← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويقول القس وهيب عطاء الله: "إنَّ التجسد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق، والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدق ونؤمن أنّ هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولاً". وقد أورد الشيخ رحمة الله الهندي في تخبط النصارى في عقيدة التثليث، الحكاية التالية: "نقل أنه كان هناك ثلاثة أشخاص يعلمهم بعض القسس، فجاء أحد أصدقاء القسيس، وسأله: هل تعلموا شيئاً من العقائد النصرانية الضرورية، فقال: نعم، وطلب واحداً منهم ليري صديقه ما تعلمه، فسأله عن عقيدة التثليث، فقال: إنك علمتني أنَّ الآلهة ثلاثة أحدهم الذي في السماء، والثاني الذي تولد من بطن مريم العذراء، والثالث: الذي نزل في صورة الحمامة على الإله الثاني، بعد أن صار أبن ثلاثين سنة، فغضب القسيس وطرده، وقال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم، وسأله فقال: إنّك علمتني أنَّ الآلهة كانوا ثلاثة، وصلب واحد منهم، والباقي إلاهان، فغضب القسيس أيضاً وطرده، ثم طلب الثالث، وكان ذكياً بالنسبة إلى الأولين، فسأله فقال: يا مولاي حفظت ما علمتني جيداً، بفضل السيد المسيح، إنَّ الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد، وصلب واحد منهم، ومات، فمات الكل لأجل الاتحاد، ولا إله الآن، وإلاّ يلزم نفي الاتحاد "١.

стр. 282

والحق إنَّ قول النصارى في التثليث مصادم للعقول السليمة، ومعارض للأصول الثابتة، وتنفر منه الضمائر الحية، وتأباه الفطر السليمة، وفيه تنقص لرب العالمين، ورميه بالعظائم، وتعصّب النصارى لهذا المعتقد حتى اليوم يدل على جهلهم وغباوتهم. يقول الفخر الرازي: "واعلم أنَّ هذا معلوم البطلان، ببداهة العقل، فإنَّ الثلاثة لا تكون واحداً، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى"١. ويقول أبو محمد ابن حزم٢: "ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه، إذ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣. وإذ يقول تعالى حاكياً عنهم: ﴿إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ ٤. وإذ يقول: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ ٥، لما نطق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج٦ السخيف.

стр. 283

وتالله لولا أننا شاهدنا النصارى، ما صدقنا أن في العالم عقلاً يسع هذا الجنون، ونعوذ بالله من الخذلان. ولعل من أهم العوامل التي أدّت إلى تحريف النصرانية، دخول بولس "شاؤول" فيها، وقد كان بولس أحد اليهود المغرمين بتعذيب النصارى وفتنتهم عن دينهم، وكان يسطو على الكنيسة، ويدخل البيوت، ويجر الرجال والنساء ويسلمهم إلى السجن١ ... وفجأة بينما كان بولس "شاؤول" في طريقه إلى دمشق للمساهمة في تعذيب المسيحين عام ٣٨م زعم أنه رأى يسوع المسيح، وأنه آمن به وتسمى "بولس". ويذكر لوقا صاحب الإنجيل، هذه القصة في أعمال الرسل فيقول: "وعندما كان بولس قريباً من دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوتاً قائلاً: شاؤل شاؤل لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال: أنا يسوع الذي تضطهده، فقال وهو مرتعد ومتحير يا رب ماذا تريد أن أفعل. فقال له: "قم وكرز بالمسيحية"٢.

стр. 284

ثم يقول لوقا: "وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح إنَّ هذا هو ابن الله"١ ا.? كما إنه بعد رفع المسيح ﵇، وقع على أتباعه اضطهاد عظيم، فشُرِدُوا وعُذِبُوا وقُتِلُوا وصُلِبُوا، حتى كادت تختفي معالم المسيحية من الأرض، بسبب تلك الإضطهادات التي كان يتولاها أباطرة الرومان وعمالهم، وكذلك اليهود. وأشد ما نزل بهم من الأذى، كان في عهد الإمبراطور نيرون (٦٤م) ، ثم في عهد الإمبراطور ترجان (١٠٦م) ثم في عهد الإمبراطور ديسيوس (٢٥١م) ، ثم في عهد الإمبراطور دقلد يانوس (٢٨٤م) . فأما نيرون فقد اتهمهم بأنهم هم الذين أحرقوا مدينة روما، وتفنن في تعذيبهم، إذ كان يأمر أتباعه بوضع النصارى في جلود الحيوانات، ثم يطرحونهم للكلاب فتنتهشهم، كما كانوا يُلْبِسُون بعض النصارى ثياباً مطلية بالقار، ثم يجعلونهم مشاعل يستضيئون بنارها. وفي عهد ديسيوس، قد عم الخوف الجميع، وفر بعضهم بدينه، وقد أبعد كل مسيحي من خدمة الدولة مهما يكن ذكاؤه، وكل مسيحي

