فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ١.
قال صاحب الكشاف: "والآية للعبرة، فإنّ الله سبحانه يخلق اللبن وسطاً بين الفرث والدم، يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبقى أحدُهُما عليه بلون، ولا طعم، ولا رائحة، فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمل"٢.
فهذا التنوع والتمايز في عالم الحيوان المليء بالعبر والأسرار، لم يكن عبثاً أو مصادفة عمياء.
كما لم يبق مجال لأحد أنْ يدعَ أو يظنّ بأنّ لله شريكاً في ملكه.
стр. 352
٤-آيات الله في خلق النبات:
وإذا انتقلنا إلى عالم النبات، نجد أنّه لا يقلُّ عجباً عن عالم الحيوان، انظر إلى الحبة تكون في باطن الأرض، تربو وتنشق وتنمو شيئاً فشيئاً، حتى يخرجَ الثمر ويؤتى أكله في حينه بإذن ربه..
وانظر إلى النواة على ضعفها تكون نخلة باسقة تمسك بها الجذور، ولا تتأثر لهبوب الرياح، وتؤتي أشهى الثمار وأنفعها..
وانظر إلى التنوع والتمايز في الثمرة الواحدة، حجماً ولوناً ومذاقاً، على الرغم من كونها من نوع واحد، وفي أرض واحدة، وتسقى بماء واحد، وترى بعضها يؤكل باطنه ويرمى ظاهره، وبعضها الآخر يؤكل ظاهره ويرمى باطنه..
ولو نظرت إلى بساتين الأعناب والنخيل، وسائر الأشجار، لرأيت العجب العجاب في صنع الله تعالى، إذ كيف نمت تلك الأغصان وتفرعت هذه الفروع وتغايرت تلك الثمار، وتشكلت هذه الألوان وتنوعت هذه المذاقات..؟
لا ريب أنها الآيات الباهرة والدلائل الملموسة التي خاطب بها القرآن الكريم الفطر السليمة، فهل من تدبر، وهل من مجيب؟
ولقد نبه الله تعالى أنَّ المقصود الأول من هذه النباتات، إنّما هو للدلالة على معرفة وجوده ووحدانيته، وكمال علمه وقدرته، يقول تعالى:
стр. 353
﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١.
ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وعن الزوجية في النبات، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
قال ابن الجوزي: و ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: نوعين، والزوج الواحد الذي له قرين من جنسه، قال المفسرون: ويعني بالزوجين: الحلو
стр. 354
والحامض، والعذب والملح، والأبيض والأسود١.
أقول: وهذا لا يمنع من أن يكون ذكراً وأثنى طبق سنته الحكيمة.
قال المراغي: " أي وجعل فيها من كل أصناف الثمرات زوجين، ذكراً وأنثى حين تكونها، فقد أثبت العلم حديثاً أنّ الشجر والزرع لا يولدان التمر والحب إلاّ من اثنين ذكر وأنثى، وعضو التذكير قد يكون مع عضو التأنيث في شجرة واحدة كأغلب الأشجار، وقد يكون عضو التذكير في شجرة، وعضو التأنيث في شجرة أخرى كالنخل، وما كان العضوان فيه في شجرة واحدة، إما أن يكون معاً في زهرة واحدة كالقطن، وإمّا أنْ يكون كلٌّ منها في زهرة كالقرع مثلاً "٢.
وأما ما جاء في ظلال القرآن لسيد قطب بأنَّ هذه حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم، إلاّ قريباً، وهي أن كل الأحياء تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنوناً أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود٣.
فلعل مراده من اكتشاف التذكير والتأنيث في عموم النباتات، وإلاّ
стр. 355
فإنَّ الأصل معروف قديماً، كما في عملية تأبير النخل.
وقد أشار إلى هذه الملاحظة الدكتور علي ناصر فقيهي في كتابه منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان١.
وجاء في قصة الإيمان لنديم الجسر: "يقول العلماء والعجب يأخذ منهم مأخذه، أنَّ نظام الزوجية مطرد وشامل لجميع الأحياء من الحيوانات، والنباتات كلها بطريقة واحدة، ونسق واحد.
