← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٢- أن ذلك كان إثر الحرب التي وقعت بين اليهود والرومان في سنة ٧٠ م، وكانت الغلبة فيها للرومان على اليهود، حيث قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وضربوا فلسطين، ودمروا هيكل بيت المقدس، عند ذلك تفرقت اليهود، وقصد كثير منهم بلاد العرب، فخرج بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو هدل، هاربين إلى الحجاز، وسكنوا في يثرب١. والرأي الأخير هو ما أميل إليه، بالإضافة إلى أن من أهم ما دعا اليهود إلى الإقامة في هذه المنطقة، أنَّ علماءهم يجدون صفة الرسول محمد ﷺ في التوراة، وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل، بين حرتين، ولذلك خرجوا من الشام يعبرون كل قرية من القرى العربية بين الشام واليمن، يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم، ويرجون ان يلقوا محمداً فيتبعونه، وكان آباؤهم يحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم، فكفروا به، وهم يعرفونه، حسداً للعرب٢. هذا وقد اعتنق ملك اليمن الذي اسمه ذو نواس اليهودية، واعتنقها معه كثير من رعيته، وقد أخذ ذو نواس اليهودية من اليهود الذين هاجروا

стр. 247

إلى اليمن١. وكانت اليهودية في حمير، بعد أن كان الغالب من المجوس وعبدة الشمس، ونحو ذلك ... ، وكانت اليهودية في كنانة وكندة وبني الحرث ابن كعب، ولعلها سرت إليهم من مجاورة اليهود في يثرب وخيبر، ونحو ذلك٢. وأما النصرانية: فقد دخلت بلاد العرب بسبب جهود أباطرة الدولة الرومانية الشرقية، في القرن الرابع الميلادي، ولما كانت العلاقات وثيقة بين العرب والبيزنطيين، فقد تأثر العرب بالمسيحية إلى حد ما ... فانتشرت في الجنوب عن طريق الحبشة، وفي الشمال عن طريق سورية، وشبه جزيرة سيناء الآهلة بالأديرة والصوامع ... ، وقد انقسمت النصرانية في ذلك الوقت إلى عدة فرق، تسرب منها إلى جزيرة العرب فرقتان: فكانت النسطورية منتشرة في الحيرة. واليعقوبية في غسان وسائر قبائل الشام. وكان أهم موطن النصرانية في بلاد العرب نجران٣.

стр. 248

ومن القبائل التي يحشرها أهل الأخبار في جملة العرب المتنصرة: غسان، وتغلب، وتنوخ، ولخم، وجزام، وسليم، وعاملة١. وقد وفد أهل نجران على الرسول ﷺ ، وفيهم نزلت آية المباهلة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ٢. وثبت في الصحيحين عن حذيفة ﵁ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران، إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: "لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله ﷺ :

стр. 249

هذا أمين هذه الأمة" ١. على أن اليهودية والنصرانية لم تكونا عظيمتي الخطر، واسعتي الانتشار في الجزيرة العربية، فأما اليهودية فكانت دين الشعب المختار -على زعمهم-، وكان دخول العربي فيها لا يحقق المساواة مع اليهود من أبناء إسرائيل، ولذلك لم يقبل العرب أن يدخلوا ديناً يثبتهم في طبقة أسفل من طبقة دعاة ذلك الدين. وأما النصرانية، فهي مملوءة بالتعقيدات التي لم يستسغها ذهن العربي، ومملوءة بالخلافات الحادة التي سببت الغموض للدين، وصرفت عنه من كان يمكن أن يتبعه من العرب٢. الموحدون من العرب: وذكر المفسرون وأهل الأخبار أفراداً من العرب رفضوا عبادة الأصنام والأوثان، واعتقدوا بوجود الله تعالى وتوحيده، وقد عرف هؤلاء الأفراد بالحنفاء، ووصفوا بأنهم كانوا على دين إبراهيم ﵇، ولم يكونوا من اليهود ولا من النصارى.

стр. 250

ومن الرجال الذين أشتهر بأنهم كانوا من هؤلاء الجماعة: قس بن ساعدة الإيادي. زيد بن عمرو بن نفيل. أمية بن أبي الصلت. أرباب بن رئاب. سويد بن عامر المصطلقي. أسعد أبو كريب الحميري. وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي. عمير بن جندب الجهني. عدي بن زيد العابدي. أبو قيس صرمة بن أبي أنيس. سيف بن ذي يزن. ورقة بن نوفل القرشي. عامر بن الظرب العدواني. وغيرهم١. قال ابن هشام: "واجتمعت قريش يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويدورون به،

