قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٢.
وعلى هذا الأساس، أخذ عيسى ﵇ يدعو قومه إلى عبادة الله تعالى، ويقارعهم الحجة، ويرفض أي إدعاء أو زيادة ترفع شخصه عن جنس البشرية، أو مقام النبوة.
وهكذا جاء عيسى ﵇ بكلمة التوحيد خالصة لله تعالى، في وضوح وجلاء، ولم يقل مرة واحدة إنه إله، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أي صله بربه، غير صلة العبودية الخالصة من جانبه، والربوبية المطلقة لله رب العالمين.
ومن هذا يتبين لنا أن عيسى ﵇ لو جرِّد من كل ما أضافه
стр. 212
إليه المحرفون الضالون، لكان كما وصفه رب العزة والجلال في كتابه الكريم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ١.
ولما كان اليهود الذين بعث فيهم عيسى ﵇ قساة القلوب، فقد أعرضوا عن رسالته، وأخذوا يصدون الناس من سماع دعوته، ولما وجدوا أنَّ البعض يؤمن به ويلتف حول دعوته، أخذوا يحرضون الرومان عليه، ويوهمونهم أنّ في دعوة عيسى زوالاً لملك قيصر، وتقويضاً لسلطانه، فتمكنوا من حمل الحاكم الروماني على إصدار الأمر بالقبض عليه، والحكم بإعدامه صلباً٢.
стр. 213
ولكن الله تعالى لم يمكنهم مما أرادوا به من كيد ومكر، إذ رفعه الله تعالى إليه، وألقى الشبه على غيره، كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٢.
وسنلقي شيئاً من الضوء على ما حصل للديانة النصرانية من تحريف وتبديل بعد رفع المسيح ﵇، في الحديث عن حالة العقائد قبيل بعثة محمد ﷺ .
هذا ولأنّ رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات، ولكونها عامة إلى جميع الناس، في كل زمان ومكان، أود أن أعطي فكرة عن حالة العقائد في العالم، قبيل بعثة محمد ﷺ في الجزيرة العربية، وفي خارجها، لنرى كيف أنَّ العالم بأسره كان في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة تنير له الطريق، وتكفل له أمنه واستقراره.
стр. 214
الفصل الرابع: حالة العقائد قبيل البعثة المحمدية
أولاً: حالة العقائد داخل الجزيرة العربية.
أ-الحالة الدينية للعرب قبل الإسلام:
العرب كانوا على التوحيد:
كان العرب على دين إبراهيم وإسماعيل، وعلى دين من بعثه الله تعالى فيهم من أنبياء لعاد ولثمود ولمدين وغيرهم.
فقد بعث الله تعالى هوداً ﵇ لعاد، الذين سكنوا الأحقاف جنوب الربع الخالي وشمال حضرموت، وبعث صالحاً ﵇ لثمود الذين سكنوا بالحجر ووادي القرى بين المدينة النبوية وتبوك.
وأبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وإن كان ولد ببابل، إلاّ أنه لم يستقر بها، بل أخذ يتنقل بينها وبين حران ومصروفلسطين، ثم كان مهاجره إلى مكة ومعه ولده إسماعيل وأمه هاجر، وقد استقرّ المقام بإسماعيل وأمه بمكة، ورفع إبراهيم وابنه إسماعيل بمكة قواعد البيت الحرام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
стр. 215
وكانت على مقربة من الجزيرة العربية رسالة لوط، ورسالة شعيب ﵉.
ولهذا فإنَّ العرب في الجزيرة العربية كانوا يؤمنون بدعوة التوحيد التي دعا إليها هؤلاء الأنبياء وغيرهم، لأنَّ الصحيح المقطوع به، أنّ الرسل المذكورين في القرآن الكريم ليسوا كل الرسل الذين بعثهم الله تعالى، بل إنه يوجد رسل غيرهم، كما قال تعالى لخاتم رسله بعد أن ذكر عدداً من الرسل: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢.
