← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأنْ لهم خالقاً فليؤمنوا به، وليوحدوه وليعبدوه، وليوقنوا أنّه ربهم وخالقهم"١ ا.?. هذا وسيأتي بيان شبهة منكري البعث، وأدلة القرآن في إثباته في موضعه. ولما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، والرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب هو خاتم الأنبياء والرسل، والدين الإسلامي خاتم الأديان كلها على الإطلاق، لا يقبل الله من أحد ديناً غيره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣. جاء هذا الكتاب شاملاً وافياً لكل حاجات البشر، كما قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ٤. ومن كماله ووفائه اشتماله على جميع الحجج، والبراهين القاطعة التي تقمع شبهات المنحرفين، والمعاندين متى ظهروا، وفي أي

стр. 317

مكان ظهروا. وإليك دلائل وجود الله ووحدانيته من كتاب الله العزيز ترشد كلا من الملحدين والمشركين، وتدحض كل شبهة، وتبطل كل فرية، وتدل على الطريق الواضح المستقيم.

стр. 318

تفصيل القول في الدلائل على وحدانية الله ١-آيات الله في خلق الإنسان: إنَّ كلَّ ما في الكون من الذرة إلى المجرة، آيات عظيمة تدل على وجود الله تعالى ووحدانيته، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث الإنسان على التدبر والتأمل في مخلوقات الله الكثيرة، ليزداد إيماناً ويقيناً بمعرفة خالقه وبارئه، ومصوره إن كان مؤمناً، وتدعوه إلى الإيمان عن حقيقة واقتناع، إن كان مشركاً أو ملحداً. ولما كان أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فإننا نبدأ به قبل غيره. ففي النفس الإنسانية من الآيات والدلائل على وجود الله تعالى ووحدانيته ما لا يحصى، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ١. قال ابن جرير الطبري ﵀:" معنى ذلك: وفي أنفسكم أيها الناس آيات وعبر، تدلكم على وحدانية صانعكم، وأنه لا إله لكم سواه، إذ كان لا شيء يقدر على أن يخلق مثل خلقه إياكم ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ، يقول: أفلا تنظرون في ذلك فتتفكروا فيه، فتعلموا حقيقة وحدانية خالقكم"٢.

стр. 319

وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١. وبين أن نفخة من روح الله تعالى في قبضة من التراب، تصنع هذا الكائن العجيب، وهذا دليل قوي وشاهد عظيم على ربوبية الله تعالى ووحدانيته، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ٢. وعن أصل خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٤.

стр. 320

وعن أصل خلقه وتكوينه، ومراحل نموه وتطوره، ثم إماتته وبعثه، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ ٣. وعن أغشية الجنين، والتي عبر عنها القرآن الكريم بالظلمات الثلاث، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ

стр. 321

ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ١. وهذه الظلمات هي: ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد، وظلمة البطن٢. وكل عالم ومفكر، وأديب وطبيب، وباحث وصانع، وفيلسوف وشاعر، يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً كبيراً أو صغيراً، وما اكتسبه من علم ومهارات فإنما هو من فضل الله تعالى عليه. قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٣. وبين لنا القرآن الكريم تلك المفارقة الضخمة بين التراب والنطفة القذرة، وبين ذلك الإنسان المستوي المعتدل الخلقه، ثم ما يلبث أنْ يكابر ويتكبر، ويعاند ويجحد، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ ٤.