стр. 251

فخلص منهم أربعة ... وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف١ به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم ديناً، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم"٢. ثم قال: " فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علماً من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانياً. وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم، فتنصر وحسنت منزلته عنده، ومنحه لقب "البطريق" وأراد تنصيبه ملكاً على مكة، ولكن قومه أبوا عليه ذلك، فلم يتم له مراده، ومات بالشام

стр. 252

مسموماً، سمّهُ عمرو بن حفنه الغساني. وأما زيد بن عمرو بن نفيل، فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموؤدة، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادى قومه بعيب ما هم عليه ... وكان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته"١. ومن شعر زيد بن عمرو في فراق دين قومه٢: أرباً واحداً أما ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور عزلت اللات والعزى جميعاً ... كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي ابن عمرو أزور ولا هبلاً أدين وكان رباً ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير

стр. 253

إلى أن يقول: ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور وذكر ابن هشام أن الخطاب بن نفيل كان يعاتب زيد بن عمرو على فراق دين قومه ... ووكل به شباباً من شباب قريش وسفهائها، فقال لهم: لا تتركوه يدخل مكة ... ثم خرج يطلب دين إبراهيم ﵇، ويسأل الرهبان والأحبار، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كله، ثم انتهى إلى راهب بميفعة (الأرض المرتفعة) في أرض البلقاء، وكان عالماً بالنصرانية، فسأله زيد عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال: إنك لتطلب ديناً ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه ... ١ فخرج سريعاً حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم، عدوا عليه فقتلوه"ا.? وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله

стр. 254

عنهما أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح١، قبل أن ينزل على النبي ﵇ الوحي، فقدّمت إلى النبي ﷺ سفرة ... فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إنكاراً لذلك وإعظاماً له٢. ومن هنا نستطيع القول بأن من العرب من رفضوا عقائد قومهم الذين يعبدون من دون الله ما لا يضر ولا ينفع، وأن بعضهم قد طاف في البلاد يبحث عن العقيدة الصحيحة، والدين القيم. وهؤلاء الجماعة لم يكونوا من اليهود، ولا من النصارى، وإنما عبدوا الله تعالى على ما فهموا من دين إبراهيم ﵇، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ

стр. 255

مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. ب- الحالة الإجتماعية: أما الحالة الإجتماعية، فقد كان الفرد جزءاً من قبيلته، يعيش لها ويدور في فلكها في كل أمر: خير أو شر، ويعبر عن ذلك قول دريد بن الصمة: وهل أنا إلاّ من غزية أن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد٢ ومن قولهم: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". ويقول شاعرهم: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووجدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا٣ وكثيراً ما يتخذون من السلب والغارة، وسيلة من وسائل العيش، فيسلبون الأموال والنساء والأولاد، ثم تتربص القبيلة المغار عليها، فتفعل ما فعلت القبيلة المعتدية، بل إنَّ القبيلة تقاتل نفسها إذا لم تجد عدواً من

стр. 256

غيرها، يمثل ذلك قول القطامي: وأحياناً على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلاّ أخانا١ وكان من عادات العرب في الجاهلية، أن الرجل يتزوج بزوجة أبيه إذا مات عنها، ويرثها إرث المال. فقد ذكر العلماء أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً﴾ ٢. أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت، خطب ابنه امرأته فاستأذنت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال: "ارجعي إلى بيتك"، فنزلت الآية٣. وعن صلة الرجل بالمرأة في الجاهلية، تروي لنا السيدة عائشة ﵂: " أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: منها

стр. 257

نكاح الناس اليوم ... والنكاح الآخر، كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ... ونكاح آخر، يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهذا ابنك يا فلان: تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل ... والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا القافة١، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه٢ ودعي ابنه لا يمتنع

стр. 258

من ذلك"١. والمجتمع العربي الجاهلي مجتمع طبقي، تفصل بين طبقاته حدودو واضحة، فكان فيه: ١- طبقة الأحرار: وهم أبناء القبيلة الصرحاء، الذين يجمع بينهم الدم الواحد، والنسب المشترك. ٢- طبقة الموالي: وهم من انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار، من غير أبنائها عن طريق الجواز، أو الحلف، أو العتقاء من الأرقاء فيها. ٣- طبقة الأرقاء: وهم المجلوبون عن طريق الشراء أو أسرى الحرب، ولكل من هذه الطبقات واجب لا يتعداه، فرضه عليه نظام المجتمع الجاهلي٢. ج- الحالة السياسية: وإذا ذهبنا إلى الحالة السياسية، فإننا نجد أنَّ العرب كانوا جماعات غير منظمة، تعيش عيشة قبيلة، ويحكمها عرف القبيلة وسلطانها، وليس هناك حاكم له نواب ووزراء، وقادة وقضاة،