تحول العرب من التوحيد إلى الوثنية:
وعن تحول العرب عن عبادة الله تعالى إلى الوثنية، قال أبو المنذر الكلبي: "إن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ لما سكن مكة، وولد له بها أولاد كثيرون، حتى ملاءوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضاً، فتفسحوا في البلاد إلتماساً للمعاش، وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة، إنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجراً
стр. 216
من حجارة الحرم، تعظيماً للحرم وصبابة١ بمكة، فحيثما حلوا وضعوه، وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمناً منهم، وصبابة بالحرم، وحباً له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉، ثم سلخ ذلك بهم إلى أنْ عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا (استخرجوا) ما كان يعبد قوم نوح ﵇ منها، على إرث ما بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها، من تعظيم البيت، والطواف به، والحج، والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وإهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه"٢.
وقد كانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك" فيوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده، يقول تعالى لنبيه محمد صلى
стр. 217
الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ١.
أي ما يوحدونني لمعرفة حقي، إلاّ جعلوا معي شريكاً من خلقي٢.
وذكر السهيلي وغيره: "أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي، وأن إبليس تبدى له في صورة شيخ، فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه، ويقول كما يقول، واتبعه العرب في ذلك"٣.
وقد ذكر ابن الكلبي: "أنَّ أولّ من غير دين إسماعيل ﵇ فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصلة، وبحر البحيرة، وحمى الحامية، عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أبو خزاعة.
وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية، وقاتل جرهما ببني إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم عن بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم"٤.
وذكر السهيلي: "أن العرب قد جعلته رباً لا يبتدع لهم بدعة، إلاّ
стр. 218
اتخذوها شرعة، لأنه كان يطعم الناس، ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة ألاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة"١.
وقد نص الشهرستاني أن عمرو بن لحي وضع الأصنام في البيت في أول ملك "سابور" ذي الأكتاف٢".٣
وعن جلب الأصنام من الشام إلى مكة، يروي ابن الكلبي أنّ عمرو بن لحي مرض مرضاً شديداً، فقيل له: إنَّ بالبلقاء من الشام حمة، إنْ أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة"٤.
وهناك رواية أخرى تذكر أنّ أول من اتخذ تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم من الناس هو: هذيل بن مدركة٥.
стр. 219
وعلى كل فالرواية الأولى هي المعروفة والمشهورة بين الإخباريين عن منشأ عبادة الأصنام عند العرب١.
والحق إنه إذا كان للدعوة الإلهية أنبياء ودعاة يدعون الناس إلى الخير، وإلى عبادة الله تعالى وحده، فكذلك فإن للدعوات الشيطانية دعاة يدعون إلى أبواب جهنم، وإلى عبادة الأوهام والطواغيت، ومن أكبر دعاة الضلال عمرو بن لحي الخزاعي، حيث استورد الأصنام من بلاد بعيدة، ووزعها في الجزيرة العربية، بل في أرض الحرم.
فإنَّ العرب جميعاً من قحطان وعدنان كانوا قبل عمرو بن لحي على التوحيد يعبدون الله وحده، ولا يشركون به شيئاً، فلما جاء عمرو بن لحي أفسدهم، ونشر بينهم الأضاليل بما جلبه لهم من بلاد الشام من أصنام، فكان داعي الوثنية عند العرب، ومضلهم الأول، وموزع الأصنام بين القبائل، ومقسمها عليها، فكان من دعوته تلك عبادة الأصنام والأوثان، إلى أن جاء الإسلام، فأعاد العرب إلى سواء السبيل.
وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت عمرو
стр. 220
ابن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب" ١.
وجاء في صحيح البخاري أيضاً، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجر قصبه، وهو أول من سيب السوائب" ٢.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق أبا بني كعب هؤلاء، يجر قصبه في النار" ٣.
وروى ابن كثير عن ابن إسحاق عن أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجوزي الخزاعي "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك له، ولا بك منه"، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال: لا إنك مؤمن، وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة،
стр. 221
وحمى الحامي" ١.
بعض أصنام العرب:
وفي طليعة الأصنام التي عبدها العرب:
الصنم "ود" وكان لبني كلب.. وكان منصوباً بدومة الجندل٢.
