح الدجال.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال قلنا: بلى، فقال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل" ٢.
стр. 93
٥- الفرق بين الشرك والكفر:
وقد يسأل سائل عن الفرق بين الشرك الذي نتحدث عنه وبين الكفر؟ أو بين المشركين وأهل الكتاب، ونحو ذلك؟
والجواب: أن الكفر في اللغة معناه الستر والتغطية١.
وقد وصف به الليل لستره الأشياء، والزراع لستره البذور في الأرض، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك شكرها، قال تعالى: ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ ٢.
وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالاً، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعاً، قال تعالى: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا﴾ ٣.
والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها٤.
وقد فرق القرآن الكريم في كثير من الآيات بين الكافرين عموماً،
стр. 94
وبين أهل الكتاب من جهة، وبين المشركين من جهة أخرى.
وإنْ كان هؤلاء جميعاً يتفقون في معارضة الدين، أو رسالة نبي من الأنبياء، أو إيذاء رسول من الرسل، كما قد يشتركون في إيذاء المؤمنين، ولكنهم في طبيعة العقيدة يختلف كل منهم عن الآخر.
قال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ٣.
كما بين القرآن الكريم ما عليه أهل الكتاب من الدعاوي الباطلة من زعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية، أو أنها في اتباع النصرانية، وبين أن تلك الدعاوي لم تكن عن دليل أو شبهة، بل هي مجرد جحود وعناد،
стр. 95
وبين أن إبراهيم ﵇ كان مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم، ولم يكن من المشركين بالله غيره.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ ِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
ونجد تفصيلاً أكثر بين مجموعة المهتدين ومجموعات الكافرين، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤.
стр. 96
وآيات سورة البينة تجمل الكفر، ثم تفصل بين أهل الكتاب والمشركين، سواء في طبيعة تقبلهم للهداية، أو في المصير المنتظر لهم، قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ إلى أن تقول الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ١.
وقد يطلق الكفر على من كفر بالنعمة، كقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٢.
وقد يطلق على من ترك ركناً من أركان الدين، كما في قوله تعالى:٣.
وإطلاق الكفر على من كفر بالله، وجحد ألوهيته ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقاً، فكثير في القرآن، كما في قوله : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ
стр. 97
كَفَرُواْ ... ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ٣.
وقد يطلق على المشركين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٥.
وقد يطلق الكفر على أهل الكتاب، خاصة دون المشركين، كقوله
стр. 98
تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ١.
ومن هذا يتبين لنا أن الكفر بمعنى الجحد والستر، يشمل كل من أنكر الرب أو الخالق ، أو أنكر يوم البعث، أو نبياً من الأنبياء، أو كتاباً من الكتب السماوية، وكذا من أحلّ محرماً، أو أنكر ركناً من أركان الإسلام.
وبهذا المعنى يشمل الكفر كفرا أهل الكتاب يهوداً أو نصارى، وربما كان بعضهم موحداً إذا احتفظ بأصل العقيدة، وربما كان مشركاً كما في قوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
وبهذا المعنى يشمل الكفر كفر الصابئة، وقد اختلف في أمرهم، هل هم من أهل الكتاب أو ليسوا منهم؟
وقال ابن قدامة: "ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم، فهم منهم، وإلا فليسوا من أهل الكتاب"٣.
стр. 99
ويشمل المجوس: وهم كما يقول ابن القيم: " يعظمون الأنوار والنيران، ويدّعون نبوة زرادشت، وهم فرق شتى، منهم المزدكية أصحاب مزدك، وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء والمكاسب، كما يشترك الناس في الهواء والماء، ومنهم الخرمية، أصحاب بابك الخرمى، وهم شر طوائفهم، لا يقرون بخالق، ولا معاد، ولا نبوة، ولا حلال، ولا حرام "١.
ويشمل كفر الدهريين: وهم الذين ينكرون الخالق، ويقولون لا إله ولا صانع للعالم، وأن هذه الأشياء وجدت بلا خالق٢.
وجاء في الكواشف الجلية عن العقيدة الواسطية٣: والكفر أنواع:
١- كفر عناد ككفر أبي جهل.
٢- كفر إباء ككفر إبليس.
٣- كفر جحد ككفر فرعون.
فالكفر إذاً أعم من الشرك.
أما الشرك فهو ما سبق تعريفه، وهو أن يصرف العبد شيئاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وهو الذي بيده الخلق والرزق، والإحياء
стр. 100
والإماتة، وتدبير الأمور، وهو الذي يفزع إليه الإنسان بطبعه وفطرته عند نزول الكرب، ويتجه إليه عنه الدعاء والرجاء.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ ١.
والشرك أعظم أنواع الكفر، وأشدها لأنه يتنافى مع كل عقل ومنطق، ولهذا نجد أن القرآن الكريم يخوض معركة حامية مع الشرك والمشركين، ليقتلع فكرة الشرك من جذورها.
ومن هنا يتبين لنا أن كل مشرك كافر، وليس كل كافر مشرك.
стр. 101
٦- صور من الشرك في الاعتقاد:
أ- الشرك في النية:
المطلوب من العبد أن يكون قوله وفعله وعمله وجهاده خالصاً لوجه الله تعالى، من غير طلب مغنم أو جاه، أو رئاسة أو لقب، أو شرف أو غير ذلك من الأحوال الدنيوية، وإلا فإنّ عمله يكون حابطاً فاسداً والعياذ بالله، لأنه أصبح نوعاً من الشرك.
ونذكر في هذا المعنى ما قاله الدكتور محمد خليل هراس: "فإن العبادات كلها لا تكون مقبولة ولا معتداً بها إلاّ إذا توفر لها شرطان:
أحدهما: باطن، وهو إخلاص النية فيها لله ، بحيث لا يقصد بها إلا وجه الله والدار الآخرة.