стр. 259

وجيش منظم كما هو معروف، ومع ذلك فهم قوم أحرار لا يملكهم أحد، يثأر المعتدي عليه لنفسه، وعلى قبيلته أن تقوم معه، وتشد أزره. يقول ابن حزم: " وكانت العرب بلا خلاف، قوماً لقاحاً لا يملكهم أحد، كربيعة ومضر وأياد وقضاعة، أو ملوكاً في بلادهم يتوارثون الملك كابراً عن كابر ... "١. ويوضح المستشرق توماس.و. أرنولد المنهج السياسي عند العرب، فيقول:" لم يكن هناك إطلاقاً أي منهج منظم للإدارة أو القضاء، كالذي نعرفه عن فكرة الحكومة في العصر الحديث، وكانت كل قبيلة أو عشيرة تؤلف جماعة منفصلة مستقلة تمام الاستقلال، وينسحب هذا الاستقلال أيضاً على أفراد القبيلة فكل فرد منهم لا يعتبر زعامة شيخ القبيلة أو سلطته إلا رمزاً لفكرة عامة، شاءت الظروف أن يأخذ هو منها بنصيب، بل كان له مطلق الحرية في أن يرفض ما اجتمع عليه رأي الأغلبية من أبناء قبيلته، وأبعد من هذا أنه لم يكن هناك نظام لنقل سلطة الرئيس، إذ كان يختار لها –غالباً- أكبر أفراد القبيلة سناً، وأكثرهم مالاً، وأعظمهم

стр. 260

نفوذاً، وأجدرهم بكسب الاحترام الشخصي، وإذا ما تضخمت قبيلته تشعبت فروعاً كثيرة، يتمتع كل منها بحياة منفصلة ووجود مستقل، ولا تتحد إلاّ في ظروف غير عادية اشتراكاً في الدفاع عن القبيلة، أو قياماً بغارات بالغة الخطورة"١ ا.?. ولكن الحرية التي يتحدث عنها أرنولد ليست مطلقة، فإن العربي كان حراً في أن يرفض ما اجتمع عليه أبناء قبيلته، أو أن يأخذ به، لكن هذا الرفض، يعرض صاحبه إلى الطرد والإبعاد، وحينئذ لا يجد له طريقاً سوى الالتجاء إلى قبيلة أخرى، ويصبح مولى من مواليها، أو يعمد إلى الصحراء ليتخذ من السلب والنهب وسيلة للحياة. وكانت العرب قبل الإسلام طوائف متنازعة، وقبائل متباغضة، ونحلاً متحاسدة: "لذلك كانت الجزيرة دائمة الحروب والمنازعات، قلما يخلو منها زمان أو مكان، وإذا رجعت إلى أسبابها المباشرة، وجدتها في بعض الأحيان تافهة، كما كان في حروب الفجار ... وفي البعض الآخر تراها أموراً يمكن حلها على أسهل الوجوه، كالحروب بين عبس وذبيان، وبين بكر وتغلب، ولكن الأسباب الحقيقية سابقة على ذلك، وهي النفور

стр. 261

المتأصل في القلوب"١. إنها أمة فرقتها الحروب، وأنهكت قواها الأحقاد والغارات، فلا غرو أن تسقط ممالكها الشهيرة تحت أيدي المحتل الغاصب "فاليمن فقدت استقلالها منذ نهاية الربع الأول من القرن السادس، وسقطت تحت حكم الأحباش، ثم حكم الفرس٢. والحيرة فقدت استقلالها بعد أن غيرت فارس سياستها نحوها، بعد أن استنفذت كل طاقتها الحيوية، وجعلت منها إمارة فارسية يحكمها أمير فارسي٣. ومملكة الغساسنة، فقدت قوتها كذلك بعد أن غير الروم سياستهم نحوها، فاضطربت أحوالها، وذهبت قوتها، وأصبحت في شبه فوضى. ومن هنا يظهر لنا إنه لم يبق متمتعاً بالاستقلال سوى مكة، وذلك لبعدها عن مجال التصارع الدولي في ذلك الوقت، وتمتع أهلها بنوع التنظيم الاجتماعي. وقد أشار القرآن الكريم إلى الأمن الذي حظيت به مكة، فقال

стр. 262

تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ ٢.

стр. 263

ثانياً: حالة العقائد خارج الجزيزة العربية: ١-الديانة اليهودية: وإذا انتقلنا إلى الديانة اليهودية، وإلى شعب بني إسرائيل الذين حباهم الله تعالى بكثير من النعم، وبعث فيهم كثيراً من الأنبياء والرسل لدعوتهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر والفساد. وكانت التوراة التي أنزلت على موسى ﵇، فيها الهدى والنور، والحث على عبادة الله تعالى وحده، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وفيها كافة التكاليف التي يحتاجها شعب بني إسرائيل في ذلك الوقت، لذلك فإنًّ الله تعالى قد أرسل فيهم بعد موسى ﵇ عدة رسل وأنبياء؛ لإحياء شريعة التوراة، والحكم بمقتضاها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ ١. وجعلهم الله تعالى يعيشون كالملوك، أعزاء، أقوياء، بعد أن كانوا أذلاء مهانين من قبل فرعون وقومه، وأتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين في زمانهم.