ويذكر ابن الكلبي أن عمرو بن لحي قد دفع هذا الصنم إلى عوف ابن عذرة ابن زيد اللات.. من قضاعة بعد أن أجابه إلى عبادة الأصنام، وأن عوف بن عذرة هذا حمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمى به،.. ثم سمت العرب به بعد ذلك، وجعل عوف ابنه عامراً ... سادناً له، فلم تزل بنوه يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام، وكان الرسول ﷺ بعث خالد بن الوليد من غزوة تبوك لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود، وبنو عامر
стр. 222
الأجداد، فقاتلهم حتى قتلهم، فهدمه وكسره١.
وكان "سواع" لبني هذيل بن إلياس بن مدركة بن مضر، وكان منصوباً بمكان يقال له رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر٢.
قال رجل من العرب:
تراهم حول قبلتهم عكوفاً ... كما عكفت هذيل على سواع٣
وقد هدم هذا الصنم عمرو بن العاص رضي الله عنه٤.
وكان "يغوث" لبني أنعم من طيء، ولأهل جرش بن مذحج، وكان منصوباً بجرش٥.
ويذكر ابن الكلبي أن عمرو بن لحي دفع بهذا الصنم إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه بأكمة مذحج باليمن، فعبدته مذحج ومن والاها
стр. 223
من أهل جرش١.
وكان "يعوق" منصوباً بأرض همدان من اليمن، لبني خيوان بطن من همدان٢.
ويذكر ابن الكلبي أن عمرو بن لحي وضع بهذا الصنم إلى مالك بن مرثد بن جشم، وقد عبدته همدان وخولان ومن والاهما من قبائل، وكان في أرب، قال مالك بن نمط الهمداني:
يريش الله في الدنيا ويبري ... ولا يبري يعوق ولا يريش٣
وكان "نسر" منصوباً بأرض حمير، لقبيلة يقال لها ذو الكلاع، وقد أعطاه عمرو بن لحي قيل: لذي رعين، يقال له: معد يكرب، فوضعه في موضغ "بلخ" من أرض سبأ، فتعبدت له حمير إلى أيام ذي نواس، حيث تهودت معه، وتركت عبادته، فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله
стр. 224
النبي ﷺ فأمر بهدمها١.
وهذه الأصنام الخمسة، قد كانت في قوم نوح ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا..﴾ ٢.
ثم انتقلت هذه الأصنام في العرب بعد، كما ذكر ابن عباس ﵄ ٣.
ويعد الصنم "مناة" أقدم الأصنام التي اتخذها العرب، وكان منصوباً على ساحل البحر، بناحية المشلل بقديد، بين المدينة ومكة، وكانت العرب تعظمه، وتذبح حوله، وكان أشد الناس إعظاماً له الأوس والخزرج وغسان من الأزد، ومن دان بدينهم من أهل يثرب (المدينة) وأهل الشام٤.
стр. 225
ومناة هي التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ١.
وقد كان سدنة هذا الصنم يرتزقون باسمه، إلى أن خرج رسول الله ﷺ من المدينة سنة ثمان من الهجرة، وهو عام الفتح، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس، بعث علياً فهدمها، وأخذ ما كان لها، فأقبل به إلى النبي ﷺ ، وكان فيما أخذ سيفان كان الحارث ابن شمر ملك غسان أهداهما لها، أحدهما اسمه (مخذم) والآخر (رسوب) ، فوهبهما لعلي، فيقال: إنّ ذا الفقار سيف علي أحدهما، ويقال إنَّ علياً وجدهما في "الغلس" صنم لطي، حين بعثه النبي ﷺ فهدمه٢.
ويقال إنَّ الذي هدمه أبو سفيان بن حرب٣.
وفي رواية للواقدي إن الذي هدم الصنم هو سعد بن زيد
стр. 226
الأشهلي١.
وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بنو مُعَتِّبُ من ثقيف٢.