стр. 322

وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ١. ومن خلال الآيات السابقة، يتبين لنا أنّ الإنسان لو نظر وفكر وتأمل في مبدأ خلقه، وفي كيفية تكوينه وتركيبه، لوجد الشيء الهائل الذي يعجز عن وصفه، فضلاًً عن إدراك كنهه، وكلما اتسع نطاق العلم، تضافرت الأدلة على أن لهذا الإنسان البديع الصنع إلهاً حكيماً، إنه لا يوجد ناحية من نواحي الإنسان ليست مثار دهشة وعجب، إنّ أطواره في الرحم آية من آيات الله تعالى الدالة على وجوده ووحدانيته، ونظام طعامه وشرابه وتحليل الطعام إلى عناصر مختلفة بموازين دقيقة يذهب كل عنصر إلى حيث يؤدي وظيفته، عدا العنصر الذي لا يفيد فيطرد إلى الخارج، كل ذلك آية من آيات الله الدالة على وجوده ووحدانيته. ونظام توزيع الدم من مكانه الرئيسي، وهو القلب إلى جميع أنحاء الجسم بواسطة الشرايين التي لا يحصى عددها إلا الله، ثم عودته إلى القلب بواسطة الأوردة، ومرور الهواء الجديد الذي جلبه التنفس، ليصلح الدم بعد الفساد فيفيد منه الجسم، آية من آيات الله الدالة على وجوده ووحدانيته، دع السمع والبصر والنطق والإحساس، بل دع ما يعرض

стр. 323

للإنسان من تذكر ونسيان، وحزن وسرور، وعلم وجهل، ومحبة وبغض، وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على قدرة الله وعظمته، وبالتالي على وجوده ووحدانيته. يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه، وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه، وهو غافل معرض عن التفكر فيه، ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره"١.

стр. 324

٢- آيات الله في الكون: أ- آيات الله في خلق السماء: ومن أعظم الآيات الدالة على عظمة خالقها ومبدعها، خلق السماء التي فوق رؤوسنا، انظر إلى خلقها المحكم مرةً بعد مرة، ثم كرر النظر إليها مرةً بعد أخرى، فإنك لا تجد فيها صدعاً ولا فطراً، ولا عيباً، بل ستجد أنَّ النظر يعود إليك خاشعاً ذليلاً أمام عظمة الخالق . قال ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ١. قال القرطبي ﵀: "أي ردد طرفك وقلب البصر في السماء كرتين، أي مرة بعد أخرى، يرجع إليك البصر خاشعاً صاغراً، متباعداً عن أن يرى شيئاً من ذلك العيب والخلل، وإنما أمر بالنظر كرتين، لأنَّ الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه، ما لم ينظر إليه مرة أخرى، والمراد بالكرتين التكثير بدليل قوله تعالى: ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ

стр. 325

حَسِيرٌ﴾ ، وهو دليل على كثيرة النظر"١. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَاوَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ ٢. فيا سبحان الله إنها لمثار الدهشة والإعجاب، ربنا ما خلقت هذا باطلاً. ولعظم خلق السماء، فقد أكثر الله ﵎ من القسم بها، كقوله: والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، والسماء وما بناها، والسماء ذات الرجع. قال ابن القيم ﵀: "ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة، كان إقسامه به أكثر من غيره، ولهذا يعظم هذا القسم كقوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٣، ثم قال: والمقصود إنه سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على

стр. 326

ربوبيته ووحدانيته"١ ا.?. ومن كمال قدرة الله تعالى، وعظيم سلطانه أنه رفع السموات بغير قواعد ترتكز عليها، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿ ... وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٣. فأيُّ قوى تمسك بمقاليد هذه السماء، فتجعل عملها يستمر ووظائفها تتأدى وفق نظام شامل بديع!! والجواب: إنه لا يوجد غير الله العزيز الحكيم، الخالق الرؤوف الرحيم بخلقه، الذي يمسك الزمام بقوة وإحكام. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ ٤.