стр. 285

يرشد عنه يؤتى به على عجل، ويقدم إلى هيكل الأوثان، ويطلب منه تقديم ذبيحة للصنم، وعقاب من يرفض تقديم الذبيحة، أنْ يكون هو الذبيحة بعد أنْ يجتهدوا في حمله بالترهيب ... أما دقلد يانوس فقد جاء إلى مصر، وأنزل بها البلاء، وأمر بهدم الكنائس، وإحراق الكتب، وأصدر أمراً بالقبض على الأساقفة وزجهم في غياهب السجون، وقهر المسيحيين على إنكار دينهم، وقتل منهم حوالي ثلاثمائة ألف. ومن قبل ومن بعد أنزلوا البلاء بعلمائهم، فما تركوا عالماً منهم بالديانة إلا قتلوه، وكان الولاة يتفننون في طرق إبادة النصارى من الوجود، أبادوا العلماء حتى لا يوجد من يرشد إلى النصرانية، ويتوارث العلم بها، وأبادوا الكتب حتى لا تحفظ تلك الديانة في الصدور أو السطور. واستمر البلاء والاضطهاد ينزل بالنصارى والنصرانية من قبل اليهود والرومان حتى جاء عهد قسطنطين، في أول القرن الرابع الميلادي، وقد سمي عصره (٢٨٤-٣٠٥م) عصر الشهداء١.

стр. 286

ولا شك أنَّ لهذه الإضطهادات الأثر البالغ في فقدان الإنجيل الأصلي، الذي أنزل على عيسى ﵇، وفي اضطراب الأناجيل القائمة حالياً، لا سيما أنها ألفت ودونت في تلك الفترة، مما جعل بعض علمائهم يقرون لمناظريهم أنَّ تلك الاضطهادات كانت السبب في فقدان سندها المتصل بصاحب الشريعة١. بل الراجح أنّ هذه الأناجيل لا صلة لها البتة بالوحي الذي أنزله الله على عيسى ﵇. لذلك فإن النصرانية قد أصبحت بسبب تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين ووثنية المتنصرين ركاماً دفنت تحته تعاليم المسيح ﵇، واختفى نور التوحيد وإخلاص العبادة لرب العالمين، وراء هذه السحب الكثيفة. وقد أصيبت النصرانية بما أصيبت به في وقت مبكر من حياتها، واستمرّ الحال على ذلك حتى "جاء القرن السادس المسيحي، والحرب قائمة على قدم وساق، بين نصارى الشام والعراق، وبين نصارى مصر، حول حقيقة المسيح وطبيعته، تحولت المدارس والكنائس والبيوت ومعسكرات متنافسة، يكفر بعضها بعضاً، ويقتل بعضها بعضاً، كأنها

стр. 287

حرب بين دينين متنافسين، أو أمتين متحاربتين"١. وقد أصحبت النصرانية في شغل شاغل بنفسها عن محاربة الفساد، وإصلاح الأمم. يتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي عن المسيحية في القرن السادس الميلادي، فيقول: "لم تكن المسيحية في يوم من الأيام من التفصيل والوضوح ومعالجة مسائل الإنسان، بحيث تقوم عليها الحضارة، أو تسير في ضوئها دولة، ولكن كان فيها أثارة من تعاليم المسيح، وعليها مسحة من دين التوحيد البسيط، فجاء بولس فطمس نورها، وطعمها بخرافات الجاهلين التي انتقل منها، والوثنية التي نشأ عليها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية، حتى أصبحت النصرانية مزيجاً من الخرافات اليونانية، والوثنية الرومانية، والأفلاطونية المصرية والرهبانية، اضمحلت في جنبها تعاليم المسيح البسيطة، كما تتلاشى القطرة في اليَم، وعادت نسيجاً خشبياً من معتقدات وتقاليد لا تغذي الروح، ولا تمد العقل، ولا تشعل العاطفة، ولا تحل معضلات الحياة، ولا تنير السبيل، بل أصبحت بزيادات المحرفين، وتأويل الجاهلين تَحُولُ بين الإنسان والعلم والفكر، وأصبحت على

стр. 288

تعاقب العصور ديانة وثنية"١ ا.?. ٣- بلاد فارس: وإذا تجاوزنا بني إسرائيل، وذهبنا إلى بلاد فارس، نجد أن ديانة أهلها أشد اضطراباً وأكثر تعدداً، وأن بنيان هذه العقيدة عبادة النار، وإقامة بيوت للعبادة، وتقديم القرابين لها، والإيمان بالثنوية، أي: الإيمان برب للنور ورب للظلام، وإله للخير، وإله للشر، وأن كلا الإلهين يتنازع النفس الإنسانية والكون وما فيه. يقول الشهرستاني: "ثم إنّ التثنية اختصت بالمجوس، حتى أثبتوا اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما النور، والآخر الظلمة، وبالفارسية (يزدان وأهر من) ، ولهم في ذلك تفصيل مذهب.. ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين.. أحدهما بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية بيان سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاح مبدأ، والخلاص معاداً.."٢. وجاء – زاردشت ٦٦٠-٥٨٣ ق. م يهذب من عبادة المجوس، ويصلح من عقيدتهم، فما خرج كثيراً عنها، فقد ادعى أن النور والظلمة

стр. 289

أصلان متضادان، وأن الخير والشر والصلاح والفساد، والطهارة والخبث، إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم يمتزجا لما كان وجود العالم، وهما يتعاونان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة، والخير الشر، ثم يتخلص الخير إلى أعماله، والشر ينحط إلى أعماله، وذلك سبب الخلاص.."١. وظهر "ماني" في أواخر القرن الثالث المسيحي، يزعم أن العالم مصنوع، مركب من أصلين قديمين، أحدهما نور، والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا، ولن يزالا، وفرض على أصحابه العشر في الأموال كلها، والصلوات الأربع في اليوم والليلة، والدعاء إلى الحق وترك الكذب، والقتل والسرقة، والزنا والبخل، والسحر وعبادة الأوثان، ... واعتقاده في الشرائع والأنبياء: أن أول من بعث الله تعالى بالعلم والحكمة آدم أبو البشر، ثم بعث شيئاً بعده، ثم نوحاً بعده، ثم إبراهيم بعده عليهم الصلاة والسلام، ثم بعث بالبددة إلى أرض الهند وزرادشت إلى أرض فارس، والمسيح كلمة الله وروحه إلى أرض الروم والمغرب، وبولس بعد المسيح إليهم، ثم يأتي خاتم النبيين إلى أرض العرب٢.