ويذكر أن رجلاً ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مروا فيلت سويقهم، وكان ذا غنم، فسميت صخرة اللات فمات، فلما فقده الناس، قال عمرو: إنَّ ربكم كان اللات، فدخل في جوف الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بنياناً يسمى اللات ... فاتخذها ثقيف طاغوتاً، وبنت لها بيتاً وجعلت لها سدنة وعظمته وطافت به، وقيل كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق٣.
وقد هدم اللات أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في جملة من هدم من الأصنام، وأحرق البيت، وقوضت حجابته بأمر الرسول ﷺ ، وفي بعض الروايات، أنَّ المغيرة هدمها لوحده٤.
стр. 227
وفي ذلك يقول شداد بن عارض الجشمي حين هدمت وحرقت، ينهى ثقيفاً عن العود إليها والغضب لها:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها ... وكيف نصركم من ليس ينتصر
إن التي حرقت بالنار فاشتعلت ... ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بساحتكم ... يظعن وليس بها من أهلها بشر١
وكانت "العزى" لقريش وبني كنانة٢، وهي أحدث عهداً من اللات ومنات، فقد سمّت العرب بهما قبل العزى، وقد سمى تميم بن مر ابنه زيد مناة، كما سمى ثعلبة بن عكابة تيم اللات، وكان عبد العزى بن كعب من أقدم ما سمت به العرب، وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن أسعد٣، وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له: حراض عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، فوق ذات عرق بتسعة أميال، فبنى عليها بيتاً، وكانوا يسمعون فيها الصوت، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانت قريش تطوف بالكعبة، وتقول: "واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى".
стр. 228
وكانوا يقولون: "بنات الله" تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهن يشفعن إليه، فلما بعث الله رسوله أنزل عليه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ ١.
وحمت لها قريش شعباً من وادي حراض، يقال له: سقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر ينحرون فيه هداياها، يقال له: الغبغب، وكانت قريش تخصها بالإعظام، فلذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل، وكان قد تأله في الجاهلية، وترك عبادة الأصنام:
تركت اللات والعزى جميعاً ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني غنم أزور
ولا هبلاً أزور وكان رباً ... لنا في الدهر إذ حلمي صغير٢
وقد بلغ من حرص قريش على عبادتها، أنه لما مرض أبو أحيحة مرضه الذي مات فيه، دخل عليه أبو لهب يعوده، فوجده يبكي، فقال: ما
стр. 229
يبكيك يا أبا أحيحة، أمن الموت تبكي، ولا بدّ منه؟ قال: لا والله، ولكن أخاف أن لا تعبد العزى بعدي، قال أبو لهب: والله ما عبدت حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك، فقال أبو أحيحة: الآن علمت أنّ لي خليفة١.
وكان سدنة العزة بنو شيبان من بني سليم خلفاء بني هاشم، وكان آخر من سدنها دبيه بن حرمي السلمي، فلم تزل كذلك حتى بعث الله نبينا محمداً ﷺ ، فعاب الأصنام، ونهاهم عن عبادتها، ونزل القرآن فيها، فاشتد ذلك على قريش، فلما كان يوم الفتح، دعا النبي ﷺ خالد بن الوليد، فقال: انطلق إلى شجرة ببطن نخلة فاعضدها، فانطلق فقتل دبية.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، فلما بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد قال له: أئت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى، فأتاها فعضدها فلما جاء إليه ﵊، فقال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فاعضد الثانية، فعضدها، ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فاعضد الثالثة، فأتاها فإذ هو بخناسة، (بجيشة) نافشة شعرها، واضعة ثيابها على عاتقها، تصرف
стр. 230
بأنيابها. وخلفها دبيه السلمي، فلما نظر إلى خالد، قال:
أغراء شدي شدةً لا تكذبي
على خالد ألقي الخمار وشمري
فإنك إن الا تقتلي اليوم خالداً
تبوئي بذل عاجل وتنصري
فقال خالد بن الوليد ﵁:
يا عز كفرانك لا سبحانك
إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حمحمة، ثم عضد الشجرة، وقتل دبية، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب، أما إنها لن تعبد اليوم" ١.