стр. 327

قال القرطبي ﵀: "لما بين أنَّ آلهتهم لا تقدر على شيء من السموات والأرض، بين أنَّ خالقها وممسكها هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه". وقد بين نديم الجسر في كتابه قصة الإيمان، بأن العلم يرجع ذلك الإمساك إلى قوة الجاذبية التي شاهد العلماء آثارها، وأحصوا أطوارها، ومسوا سطوحها ولم يسيروا أغوارها، وعرفوا قوانينها، ونواميسها، ولم يعرفوا بعد أسرارها١.. ثم يعلق نديم الجسر على ذلك بقوله: والحق ما قالوا، فالجاذبية حق وقوانينها المحسوسة المتزنة المتناسبة المحكمة الدقيقة حق، ولكن هل يكون القانون الدقيق المحكم أثر من آثار المصادفة العمياء؟. قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. وقد امتدح الله تعالى المتفكرين والمتأملين في ملكوت السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ

стр. 328

وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١. إنَّ السموات والأرض كون هائل، يزخر بالنفائس ويمتلئ بالمعجزات، لا يستطيع أحدٌ سوى الله تعالى أن يخلق شيئاً فيه كبيراً أو صغيراً، وفي تعاقب الليل والنهار آيات ضخمة كذلك، تشارك في ذلك الشمس بالمقدار المعلوم المنضبط من الضوء والحرارة، ويشارك فيه القمر بضوئه وإشراقه. كما ذم المعرضين عن التفكر في ذلك الخلق العجيب، والتنظيم الفريد، الدال على الحكمة البالغة، والقدرة الباهرة. فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ٢. قال القرطبي: "بين تعالى أنّ المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، ولو نظروا واعتبروا لعلموا أنَّ لها صانعاً قادراً

стр. 329

واحداً، يستحيل أنْ يكون له شريك"١. هذا وقد تحدث الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة عن عظمة خلق السموات وما فيها من الأدلة والعجائب الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيته، فقال: "فالأرض والبحار والهواء، وكل ما تحت السموات، بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر، ولهذا قلَّ أنْ تجيء سورة في القرآن، إلاّ وفيها ذكرها، إما إخباراً عن عظمتها وسعتها، وإما إقساماً بها، وإما دعاء إلى النظر فيها، وإما إرشاداً للعباد أنْ يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالاً منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالاً منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالاً منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر، والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها ... "٢. ب- آيات الله في خلق الأرض: وفي حديث القرآن الكريم عن الأرض التي نعيش فوقها، ونكد

стр. 330

ونكدح على ظهرها، نجد الآيات العظيمة التي تدعو الإنسان العاقل إلى النظر والتأمل في عظمة الخالق، وكمال قدرته، وأنه ليس له شريك في ملكه، ﵎، قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ ١. قال الإمام ابن كثير في معنى الآية الكريمة: " أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد، والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم، والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه"٢. يقول ابن القيم: "وإذا نظرت إلى الأرض، وكيف خلقت، رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشاً ومهداً وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل ليتنقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال، فجعلها أوتاداً تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها فمدها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتاً للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا

стр. 331

أحياء، وكفاتاً للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا"١. وعن بسط الأرض واستقرارها ومهدها لتكون صالحة للحياة والمعاش، قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. وعن عظمة خلق السموات المرفوعة بغير عمد ترتكز عليها، وتثبيت الأرض بالجبال لئلا تتحرك وتضطرب فتهلك من عليها، أو تهدم بيوتهم، وما خلق في أرجائها من أنواع الحيوانات والدواب، وما أنزل من السماء من الأمطار لشربهم وشرب دوابهم، وإنبات النبات من جميع الأصناف، يقول تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن

стр. 332

تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ١. أي: هذا الذي ترونه وتشاهدونه، إنما هو خلق الله وحده، أما آلهتكم المزعومة من الأوثان والأصنام فماذا خلقت؟ إنّه سؤال على جهة التهكم والسخرية بعقول أولئك المشركين، وبمعبوداتهم التي لا تجلب نفعاً ولا ترفع ضراً. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. ومع مهد الأرض واستقرارها، جعلها ذات سبل وطرق كثيرة من أجل سلوك الناس معها لقضاء حوائجهم ومصالحهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ

стр. 333

أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ١. وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ٣. وعن سعة الأرض وامتدادها، وما أودعه الله فيها من جميع الزروع والنبات، وصنوف الخيرات، قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ

стр. 334

زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ ١. إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو الإنسان إلى النظر والتفكر في صنع هذه الأرض، وما أودعه الله فيها من الخيرات والنعم الدالة على وجود الله تعالى، ووحدانية خالقها ومبدعها. ج- آيات الله في خلق الشمس والقمر، والليل والنهار والنجوم: ومن آيات الله العظيمة الدالة على وجوده ووحدانيته، تعاقب الليل والنهار، وما أودعه الله في الشمس والقمر من النور والإضاءة. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ

стр. 335

مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي

стр. 336

ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. فهذه الآيات تخاطب العقول البشرية لتنظر وتفكر وتتأمل عظمة الخالق ﵎، لتؤمن به رباً خالقاً قادراً حكيماً عظيماً، واحداً لا شريك له في ملكه. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ٢. والآية خطاب من الله إلى رسوله محمد ﷺ بأن يقول للمشركين أخبروني لو جعل الله عليكم الليل دائماً مستمراً بلا انقطاع إلى يوم القيامة، من إله غير الله يأتيكم بالنور الذي تستضيئون به في حياتكم؟ وأخبروني لو جعل الله تعالى عليكم النهار دائماً مستمراً بلا انقطاع، من الإله القادر على أن يأتيكم بليل تستريحون فيه من العناء والتعب، غير الله تعالى؟ فلو أن المشركين سمعوا سماع فهم وقبول للحق، ونظروا بعين

стр. 337

الإنصاف والعدل، لاستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى، ولعرفوا ما هم عليه من الخطأ والضلال. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١. وإذا تأمل الإنسان حال الشمس والقمر وما أودعهما الله من النور والإضاءة، وكيف أنه جعل لهما بروجاً ومنازل ينزلانها من مرحلة إلى مرحلة، لعلم أنّ ذلك من أجل مصالح البشر ولا غنى لهم عنه ليعلموا حساب الأعمار، والآجال المؤجلة للديون والإجارات، والمعاملات، وكذلك مواقيت العبادات كالصلاة، والصيام، والحج، وعدة النساء وغيرها. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ

стр. 338

لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ ٢. ولما كانت الشمس والقمر من أعظم الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما من مخلوقات الله تعالى، وأنهما من عبيده وتحت قهره وتسخيره، ونهى عن السجود لهما، لأنَّ ذلك لا يجدي شيئاً، وإنّما يجب السجود لله تعالى الذي خلقهما، وسائر خلقه. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٣. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أن الليل والنهار، والشمس والقمر من الآيات العظيمة الدالة على ربوبية الله تعالى ووحدانيته، وحكمته في جعل الليل وقتاً للسكن والراحة من كد السعي

стр. 339

والتعب أثناء النهار، حتى إذا أخذت النفوس راحتها، وأخذت تتطلع إلى معاشها وعملها، جاء خالق الإصباح بالنهار، فبدّد تلك الظلمة، وكشفها عن العالم، فإذا هم مبصرون، فيهرع الناس إلى أعمالهم ومصالحهم، وكذلك تخرج الحيوانات والطيور وغيرها إلى معاشها ومصالحها، فسبحانه من إله حكيم، لا إله غيره، ولا معبود بحق سواه. قال ابن القيم: " ثم تأمل الحكمة في طلوع الشمس على العالم، كيف قدرة العزيز العليم سبحانه، فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه، ولا تعدوه، لما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات، لأنَّ ظل أحد جوانب كرة الأرض يحجبها عن الجانب الآخر، وكان يكون الليل دائماً سرمداً على من لم تطلع عليهم، والنهار سرمداً على من هي طالعة عليهم، فيفسد هؤلاء وهؤلاء، فاقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أنْ قدر طلوعها من أول النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي، ثم لا تزال تدور وتغشي جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب، فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار، فيختلف عندهم الليل والنهار، فتنتظم مصالحهم "١. كما تحدث نديم الجسر عن حركات القمر ومنازله وأنواره، وأحكام نظامه، وما في ذلك من الدلالة على عظمة الخالق، ثم عقَّب على