стр. 290

ومن بعد ماني ظهر "مزدك"، فرأى أن سبب الكراهية بين الناس، إنما تقع بسبب المال والنساء، فزعم أنه ليس هناك وسيلة لإزالة أسباب الشقاق والخلاص بين الناس، إلاَّ بجعل الأموال والنساء مشاعاً حراً يأخذ منه من يشاء ما يشاء.. يقول الشهرستاني: "أحل –مزدك- النساء، وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ"١. وتحت ظلام هذه العقائد المزيفة، عاش الفرس يعانون قسوة الملوك، وتجبر الحكام الذين انتهزوا هذا الجهل المطبق، فادعوا أنهم من عناصر علوية مقدسة، وبنوا ادعائهم على مذهب "مترا" أحد مصلحيهم الذي رفع سلطان الملوك إلى عرش السماء، وقال: "إن الشمس تشع عليهم قبساً من نورها، وهالة من بركتها، فيرمزون بعروشهم على الأرض إلى عرش الله في عليين.."٢. وكانت الأكاسرة ملوك فارس يدعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، وكان الفرس ينظرون إليهم كآلهة، ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئاً علوياً مقدساً، فكانوا يكفرون لهم، وينشدون الأناشيد بألوهيتهم، ويرونهم فوق القانون، وفوق الانتقاد، وفوق البشر، لا يجري اسمهم على

стр. 291

لسانهم، ولا يجلس أحد في مجلسهم، ويعتقدون أنَّ لهم حقاً على كل إنسان، وليس لإنسان حق عليهم، وأنَّ ما يرضخون لأحد من فضول أموالهم وفتات نعيمهم، إنّما هو صدقة وتكرم من غير استحقاق، وليس للناس قبلهم إلا السمع والطاعة١. ٤- بلاد الهند: وإذا تجاوزنا بلاد فارس إلى ما وراءها من أرض المشرق، فإننا نجد الهند وما فيها من ديانات باطلة، وأفكار ساذجة، وأوضاع اجتماعية جائرة، تقوم على التفرقة الإنسانية بين الطبقات. يقول الشهرستاني:" الهند أمة كبيرة، وملة عظيمة، وآراؤهم مختلفة، منهم البراهمة، وهم المنكرون للنبوات أصلاً، ومنهم من يميل إلى الدهر ومنهم من يميل إلى مذهب الثنوية، ويقول بملة إبراهيم ﵇، وأكثرهم على مذهب الصابئة ومناهجها، فمن قائل بالروحانيات، ومن قائل بالهياكل، ومن قائل بالأصنام، إلاّ أنهم مختلفون في شكل الهياكل التي ابتدعوها، وكيفية أشكال وضعوها، ومنهم حكماء على طريقة اليونانيين علماً وعملاً "٢.

стр. 292

ويقول أبو الحسن الندوي: "اتفقت كلمة المؤرخين في تاريخ الهند على أن أحط أدوارها ديانة وخلقاً واجتماعاً كان ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي.. فقد شاركت الهند جاراتها وشقيقاتها في التدهور الخلقي والاجتماعي، الذي شمل الكرة الأرضية في هذه الحقبة من الزمن.. وقد بلغت الوثنية أوجها، ووصل عدد الآلهة إلى ٣٣٠ مليوناً، وقد أصبح كل شيء رائعاً، وكل شيء جذاباً، وكل مرفق من مرافق الحياة إلهاً يعبد. وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة الحصر، وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله.. وجبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومعادن كالذهب والفضة تحمل سر الألوهية، وأنهار وآلات حرب، وآلات التناسل، وحيوانات أعظمها البقرة، والأجرام الفلكية، وغير ذلك. وأصبحت الديانة نسيجاً من خرافات وأساطير، وأناشيد وعقائد، وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستسغها العقل السليم في زمن من الأزمان. وقد ارتفعت صناعة نحت التماثيل في هذا العهد، حتى فاق هذا العصر في ذلك العصور الماضية، وقد عكفت الطبقات كلها، وعكف أهل

стр. 293

البلاد من الملك إلى الصعلوك على عبادة الأصنام.."١. والحق إنَّ فطرة الهند تنادي بأن الله واحد، ولكن جهلهم وضلالهم طمس هذه الفطرة، فأشركوا بالله الواحد مخلوقاته المسخرة بأمره. انظر إلى قولهم في بعض أناشيدهم الدينية: "إنني أنا الله، نور الشمس، وضوء القمر، وبريق اللهب، وميض البرق، وصوت الرياح، وأنا الرائحة الطيبة التي تنبعث في أنحاء الكون، والأصل الأزلي لجميع الكائنات، وأنا حياة كل موجود، وصلاح الصالح، أنا الأول، والآخر، والحياة، والموت لكل كائن"٢. أما الشهوة الجنسية، فقد امتازت بها ديانة الهند ومجتمعها منذ العهد القديم، بشكل ليس له مثيل، حتى عبدوا آلة التناسل، لإلههم الأكبر "مهاديو" وتصويرها في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال.. زد على ذلك أن بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدون الرجال العراة..٣ ويقرر دين البراهمة في الهند التفرقة بين الناس من حيث العبادة والزلفى لبراهما إلههم الأكبر، وانقسم الناس من حيث مهنهم التي تتوارث

