← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دعوة إبراهيم لوالده: ولما كان والد إبراهيم ﵇ أعلم القوم بصناعة الأصنام، وكان الناس يشترونها منه، كان إبراهيم ﵇ يحمل أكثر وأقوى الإلزامات على والده، وقد ضرب إبراهيم ﵇ المثل الرائع في الجمع بين قوة الحجة والإقناع، وأدب الحديث مع والده. وقد قص الله تعالى لنا تلك المجادلة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ ١. وفي هذه الآيات نحس أسلوب الداعية المخلص في التوجيه والتعليم، الذي يحذر في لطف وينذر في لين، ويعرف منزلة الأبوة ومكانتها، فيعطيها حقها من اللين والاحترام. ومع أنّ تلك الأبوة لم تقابل هذه الدعوة بالحنان والشفقة، بل انقلبت إلى نار تتأجج وجحيم يتوقد، تمثل ذلك في قول تلك الأبوة

стр. 177

الظالمة: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأََرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١. فإن إبراهيم ﵇ لم يقابل تلك الشدة بمثلها، كما يفعل الأبناء الجهلة، ولكنه قابل تلك الشدة باللين والإحسان، فهو يقول لوالده: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ ٢. وهذا الاستغفار من إبراهيم ﵇ إنّما كان طمعاً منه في إيمان أبيه، ولكنه حينما ظهر له إصراره على الشرك، وعداوته المتأصلة لدين الله تعالى، تبرأ منه وقطع صلته به، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٣. دعوة إبراهيم للوثنيين: أما دعوة إبراهيم ﵇ لقومه الوثنيين، فقد سلك معهم منهجاً مرتباً لا تعقيد فيه ولا غموض، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ

стр. 178

إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ١. فمن خلال الآيات الكريمة، نرى أن إبراهيم ﵇ قد دعا قومه دعوة بسيطة واضحة، وهي مرتبة في عرضها ترتيباً دقيقاً يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوة، لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب. ١- فهو أولاً: بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ . ٢- ثم أثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم، وما تضمنته من الخير لهم، لو كانوا يعلمون أين يكون الخير ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ٣- وفي الخطوة الثالثة يبين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه: أ- إنهم يعبدون من دون الله أوثاناً، والوثن -التمثال من الخشب-

стр. 179

وهي عبادة سخيفة، وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة الله. ب- إنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أو دليل، وإنما يخلقون إفكاً وينشئون باطلاً من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة. ج- إن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعاً، ولا ترزقهم شيئاً ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ . ٤- وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى الله ليطلبوا منه الرزق، الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ، والرزق مشغلة النفوس، وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان، ولكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس. وفي النهاية يهتف بهم إلى وهاب الأرزاق المتفضل بالنعم، ليعبدوه ويشكروه: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ ، ويكشف لهم أنه لا مفر من الله، فمن الخير أن يتوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . ٥- وأخيراً بين لهم أنهم إن كذبوا بعد ذلك فلن يضروا الله شيئاً، ولن يخسر رسوله شيئاً، فقد كذّب الكثيرون من قبل، وما على الرسول إلى واجب التبليغ ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ

стр. 180

الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ١. بهذا الأسلوب المثالي في الدعوة، أخذ إبراهيم ﵇ يدعو قومه، ولكنه حينما لم يجد قبولاً لدعوته أو سماعاً لتوجيهاته ونصائحه، أخذته الغيرة والحماس لدين الله تعالى ونصرته، فصاح بهم قائلاً: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ٢، ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ٣. ثم توعدهم بتحطيم تلك الأصنام في غيابهم ﴿وَتَاللَّهِ لأََكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ٤. وكان للقوم عيد يخرجون فيه كل عام بعيداً عن العمران، وطلبوا من إبراهيم أن يشاركهم في بهجة ذلك الاحتفال، لكنه رفض مشاركتهم واعتذر بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ٥، ولما خرجوا إلى ذلك الاحتفال، وغادروا المساكن والعمران، ذهب إبراهيم ﵇ إلى معبودات أولئك القوم،