ثم ينقل الجسر تقريراً عن "هنري برغسون" في نفي المصادفة في ذلك التماثل والاطراد الشامل في نظام الزوجية لجميع الأحياء من الحيوانات والنباتات، إذ كيف اتفق أن اخترع الحيوان الذكورة والأنوثة ووفق النبات إلى الطريقة نفسها وبالمصادفة نفسها؟ "٢.
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وبين القرآن الكريم أنَّ اختلاف النباتات في الطعم رغم الاتحاد في
стр. 356
التربة والماء من العلامات الباهرة لمن عقل وتدبر، قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وفي معنى ذلك، قال الطبري: " الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها أفضل من بعض، مع اجتماعها على شراب واحد"٢.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
قال أبو حيان: "ختم الآية بقوله (يتفكرون) لأنّ النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى أنَّ الجنة الواحدة إذا وضعت في الأرض، ومر عليها، زمن معين لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به، فيشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء، وأسفلها يغوص منه
стр. 357
في عمق الأرض شجرة أخرى وهي العروق، ثم ينمو الأعلى، ويقوى، وتخرج الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، المشتملة على أجسام مختلفة الطبائع والألوان، والأشكال والمنافع، وذلك بتقدير قادر مختار، وهو الله تعالى"١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٢.
стр. 358
الفصل الثاني: إقامة الحجج والبراهين على المشركين: ويشتمل على ما يلي:
١- الأدلة على صدق الرسول ﷺ .
ومن أقوى الأدلة التي أقامها القرآن الكريم على الناس عموماً والمشركين خصوصاً، ثبوت صدق النّبي ﷺ ، وأنه مرسل من ربه ﵎ ثبوتاً، لا يحتمل الشك والمراء وقد دلل على ذلك من وجوه عديدة منها:
أ- شهادة الله له:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
ومعنى الآية الكريمة أنَّ الله تعالى يأمر نبيه محمداً ﷺ بأن يقول للمشركين أي شيء أعظم شهادة، حتى يشهد لي بأني صادق في دعوتي لكم للإيمان بنبوتي؟ فإنّ أجابوك، وإلاّ فقل لهم الله يشهد لي بصدق ما أدعو إليه، وكفى بشهادة الله لي.
ب- وجود صفته في كتب أهل الكتاب:
إنَّ أهل الكتاب كانوا يجدونه موصوفاً عندهم في التوراة والإنجيل،
стр. 359
بصفاته الكاملة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿ ... وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ... ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٣.
وصفات الرسول ﷺ لا تزال توجد في كتب أهل الكتاب: العهد القديم، والعهد الجديد، رغم دخول التحريف والتبديل على هذه الكتب٤.
стр. 360
ج- شهادة اليهود له:
وقد كان اليهود يستفتحون بالرسول ﷺ على المشركين من العرب قبل البعثة، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١.
ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄ أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور:.. يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ... ﴾ الآية٢.
стр. 361
وروى الإمام أحمد في مسنده عن سلمة بن سلامة ﵁ -وكان من أصحاب بدر- قال: "كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال فخرج علينا من بيته قبل مبعث النبي ﷺ بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ -أحدث من فيه سناً- على بردة مضطجعاً بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة، والحساب والميزان، والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائناً أنَّ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به لَودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غداً، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا من أحدثهم سناً، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله تعالى رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغياً وحسداً، فقلنا: ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا ما قلت؟ قال: بلى وليس به"١.
стр. 362
د- شهادة النصارى له:
وكذلك كان النصارى يترقبون مبعثه ﷺ ، وقد أخبر الله أن المسيح بن مريم ﵇ قد بشر بني إسرائيل ببعثه صلى الله عليه وسماه لهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ١.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ أحمد من أسماء النبي ﷺ ، من ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب" ٢.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ورقة بن نوفل الذي
стр. 363
ترويه عائشة ﵂ في بدء الوحي: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه –وهو التعبد- الليالي ذوات العدد ... إلى أن قالت: فأتت به خديجة ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، فقالت: اسمع من ابن أخيك، فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا هو الناموس الذين نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب١ ورقة أن توفي"٢.