стр. 294

وتصير المهنة عندهم أصلاً نسبياً ينتقل من الأصول إلى الفروع، ومن الفروع إلى فروعهم، إلى أربع طبقات: ١- البراهمة، طبقة الكهنة ورجال الدين، ويزعمون أنهم خلقوا من رأس إلههم "براهما" ولذلك كانوا أعلى الناس، لأنهم خلقوا من أعلى الإله. ٢- طبقة الجند ورجال الحرب، ويزعمون أنهم خلقوا من مناكب إلههم براهما، ويديه، ولهذا فهم الحماة والغزاة ومواطن القوة. ٣- طبقة رجال الزراعة والتجارة، وهم مخلوقون من ركبتي إلههم. ٤- طبقة الخدم والرقيق، وهؤلاء خلقوا فيما يزعمون من قدمي إلههم، فهم أحط الطبقات، وأبعدها لبعدها عن رأس براهما. وهناك فريق من الشعب الهندي لا يدخل في هذه القسمة الجائرة، وهم المنبوذون، وهم الذين يتناولون الأعمال الحقيرة في المدن، وقد حال انحطاط شأنهم دون اعتبارهم، حتى بين الطبقة الدنيا من الخدم والأجراء١. وديانة المنبوذين تنحصر في عبادة الأرواح، وأعظم الآلهة عندهم

стр. 295

يظهر في شكل "كومة" من الآجر، أو في هيئة أخرى ساذجة، وهذا الإله هو الذي يمنح الخصب للعواقر، ويحمي المحاصيل من الآفات، ويرعاهم برعايته وعنايته، ولكل مدينة إلهها١. ومن هذه الإشارة العابرة عن الهند، يتبين لنا ما وصل إليه الكفر الهندي من انحطاط كبير في جميع نواحي الحياة الدينية والأخلاقية والإجتماعية، وأصبح في حاجة ماسة إلى من ينير له الطريق، ويرشده إلى الهدى. ٥- بلاد الصين: أما الأمة الصينية، فإنها قد عاشت بلا دين صادق، أو عقيدة ثابتة، وإنّما توجهت إلى طبيعة الحياة تستلهم منها معنى الإله الحق، فعبدت السماء وما فيها من كواكب، وعبدت الأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار، وعبدت الأموات من أبطالها السالفين الذين بقيت ذكرياتهم حية في قلوبهم، فقدمت لهم ألواناً من العبادة والطاعة. وبعد قرون طويلة، استقر الصينيون على أديان ثلاثة، وهي: ١-الكنفوشية. ٢-البوذية.

стр. 296

٣-التاوزمية١. واشتهر حكيمهم ومعلمهم "كونفشيوس" بالإخلاص في الدعوة إلى إصلاح النفس الإنسانية، وتكوين مجتمع سليم، قوامه المحبة والإخاء، والعدل والطاعة والرضا.. يقدمها الولد لوالده، والأخ الأصغر للأخ الأكبر، والمحكوم لحاكمه. كما اشتهر بجملة من الفضائل كالصدق والإخلاص، والقناعة والصمت، إلاّ فيما يجب الكلام فيه، ومعاملة الناس بالرفق والمودة، وغير ذلك من الفضائل. لكن "كونفشيوس" لم يهتد إلى الحياة الأخرى، فأنكر الجنة والنار، والثواب والعقاب، وقد سأله بعض تلاميذه مرة عن الموت، فقال: إننا لم ندرس الحياة بعد، فكيف ندرس الموت!! ومات "كونفشيوس" فتوجه الصينيون إلى روحه بالعبادة والتقديس، وأقاموا لها الهياكل، وقدموا لها القرابين، وانتقلت عبادة هذا الفيلسوف عبر الأجيال إلى يومنا هذا٢. وعلى مثال "كونفشيوس" كان الفيلسوف "لاوتسي" وهو أسن

стр. 297

من صديقه، وكلاهما دعا إلى الخير والفضيلة، إلاّ أنهما افترقا في الخلق والمزاج، وإن اتفقا في العقيدة والإيمان. فلاوتسي يقول: "من كان طيباً معي، فأنا طيب معه، ومن أساء إليَّ فأنا طيب معه كذلك، فلنجز السيئة بالحسنة، ولنعمل الطيب على كل حال..". أما كنفشيوس، فهو يوصي بأن تقابل السيئة بالعدل، وأن يقابل الإحسان بالإحسان١. وأتباع لاوتسي يبنون منهجهم على التصوف، واحتقار العادات القديمة، والإعتقاد بأنَّ الدرس والتحصيل والتفكير العقلي ليس وسيلة لاكتساب المعرفة، إنّما سبيلها تطهير النفس والتدرج في كمالاتها إلى مرحلة الاتصال التام، أو الوحدة التامة بين الفرد والقانون الأعظم. كما دعا لاوتسي إلى هجر العمل، والاقتصار على التأمل والتجربة الصوفية، وبعد وفاة لاوتسي أفسدت تعاليمه، وتفشت فيها الأساطير، وضمّت إليها أشد الطقوس والفكرات الخرافية تعقيداً، وخروجاً عن المألوف. وحدث في الصين مثلما حدث في الهند بالضبط، وذلك أن نشطت