стр. 181

فوجد أنهم وضعوا أمامهم شتى أنواع الأطعمة والأشربة، فقال في تهكم لهذا العمل السخيف ﴿أَلاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ ١. ثم انفلت عليها يحطم ويهدم، وقد ترك كبير الأصنام ليقيم به على قومه الحجة، لعلهم يفيقون إلى رشدهم، ويرعوون عن غيهم ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ٢. وبعد أن انتهى القوم من احتفالهم ورجعوا إلى أصنامهم، فوجئوا بما حدث، قال بعضهم لبعض في دهشة: ﴿مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ ٣. كان من المفروض أن يفيق أولئك القوم إلى رشدهم عند هذا الحد، ويوقنوا بسخافة عبادتهم لها، ولكن القوم استمروا في غيهم وجدالهم،

стр. 182

وقالوا لإبراهيم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُونَ﴾ ١. ورد عليهم إبراهيم ﵇ ساخراً منهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢. ولما لم يبق في أيدي القوم شيء يحتجون به، عدلوا عن الجدل والمناظرة، وقرروا استخدام القوة والسلطان، لنصرة ما هم عليه من ضلال وباطل: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ٣. وألقوا إبراهيم ﵇ في نار مستعرة انتقاماً منه، ومما يدعو إليه، ولكن الله تعالى صرف كيدهم، وجعل تلك النار برداً وسلاماً عليه، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ ٤.

стр. 183

مناظرة إبراهيم للنمرود: ولما سمع الملك الطاغية نمرود بن كنعان عن نجاة إبراهيم ﵇ من النار، خشي على نفسه ومنصبه، فاستدعاه ليناقشه عن إلهه الذي يعبده، ويدعو الناس إلى عبادته، فأجابه إبراهيم ﵇ بأن ربه الذي يحيي ويميت، ولكن النمرود أجاب بأنه هو كذلك يحيي ويميت، قال ابن قتادة وابن إسحاق والسدي وغيرهم: أنه كان يؤتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فيأمر بقتل أحدهما فيقتل، ويعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة في نظره١. قال ابن كثير: "والظاهر والله أعلم أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جواباً لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عناداً ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢"٣. ولما رأى إبراهيم ﵇ حماقة الطاغية ومشابهته في الدليل،

стр. 184

عدل إلى دليل آخر، أجدى وأروع وأشد إفحاماً، فقال له: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ . عند ذلك أخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتاً لا يستطيع أن ينطق بكلمة، وكأنما ألقم الحجر. اقرأ هذه المناظرة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. وكانت نهاية هذا الطاغية كما ذكر ابن كثير عن زيد بن أسلم قال: "دخلت بعوضة واحدة في منخر النمرود، وأخذ يعذبه الله بها مدة طويلة، حتى كان يضرب رأسه بالمرزاب، حتى أهلكه الله بها"٢. دعوة إبراهيم لعبدة الكواكب: ولما انتقل إبراهيم ﵇ من أرض بابل إلى منطقة حران،

стр. 185

وأمله أن يجد من أهلها قلوباً تتفتح إلى النور والهدى، ولكنه مع الأسف وجد أهلها أشد ظلاماً، وأكثر جهلاً، حيث وجدهم يعبدون ويؤلهون الشمس والقمر والنجوم، فعند ذلك نزل إبراهيم ﵇ حلبة الميدان، يجادل بالحجة والبرهان، مستخدماً معهم طرق العقل والمنطق، لعلهم يفيقون إلى رشدهم، ويعبدون الإله الحق الذي يسير تلك الكواكب، والآيات التالية تبين لنا الأسلوب الذي سلكه إبراهيم ﵇ معهم في التدرج إلى معرفة الخالق ﵎. قال : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ

стр. 186

آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١. ونلاحظ من خلال الآيات الكريمة أن إبراهيم ﵇ قد أعلن لهم خيبة أمله في جميع هذه الكواكب، وأنَّ واحداً منها لا يستحقُّ أنْ يكون إلهاً حقاً، فهي تظهر من هنا، وتغيب من هنا، وإذا كانت الآلهة تغيب، فمن الذي يرعى الخلائق عند غيابها، أو من يدبر أمرها إذا أفلت. فلا بدّ إذاً من إله خالق الكل، وهيمن على مسيرتها وحركتها، حتى أكبرها لا يعدو أن يكون واحداً من هذه الكواكب السيارة. ورب هذه الكواكب هو الذي ينبغي التوجه إليه، وصرف العبادة له.