ومن ذلك ما جاء في الصحيحين أيضاً من حديث أبي سفيان،
стр. 364
عندما استدعاه هرقل في بلاد الشام، قال في آخر حديثه: "وقد كنت أعلم أنه خارج (نبي) ، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي"١.
ومن ذلك ما رواه أبو داود عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق إلى أرض النجاشي، فذكر حديثه، قال النجاشي: "أشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه"٢.
ومن ذلك حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: "كنت رجلاً فارسياً من أهل أصبهان، من قرية منها يقال له جى، وذكر الحديث إلى أن قال في قصته مع الرهبان النصارى، فإلى من توصي بي، وما
стр. 365
تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تتبعه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أنْ تلحق بتلك البلاد فافعل ... "١.
هـ - شهادة مشركي العرب له بالصدق والأمانة:
لقد حفظ لنا التاريخ صحيفة بيضاء لحياة النبي ﷺ قبل البعثة وبعدها، ومما حفظ لنا التاريخ أنه ﷺ اشتهر بالصدق والأمانة، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين٢، وكانوا يضعون
стр. 366
عنده أماناتهم لِمَا يعلمونه من صدقه وأمانته١.
وكان رأيهم هذا يعد إجماعاً منهم فيه ﷺ ، يؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال: "لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢، صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنت مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ "٣.
стр. 367
فتأمل قولهم: "ما جربنا عليك إلا صدقاً"، معنى ذلك: أنهم لم يحفظوا عنه كذبة واحدة قبل أن يقول لهم ذلك القول، وإلا لذكروها له.
وشهد أبو سفيان -قبل أن يسلم- أمام هرقل بصدقه ﷺ ، قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان لا ... "١.
كما شهد أمية بن خلف وزوجته قائلاً كلٌ منهما: "فوالله ما يكذب محمدٌ إذا حدث"٢.
لقد قالوا ذلك مع شدة عداوتهم له ﷺ ، فيا لها من شهادة.
و إخبار الجن عنه ﷺ :
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول إنّي لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو أنَّ هذا
стр. 368
على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، على الرجل، فدعي له فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم أستقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك. قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها١، ويأسها٢، من بعد إنكاسها٣، ولحوقها بالقلاص٤، وإحلاسها٥؟ قال عمر: صدق، بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخاً أشد منه يقول: يا جليح٦، أمر نجيح٧، رجل فصيح يقول: لا إله إلا أنت فوثب القوم قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلاّ الله، فقمت، فما نشبنا أنْ
стр. 369
قيل هذا نبي"١.
ز- معجزاته:
ومعنى الإعجاز في اللغة الفوت والسبق، يقال: أعجزني فلان، أي فاتني ...
قال الليث: "أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه"٢.
والعجز في التعارف: اسم للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة٣، قال تعالى: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي﴾ ٤.
والمعجزة في الإصطلاح: هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم عن المعارضة٥.
والمراد بالإعجاز هنا: هو إظهار صدق الرسول ﷺ في دعوى الرسالة بإظهار عجز العرب بل الناس جميعاً عن معارضته في
стр. 370
معجزته الخالدة –وهي القرآن الكريم- وعجز الأجيال من بعدهم إلى قيام الساعة.
فالقرآن الكريم قد جاء يحاج العقل البشري ويتحداه إلى الأبد، بعلومه ومعارفة، وأسلوبه وبلاغته، وإخباره الماضية والمستقبلة، وهذا بخلاف معجزات الأنبياء السابقين، وعلامات صدقهم، فإنها كانت محسوسة مشاهدة، وكانت من جنس ما اشتهر به أقوامهم.
وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ في قوله: "ما من الأنبياء إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أنْ أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ١.
وبيان ذلك أنّ الرسول ﷺ قد بعث في قوم بلغ فيهم البيان العربي أوج عزته، وتفننت لديهم الفصاحة والبلاغة بأرقى الأساليب، وأوضح البيان.