стр. 298

فكرات السحر البدائية، وتحركت الأساطير البشعة التي ظهرت في الماضي تكافح ضدّ التفكير الجديد في العالم، ونجحت في أن تسدل عليه ساتراً سابلاً من طقوس غريبة مضحكة، وغير معقولة، وعتية بالية١. وليس من الغريب أن تنتقل أكبر ديانات الهند إلى الصين، وتلك هي -البوذية- التي نشرها الهنود والصينيون الذين ذهبوا إلى الهند، وعادوا إلى قومهم حاملين رسالة البوذية، إلاّ أنهم حين نقلوها كانت قد فقدت بساطتها، وتحولت إلى عبادة تماثيل وصور. يقول الأستاذ أيشوراتوبا: " لقد قامت في ظل البوذية دولة تعني بمظاهر الآلهة، وعبادة التماثيل"٢. نظرة عامة على الوضع العالمي الجزيرة العربية انتشرت فيها العقائد الفاسدة، وجرفتها تيارات العصبية الممقوتة، وسادت فيها الأوضاع الاجتماعية الجائرة.. وبنو إسرائيل حرفوا وغيروا كتب الله وشرائعه، وكفروا بنعمه، وركنوا إلى المادة، وأصبح بأسهم بينهم شديد.. والفرس والهند هذه البلاد ضلت طريقها، وعاشت في ظلام الشك

стр. 299

والجهل، والأوهام والبهتان.. وعلى هذه الشاكلة كان العالم يعيش بأسره في الصين وإسبانيا، وفرنسا وإنجلترا، وافريقيا وغيرها، فلم يبق موضع إلا وإنسان يمرغ نفسه أمام صنم، ويذل عزته وكرامته أمام الأرباب، ونسي الإنسان إنسانيته أمام الشهوة والشيطان، وضاع حقه بل كيانه لإطماع المستبدين. ففي إسبانيا وفرنسا الجنوبية كان شعب "الويزيجو" الأوربيين يصاولون الملك كلوفيس وأولاده الكاثلوكيين، وفي فرنسا نفسها، كان أولاد كلوفيس هذا متقادرين متسافكين، وكانت الحروب التي شبت نيرانها بين المملكة "الويزيجوتية" و "برونهو" والمملكة الفرنكية "فيريد يجوند" تهيء للتاريخ أشد الصحائف إثارة للأسى والكمد. أما في إنكلترا فكان "الأنجلو" ينازعون "السكسونيين" الأرض التي احتلوها، واستعبدوا فيها ذرية "كيمريس"، وهم أقدم المغيرين على تلك الجزيرة، التي تتطلع اليوم للوقوف في مقدمة الأمم علماً وصناعة وقوة، وهي التي كانت في ذلك الوقت مجالاً للقوة الوحشية السائدة في تلك الغياهب الحالكة. أما في أفريقيا، فكان اليونان الرومانيون أنفسهم -وهم أخلاط من عساكر وتجار وحكام، مجموعين من آفاق مختلفة- دائبين على امتصاص دم القطر المصري، وعاملين على جعل مصر العلمية، ذات المجد القديم

стр. 300

كالجثة المصبرة، عديمة الحس والحراك، وكان هذا شأنهم أيضاً في الأقاليم الخصبية وقتئذ، الواقعة في الجهات الشمالية من أفريقيا التي انتزعوها من أيدي الفنداليين. لقد كانت دولتا العالم، دولة الفرس في الشرق، ودولة الرومان في الغرب، في تنازع وتجالد مستمر.. دماء بين العالمين مسفوكة، وقوى منهوكة، وأموال هالكة، وظلم من الاحن حالكة.. ومع ذلك فقد كان الزهو والترف، والإسراف والفخفخة، والتفنن في الملاذ بالغة جداً ما لا يوصف في قصور السلاطين والأفراد والقواد، ورؤساء الأديان من كل أمة، وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد، فزادوا في الضرائب، وبالغوا في فرض الإتاوات حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم، وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها، وانحصر سلطان القوى في اختطاف ما بيد الضعيف، وفكر العاقل في الاحتيال لسلب الغافل، وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر، والذل، والاستكانة، والخوف، والاضطراب، لفقد الأمن على الأرواح والأموال١. يوضح هذه الصورة المحزنة لحال العالم قبيل البعثة الأستاذ أبو الحسن

стр. 301

الندوي في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، فيقول: "أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرفين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة والثقافة، والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال، والاحتلال وسوء النظام، وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعاً صافياً من الدين السماوي، ولا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري"١. ويقول الندوي تحت عنوان: ظهر الفساد في البر والبحر: "وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء "٢. ثم يقول تحت عنوان: العالم الذي واجهه محمد ﷺ : "بعث محمد بن عبد الله ﷺ والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزاً عنيفاً، فإذا كل شيء فيه في غير محله.. نظر إلى