стр. 264

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢. وعلى الرغم من ذلك كله، نجد أنّ القوم جحدوا نعم الله، وتعالوا في كبرياء، ولم يلتزموا بما أخذوه على أنفسهم من مواثيق، وامتلأ تاريخهم بشتى أنواع المخالفات، وحتى التوحيد الذي هو أصل ديانتهم، لم يسلم من التأثر بما حدث من التحريف والتبديل والتمرّد على تعاليم الدين. ولعل من أهم ما أصاب التوحيد من التحريف، هو ما أشار الله إليه في القرآن الكريم من قول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ ٣. وما وصفوا به الخالق جل وعلا من صفات النقص والسوء،

стр. 265

والتشبيه، كقولهم: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ ١. وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ٢. وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٣. وعن التنقص بالخالق وتشبيهه بالمخلوقين، جاء في سفر التكوين٤: " أن الله تعالى بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام، استراح في اليوم السابع، وكان يوم السبت، وأن الله قد بارك هذا اليوم من أجل ذلك، فحرم فيه العمل".٥. وفي هذا يقول الشهرستاني: "وقد اجتمعت اليهود عن آخرهم أن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض، استوى على عرشه مستلقياً على قفاه، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى"٦.

стр. 266

ويرد القرآن الكريم على هذا الزعم الباطل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ ١. ومن ذلك ما يرويه سفر التكوين من قصة هلاك قوم لوط، وتدمير قريتي: "سدوم" و"عمورة"، إذ يذكر أن ثلاثة رجال وهم: الله وملكان معه، قدموا على إبراهيم وهو جالس أمام خيمته، وأن إبراهيم قد عرف الله من بينهم، ورجاه أن يستريحوا عنده قليلاً من وعثاء سفرهم، وقد إليهم ماء لشربهم وغسل أرجلهم، وأخذ عجلاً حينذاً لطعامهم، فانتحى ثلاثتهم تحت ظل شجرة، وأخذوا يأكلون مما قدمه إليهم، وإبراهيم جالس على مقربة منهم٢، إلى الخ القصة. وقد ذكر القرآن الكريم هذه القصة على حقيقتها، وبين أن الذين وفدوا على إبراهيم ﵇، إنّما كانوا ملائكة في صورة آدميين، فظنهم بشراً، فقدم لهم طعاماً، فلم تصل أيديهم إليه، لأن الملائكة لا يأكلون، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى

стр. 267

قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط ... ٍ﴾ ١. وعن ملازمة بني إسرائيل لعبادة العجل والكبش والحمل، يقول ديورانت: "لم يتخلوا قط عن عبادة العجل والكبش والحمل، ولم يستطع موسى أن يمنع قطيعه من عبادة العجل الذهبي، لأن عبادة العجول كانت لا تزال حية في ذاكرتهم منذ كانوا في مصر، وظلوا زمناً طويلاً يتخذون هذا الحيوان القوي، آكل العشب، رمزاً لآلهتهم"٢. وبعد موسى ﵇، وفي عهد القضاء، تأثر بنو إسرائيل بمعبودات الكنعانيين تأثراً كبيراً ويوضح "كنْتْ"، أن إله الكنعانيين "بعل أصبح معبوداً لبني إسرائيل في كثير من قراهم، وفي أحوال كثيرة أصبح للطائفتين معبد واحد، به تمثال يهوه، وتمثال بعل، بل أصبح يهوه ينادى بعل، وقد ظل ذلك إلى عهد يوشع٣. يقول أحمد شلبي:" ولم يستطع بنو إسرائيل في أية فترة من فترات تاريخهم أن يستقروا على عبادة الواحد، الذي دعا له الأنبياء، وكان

стр. 268

اتجاههم إلى التجسيم والتعدد والنفعية واضحاً في جميع مراحل تاريخهم، وعلى الرغم من ارتباط وجودهم بإبراهيم إلاّ أن البدائية الدينية كانت طابعهم، وتعد كثرة أنبيائهم دليلاً على تجدد الشرك فيهم، وبالتالي تجدد الحاجة إلى أنبياء يجددون الدعوة إلى التوحيد، وكانت هذه الدعوات قليلة الجدوى على أي حال، فظهر للتاريخ بدائيون يعبدون الأرواح، والأحجار، وأحياناً مقلدون يعبدون معبودات الأمم المجاورة، التي كانت لها حضارة وفكر قلدهما اليهود"١. ولعل من أسباب تحريفهم لكتبهم، هو أنه لما أقبلت عليهم الدنيا، أحبوها، واستولى حب المال على مشاعرهم وقلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. فمن أجل حرصهم على المادة، باعوا دينهم في سبيلها، وحرفوا ما أنزل الله عليهم من الكتب، طمعاً في الكسب المادي الرخيص، والعرض الدنيوي الزائل، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا

стр. 269

مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣. لقد اعتدى بنو إسرائيل على الأنبياء، ومصادر الرحمة، فأطفأوا مصابيح الهداية، وأصموا آذانهم عن النداء الرباني، فعاشوا في الظلام الحالك، واستحقوا غضب الله ومقته بسبب ذنوبهم، ونقضهم لمواثيقهم. قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ

стр. 270

بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ ٢. ونظر اليهود إلى الإنسانية في ازدراء واحتقار، وزعموا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، وأن لهم الفضل والسيادة، وغيرهم عبيد وحقراء، ولم يبالوا بما يصنعون بالبشرية، ولم يجدوا غضاضة في أن ينزلوا الظلم والاستغلال بأي إنسان من غير اليهود. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣. وتاريخ اليهود من أوله إلى آخره مليء بالجرائم والمخالفات، ولم يشرق في أفقه سوى فترة قصيرة من الزمن، صبروا فيها فاستحقوا ثناء الله

стр. 271

عليهم، وتفضيله لهم على عالمي زمانهم، أما بعد ذلك، فقد عثوا في الأرض فساداً، وبدأ ذلك في وقت مبكر، إذ لم يكن للمعجزات التي أجراها الله على يد موسى ﵇، أثر ظاهر في تغيير سلوكهم، ولم يتعظوا بما أنزل بفرعون وقومه من الهلاك، إذ ما كادوا يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم حتى قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١. وعندما ذهب موسى ﵇ ليتلقى الألواح من ربه، وفيها هدى ونور، نسي بنو إسرائيل إلههم الحق، حين رأوا العجل الذي سبكه لهم السامري من الحلي، فتوجهوا له بالعبادة، والطاعة من دون الله. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ ٣.

стр. 272

لقد عبدوا العجل، ولم يردهم عن غيهم نصح هارون لهم، حين قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ١. ولما أصر هارون ﵇ على نصحهم بترك عبادة العجل، هموا بقتله، ولنستمع إليه وهو يعتذر لأخيه موسى في قوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وإذا كان بنو إسرائيل قد هموا بقتل رسول الله هارون، فقد كان القتل من أعظم جرائمهم، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣. ولما عتوا عن الحق واستكبروا عن هدايات السماء، مسخهم الله

стр. 273

وغير قلوبهم، وحقت عليهم كلمة العذاب، وأذاقهم الله جزاء ما صنعوا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١. وعن حالة اليهود قبيل البعثة المحمدية: يقول أبو الحسن الندوي: "أصبحت اليهودية -أي في القرن السادس الميلادي- مجموعة طقوس وتقاليد لا روح فيها ولا حياة، وهي -بصرف النظر عن ذلك- ديانة سُلالية، لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة، ولا للإنسانية رحمة، وقد أصيبت هذه الديانة في عقيدة كانت لها شعاراً بين الديانات والأمم، وكان فيها سر شرفها، وتفضيل بني إسرائيل على الأمم المعاصرة في الزمن القديم، وهي عقيدة التوحيد التي وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب، فقد اقتبس اليهود كثيراً من عقائد الأمم التي جاوروها، أو وقعوا تحت سيطرتها، وكثيراً من عاداتها وتقاليدها الوثنية الجاهلية، وقد اعترف بذلك مؤرخو اليهود المنصفون، فقد جاء في دائرة المعارف اليهودية ما معناه: (إن سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان، تدل على أن عبادة

стр. 274

الأوثان والآلهة، كانت قد تسربت إلى نفوس الإسرائليين، ولم تستأصل شافتها إلى أيام رجوعهم من الجلاء والنفي في بابل، وقد قبلوا معتقدات خرافية ومشركة، إنَّ التلمود أيضاً يشهد بأن الوثنية كانت فيها جاذبية خاصة لليهود) "١. ٢-الديانة النصرانية: أمّا الديانة التي جاء بها المسيح ﵇، وما فيها من الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، وتنزيه الخالق جل وعلا، والتأدب بالأخلاق السمحة الرحيمة من الصفح والعفو، والترفع عن حب الدنيا، والعطف على الفقراء والمساكين، وتحمل الأذى، كما جاء في إنجيل متى: " سمعتم أنه قيل عين بعين، وسن بسن، وأمّا أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر.. بل من لطمك على خدك الأيمن، فاعرض له الآخر أيضاً، ومن أراد أنْ يخاصمك، ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين"٢. وجاء في نفس الإنجيل: "لا تقدرون أن تخدموا الله والمال، لذلك أقول لكم، لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وماتشربون، ولا لأجسادكم بما