فجاء القرآن الكريم كلاماً معجزاً وأفكاراً حية نابضة خالدة بخلود الزمن في المبادئ، والأخلاق، والعقائد، ومناقشة المبطلين، والرد عليهم، وإقامة الحجج والبراهين على بطلان مزاعمهم.
والرسول ﷺ مع ذلك رجل أمي لا يعرف القراءة
стр. 371
والكتابة، ولم يدرس في مدرسة، أو يتعلم علومه في جامعة.. ولم يثبت عنه أنه تلقى شيئاً من العلوم والمعارف من بعض العلماء أو المبرزين في صنوف الثقافة والمعرفة، ولم يتصل بأحدٍ من علماء أهل الكتاب حتى يطلعَ على أخبار الأنبياء السابقين.
ومع ذلك فقد تحدى النبي ﷺ العرب خاصة، والناس عامة بالقرآن الكريم على ثلاث مراحل:
١- تحداهم أن يأتوا بمثله وأمهلهم سنين طويلة فلم يقدروا، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ١.
كما ورد التحدي بالقرآن الكريم كله، قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
لقد طلب منهم أن يأتوا بكتاب كامل غير هذا الكتاب الكريم، فإذا لم يستجيبوا لدعوته، دلّ ذلك على أنهم متعنتون، يعبدون الهوى، ويسيرون على غير الهدى.
٢- فلما عجزوا عن ذلك تحداهم بعشر سور من مثله مفتريات،
стр. 372
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ١.
٣- وبعد عجزهم عن ذلك تحداهم بالإتيان بسورة واحد مثله في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
وكرر هذا التحدي في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٣.
وبرغم هذا النزول في التحدي إلى الإتيان بسورة واحدة، ولو
стр. 373
بأقصر السور، لم يتقدم واحد منهم إلى حلبة الميدان، رغم أنهم أئمة الفصاحة، وفرسان البلاغة، وثبت عجزهم، وظهر إعجاز القرآن الكريم، وصدق النبي ﷺ .
قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.
وقد ظل القرآن الكريم منذ اكثر من أربعة عشر قرناً، وسيظل بإذن الله ما بقي الدهر، يتحدى سائر الأمم عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سوره، وما ذلك إلاّ لأنه كلام رب العالمين.
وهناك معجزات أخرى كثيرة كانشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب، ومعراجه إلى السماء إلى سدرة المنتهى، وحماية الله له من أعداءه وعصمته من الناس، وإجابة دعائه، ونبع الماء من بين أصابعه، وإخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة التي لا يعلمها أحد إلاّ بتعليم من الله تعالى ...
هذا وقد ذكر الإمام النووي في مقدمة شرح مسلم أنَّ معجزات النبي ﷺ تزيد على الألف والمائتين٢.
стр. 374
والاسترسال في هذا الموضوع يخرجنا عن المقصود، ومن أراد التوسع فعليه بكتب دلائل النبوة١.
فهذه الآيات الكريمة قد اشتملت على استجواب المشركين على أربعة أمور لا يمكنهم إنكارها، وذلك أنَّ الكلام إذا كان واضحاً جلياً، ثم ذكر على سبيل السؤال والاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤل، كان ذلك أبلغ وأوقع في قلب السامع.
وهذه الأمور هي: أحوال الرزق، وأحوال الحواس، وأحوال الموت والحياة، وتدبير الأمر١.
فأما الأمر الأول: فهو السؤال عن مسبب الأرزاق، وذلك أن الرزق إنّما يحصل من السماء والأرض، أما من السماء فبنزول الأمطار، كما قال تعالى: ﴿ ... وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ٣.
стр. 377
وأما الرزق من الأرض، فلأن الغذاء إما أن يكون نباتاً أو حيواناً، أما النبات فلا ينبت إلاّ من الأرض، وأما الحيوان فهو محتاج إلى الغذاء، فلزم القطع بأنَّ الأرزاق لا تحصل إلاّ من السماء والأرض، ومعلوم أن مدبر السموات والأرض ليس إلاّ الله ، وفثبت أنَّ الرزق ليس إلا من الله تعالى١.