стр. 187

٥- الشرك في قوم إسماعيل ﵇ ومنهجه في محاربته. ونأتي إلى إسماعيل ﵇، بكر أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، من زوجه هاجر المصرية، وقد رزق به لما بلغ من العمر ستاً وثمانين سنة، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ ١. ومن الثابت أن إبراهيم ﵇ قد انتقل بزوجه هاجر وابنه إسماعيل -وكان يومئذ رضيعاً- إلى مكة. وبمكة نشأ إسماعيل وترعرع، وكان أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وقد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة، من جرهم والعماليق، وأهل اليمن٢. وقد أثنى الله تعالى على هذا النبي الجليل، ووصفه بالصبر والحلم، وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة والزكاة، وأمره لأهله بها، بالإضافة إلى الدعوة إلى عبادة الله وحده.

стр. 188

قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ أي: إبراهيم ﴿بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الأَخْيَارِ﴾ ٤. ولما شب إسماعيل ﵇، وأصبح في سن يستطيع معها أن يسعى ويعمل، رأى إبراهيم في المنام –ورؤيا الأنبياء حق- أن الله يأمره بأن يذبح ولده إسماعيل، وكان وحيده آنذاك، فعرض إبراهيم الأمر على ولده ليختبر إيمانه، وليكون ذلك أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يذبحه قهراً. وكان جواب إسماعيل لأبيه أن يفعل ما أمره الله به، وأنه سيجده إن

стр. 189

شاء الله من الصابرين الراضين بحكم الله وإراداته، فلما استسلما لقضاء الله، وعزما على تنفيذ أمره، وأمرّ إبراهيم السكين على رقبة ابنه، غير أنه وجد أن السكين لم تقطع، وناداه ربه بالكف عن ذبح إسماعيل؛ لأنه قد حصل المقصود من الإمتحان والابتلاء، وفداء الله إسماعيل بكبش عظيم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ١. وقد كانت رسالته ﵇ إلى القبائل العربية التي عاش في وسطها، وما والاها من قبائل جرهم والعماليق واليمن٢. وإذا كان القرآن الكريم لم يفصل الحديث عن دعوته ﵇، فإن من المرجح أنه سار على نهج والده في الدعوة إلى الله تعالى من تقرير عقيدة التوحيد، وعبادة رب الأرباب، وأداء الصلوات والزكوات وغيرها من العبادات. ولعل معاصرته لأبيه عدداً من السنين، ومشاركته له في بعض مهام

стр. 190

الدعوة ولوازمها، كبناء البيت الحرام، أو لعل ما جرى بخصوص دعوة أبيه من التفصيل والإيضاح، اقتصر في عرض دعوته ﵇. وقد بين القرآن الكريم أنّ الله تعالى جعل البيت الحرام "مثابة" أي: مرجعاً للناس يقصدونه للعبادة، وأنه مكان أمن وأمان، لا يخاف قاصده، كما أشار الله إلى وصيته لإبراهيم وإسماعيل ﵉ بتطهير البيت من الدنس الحسي، كالقاذورات، والدنس المعنوي كالشرك وعبادة الأصنام، ليكون طاهراً للطائفين حوله، والمعتكفين فيه للعبادة، والراكعين الساجدين لله تعالى فيه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ١. وبين القرآن الكريم إن إبراهيم وإسماعيل ﵉ يرفعان القواعد من البيت الحرام، ويدعوان الله تعالى أن يتقبل منهما عملهما، كما يدعوانه أن يبقيهما على الإسلام، ومن ذريتهما كذلك، وأن يبعث في تلك الأمة رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة.

стр. 191

قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق، في بعث محمد ﷺ رسولاً في الأميين، وسائر الأعجمين، من الإنس والجن، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين ترين" ٢.

стр. 192

والمراد أنّ أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ﵇، ولم يزل ذكره مشهوراً حتى أفصح باسمه آخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى بن مريم ﵇، حيث قال: ﴿ ... يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... ﴾ ١. هذا والبشارات بالرسول ﷺ ليس هذا مكانها٢.