قال أبو المنذر: "ولم تكن قريش ومن بمكة يعظمون شيئاً من الأصنام أعظامهم العزى، ثم اللات، ثم مناة، فأما العزى فكانت تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وكانت ثقيف تخص اللات، وكانت الأوس والخزرج تخص مناة، وكلهم كان معظماً لها، أي: (العزى) "٢.
وكانت لقريش في جوف الكعبة وحولها أصنام عديدة، يقول ابن الكلبي: "وكان أعظمها عندهم "هبل" وكان فيما بلغني من عقيق أحمر، على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش ... فجعلوا له يداً
стр. 231
من ذهب.
وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة ... وكان يقال له هبل خزيمة، وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أولها: صريح، والآخر ملصق، فإذا شكوا في مولود أهدوا له هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح ألحقوه، وإن خرج ملصق دفعوه، وقدح على الميت، وقدح على النكاح ... فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفراً أو عملاً، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به وانتهوا إليه، وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله"١.
وفي معركة أحد علا صوت أبي سفيان "أعل هبل"٢.
ويذكر ابن هشام: أن الصنم هبل كان أول صنم جاء به عمرو بن لحي من مآب بأرض البلقاء٣.
بينما يذكر السهيلي بأن عمرو بن لحي استورد هذا الصنم من هبت، وهي من أرض الجزيرة بالعراق٤.
стр. 232
وكان لكفار قريش "إساف ونائلة"، على موضع زمزم، ينحرون ويذبحون عندهما تجاه الكعبة، وهما في الأصل كما يذكر ابن الكلبي وابن إسحاق: رجل وامرأة من جرهم، فجرا في الكعبة، أو أحدثا فيها فمسخا حجرين، ووضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، عبدا معها، وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم، فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر١.
وفي رواية أنهما أخرجا إلى الصفا والمروة، فنصبا عليهما ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهم إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، فطاف الناس بالكعبة وبهما، حتى عُبِدا من دون الله٢.
ويذكر أن الطائف إذا طاف بالبيت كان يبدأ بإساف، ويستلمه، فإذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها، فكان ذلك.. حتى كسرهما رسول الله ﷺ مع الأصنام يوم فتح مكة٣.
وأما صنم "ذي الخلصة" فكان صنم خثعم، وبجيلة، وباهلة، ودوس، وأزد السراة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة، قال رجل منهم:
стр. 233
لو كنت يا ذا الخَلَص الموتورا
مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
وكان أبوه قتل، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة فاستقسم عنده بالأزلام، فخرج السهم بنهيه عن ذلك، فقال هذه الأبيات، ومن الناس من ينحلها امْرأ القيس بن حجر الكندي١.
وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج، وكان بتبالة بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة٢.
وكانت لهذا الصنم ثلاثة أقداح: الآمر، والناهي، والمتربّص، وكان الناس يأتون إليه للاستقسام٣.
وفي رواية لابن إسحاق أن عمرو بن لحي نصب ذا الخلصة بأسفل مكة، فكانوا يلبسونها القلائد، ويهدون إليها الشعير والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام٤.
стр. 234
وقد هدم بنيان ذي الخلصة في الإسلام، وأضرم فيه النار فاحترق، هدمه جرير بن عبد الله البجلي، بأمر الرسول ﷺ ، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة١.
وهناك صنم يقال له: "سعد" لمالك وملكان ابني كنانة، وكان صخرة طويلة بفلاة، على ساحل جدة٢، وقيل إنه قرب اليمامة٣.
وقد أورد عنه الإخباريون القصة التالية: "أقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته، فيما يزعم، فلما رأته الإبل، وكانت مرعية لا تركب، وكان يهراق عليه الدماء، نفرت منه، فذهبت في كل فج، فغضب ربها وأخذ حجراً فرماه به، وقال: "لا بارك الله فيك، نفرت عليّ إبلي" ثم خرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
стр. 235
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة١ ... من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد٢
وكان لدوس ثم لبني منهب بن دوس صنم يقال له: "ذو الكفين"، فلما أسلموا، بعث النبي ﷺ الطفيل بن عمرو الدوسي، فحرقه وهو يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا٣
وأما "ذو الشرى" فهو صنم معروف بين العرب الشماليين، ذكر ابن الكلبي أنه كان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد٤.