стр. 275

تلبسون"١. وقال: "ما أعسر دخول ذوي الأموال ملكوت السموات.. وأقول لكم بأنَّ مرور جمل في ثقب إبرة، أيسر من أنْ يدخل غني ملكوت الله"٢. فإنَّ هذه الديانة بعد رفع المسيح، لم تظل على ما كانت عليه، بل سرعان ما ذابت في شتى الفلسفات، والنحل الأرضية الأخرى، وتسربت إليها أساطير الوثنيات القديمة، كالبوذية والبراهمية، والإغريقية، والرومانية، وعقائد الفرس والروم وقدماء المصريين، فصار التوحيد تعدداً، وجعلوا الإله الواحد آلهة ثلاثة٣. ومن أجل التحريف والتبديل في هذه الديانة، عقدت المجامع، وأصدرت القرارات القاضية بألوهية المسيح، فألوهية روح القدس، أو أن المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله، وأنَّ مريم العذراء والدة الإله، وأنَّ المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله، وأن المسيح إله حق معروف بطبيعتين:

стр. 276

طبيعة إلهية، وطبيعة إنسانية بشرية١. ومما يؤكد أن عقائد النصرانية الحالية من تثليث وصلب وفداء، قد تسربت إليها عن طريق الوثنيات القديمة، هو وجه التشابه التام فيما بينها، ولو تتبعت هذا الأمر لطال بنا المقام، ولكني أقتصر على بعض ما نقله الأستاذ رشيد رضا ﵀ في تفسير المنار –وكما يُقال يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق- ٢. جاء في كتاب خرافات التوراة وما يقابلها في الديانات الأخرى٣، لصاحبه دوان، جاء ما ترجمته بالتلخيص: إنَّ تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة نفسه ذبيحة فداء عن الخطيئة، قديم العهد، بدأ عند الهنود الوثنيين وغيرهم. وذكر الشواهد على ذلك، منها قوله: "يعتقدون أن كرشنا المولود البكر –الذي هو نفس الإله (فشنو) الذي لا ابتداء له، ولا انتهاء –على رأيهم- تحرك حنواً كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه. وذكر أن مستر مور قد صور "كرشنا" مصلوباً كما هو مصور في

стр. 277

كتاب الهنود، مثقوب اليدين والرجلين، وعلى قمصيه صورة قلب الإنسان معلقاً، ووجدت له صورة مصلوباً وعلى رأسه إكليل من الذهب. والنصارى تقول: إن يسوع صلب، وعلى رأسه إكليل من الشوك. وقال "هوك" في ص٣٢٦ من المجلد الأول من رحلته: ويعتقد الهنود الوثنيون بتجسيد أحد الآلهة، وتقديم نفسه ذبيحة فداء للناس من الخطيئة. وقال "مونيورليمس" في ص ٣٦ من كتابه الهنود: ويعتقد الهنود الوثنيون بالخطيئة الأصلية، ومما يدل على ذلك ما جاء في مناجاتهم وتوسلاتهم التي يتوسلون بها بعد "الكباترى" وهو: إني مذنب ومرتكب الخطيئة، وطبيعتي شريرة، وحملتني أمي بالإثم، فخلصني يا ذا العين الحندوقية، يا مخلص الخاطئين من الآثام والذنوب. ونقل "هيجين" عن: "اندرار الكروزويوس" وهو أول أوربي دخل بلاد النيبال والتبت، أنه قال في الإله "أنددادا" الذي يعبدونه أنه سفك دمه بالصلب، وثقب بالمسامير لكي يخلص البشر من ذنوبهم، وأن صورة الصلب موجودة في كتبهم. هذا وأما ما يروى عن البوذيين في "بوذا" فهو أكثر انطباقاً على ما يرويه النصارى عن المسيح، من جميع الوجوه، حتى أنهم يسمونه المسيح والمولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون إنه إنسان كامل، وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر، ويخلصهم من