стр. 193

٦- الشرك في قوم يوسف ﵇ ومنهجه في محاربته. وفي زمن يوسف ﵇، كان الشرك سائداً في مصر، كسائر الأمم القديمة، وذكروا أنه كان لكل مدينة في مصر يومئذ معبود لا يشبه ما يجاورها من المدن، وكان لكل مدينة أو مقاطعة صغيرة آلهتها الخاصة، وعبادتها المختلفة، فكان موطن أوزيريس في أبيدوس، وفتاح في منفيس، وآمون في طيبة، وهوروس في أدفو، وهاتور في دندرة، ورع في هليوبوليس، وآتون في هرموبولس، وغيرها كثير هنا وهناك، وكانت مكانة الآلة مستمدة من مكانة المدينة أو المقاطعة التي يعبد فيها، وهكذا كانت الآلهة مراتب متفاوتة، تبعاً لتفاوت مراتب المقاطعات السياسية١. كما كانت لهم معبودات أخرى كالشمس، والأسد، وابن آوى، وغير ذلك من الحيوانات والآلهة الحرقاء٢. وقد غاظ يوسف ﵇ ما شاهده من انحراف شنيع عن عقيدة التوحيد، فلما واتته الفرصة أثناء وجوده في السجن، صاح في

стр. 194

أولئك الناس قائلاً لهم: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّين ُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١. يقول سيد قطب ﵀: " لقد رسم يوسف ﵇ بهذه الكلمات القليلة الناصعة، الحاسمة المنيرة، كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة، كما هزّ بها كلَّ قوائم الشرك هزاً شديداً عنيفاً ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ . إنه يتخذ منهما صاحبين، ويتحبب إليهما بهذه الصفة المؤنسة، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة، وجسم العقيدة، وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة، إنّما يعرضها قضية موضوعية: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟﴾ . وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها، ويهزها هزاً شديداً. إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً، ففيم إذاً تعدد الأرباب؟ إنَّ الذي

стр. 195

يستحق أن يكون رباً يعبد ويطاع أمره، ويتبع شرعه، هو الله الواحد القهار، ومتى توحد الإله وتقرر سلطانه القاهر في الوجود، فيجب تبعاً لذلك أنْ يتوحد الرب وسلطانه القاهر في حياة الناس، وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، وأنه هو القاهر، ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره، ويتخذوا بذلك من دون الله رباً. إنّ الرب لا بدّ أنْ يكون إلهاً يملك أمر هذا الكون ويسيره، ولا ينبغي أن يكون العاجز عن تسيير أمر هذا الكون كله رباً للناس يقهرهم بحكمه. والله الواحد القهار، خير من يدين الناس لربوبيته، من أن يدينوا للأرباب المتفرقة الأهواء الجاهلية العمياء، عن رؤية ما وراء المنظور القريب، كالشأن في كل الأرباب إلاّ الله. وما شقيت البشرية قط، مثل شقاءها بتعدد الأرباب وتفرقهم، وتوزع العباد بين أهوائهم وتنازعهم"١ ا.?. والذي لا شك فيه أن يوسف ﵇، قد عاش بين قومه الوثنيين يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويبلغهم رسالة ربه، وينصح لله تعالى ما استطاع، لكنه لم يتمكن من أن يحقق بينهم كلّ ما يرجوه من دعوته، وظل قومه في شك مما جاء به، كما أشار إلى ذلك مؤمن آل

стр. 196

فرعون في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ ١.

стр. 197

٧- الشرك في قوم شعيب ﵇ ومنهجه في محاربته. وفي عهد شعيب ﵇، ظهر في مدين١ قوم يعبدون الأيكة. قال ابن كثير:" وكان أهل مدين كفاراً يقطعون السبيل، ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة، وهي الشجرة من الأيك، حولها غيضة ملتفة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيما يأخذون بالزائد، ويدفعون بالناقص، فبعث الله فيهم رجلاً منهم، وهو رسول الله شعيب ﵇، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم، وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم، وكفر أكثرهم، حتى أحل الله بهم البأس الشديد "٢. قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ

стр. 198

إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١. فأنكر قومه دعوته، ولم يؤمنوا بما جاء به من عند الله تعالى، واستهزؤا به، ولم يرتدعوا عما يفعلونه، وقالوا له على سبيل السخرية والاستهزاء: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأََنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٢. و ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ٣. وكانت النتيجة أن أخذتهم رجفة شديدة، وزلزلة عظيمة أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وانتهى أمرهم وزالت آثارهم، ونجى الله شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منه وإحسان، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا

стр. 199

شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ١.