وأما "الأقيصر"، فكان صنم قضاعة ولخم وجذام وعاملة، وغطفان، وكان في مشارف الشام، وأنشد ابن الأعرابي:
стр. 236
وأنصاب الأقيصر حين أضحت ... تسيل على مناكبها الدماء١
وكان لمزينة صنم يقال له: "نهم"، وكان سادنه يسمى خزاعي بن عبد نهم، فلما سمع بالنبي ﷺ ثار على الصنم فكسره وأنشأ يقول:
ذهبت إلى نهم لأذبح عنده ... عتيرة نسك كالذي كنت أفعل
فقلت لنفسي حين راجعت عقلها ... أهذا إله أبكم ليس يعقل؟
أبيت فديني اليوم دين محمد
... إله السماء الماجد المتفضل٢
وأما "سعير"، فهو صنم عنزه، وكان الناس يطوفون حوله، ويعترون العتائر له، فخرج جعفر بن خلاس الكلبي على ناقته فمرت به وقد عترت عتيرته عنده، فنفرت ناقته منه، فأنشأ يقول:
نفرت قلوصى من عتائر صرعت ... حول السعير يزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابة ... ما إن يجير إليهم بتكلم٣
وعميانس "عم أنس"، هو صنم لخولان في أرضهم، وكانوا يقسمون له من أنعامهم وحروثهم، قسما بينه وبين الله فيما يزعمون، فما
стр. 237
دخل في حق عميانس "عم أنس" من حق الله الذي قسموه له، تركوه له، وما دخل في حق الله من حق الصنم، ردوه عليه، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
وكان لطي صنم يقال له: "الفلس" وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم الذي يقال له أجا، أسود كأنه تمثال إنسان، وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه ويعترون عنده عتائرهم، ... وكانت سدنته بنو بولان، وبولان هو الذي بدأ بعبادته ... ، ولم يزل الفلس يعبد حتى ظهرت دعوة النبي ﷺ فبعث إليه علي بن أبي طالب ﵁ فهدمه٢.
وقد كانت عبادة الأصنام في جزيرة العرب منتشرة انتشاراً واسعاً قبل الإسلام.
стр. 238
يوضح ذلك قول ابن الكلبي: "كان لأهل كل دار من مكة صنم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر مايصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً ... واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً، ومن لم يقدر عليه، ولا على بناء بيت، نصب حجراً أمام الحرم، أو أمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت ... فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه رباً، وجعل ثلاث اثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلاً آخر، فعل مثل ذلك"١ ا.?.
ويذكر الأزرقي أنّ الرسول ﷺ حينما دخل يوم الفتح، وجد حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً، فجعل يطعنها ويقول: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ٢، ﴿جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ٣، كما رأى فيها صور الأنبياء ﵈، فأمر
стр. 239
بها فطمست١ ا.?
بعض معبودات العرب من غير الأصنام:
قد كانت الحياة العقدية قبل البعثة المحمدية اخلاطاً من الضلالات، وأمشاجاً من الأوهام والخرافات، فإلى جانب عبادة الأصنام والأوثان، كان للعرب نحل وديانات أخرى.
فمنهم من عبد الشمس، ومنهم قوم بلقيس ملكة سبأ باليمن، صاحبة القصة مع سليمان ﵇، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، في قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا
стр. 240
تُعْلِنُونَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
ويشير القرآن الكريم إلى عبادة المشركين الجاهليين للأجرام السماوية، ولا سيما الشمس والقمر، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢.
قال الألوسي: "وطائفة أخرى اتخذت القمر صنماً، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، ومن شريعة عبادتهم أنهم اتخذوا له صنماً على شكل عجل، وبيد الصنم جوهرة يعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أياماً معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل، أخذوا في الرقص والغناء، وأصوات المعازف بين يديه، ومنهم من يعبد أصناماً اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم، وبنوا لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه"٣.