стр. 278

ذنوبهم، فلا يعاقب عليها، ويجعلهم وارثين لملكوت السموات. بين ذلك كثير من علماء الغرب، منهم "بيلي" في كتابه تاريخ بوذا، و "هوك" في رحلته، و "مولر" في كتابه تاريخ الآداب السنسكريتية وغيرهم. ومن أراد المقابلة بين إله النصارى، وآلهة الوثنيين الأولين –في الشرق والغرب- فعليه أن يقرأ كتاب "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" لمحمد طاهر التنير البيروتي، ففيه بلاغ ومقنع ا.?. ومن هذا يتبين لنا أن عقائد النصارى الحالية تحتوي على عقائد وثنية شركية واضحة، وأنها مقتبسة من الوثنيات القديمة. كما أنّ عقيدة النصارى الحالية أصبحت عقيدة مستغلقة، وتركيبات غير مفهومة، ولذلك فعسير على الذهن السليم أنْ يقبلها ولا تزال –حتى اليوم تصطدم بعقول شبابهم ومثقفيهم، ويحاول رجال الكنيسة بين فترة وأخرى إدخال بعض التفسيرات والتوضيحات من أجل استساغها وقبولها عند جماهير النصارى، ومن ذلك تفسيرهم أخيراً بأنَّ البنوة ليست ولادة كولادة البشر، وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة بأنها صفات الله١. وعن غموض العقيدة النصرانية الحالية، ووضوح الإسلام وسهولته،

стр. 279

يقول جوستاف لبون في كتابه حضارة العرب: "لو أنك سألت مسيحياً عن عقيدته، لما استطاع أن يجيبك منهم إلاّ المتخصصون، والمتخصصون يجيبونك بكلام غير مفهوم، ولو سألت أي مسلم عن عقيدته، لأجابك لكلام واضح سهل، لا تعقيد فيه، ولا غموض، ولعل هذا سر عظمة الإسلام وانتشاره"١. كما طرح الدكتور أحمد شلبي في كتابه المسيحية عدة أسئلة على النصارى، يسألهم فيها عن عقيدة التثليث عندهم، ومن تلك الأسئلة ما وظيفة كل فرد من أفراد هذا الثالوث؟ وكيف يتم فهم وحدة في تثليث، وتثليث في وحدة؟ وما معنى قولهم الابن مولود غير مخلوق، والابن ليس أحدث من الأب؟ ثم يقول: "لقد حاولت جهدي أنْ أصل إلى جواب صحيح لهذه الأسئلة عن طريق القراءة، أو المحادثة مع المسيحيين، ولكن أقرر أنني لم أستطع فهم إجاباتهم، بل صرح كثير منهم ... أن هذه المسائل مسائل اعتقادية لا فهم، فاعترضت بأنّها مسائل أساسية، وهي المدخل للدين، فكيف لا تفهم؟ ولكن لم أتلق جواباً على اعتراضي، واتبع بعضهم التعبيرات الإنشائية التي لا توضح مقصوداً، كقول بعضهم (المحبة السرية

стр. 280

التي بين المسيح والله) وقول الآخر: (كل ثروات الولاء والتعبد اختزنت في فكر يسوع المسيح، عوناً على فهم حقيقة الله ... "١. ثم ينقل الدكتور شلبي بعضاً من أقوال وآراء القسس النصارى في العقيدة النصرانية، وقد صرحوا بتناقضها، وعدم فهمها، فإليك طرفاً منها٢: يقول الدكتور يوسف بوست في قاموس الكتاب المقدس: "طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق، بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال الإلهية على السواء". ويقول القس بوطر صاحب رسالة الأصول والفروع في نهاية شرحه لعقيدة التثليث:" قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهماً أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السموات وما في الأرض، وأمّا في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية".

стр. 281

ويقول القس وهيب عطاء الله: "إنَّ التجسد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق، والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدق ونؤمن أنّ هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولاً". وقد أورد الشيخ رحمة الله الهندي في تخبط النصارى في عقيدة التثليث، الحكاية التالية: "نقل أنه كان هناك ثلاثة أشخاص يعلمهم بعض القسس، فجاء أحد أصدقاء القسيس، وسأله: هل تعلموا شيئاً من العقائد النصرانية الضرورية، فقال: نعم، وطلب واحداً منهم ليري صديقه ما تعلمه، فسأله عن عقيدة التثليث، فقال: إنك علمتني أنَّ الآلهة ثلاثة أحدهم الذي في السماء، والثاني الذي تولد من بطن مريم العذراء، والثالث: الذي نزل في صورة الحمامة على الإله الثاني، بعد أن صار أبن ثلاثين سنة، فغضب القسيس وطرده، وقال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم، وسأله فقال: إنّك علمتني أنَّ الآلهة كانوا ثلاثة، وصلب واحد منهم، والباقي إلاهان، فغضب القسيس أيضاً وطرده، ثم طلب الثالث، وكان ذكياً بالنسبة إلى الأولين، فسأله فقال: يا مولاي حفظت ما علمتني جيداً، بفضل السيد المسيح، إنَّ الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد، وصلب واحد منهم، ومات، فمات الكل لأجل الاتحاد، ولا إله الآن، وإلاّ يلزم نفي الاتحاد "١.