стр. 200

٨- الشرك في قوم موسى ﵇ ومنهجه في محاربته. ولما كثر بنو إسرائيل في مصر، وتزايد عددهم وحكمهم فرعون ذلك الملك الطاغية، الذي ادعى الربوبية والألوهية معاً، وحكم قومه بالحديد والنار، وكان مما أوقعه بهم تفريقهم شيعاً وأحزاباً، وتسخيرهم في أشق الأعمال لإنهاك قواهم، وكان يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، كما قص الله تعالى ذلك في قوله : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. وقال لهم: ﴿ ... مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأََظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢. فبعث الله تعالى إليه وإلى قومه موسى وأخاه هارون ﵉، فدعواه باللين والحسنى إلى عبادة الله وحده، وترك التجبر والتكبر في

стр. 201

الأرض، قال تعالى: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ١. وقد أنزل الله تعالى على موسى ﵇ التوارة، وهي كتاب سماوي، فيه هدى ونور، وضياء وذكر، وتمام على الذي أحسن، وتفصيل لكل شيء. وأمر الله بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسنها، وأن يقيموا أحكامها، وأن لا يشتروا بها ثمناً قليلاً، وأن لا يحرفوا كلمها عن مواضعه ... كما جاءت التوراة بتفاصيل العبادة التي لا تنبغي إلاّ لله تعالى، وحذرت من الشرك وغوائل الوثنية. فقد جاء في سفر الخروج:" أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة مما في السماء من فوق، ومما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ، لأني أنا الرب إلهك، إله غيور "٢. وجاء في سفر الخروج أيضاً: "من ذبح لآلهة غير الرب وحده

стр. 202

يهلك"١. وجاء في سفر اللاويين: "لا تلتفتوا إلى الأوثان، وآلهة مسبوكة، ولا تصنعوا لأنفسكم"٢. وقد أشار القرآن الكريم إلى دعوة بني إسرائيل إلى التوحيد، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ٤. وقد استكبر فروعون وطغى، وتجبر واستخفّ قومه واستجلبهم، فأطاعوه لما دعاهم إليه من الكفر والضلال، قال تعالى عنه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ

стр. 203

تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ١. وكان مصير فرعون وأتباعه أن أغرقهم الله تعالى في البحر، وأنجى الله تعالى موسى وهارون، ومن آمن معهما من بني إسرائيل، فكان ذلك آية وعبرة للناس إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.

стр. 204

ولم يهمل القرآن الكريم الحديث عن مصير فرعون وقومه في الدار الآخرة، وما أعده الله لهم من العذاب، وسوء المصير، قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ١. وعلى الرغم مما لقي موسى ﵇ في سبيل دعوة بني إسرائيل إلى عبادة الله تعالى وحده من الأهوال والمعاناة، وما أيده الله به من المعجزات العظيمة الدالة على قدرة وعظمة الخالق، جلت قدرته، إلا أن رواسب الوثنية التي ألفها قومه طوال عهدهم في مصر، بقيت تعاودهم من حين إلى آخر. ومن مظاهر ذلك أنهم عندما جاوزوا البحر الذي أغرق الله عدوهم به، مروا على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى ﵇ أن يتخذ لهم صنماً يعبدونه مثل ما لأولئك الوثنيين، وقد لامهم موسى ﵇، وعاتبهم على جهلهم، وبين لهم أنَّ دين أولئك القوم هالك وباطل، وأنّ أعمالهم خاسرة ومضمحلة لعبادتهم ما لا يستحق العبادة. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى

стр. 205

أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١. وعندما ذهب موسى ﵇ لمناجاة ربه، استغل السامري فرصة غيابه، وأخذ من بعض حلي النساء وأذابها بالنار، وسبك منها جسداً على شكل عجل، إذا دخلته الريح تجعل له صوتاً كصوت البقر، وأمرهم بعبادته، وقد تصدى لهم هارون ﵇، وأفهمهم بأنهم فتنوا بهذا العمل، وأجهد نفسه ﵇ في ردهم عن عبادة العجل، ولكنه لم يفلح؛ لإصرارهم على عبادته حتى يرجع إليهم موسى. فلما أخبر الله ﵎ رسوله موسى ﵇ بما فعله السامري، وما أضل به القوم عن دينهم، عاد موسى ﵇ وهو في أشد حالات الغضب والأسف، ولام قومه على فعلهم، كما لام أخاه هارون ﵇ على عدم لحوقه به لإخباره بما حدث، كما توجه باللوم الشديد للسامري على تسببه في إضلال الناس، وبين له بوحي من الله تعالى أن عاقبته في الحياة أن يقول: "لا مساس"، فكان يتألم من مس أي إنسان له، فإذا لقي إنساناً وخشي أن يمسه يقوله له: "لا مساس".