стр. 340

ذلك بأن تلك الآثار لا تكون عن طريق المصادفة العمياء، فيقول:" فهل كل هذا النظام والإحكام الذي خص الله به القمر في حركاته المحسوسة، ودوراته المكتوبة، ومنازله المقدرة، وأقداره المسخرة، وأنواره المكتسبة، وأطواره المرتقبة، أثر من آثار المصادفة العمياء ... ؟ سبحان الخلاق العظيم، والله إنَّ هذا كله لا يجتمع بالمصادفة"١. ومن آيات الله العظيمة الدالة على وحدانيته، خلق النجوم وكثرتها، وعجيب صنعها، وأنها زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها في ظلمات الليل في البر والبحر، وما جعل فيها من الضوء والنور، وما في تسخيرها منقادة بأمر ربها ﵎ جارية وفق سنة ثابتة، ونظام دقيق، وكيف أنّ الله تعالى جعل منها البروج والمنازل، والثوابت السيارة والكبار والصغار والمتوسطة، وما فيها من اختلاف في الألوان، واختلاف في الدنو والعلو، وأشياء أخرى كلها تدعو إلى التأمل والتدبر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وقال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ

стр. 341

مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٢. وقد أقسم الله تعالى قسماً عظيماً بمنازل النجوم، وأماكن دورانها في أفلاكها وبروجها، وذلك لما في المقسم به من الدلالة على عظيم قدرة خالقها ومبدعها، وكمال حكمته ورحمته، فقال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ٤. د-آيات الله في خلق الرياح والسحاب والمطر: وهبوب الرياح وركودها، واختلاف مهابها لا يستغني عنها إنسان أو حيوان أو نبات، فالجميع في حاجة ماسة إليها، باردة مرة، وحارة

стр. 342

أخرى، أو رطبة مرة، وجافة أخرى، أو معتدلة. هذه الرياح قد أحكم الله سيرها وقدر قواها، ووزعها على هذه الأرض توزيعاً دقيقاً، رصده العلماء، وقسموا على أساسه العالم إلى مناطق حارة، ومناطق باردة، وأخرى معتدلة، كما عرفوا سير هذه الرياح واتجاهها، فنظموا حركات السفن في البحر. يقول ابن القيم ﵀:" ومن آياته الباهرة هذا الهواء اللطيف، المحبوس بين السماء والأرض، يدرك بحس اللمس عند هبوبه يدرك جسمه، ولا يرى شخصه، فهو يجري بين السماء والأرض، والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها في أمواجه، كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه، كما تضطرب أمواج البحر، فإذا شاء حركه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحاً للسحاب كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل ... وإن شاء حركه بحركة العذاب، فجعله عقيماً وأودعه عذاباً أليماً، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصراً ونحساً، وعاتياً، ومفسداً، لما يمر عليه"١. وهذه الرياح والسحاب الذي تحمله وما يتبع ذلك من مطر ورعد

стр. 343

وبرق، آيات عظيمة، وقد وقف القرآن الكريم مرشداً ومبصراً وواعظاً للخلق، طالباً منهم التفكر والتأمل في عظمة الخالق وقدرته الباهرة، ليعبدوه وحده ويطيعوا أمره. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا

стр. 344

بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ ٤.

стр. 345

قال القرطبي عند الآية الأخيرة: " ليعلم الكفار إذا توسطوا البحر، وغشيتهم الرياح من كل مكان، أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع عنهم إن أراد الله إهلاكهم، فيخلصون له العبادة"١. فكل هذه الآيات والبراهين العظيمة الدالة على القدرة الإلهية، إنّما ضربها الله تعالى لمن كان له عقل يعي ويدرك ويتدبر، ليعلم عن حقيقة واقتناع بأنّ هذه الآيات من صنع الله وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن

стр. 346

يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣.