وأما الأمر الثاني: فهو أحوال الحواس، ومن أهمها وأشرفها: السمع والبصر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ٣.
وكان علي ﵁ يقول: "سبحان من بصر بشحم، وأسمع
стр. 378
بعظم، وأنطق بلحم"١.
وأما الأمر الثالث: فهو أحوال الموت والحياة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ٢.
قال الإمام القرطبي: "أي النبات من الأرض، والإنسان من النطفة، والسنبلة من الحبة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر"٣.
وقال الإمام ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤، أي:" تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذ المجرى من جميع الأشياء"٥.
стр. 379
أما الأمر الرابع: فهو قوله: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ، وذلك لأن أقسام تدبير الله تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلي، وفي عالم الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها، فلما ذكر تعالى بعض تلك التفاصيل، لا جرم عقبها بالكلام الكلي، ليدل على الباقي١.
فهذه الآيات الكريمة تبين لنا أنّ استجواب المشركين عن هذه الأمور الأربعة، يهدف إلى إلزامهم بما يعترفون به حقيقة، وبما فطرت عليه نفوسهم من الإيمان بما تحس وما يحصل عندها من بداهة إلى حد الضرورة، ولهذا عندما سُئل المشركون هذا السؤال لم يكن بد من الاعتراف بما يعتقدونه من وجود الله تعالى، وتدبيره لشئون خلقه ووحدانيته، إذ لا مجال للعناد والمكابرة في شيء من ذلك لغاية وضوحه.
ومما يؤيد اعترافهم وإقرارهم بربهم الأعلى الذي يلجأون إليه في الرغبة والرهبة، ما رواه الترمذي عن عمران أن النبي ﷺ قال لحصين: "كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: من لرهبتك ورغبتك، قال: الذي في السماء، قال: فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين، فأسلم، وعلمه النبي
стр. 380
صلى الله عليه وسلم أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي" ١.
ومن تقرير وحدانية الله تعالى واستقلاله بالملك والتصرف عن طريق السؤال الذي لا محيد لهم فيه عن الجواب الصحيح.
قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
ففي هذه الآيات الكريمة أمرَ اللهُ رسوله ﷺ أن يقول للمشركين لمن الأرض وما فيها من الحيوانات والنبات والثمار، وسائر صنوف المخلوقات؟ ومن المالك لها والمتصرف فيها بالإيجاد، والإفناء؟ فإن كان لديكم علم بذلك فأخبروني به.
ستجد أنّهم عند ذلك ينطقون بالحق، وهو أن ذلك لله وحده، فإذا كان ذلك فقل لهم: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ، أي: أفلا تعتبرون أنّه لا تنبغي العبادة
стр. 381
إلاّ للخالق الرازق المحي المميت.
وقل لهم: ﴿مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ، أي: من هو خالق السموات الطباق بما في ذلك الشمس والكواكب والأقمار، ومن هو خالق العرش الكبير الذي تحمله الملائكة الأطهار؟
ستجد أنّهم يقولون الله وحده، فقل لهم يا محمد ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ، أي: أفلا تخافون من عذابه فتوحدونه وتتركون عبادة غيره.
ثم قل لهم: ﴿مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: من بيده الملك الواسع؟ ومن بيده خزائن كل شيء؟ ومن هو المتصرف في هذه الأكوان بالخلق والإيجاد والتدبير؟ وهو مع ذلك يحمي من استجار به والتجأ إليه.
وكانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحداً، لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه، لئلا يفتات عليه١.
إن المشركين عند ذلك: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ، أي: إذا كنتم تقرّون بأنَّ الملك والتدبير كله لله جل وعلا، فكيف تخدعون وتعرضون عن طاعته وتوحيده.
стр. 382
قال أبو حبان: "والسحر هنا مستعار، وهو تشبيه لما يقع منهم من التخليط، ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها، بما يقع للمسحور من التخبط والتخليط"١.