стр. 241
ومنهم الثنوية الذين اتخذوا إلهين اثنين، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ ١.
قال ابن الجوزي:" وهم قوم قالوا صانع العالم اثنان:
ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا، ولن يزالا قويين حساسين، سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل حسن نير صاف نقي، طيب الريح، حسن المنظر، ونفسه نفس خيرة كريمة حكيمة نفاعة، منها الخير واللذة، والسرور والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر، ولا من الشر، وجوهر الظلمة على ضدّ ذلك من الكدر والنقص ونتن الريح، وقبح المنظر، ونفسه نفس شريرة، بخيلة سفيهة منتنة ضرارة منها الشر والفساد"٢ ا.?
وصنف من العرب دهريون، وهم قوم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا الطبع المحيي، والدهر المفني، وهذا الصنف هم المشار إليه في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
стр. 242
يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ١.
وصنف منهم أقروا بالخالق، وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة٢، وهم الذين أخبر عنهم القرآن في قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٣.
ومن العرب من يصبو إلى الصابئة، وهم من يعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك ولا يسكن، ولا يسافر، ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء، ويقول مطرنا بنوء كذا ... ٤.
وصنف من العرب زنادقة، وهم طائفة من قريش، وقد أخذوها من الحيرة٥.
والزنديق بالكسر: الثنوية أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو هو معرب [زن دين] أي دين المرأة، والاسم الزندقة٦.
стр. 243
يقول الدكتور جواد علي: "ولا يستبعد أن يكون المراد بالزندقة التي أشار إليها الأخباريون المجوسية، فقد كان في الحيرة جماعة من الفرس هم مجوس، وقد كان لقريش وتجار مكة اتصال دائم بالحيرة لهم معها روابط وتجارات"١.
وبعض العرب جعل لله البنات، تعالى الله عن قولهم، قال الله عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ ٢.
ومن العرب من عبد الجن، وقد قص الله تعالى ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ
стр. 244
فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ١.
ومن العرب من عبد الملائكة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وأشتات من العرب عبدوا النار، وكأن ذلك سرى إليهم من الفرس
стр. 245
والمجوس١، ومن هؤلاء قوم من تميم، ذكروا منهم زرارة بن عدي وابنه حاجب، ومنهم الأقرع بن حابس والأسود جد وكيع بن حسان٢.
الأديان السماوية في الجزيرة العربية قبيل البعثة:
كما عرفت الديانات السماوية طريقها إلى أرض الجزيرة العربية قبيل الإسلام.
وقد اختلف المؤرخون في سبب تسرب اليهود إلى الجزيرة العربية، وزمن وصولهم إليها بعد اتفاقهم على أن العنصر اليهودي عنصر دخيل على الجزيرة العربية، نازح إليها من بعيد، لا تربطه بسكان هذه الجزيرة أية رابطة من دين أو لغة أو دم٣.
وذكر المؤرخون عدة أسباب لتسرب اليهود إلى هذه الأرض، من أشهرها:
١- أن ذلك كان بعد أن قام بختنصر بالإستيلاء على القدس، حيث تفرقت بنو إسرائيل، ونزل بعضهم الحجاز بيثرب، ووادي القرى وغيرها، وهم بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو هدل٤.
стр. 246
٢- أن ذلك كان إثر الحرب التي وقعت بين اليهود والرومان في سنة ٧٠ م، وكانت الغلبة فيها للرومان على اليهود، حيث قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وضربوا فلسطين، ودمروا هيكل بيت المقدس، عند ذلك تفرقت اليهود، وقصد كثير منهم بلاد العرب، فخرج بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو هدل، هاربين إلى الحجاز، وسكنوا في يثرب١.