стр. 347

٣- آيات الله في خلق الحيوان: وإذا ذهبنا إلى عالم الحيوان لوجدنا فيه من العجائب الإلهية ما يستحق الوقوف والتأمل طويلاً وطويلاً جداً، وذلك أنه عالم مستقل بل هو عوالم تحار فيها العقول والأفكار. هذا التنوع في الخلق من حيوانات برية، وبحرية، وطائرة، وحيوانات حشرية لا ترى بالعين المجردة، وأخرى كبيرة فقرية وثديية، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع، وأخرى زواحف لا أرجل لها، وحيوانات طويلة العمر، وأخرى قصيرة الأجل، وحيوانات تبيض، وأخرى تلد، وحيوانات للأكل والحمل والألبان، ومنافع أخرى كثيرة، وحيوانات أخرى لا ينتفع بها الإنسان.. وحيوانات ملساء الجلد لا شيء عليها، وحيوانات أخرى مكسورة الجلد بالصوف أو بالشعر أو بالوبر أو الريش. وهناك اختلاف في الأشكال والألوان، وفي الأصوات، وفي طريقة الحياة وتناول الطعام، وفي الأسماع والأبصار وآلات البطش، وأشياء وأشياء يعجز العلم عن تسطيرها. أما إذا ذهبت تفتش عن الحِكم والأسرار في خلق تلك الحيوانات لوجدت نفسك أمام خضم واسع منها. يقول ابن القيم ﵀ بعد ذكر الكثير من الحكم في خلق هذه

стр. 348

الحيوانات: " فما أغزر الحِكَمْ وأكثرها في هذه الحيوانات التي تزدريها وتحتقرها، وكم من دلالة فيها على الخالق ولطفه ورحمته"١. وعن عوالم تلك الحيوانات والطيور، يتحدث القرآن الكريم، فيقول ﵎: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ٢. ويقول تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ٣. ويلفت القرآن الكريم الأبصار، ويفتح العقول ويثير العواطف ويمسك بالأيدي إلى الدلائل الدالة على وحدانية الله تعالى، فيقول عن الطير: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٤. ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ

стр. 349

الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ ١. وعن إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس من النحل، تلك الحشرة الضعيفة، يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢. وعن فطانة النملة، حكى الله تعالى قولها وقد رأت سليمان ﵇ وجنوده: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ٣. وقد قال بعض العلماء: "إن هذه الآية من عجائب القرآن، لأنها بلفظة (يا) نادت (أيها) نبهت (النمل) عينت (ادخلوا) أمرت (مساكنكم) نصت (لا يحطمنكم) حذرت (سليمان) خصت (وجنوده)

стр. 350

عمت (وهم لا يشعرون) عذرت"١. وعن قدرة الله العظيمة في خلقه لأنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها، وحركاتها وسكناتها، يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢. ويمتن الله تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع الكثيرة، فيقول الله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٣. ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ

стр. 351

فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ١. قال صاحب الكشاف: "والآية للعبرة، فإنّ الله سبحانه يخلق اللبن وسطاً بين الفرث والدم، يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبقى أحدُهُما عليه بلون، ولا طعم، ولا رائحة، فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمل"٢. فهذا التنوع والتمايز في عالم الحيوان المليء بالعبر والأسرار، لم يكن عبثاً أو مصادفة عمياء. كما لم يبق مجال لأحد أنْ يدعَ أو يظنّ بأنّ لله شريكاً في ملكه.