стр. 282

والحق إنَّ قول النصارى في التثليث مصادم للعقول السليمة، ومعارض للأصول الثابتة، وتنفر منه الضمائر الحية، وتأباه الفطر السليمة، وفيه تنقص لرب العالمين، ورميه بالعظائم، وتعصّب النصارى لهذا المعتقد حتى اليوم يدل على جهلهم وغباوتهم. يقول الفخر الرازي: "واعلم أنَّ هذا معلوم البطلان، ببداهة العقل، فإنَّ الثلاثة لا تكون واحداً، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى"١. ويقول أبو محمد ابن حزم٢: "ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه، إذ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣. وإذ يقول تعالى حاكياً عنهم: ﴿إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ ٤. وإذ يقول: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ ٥، لما نطق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج٦ السخيف.

стр. 283

وتالله لولا أننا شاهدنا النصارى، ما صدقنا أن في العالم عقلاً يسع هذا الجنون، ونعوذ بالله من الخذلان. ولعل من أهم العوامل التي أدّت إلى تحريف النصرانية، دخول بولس "شاؤول" فيها، وقد كان بولس أحد اليهود المغرمين بتعذيب النصارى وفتنتهم عن دينهم، وكان يسطو على الكنيسة، ويدخل البيوت، ويجر الرجال والنساء ويسلمهم إلى السجن١ ... وفجأة بينما كان بولس "شاؤول" في طريقه إلى دمشق للمساهمة في تعذيب المسيحين عام ٣٨م زعم أنه رأى يسوع المسيح، وأنه آمن به وتسمى "بولس". ويذكر لوقا صاحب الإنجيل، هذه القصة في أعمال الرسل فيقول: "وعندما كان بولس قريباً من دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوتاً قائلاً: شاؤل شاؤل لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال: أنا يسوع الذي تضطهده، فقال وهو مرتعد ومتحير يا رب ماذا تريد أن أفعل. فقال له: "قم وكرز بالمسيحية"٢.

стр. 284

ثم يقول لوقا: "وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح إنَّ هذا هو ابن الله"١ ا.? كما إنه بعد رفع المسيح ﵇، وقع على أتباعه اضطهاد عظيم، فشُرِدُوا وعُذِبُوا وقُتِلُوا وصُلِبُوا، حتى كادت تختفي معالم المسيحية من الأرض، بسبب تلك الإضطهادات التي كان يتولاها أباطرة الرومان وعمالهم، وكذلك اليهود. وأشد ما نزل بهم من الأذى، كان في عهد الإمبراطور نيرون (٦٤م) ، ثم في عهد الإمبراطور ترجان (١٠٦م) ثم في عهد الإمبراطور ديسيوس (٢٥١م) ، ثم في عهد الإمبراطور دقلد يانوس (٢٨٤م) . فأما نيرون فقد اتهمهم بأنهم هم الذين أحرقوا مدينة روما، وتفنن في تعذيبهم، إذ كان يأمر أتباعه بوضع النصارى في جلود الحيوانات، ثم يطرحونهم للكلاب فتنتهشهم، كما كانوا يُلْبِسُون بعض النصارى ثياباً مطلية بالقار، ثم يجعلونهم مشاعل يستضيئون بنارها. وفي عهد ديسيوس، قد عم الخوف الجميع، وفر بعضهم بدينه، وقد أبعد كل مسيحي من خدمة الدولة مهما يكن ذكاؤه، وكل مسيحي

стр. 285

يرشد عنه يؤتى به على عجل، ويقدم إلى هيكل الأوثان، ويطلب منه تقديم ذبيحة للصنم، وعقاب من يرفض تقديم الذبيحة، أنْ يكون هو الذبيحة بعد أنْ يجتهدوا في حمله بالترهيب ... أما دقلد يانوس فقد جاء إلى مصر، وأنزل بها البلاء، وأمر بهدم الكنائس، وإحراق الكتب، وأصدر أمراً بالقبض على الأساقفة وزجهم في غياهب السجون، وقهر المسيحيين على إنكار دينهم، وقتل منهم حوالي ثلاثمائة ألف. ومن قبل ومن بعد أنزلوا البلاء بعلمائهم، فما تركوا عالماً منهم بالديانة إلا قتلوه، وكان الولاة يتفننون في طرق إبادة النصارى من الوجود، أبادوا العلماء حتى لا يوجد من يرشد إلى النصرانية، ويتوارث العلم بها، وأبادوا الكتب حتى لا تحفظ تلك الديانة في الصدور أو السطور. واستمر البلاء والاضطهاد ينزل بالنصارى والنصرانية من قبل اليهود والرومان حتى جاء عهد قسطنطين، في أول القرن الرابع الميلادي، وقد سمي عصره (٢٨٤-٣٠٥م) عصر الشهداء١.
следующие страницы →