والرأي الأخير هو ما أميل إليه، بالإضافة إلى أن من أهم ما دعا اليهود إلى الإقامة في هذه المنطقة، أنَّ علماءهم يجدون صفة الرسول محمد ﷺ في التوراة، وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل، بين حرتين، ولذلك خرجوا من الشام يعبرون كل قرية من القرى العربية بين الشام واليمن، يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم، ويرجون ان يلقوا محمداً فيتبعونه، وكان آباؤهم يحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم، فكفروا به، وهم يعرفونه، حسداً للعرب٢.
هذا وقد اعتنق ملك اليمن الذي اسمه ذو نواس اليهودية، واعتنقها معه كثير من رعيته، وقد أخذ ذو نواس اليهودية من اليهود الذين هاجروا
стр. 247
إلى اليمن١.
وكانت اليهودية في حمير، بعد أن كان الغالب من المجوس وعبدة الشمس، ونحو ذلك ... ، وكانت اليهودية في كنانة وكندة وبني الحرث ابن كعب، ولعلها سرت إليهم من مجاورة اليهود في يثرب وخيبر، ونحو ذلك٢.
وأما النصرانية:
فقد دخلت بلاد العرب بسبب جهود أباطرة الدولة الرومانية الشرقية، في القرن الرابع الميلادي، ولما كانت العلاقات وثيقة بين العرب والبيزنطيين، فقد تأثر العرب بالمسيحية إلى حد ما ... فانتشرت في الجنوب عن طريق الحبشة، وفي الشمال عن طريق سورية، وشبه جزيرة سيناء الآهلة بالأديرة والصوامع ... ، وقد انقسمت النصرانية في ذلك الوقت إلى عدة فرق، تسرب منها إلى جزيرة العرب فرقتان:
فكانت النسطورية منتشرة في الحيرة.
واليعقوبية في غسان وسائر قبائل الشام.
وكان أهم موطن النصرانية في بلاد العرب نجران٣.
стр. 248
ومن القبائل التي يحشرها أهل الأخبار في جملة العرب المتنصرة: غسان، وتغلب، وتنوخ، ولخم، وجزام، وسليم، وعاملة١.
وقد وفد أهل نجران على الرسول ﷺ ، وفيهم نزلت آية المباهلة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ٢.
وثبت في الصحيحين عن حذيفة ﵁ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران، إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: "لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله ﷺ :
стр. 249
هذا أمين هذه الأمة" ١.
على أن اليهودية والنصرانية لم تكونا عظيمتي الخطر، واسعتي الانتشار في الجزيرة العربية، فأما اليهودية فكانت دين الشعب المختار -على زعمهم-، وكان دخول العربي فيها لا يحقق المساواة مع اليهود من أبناء إسرائيل، ولذلك لم يقبل العرب أن يدخلوا ديناً يثبتهم في طبقة أسفل من طبقة دعاة ذلك الدين.
وأما النصرانية، فهي مملوءة بالتعقيدات التي لم يستسغها ذهن العربي، ومملوءة بالخلافات الحادة التي سببت الغموض للدين، وصرفت عنه من كان يمكن أن يتبعه من العرب٢.
الموحدون من العرب:
وذكر المفسرون وأهل الأخبار أفراداً من العرب رفضوا عبادة الأصنام والأوثان، واعتقدوا بوجود الله تعالى وتوحيده، وقد عرف هؤلاء الأفراد بالحنفاء، ووصفوا بأنهم كانوا على دين إبراهيم ﵇، ولم يكونوا من اليهود ولا من النصارى.
стр. 250
ومن الرجال الذين أشتهر بأنهم كانوا من هؤلاء الجماعة:
قس بن ساعدة الإيادي.
زيد بن عمرو بن نفيل.
أمية بن أبي الصلت.
أرباب بن رئاب.
سويد بن عامر المصطلقي.
أسعد أبو كريب الحميري.
وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي.
عمير بن جندب الجهني.
عدي بن زيد العابدي.
أبو قيس صرمة بن أبي أنيس.
سيف بن ذي يزن.
ورقة بن نوفل القرشي.
عامر بن الظرب العدواني. وغيرهم١.
قال ابن هشام: "واجتمعت قريش يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويدورون به،