стр. 352

٤-آيات الله في خلق النبات: وإذا انتقلنا إلى عالم النبات، نجد أنّه لا يقلُّ عجباً عن عالم الحيوان، انظر إلى الحبة تكون في باطن الأرض، تربو وتنشق وتنمو شيئاً فشيئاً، حتى يخرجَ الثمر ويؤتى أكله في حينه بإذن ربه.. وانظر إلى النواة على ضعفها تكون نخلة باسقة تمسك بها الجذور، ولا تتأثر لهبوب الرياح، وتؤتي أشهى الثمار وأنفعها.. وانظر إلى التنوع والتمايز في الثمرة الواحدة، حجماً ولوناً ومذاقاً، على الرغم من كونها من نوع واحد، وفي أرض واحدة، وتسقى بماء واحد، وترى بعضها يؤكل باطنه ويرمى ظاهره، وبعضها الآخر يؤكل ظاهره ويرمى باطنه.. ولو نظرت إلى بساتين الأعناب والنخيل، وسائر الأشجار، لرأيت العجب العجاب في صنع الله تعالى، إذ كيف نمت تلك الأغصان وتفرعت هذه الفروع وتغايرت تلك الثمار، وتشكلت هذه الألوان وتنوعت هذه المذاقات..؟ لا ريب أنها الآيات الباهرة والدلائل الملموسة التي خاطب بها القرآن الكريم الفطر السليمة، فهل من تدبر، وهل من مجيب؟ ولقد نبه الله تعالى أنَّ المقصود الأول من هذه النباتات، إنّما هو للدلالة على معرفة وجوده ووحدانيته، وكمال علمه وقدرته، يقول تعالى:

стр. 353

﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١. ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وعن الزوجية في النبات، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣. قال ابن الجوزي: و ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: نوعين، والزوج الواحد الذي له قرين من جنسه، قال المفسرون: ويعني بالزوجين: الحلو

стр. 354

والحامض، والعذب والملح، والأبيض والأسود١. أقول: وهذا لا يمنع من أن يكون ذكراً وأثنى طبق سنته الحكيمة. قال المراغي: " أي وجعل فيها من كل أصناف الثمرات زوجين، ذكراً وأنثى حين تكونها، فقد أثبت العلم حديثاً أنّ الشجر والزرع لا يولدان التمر والحب إلاّ من اثنين ذكر وأنثى، وعضو التذكير قد يكون مع عضو التأنيث في شجرة واحدة كأغلب الأشجار، وقد يكون عضو التذكير في شجرة، وعضو التأنيث في شجرة أخرى كالنخل، وما كان العضوان فيه في شجرة واحدة، إما أن يكون معاً في زهرة واحدة كالقطن، وإمّا أنْ يكون كلٌّ منها في زهرة كالقرع مثلاً "٢. وأما ما جاء في ظلال القرآن لسيد قطب بأنَّ هذه حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم، إلاّ قريباً، وهي أن كل الأحياء تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنوناً أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود٣. فلعل مراده من اكتشاف التذكير والتأنيث في عموم النباتات، وإلاّ

стр. 355

فإنَّ الأصل معروف قديماً، كما في عملية تأبير النخل. وقد أشار إلى هذه الملاحظة الدكتور علي ناصر فقيهي في كتابه منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان١. وجاء في قصة الإيمان لنديم الجسر: "يقول العلماء والعجب يأخذ منهم مأخذه، أنَّ نظام الزوجية مطرد وشامل لجميع الأحياء من الحيوانات، والنباتات كلها بطريقة واحدة، ونسق واحد. ثم ينقل الجسر تقريراً عن "هنري برغسون" في نفي المصادفة في ذلك التماثل والاطراد الشامل في نظام الزوجية لجميع الأحياء من الحيوانات والنباتات، إذ كيف اتفق أن اخترع الحيوان الذكورة والأنوثة ووفق النبات إلى الطريقة نفسها وبالمصادفة نفسها؟ "٢. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٣. وبين القرآن الكريم أنَّ اختلاف النباتات في الطعم رغم الاتحاد في
следующие страницы →