وقال صاحب كتاب التسهيل: "ورتب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج، فقال أولاً: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ، ثم قال ثانياً: ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ، وذلك أبلغ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثاً: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ، وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره"٢.
وقال القرطبي: "ودلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار، وإقامة الحجة عليهم، ونبهت على أنّ من ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع، هو المستحق للألوهية والعبادة "٣.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٤، وهو إعلام من الله تعالى بأنه لا إله غيره، وقد قامت الأدلة الصحيحة الواضحة على ذلك، وأن المشركين لا يفعلون ذلك عن دليل، وإنّما يتبعون الإفك والضلال طريق آبائهم وأسلافهم في الجهل والتقليد.
стр. 383
٣- الاحتجاج على المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية وإقرارهم بتوحيد الإلهية عند الشدائد:
أ-إقرارهم بتوحيد الربوبية:
ومن أقوى الأدلة التي أقامها القرآن الكريم على المشركين في تقرير وحدانية الله تعالى اعتراف المشركين بأن الله تعالى هو المستقل بخلق وتدبير ما في الكون من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وسحاب وأنهار، وأنعام وحيوان، ونبات وأزهار ... وأنه الخالق الرازق المالك لعباده، ومقدر أرزاقهم وآجالهم.
جاء هذا الاعتراف والإقرار في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
стр. 384
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ٣.
يقول سيد قطب ﵀ عند تعرضه للآيات المتقدمة من سورة العنكبوت: " هذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب فيما قبل الإسلام، وتوحي بأنه كان لها أصل من التوحيد، ثم وقع فيها الانحراف، ولا عجب في هذا فهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقد كانوا بالفعل يعتقدون أنّهم على دين إبراهيم، وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس، ولم يكونوا يحفلون كثيراً بالديانة الموسوية أو المسيحية، وهما معهم في الجزيرة العربية اعتزازاً منهم بأنهم على دين إبراهيم، غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقيدتهم من التناقض والانحراف، وكانوا إذا سئلوا عن
стр. 385
خالق السموات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، ومنزل الماء من السماء، ومحي الأرض بعد موتها بهذا الماء.. يقرون أنّ صانع هذا كله هو الله، ولكنهم مع هذا يعبدون أصنامهم، أو يعبدون الجن، أو يعبدون الملائكة، ويجعلونهم شركاء لله في العبادة، وإن لم يجعلوهم شركاء له في الخلق.. وهو تناقض عجيب ... "١.
والحق أن المتأمل في القرآن العظيم، يجد أنَّ أكثر ما دار الحوار بين الأنبياء وأممهم، إنّما هو في إثبات الوحدانية لله تعالى، وإلا فإنّ الإقرار بوجود الله تعالى والاعتراف به خالقاً رازقاً مدبراً، أمر فطري في النفوس البشرية، إلا إذا انتكست تماماً، ولهذا قالت الرسل لأقوامهم المكذبة بإرسالهم إليهم: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ ٢.
وقد قالوا لهم ذلك على وجه الاستفهام الإنكاري والتوبيخ، لأنَّ وجود الله ووحدانيته أمر لا يحتمل الشك، لظهور الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على ذلك، وصدق القائل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد٣.
стр. 386
أما قول ذلك المارد (النمرود بن كنعان) الذي جادل إبراهيم ﵇ في ربه، كما ذكر الله تعالى قصته في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
فقد حمله بطره وطغيانه وكفره بنعم الله عليه، بأنْ ادعى لنفسه مماثلة إله إبراهيم في الإحياء والإماتة، حيث فسر الإحياء بالعفو عمن يستطيع قتله، والإماتة بمن يستطيع إعدامه.
ومن هنا فإنّ إبراهيم ﵇ قطع حجته الواهية، بأن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق، فعليه هو إن كان رباً صادقاً مثل إله إبراهيم، أنْ يأتي بالشمس من المغرب، ولو مرة واحدة؟ فعند ذلك أخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتاً لا يستطيع أنْ ينطق بكلمة.