стр. 302

العالم بعين الأنبياء، فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضر، رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته..، وفسد نظام فكره..، وفسد ذوقه..، رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، وكل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله..، فقد أصبح فيه الذئب راعياً، والخصم الجائر قاضياً، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظياً، والصالح محروماً شقياً..، ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك. ورأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حدّ الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حدّ الإغتصاب واستلاب الأموال، ورأى الطمع وشهوة المال إلى حدّ الجشع..، ورأى القسوة والظلم إلى حدّ الوأد وقتل الأولاد.. رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً١، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. المواهب البشرية ضائعة أو زائفة، لم ينتفع بها، ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالاً على أصحابها، وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية، والجود تبذيراً وإسرافاً، والأنفة حمية جاهلية،

стр. 303

والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات والإبداع في إرضاء الشهوات. رأى الأمم قطعاناً من الغنم، ليس لها راع، والسياسة جمل هائج حبله على غاربه، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه "١ ا.?. وخلاصة القول في هذا، أنَّ جو العالم كله كان يموج بالإضطرابات الوحشية إلى حدّ كبير، وذلك على حدّ قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: "وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلاّ بقايا من أهل الكتاب.." ٢ الحديث. وكان اعتماد الناس على وسائل الشر، أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير، ونستطيع أن نقول إنّ الإنسان في تلك الفترة قد فقد عقيدته، ونظام حياته، حيث عم الفساد والانحطاط، وأصبح التطلع إلى المنقذ وإلى رسالة السماء، والخروج من ذلك الكابوس أمراً ضرورياً، ولعل ظاهرة "التحنف" أصدق دليل على هذا التطلع والترقب.

стр. 304

الباب الثاني: معالم المنهج القرآني في دعوة المشركين . الفصل الأول: في ثبوت وجود الله والدلائل على وحدانيته . ... الباب الثاني: معالم المنهج القرآني في دعوة المشركين: ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: ثبوت وجود الله والدلائل على وحدانيته: ويشتمل على ما يلي: تمهيد: العالم تائية، والأمة حائرة، والظلام مطبق في كل ناحية، والنفوس مرتقبة ليوم جديد تشرق فيه شمس الأمان والعدل على جنبات هذا الكون، الذي مزقته الأحقاد، وأنهكته الضغائن والعداوات. وتشرق شمس محمد بن عبد الله ﷺ تحمل الهداية والنور لهذا العالم المضطرب، ومعه القرآن الكريم خطاب الله تعالى إلى جميع الناس، على اختلاف مللهم ونحلهم وأوطانهم، وفيهم المنكرون لوجود الله تعالى، والمثبتون له، إلاّ أن الطريق قد اعوج والتوى بهم، فعاشوا على الشرك والأوهام، وعبدوا مع الله آلهة أخرى من الأحجار أو الأشجار، أو الإنسان، أو الحيوان، وغيرها. وأمام هذا الحشد الهائل من البشر المليء بالمتناقضات، وقف القرآن الكريم يخاطب كلاً بالأسلوب الذي يناسبه، وبالحجة التي تلائمه، ليقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. والقرآن الكريم في منهجه وفي دعوة الناس عموماً، والمشركين خصوصاً إلى الإسلام، وإلى العقيدة الصحيحة، لم يأخذ أسلوب الجدل العقيم، أو الفلسفة الباطلة، أو بأدلة يستعصي على العقول فهو أدلتها. ولكنه جاء سهلاً واضحاً يفهمه البدوي في الصحراء، كما يفهمه أهل الحضارة والثقافة في أرجاء الأرض، ويتذوقه من عاصر الوحي،

стр. 305

وشهد تنزلات القرآن ومن بعد به العهد أو المكان. فطرية الإيمان بالله في النفوس البشرية: وعن معرفة وجود الله تعالى، والإيمان به، فإن القرآن الكريم يعتبر هذه القضية أمراً فطرياً في النفوس البشرية السليمة، وحقيقة بدهية لا تحتاج إلى جدال أو نقاش، فكل إنسان عاقل يدرك بنفسه هذه الحقيقة، بما أودعه الله تعالى فيه من فطرة يحس بها، دون الحاجة إلى منهج يسلكه لمعرفة ربه خالقه ورازقه. والدلائل التي تحرك هذه الفطرة، وتشير إلى وجود الله تعالى أكثر من أن تحصى، إنها تنبعث من كل شيء على وجه الأرض، بل ومن كل شيء في السماء، أضف إلى ذلك النظام البديع، والدقة المتناهية في صنع هذه المخلوقات، والترتيب في سيرها وحركتها، فيدرك الإنسان بعقله وبصيرته أنّ هذا النظام وذلك الإبداع، لا يمكن أنْ يحدث من غير محدث، أو يوجد من غير موجد، لأنّ تلك المخلوقات عاجزة عن إيجاد ذلك النظام الدقيق، والترتيب المحكم من تلقائي نفسها. لذلك فإنّ منهج القرآن الكريم ومسلكه في هذه القضية، البدء بالفطرة يوقظها ويذكرها بما هو مغروس في أعماقها، ليجد أنها معترفة ومقرة بوجود الخالق العظيم، وأنها في ذلك لا تحتاج إلى دليل.

стр. 306

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ١. فالفطرة السليمة التي أوجدها الله تعالى في الناس، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، تعرف ربها حقيقة، وتلوذ به، وتلتجئ إليه إذا مسها الضر، ولم تجد مغيثاً يغيثها، أو ناصراً ينصرها غير الله . قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٤.