стр. 206

ثم ذهب موسى نحو العجل المصنوع، وأحرقه وأذراه في البحر. قص الله ﵎ لنا ذلك في الآيات التالية: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا

стр. 207

لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ ١. كما بين موسى ﵇ لقومه بوحي من الله تعالى أن توبتهم تكون بقتل أنفسهم، وكبت شهواتهم وتطهيرها من الشرك والآثام. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٢. ويعلق الشيخ العدوي على تأصل الوثنية في بني إسرائيل على الرغم من دعوة موسى ﵇ لهم الأيام والليالي الطويلة، فيقول: " فهذا نبي الله موسى يمضي الأيام في دعوة القوم إلى توحيد الله تعالى، ويدأب على محاربة الشرك والوثنية أياماً وليالي، ثم يترك أخاه هارون ﵇، فيطمع القوم في حلمه ولين جانبه، فينتهز السامري تلك الفرصة، ويضل القوم بعمل عجل من حلي الذهب والفضة على نحو خاص، بحيث إذا مرّ الهواء منه صوت كصوت العجل، واستغل سذاجة بني إسرائيل وجهلهم

стр. 208

بحقيقة تلك الصنعة، ويريهم أن ذلك هو الذي ينبغي أن يعبد، فيعود نبي الله موسى، فيحزن على ذلك العمل الحزن العميق، ويأسف غاية الأسف على إضاعة مجهوده بسبب ضعف قومه، واستعدادهم لكل أنواع التحريف"١. هذا وسيأتي معنا بعض الإيضاح عن مظاهر التحريف للديانة اليهودية بعد موسى ﵇، في الكلام عن حالة العقائد قبيل البعثة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

стр. 209

٩- الشرك في قوم عيسى ﵇ ومنهجه في محاربته. وتتابعت بعثة الرسل والأنبياء على بني إسرائيل على مرّ العصور والأزمان، لانتشالهم من الضلال والجهل وطغيان المادة، ولكن بني إسرائيل لم يقابلوا تلك النعمة بالشكر والامتنان، وإنما قابلوها بالجحود والكفر، وتمردوا على الشرائع الربانية التي جاء بها أنبياؤهم، واستمروا على الشرك وعبادة الأوثان، حتى قبيل ظهور المسيح ﵇ ظهر من الآلهة المقدسة في الإغريق والرومان والفرس والشام ومصر وبابل وغيرها الأعداد الكثيرة. يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه المسيحية: " قبل ظهور المسيح، كانت هناك معابد كثيرة تقدس عدداً كبيراً من الآلهة، فهناك مثلاً آيلو الذي كان يقدسه الإغريق، وهيركوليس معبود الرومان، ومترا معبود الفرس، وأدونيس معبود السوريين، وأوزيريس وإيزيس وحورس معبودات المصريين، وبعل معبود البابليين، وسواهم كثيرون. وكانت هذه الآلهة تعتبر كلها من نسل الشمس ... "١. فجاء عبد الله ورسوله عيسى بن مريم ﵇ إلى بني إسرائيل، ليردهم إلى الطريق الحق، ويصحح لهم ما دخل على شريعتهم من تحريف

стр. 210

وتبديل، ويبلغهم ما أنزل الله عليه من شريعة جديدة، وما فيها من تحليل بعض ما حُرِّم عليهم في شريعة موسى ﵇ بسبب بغيهم وعدوانهم، قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ... ﴾ ١. وأنزل الله تعالى عليه الإنجيل، فيه الهدى والنور، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ٢. وفيه البشارة بمحمد ﷺ النبي الخاتم، وصاحب الشريعة العامة لكافة الخلق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٣. ودعا قومه إلى عبادة الله تعالى وتوحيده.