وكذلك ما ادعاه فرعون من الربوبية والإلهية، كما حكى الله تعالى ذلك عنه في قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢.
стр. 387
وقوله: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١، فقد وضّح القرآن الكريم أن فرعون وملأه قد عرفوا الحق في أنفسهم، ولكن منعهم الكبر والطغيان عن اتباعه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٢.
وأما ما حكاه الله تعالى عن الدهريين، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٣.
فهم قلة ممن فسدت فطرتهم فانحرفوا عن اتباع الحق، ومسلك العقلاء، وليس عندهم دليل على دعواهم سوى الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً، ومن هذا يتبين لنا أن الإقرار بتوحيد الربوبية، هو حجة ملزمة على المشركين، لأنه إذا كان الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرازق وحده، فلماذا يعبدون غيره معه؟ وهم مع ذلك يعترفون أنَّ تلك المعبودات لا تملك لهم منعاً ولا عطاء، ولا تملك لأنفسهم ضراً ولا
стр. 388
نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فكيف تملك ذلك لغيرها؟!
ب- إقرارهم بتوحيد الإلهية عند الشدائد:
وأما إقرار المشركين بتوحيد الإلهية والتجاؤهم إلى الله تعالى وحده عند الشدة والكرب وتركهم كلَّ ما كانوا يدعونه من دون الله من الأصنام والأنداد وغيرها، فقد ثبت ذلك عنهم في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
ونذكر في هذا الصدد ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا –﵀ في تفسير هذه الآيات:
"والمعنى: قل يا أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين ... أخبروني عن رأيكم أو عن مبلغ علمكم في ذلك إن أتاكُم عذاب الله الذي نزل بمن كان من أقوام الرسل قبلكم، كالريح الصرصر العاتية، والصاعقة أو الرجفة القاضية، ومياه الطوفان المغرقة، وحرارة الظلمة المحرقة، أو أتتكم الساعةُ بمقدمات أهوالها، أو ما يلي البعث من خزيها ونكالها، أغير الله في هذه الحالة تدعون؟ أم إلى غيره فيها تجأرون؟ إن كنتم صادقين في
стр. 389
دعواكم ألوهية هؤلاء الشركاء، الذين اتخذتموهم أولياء، وزعمتم أنهم فيكم شفعاء، أو إن كان من شأنكم الصدق فأخبروني أغير الله تدعون إذا أتاكم أحد هذين الأمرين؟ اللذين يحلو دونهما طعم الأمرين؟
... ثم أجاب تعالى مخبراً إياهم عما تقتضيه فطرتهم فقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي لا تدعون غيره لا وحده ولا معه، بل تخصونه وحده بالدعاء، فيكشف ما تدعون إلى كشفه إن شاء وتنسون ما تشركون الآن من الشفعاء والأنداد، لأنَّ الفزع إليه سبحانه عند شدة الضيق واليأس من الأسباب مركوز في فطرة البشر تنبعث إليه بذاتها كما تنبعث إلى طلب الغذاء عند الجوع مثلاً"١.
قال الزجاج:" أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد إلاّ إياه، وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام"٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن
стр. 390
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ١.
ففي هذه الآيات الكريمة نرى القرآن الكريم يخاطب محمداً ﷺ بمحاكمة المشكرين المعاندين إلى ما تنطق به فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية، وتلتجئ إلى إلهها الحق في ساعة الشدة والضيق والحرج، حين يعانون في أسفارهم أهوال البر والبحر، فإنهم لا يتوجهون في تلك اللحظات إلى صنم ولا إلى كوكب، ولا إلى ملك ولا إلى جني، ولا إلى غير ذلك.
وإنّما يتوجهون إلى الله وحده مخلصين له الدين سراً وجهراً، ويعدون الله تعالى إذا أنجاهم من تلك الضائقة أن يكونوا من المؤمنين الشاكرين، ولكنهم بعد نجاتهم وأخذهم على أنفسهم العهد ألا يشركوا بالله تعالى يعودون إلى الشرك مرة أخرى.
ويماثل معنى الآيات السابقة، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