والآخر: ظاهر، وهو المتابعة فيها للشرع، وفق ما أمر الله به ورسوله، من غير زيادة ولا نقص.
فإذا اختل واحد من هذين الشرطين، لم تصح العبادة، فإنها إن خلت من الإخلاص كانت رياء، وهو الشرك الأصغر، وإن خلت من المتابعة كانت ابتداعاً.
стр. 102
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١"٢.
قال قتادة: "من كانت الدنيا همه وزينته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها، أمّا المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة"٣.
ولهذا كانت النية ميزان الأعمال كلها، وعلى قدر توفرها في العمل يكون الثواب، كما ثبت في الحديث الصحيح: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"٤.
стр. 103
ب- الشرك في المحبة:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ ١.
قال ابن القيم ﵀ ٢: "اخبر تعالى أنّ من أحب من دون الله شيئاً كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أنداداً، فهذا في المحبة، لا في الخلق والربوبية.
فإن أحداً من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، بخلاف ند المحبة، فإنّ أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أنداداً في الحب والتعظيم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٣.
فجعل علامة حبهم لله أن يتابعوا رسوله ﷺ ، ويكون هواهم تابعاً لما جاء به، ووعدهم على ذلك حبه لهم ومغفرته لذنوبهم، وإذا كان الحب عبادة، بل هو أساس العبادات كلها، إذ لا يصح شيء منها إلاّ مع كمال الحب وكمال الذل، فلا يصح أن يحب العبد مع
стр. 104
الله أحداً، فإن هذا من اتخاذ الأنداد التي صرحت به آية البقرة، بل يحب في الله ولله.
وبهذا يظهر أن حب غير الله لا ينافي التوحيد، بل قد يكون من كمال التوحيد: فإنّ من تمام حب العبد لله أن يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي في الله، ويعادي في الله، ويحب ما يحبه الله ويرضاه من الأشخاص والأخلاق والأعمال، ويبغض ما يبغضه الله كذلك.
ولهذا لا يكمل إيمان أحد حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فيؤثر مرضاتهما على مرضاة كل أحد، ويقدم أمرهما وحكمهما على أن كل أحد وحكمه.
وبالجملة فيجب التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وتمام الإخلاص، وبين المحبة مع الله، التي هي محبة الأنداد من دون الله لما يتعلق بقلوب المشركين مع الإلهية التي لا تجوز إلاّ لله وحده. ا.?
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ
стр. 105
لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
وقال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"٢.
فالمراد بهذه المحبة هي: "المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله، ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركاً لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإثاره على غيره"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حبه ما يحب، وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الفسوق والعصيان"٤.
وخلاصة القول إنّ الشرك في المحبة هو الحب المبني على إيثار غير الله بالذل والخضوع والطاعة في المحبة الخاصة بالله تعالى.
أما الحب الغريزي الذي يشعر به الإنسان نحو أهله وأولاده مثلاً،
стр. 106
فلا يتعارض مع الحب الذي يجب أن يكون خالصاً لله تعالى، إلا إذا غلا ذلك الحب وطغى على تقديم محبة الله، أو تسبب في الإنشغال عن طاعته، فإنه يكون حينئذ من الحب المنهي عنه.
ج- الشرك في الخوف:
ولما كان الله تعالى هو النافع الضار، فقد أمر عباده أنْ يخافوه ولا يخافوا أحداً سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناساً خائفين منهم، ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما في الآية الأولى، بل يجب عليه أن يخاف الله، فخوف الله أمر به، وخوف الشيطان وأوليائه نهى عنه"٢.
وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ... ﴾ ٣ الآية.
стр. 107
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات التي تفيد أن من أخلص الناس في العبادة وأكملهم إيماناً أخوفهم لله تعالى، وأشدهم له خشية.
والخوف الذي لا يجوز تعلقه بغير الله أصلاً، هو: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض، أو فقر، أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخلوق بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله نداً يخافه هذا الخوف؛ فهو مشرك٢.
أما الخوف الطبيعي كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، وحريق، ونحو ذلك هذا لا يذم٣.
ومن هذا القبيل خاف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أكمل الناس توحيداً، فهذا إبراهيم ﵇ لما جاءته الملائكة بالبشارة في صورة الآدميين، وقدم لهم عجلاً ظاناً إنهم من البشر، ورأى أيديهم لا تمتد إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، عند ذلك قالوا له: ﴿لاَ
стр. 108
تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ١.
وذكر الله تعالى هذا الخوف عن موسى ﵇ لما قتل المصري حين استغاثه الإسرائيلي ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٢.
وكذلك لما أمره الله تعالى أن يلقي عصاه، ورآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب، حتى قال له الله : ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ٣.
د- الشرك في الطاعة والانقياد:
ولما كانت الطاعة من أعظم أنواع العبادات التي أمر الله بها، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ٤.
قال المراغي في تفسيره: "أي أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبين للناس ما نزل إليهم، فقد جرت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه رسل منهم تكفل بعصمتهم، وأوجب علينا طاعتهم.
وأطيعوا أولي الأمر، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند،
стр. 109
وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، بشرط أن يكونوا أمناء، وألا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسوله الصحيحة، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه"١.
أما من أطاع أحداً من الخلق في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحلّ الله، فقد اتخذ ذلك المخلوق رباً في التشريع من دون الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وروى الترمذي وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه"٣.
стр. 110
وفي لفظ: قال عدي: يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة.. فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه إما ديناً، وإما دنيا، وإما ديناً ودنيا، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئاًَ في طاعته بغير سلطان من الله"٢.