стр. 307

والمخاطبون حين نزول القرآن يعرفون ربهم الذي خلقهم، وتنطق فطرهم بالحق عندما تُسْئَل، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١. ويقول تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. وقد أدرك الأعرابي بفطرته السليمة أنَّّ هذه المخلوقات العظيمة، من أرض وسماء، وليل ونهار، وشمس وقمر، وإنسان وحيوان، ونبات وكواكب، ورياح وسحاب، وغيرها تدل على الخالق ﵎، حيث قال: (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير) ٣.

стр. 308

وهذه الغريزة الفطرية، لم تكن مقتصرة على النفوس البشرية وحدها، بل حتى الطير والجمادات وغيرها، قد فطرها ربُّّها وخالقها على تسبيحه وتحميده وتنزيهه، نطقاً لا يفهمه إلاّ الذي أنطقها. قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ... ﴾ ٣. إلى غير ذلك من الآيات التي تدلُّ على معرفة الجمادات بربها، وتسبيحها له.

стр. 309

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والمقصود إذا كانت هذه الجمادات قد فطرت على معرفة ربها وتسبيحه وتنزيهه، والإنسان أشرف منها، فلأن يفطر على معرفته بربه بطريق الأولى والأحرى، لما ركب فيه من العقل والتمييز والفطنة"، إلى أن يقول: " وهذا الهدهد طير من الطيور، وفي نظرنا عديم العقل، يصيح كغيره من الطيور، قد خاطب سليمان بأعظم التوحيد، وأعلمه بغير ذلك، فقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١، هذا كله كلام الهدهد، كما اتفق على ذلك المفسرون"٢ا.?. ومن هذا يتبين لنا أنّ وجود الله تعالى أمر فطر في النفوس البشرية، وأنّ الميل والانحراف إنّما يكون عند تغير الفطرة وفسادها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطرياً في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من النّاس، عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها"٣.

стр. 310

أسباب تغير الفطرة: وقد يقال هنا لو كان التوجه إلى الله تعالى أمراً فطرياً في النفوس البشرية، لما عبد الناس في مختلف العصور آلهة شتى؟ والجواب: أنّ الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق جل وعلا، لكن الإنسان في هذه الدنيا تحيط به مؤثرات كثيرة، تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق، وذلك فيما قد يغرسه الآباء في نفوس الأبناء، وما قد يلقية الكتّاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة، بما يبدل هذه الفطرة ويفسدها، ويلقي عليها غشاوة، فلا تتجه إلى الحقيقة. يصدِّق ما ذكرنا ماثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ١. ولم يقل يسلمانه؛ لأنَّ الإسلام دين الفطرة.

стр. 311

وقد يقال إذا تركنا الطفل من غير أن نؤثر على فطرته، هل يخرج موحداً عارفاً بربه؟ فنقول: إذا ترك شياطينُ الإنس البشر، ولم يدنّسُوا فطرهم، فإنّ شياطين الجن لن يتركوهم، فقد أخذ الشيطان على نفسه العهد بإضلال بني آدم: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١. وأُعطي الشيطان القدرة على أنْ يصل إلى قلب الإنسان، كما في الحديث الصحيح: "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.." ٢. وبين القرآن أنَّ لكلِّ إنسان قريناً من الجن يأمره بالشر، ويحثه عليه، قال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ ٣. ولا يتخلص الإنسان من هذا إلاّ بالالتجاء إلى الله تعالى، والتعوذ من

стр. 312

شر الشياطين١. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ٢. ماذا عن الدهريين والشيوعيين في العصر الحاضر؟ أما عن الدهريين والشيوعيين الملحدين في العصر الحاضر، فقد يُخيّل إلينا أحياناً أنَّ الانحراف الحاصل في بعض المجتمعات المعاصرة استثناء من هذه القاعدة، لأن فيها شعوباً بأسرها لا تعرف الله ألبتة، ولا تعبده ألبتة، بل تدرس الإلحاد في المدارس، وتخرج ملحدين لا يعرفون الله، ولا يؤمنون بوجوده. كما أنَّ بعض المفسرين قالوا عن "الدهريين" الذين يقص القرآن قولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٣، إنّ هؤلاء القوم ينكرون وجود الله، ويؤمنون بدلاً منه بالدهر. فأما بالنسبة لهذه الآية، فليس فيها ما يقطع بأنهم حتماً ينكرون وجود الله، لأنَّ الآية تقرر فقط أنهم ينسبون الإماتة إلى الدهر، بدلاً من

стр. 313

الله، وأنهم ينكرون البعث، وليس هناك على الإطلاق ما يمنع من أن يكونوا مؤمنين بوجود الله، ولكنهم ينفون صلته سبحانه بما يحدث لهم من حياة وموت، كما ينفون قدرته على البعث ... أما الشيوعيون فليسوا -برغم إلحادهم- مستثنين من القاعدة، إنّما الإلحاد مفروض عليهم فرضاً بالحديد والنار، كالنظام الشيوعي ذاته، ولو خلى بينهم وبين أنفسهم لكان ضلالهم في أمر العقيدة كضلال بقية الضالين من البشرية. ويدلّل الأستاذ محمد قطب على ذلك بأن الشيوعيين في الأصل على الفطرة، وأنهم ليسوا خارجين عنها، فيقول: فجاجارين رائد الفضاء الأول، شاب ربى نفسه في الشيوعية والإلحاد منذ مولده إلى يوم انطلاقه إلى الفضاء في داخل الصاروخ، ومع ذلك فقد اهتزت فطرته حين نظر إلى الكون من خلال الصاروخ، لأنه رأى صورة لم يشهدها من قبل، وكان أول تصريح له حين هبط إلى الأرض: " حين صعدتُ إلى الفضاء، أخذتني روعة الكون، فمضيت أبحث عن الله". ويبين الأستاذ محمد قطب بأن استجابة الفطرة التلقائية إزاء الكون الهائل، الذي خلقه الله ، لم تستطع كل الشيوعية التي تفرضها الدولة، وكل الإلحاد الذي تبثه في الدروس، أن تحول دون انطلاقها حين هزتها روعة الكون. ثم يقول: "ومن الطريف أن الدولة غضبت من هذا التصريح، لأنه