стр. 211

قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٢. وعلى هذا الأساس، أخذ عيسى ﵇ يدعو قومه إلى عبادة الله تعالى، ويقارعهم الحجة، ويرفض أي إدعاء أو زيادة ترفع شخصه عن جنس البشرية، أو مقام النبوة. وهكذا جاء عيسى ﵇ بكلمة التوحيد خالصة لله تعالى، في وضوح وجلاء، ولم يقل مرة واحدة إنه إله، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أي صله بربه، غير صلة العبودية الخالصة من جانبه، والربوبية المطلقة لله رب العالمين. ومن هذا يتبين لنا أن عيسى ﵇ لو جرِّد من كل ما أضافه

стр. 212

إليه المحرفون الضالون، لكان كما وصفه رب العزة والجلال في كتابه الكريم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ١. ولما كان اليهود الذين بعث فيهم عيسى ﵇ قساة القلوب، فقد أعرضوا عن رسالته، وأخذوا يصدون الناس من سماع دعوته، ولما وجدوا أنَّ البعض يؤمن به ويلتف حول دعوته، أخذوا يحرضون الرومان عليه، ويوهمونهم أنّ في دعوة عيسى زوالاً لملك قيصر، وتقويضاً لسلطانه، فتمكنوا من حمل الحاكم الروماني على إصدار الأمر بالقبض عليه، والحكم بإعدامه صلباً٢.

стр. 213

ولكن الله تعالى لم يمكنهم مما أرادوا به من كيد ومكر، إذ رفعه الله تعالى إليه، وألقى الشبه على غيره، كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١. وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٢. وسنلقي شيئاً من الضوء على ما حصل للديانة النصرانية من تحريف وتبديل بعد رفع المسيح ﵇، في الحديث عن حالة العقائد قبيل بعثة محمد ﷺ . هذا ولأنّ رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات، ولكونها عامة إلى جميع الناس، في كل زمان ومكان، أود أن أعطي فكرة عن حالة العقائد في العالم، قبيل بعثة محمد ﷺ في الجزيرة العربية، وفي خارجها، لنرى كيف أنَّ العالم بأسره كان في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة تنير له الطريق، وتكفل له أمنه واستقراره.

стр. 214

الفصل الرابع: حالة العقائد قبيل البعثة المحمدية أولاً: حالة العقائد داخل الجزيرة العربية. أ-الحالة الدينية للعرب قبل الإسلام: العرب كانوا على التوحيد: كان العرب على دين إبراهيم وإسماعيل، وعلى دين من بعثه الله تعالى فيهم من أنبياء لعاد ولثمود ولمدين وغيرهم. فقد بعث الله تعالى هوداً ﵇ لعاد، الذين سكنوا الأحقاف جنوب الربع الخالي وشمال حضرموت، وبعث صالحاً ﵇ لثمود الذين سكنوا بالحجر ووادي القرى بين المدينة النبوية وتبوك. وأبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وإن كان ولد ببابل، إلاّ أنه لم يستقر بها، بل أخذ يتنقل بينها وبين حران ومصروفلسطين، ثم كان مهاجره إلى مكة ومعه ولده إسماعيل وأمه هاجر، وقد استقرّ المقام بإسماعيل وأمه بمكة، ورفع إبراهيم وابنه إسماعيل بمكة قواعد البيت الحرام. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١.

стр. 215

وكانت على مقربة من الجزيرة العربية رسالة لوط، ورسالة شعيب ﵉. ولهذا فإنَّ العرب في الجزيرة العربية كانوا يؤمنون بدعوة التوحيد التي دعا إليها هؤلاء الأنبياء وغيرهم، لأنَّ الصحيح المقطوع به، أنّ الرسل المذكورين في القرآن الكريم ليسوا كل الرسل الذين بعثهم الله تعالى، بل إنه يوجد رسل غيرهم، كما قال تعالى لخاتم رسله بعد أن ذكر عدداً من الرسل: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢. تحول العرب من التوحيد إلى الوثنية: وعن تحول العرب عن عبادة الله تعالى إلى الوثنية، قال أبو المنذر الكلبي: "إن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ لما سكن مكة، وولد له بها أولاد كثيرون، حتى ملاءوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضاً، فتفسحوا في البلاد إلتماساً للمعاش، وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة، إنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجراً
следующие страницы →