стр. 314

سيهدم كل ما أنشأته خلال خمسين عاماً من الإلحاد، لذلك أمرت جاجارين بتقييم ذلك التصريح الخطير، فأضاف إليه في القراءة الثانية: " ... أخذتني روعة الكون، فمضيت أبحثُ عن الله، فلم أجده". ونشرت وكالات الأنباء هاتين القراءتين المختلفتين للتصريح الواحد، بغير تعليق١ ا.?. وهذا يدلنا على أنّ إنكار الإله الحق عند الشعوب الشيوعية، إنّما هو نتيجة لتدريس الإلحاد في تلك البلدان، وفرضه على الناس بالحديد والنار. وأما ما وجد وقت نزول القرآن الكريم من بعض من فسدت فطرتهم، وانحرفوا عن الحق، فظنوا أو توهموا أنّ المؤثر في الحياة والإماتة، إنّما هو الدهر، كما جاء ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٢. قال ابن كثير ﵀ في معنى الآية: "هذا قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، ومرادهم ما ثم إلا هذه

стр. 315

الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وليس هناك معاد ولا قيامة، وهذا قول الفلاسفة الدهريين، المنكرين للصانع، والمعتقدين أنّ في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه"١ ا.? فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٢، أي: ليس لهم مستند في ذلك من عقل أو نقل، وإنّما هم قوم يتوهمون ويتخبلون بالظن من غير يقين، والظن لا يغني من الحق شيئاً. كما طالبهم بالدليل على هذا المعتقد الفاسد، والدعوى الباطلة، وهي قولهم إنّهم خلقوا من غير خالق، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ٣. قال الخازن: "ومعنى الآية، هل خلقوا من غير شيء خلقهم، فوجدوا بلا خالق، وذلك مما لا يجوز أنْ يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق ضروري، فإنْ أنكروا الخالق لم يجز أنّ يوجدوا بلا خالق، أن هم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ فإذا

стр. 316

بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأنْ لهم خالقاً فليؤمنوا به، وليوحدوه وليعبدوه، وليوقنوا أنّه ربهم وخالقهم"١ ا.?. هذا وسيأتي بيان شبهة منكري البعث، وأدلة القرآن في إثباته في موضعه. ولما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، والرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب هو خاتم الأنبياء والرسل، والدين الإسلامي خاتم الأديان كلها على الإطلاق، لا يقبل الله من أحد ديناً غيره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣. جاء هذا الكتاب شاملاً وافياً لكل حاجات البشر، كما قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ٤. ومن كماله ووفائه اشتماله على جميع الحجج، والبراهين القاطعة التي تقمع شبهات المنحرفين، والمعاندين متى ظهروا، وفي أي

стр. 317

مكان ظهروا. وإليك دلائل وجود الله ووحدانيته من كتاب الله العزيز ترشد كلا من الملحدين والمشركين، وتدحض كل شبهة، وتبطل كل فرية، وتدل على الطريق الواضح المستقيم.

стр. 318

تفصيل القول في الدلائل على وحدانية الله ١-آيات الله في خلق الإنسان: إنَّ كلَّ ما في الكون من الذرة إلى المجرة، آيات عظيمة تدل على وجود الله تعالى ووحدانيته، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث الإنسان على التدبر والتأمل في مخلوقات الله الكثيرة، ليزداد إيماناً ويقيناً بمعرفة خالقه وبارئه، ومصوره إن كان مؤمناً، وتدعوه إلى الإيمان عن حقيقة واقتناع، إن كان مشركاً أو ملحداً. ولما كان أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فإننا نبدأ به قبل غيره. ففي النفس الإنسانية من الآيات والدلائل على وجود الله تعالى ووحدانيته ما لا يحصى، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ١. قال ابن جرير الطبري ﵀:" معنى ذلك: وفي أنفسكم أيها الناس آيات وعبر، تدلكم على وحدانية صانعكم، وأنه لا إله لكم سواه، إذ كان لا شيء يقدر على أن يخلق مثل خلقه إياكم ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ، يقول: أفلا تنظرون في ذلك فتتفكروا فيه، فتعلموا حقيقة وحدانية خالقكم"٢.

стр. 319

وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١. وبين أن نفخة من روح الله تعالى في قبضة من التراب، تصنع هذا الكائن العجيب، وهذا دليل قوي وشاهد عظيم على ربوبية الله تعالى ووحدانيته، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ٢. وعن أصل خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٤.

стр. 320

وعن أصل خلقه وتكوينه، ومراحل نموه وتطوره، ثم إماتته وبعثه، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ ٣. وعن أغشية الجنين، والتي عبر عنها القرآن الكريم بالظلمات الثلاث، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ
следующие страницы →