← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أما قول ذلك المارد (النمرود بن كنعان) الذي جادل إبراهيم ﵇ في ربه، كما ذكر الله تعالى قصته في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. فقد حمله بطره وطغيانه وكفره بنعم الله عليه، بأنْ ادعى لنفسه مماثلة إله إبراهيم في الإحياء والإماتة، حيث فسر الإحياء بالعفو عمن يستطيع قتله، والإماتة بمن يستطيع إعدامه. ومن هنا فإنّ إبراهيم ﵇ قطع حجته الواهية، بأن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق، فعليه هو إن كان رباً صادقاً مثل إله إبراهيم، أنْ يأتي بالشمس من المغرب، ولو مرة واحدة؟ فعند ذلك أخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتاً لا يستطيع أنْ ينطق بكلمة. وكذلك ما ادعاه فرعون من الربوبية والإلهية، كما حكى الله تعالى ذلك عنه في قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٢.

стр. 387

وقوله: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١، فقد وضّح القرآن الكريم أن فرعون وملأه قد عرفوا الحق في أنفسهم، ولكن منعهم الكبر والطغيان عن اتباعه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٢. وأما ما حكاه الله تعالى عن الدهريين، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٣. فهم قلة ممن فسدت فطرتهم فانحرفوا عن اتباع الحق، ومسلك العقلاء، وليس عندهم دليل على دعواهم سوى الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً، ومن هذا يتبين لنا أن الإقرار بتوحيد الربوبية، هو حجة ملزمة على المشركين، لأنه إذا كان الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرازق وحده، فلماذا يعبدون غيره معه؟ وهم مع ذلك يعترفون أنَّ تلك المعبودات لا تملك لهم منعاً ولا عطاء، ولا تملك لأنفسهم ضراً ولا

стр. 388

نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فكيف تملك ذلك لغيرها؟! ب- إقرارهم بتوحيد الإلهية عند الشدائد: وأما إقرار المشركين بتوحيد الإلهية والتجاؤهم إلى الله تعالى وحده عند الشدة والكرب وتركهم كلَّ ما كانوا يدعونه من دون الله من الأصنام والأنداد وغيرها، فقد ثبت ذلك عنهم في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١. ونذكر في هذا الصدد ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا –﵀ في تفسير هذه الآيات: "والمعنى: قل يا أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين ... أخبروني عن رأيكم أو عن مبلغ علمكم في ذلك إن أتاكُم عذاب الله الذي نزل بمن كان من أقوام الرسل قبلكم، كالريح الصرصر العاتية، والصاعقة أو الرجفة القاضية، ومياه الطوفان المغرقة، وحرارة الظلمة المحرقة، أو أتتكم الساعةُ بمقدمات أهوالها، أو ما يلي البعث من خزيها ونكالها، أغير الله في هذه الحالة تدعون؟ أم إلى غيره فيها تجأرون؟ إن كنتم صادقين في

стр. 389

دعواكم ألوهية هؤلاء الشركاء، الذين اتخذتموهم أولياء، وزعمتم أنهم فيكم شفعاء، أو إن كان من شأنكم الصدق فأخبروني أغير الله تدعون إذا أتاكم أحد هذين الأمرين؟ اللذين يحلو دونهما طعم الأمرين؟ ... ثم أجاب تعالى مخبراً إياهم عما تقتضيه فطرتهم فقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي لا تدعون غيره لا وحده ولا معه، بل تخصونه وحده بالدعاء، فيكشف ما تدعون إلى كشفه إن شاء وتنسون ما تشركون الآن من الشفعاء والأنداد، لأنَّ الفزع إليه سبحانه عند شدة الضيق واليأس من الأسباب مركوز في فطرة البشر تنبعث إليه بذاتها كما تنبعث إلى طلب الغذاء عند الجوع مثلاً"١. قال الزجاج:" أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد إلاّ إياه، وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام"٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن

стр. 390

تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ١. ففي هذه الآيات الكريمة نرى القرآن الكريم يخاطب محمداً ﷺ بمحاكمة المشكرين المعاندين إلى ما تنطق به فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية، وتلتجئ إلى إلهها الحق في ساعة الشدة والضيق والحرج، حين يعانون في أسفارهم أهوال البر والبحر، فإنهم لا يتوجهون في تلك اللحظات إلى صنم ولا إلى كوكب، ولا إلى ملك ولا إلى جني، ولا إلى غير ذلك. وإنّما يتوجهون إلى الله وحده مخلصين له الدين سراً وجهراً، ويعدون الله تعالى إذا أنجاهم من تلك الضائقة أن يكونوا من المؤمنين الشاكرين، ولكنهم بعد نجاتهم وأخذهم على أنفسهم العهد ألا يشركوا بالله تعالى يعودون إلى الشرك مرة أخرى. ويماثل معنى الآيات السابقة، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ

стр. 391

الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. وقوله : ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٢. وقوله : ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُون لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وقوله عز من قائل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.

стр. 392

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١. وقال : ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٢. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أنّ ما تقلده المشركون من الشرك، إنّما هو أمر عارض وشيءٌ طارئ يشغل أذهانهم ومخيلاتهم في وقت الراحة والرخاء، أما إذا نزل بهم ما لا يُطاق من اللأواء وشدة الفزع، فإنهم يجأرون بالدعاء إلى الله وحده، مخلصين له الدين، وضلَّ عنهم كل ما كانوا يدعونه من الأصنام والأوثان، لأنَّ هذا دعاء القلب والفطرة، لا دعاء اللسان والتقليد الأعمى.

стр. 393

٤- الدعوة عن طريق السؤال والجواب: ومن تنويع أساليب القرآن الكريم في الاحتجاج على المشركين، والتفنن في دعوتهم إلى توحيد الله تعالى –حتى لا يسأموا- استعمل معهم أسلوب الدعوة إلى التوحيد عن طريق السؤال والجواب. قال الله تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. ومعنى قوله: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ﴾ ، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين لرسالتك، المعرضين عما جئتهم به من أمر التوحيد، والبعث والجزاء، لمن هذه المخلوقات في العالم كله، علوية وسفلية؟ لمن الكائنات جميعاً في السموات والأرض خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً؟ قل لهم تقريراً وتنبيهاً وإلزاماً هي لله تعالى وحده، لأنهم يوافقون ويقرون بذلك، ولا يستطيعون إنكاره، إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم. وقد جزم صاحب الكشاف، بأنَّ السؤال للتكبيت، وأنَّ قوله تعالى:

стр. 394

﴿قُل لِلّهِ﴾ تقرير لهم، أي: هو لله لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئاً منه إلى غيره١. وقال الرازي: "أمره بالسؤال أولاً، ثم بالجواب ثانياً، وهذا إنّما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب فيه قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا يقدر على دفعه دافع"٢. ومن الآيات التي وردت في إثبات الوحدانية عن طريق السؤال والجواب، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ... ﴾ ٣. قال القرطبي ﵀: " أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ ، ثم أمره أن يقول لهم هو الله إلزاماً لهم للحجة، إنْ لم يقولوا ذلك وجهلوا من هو"٤. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

стр. 395

مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ١. إن الناس يشتاقون إلى مشرق الصبح حين يطول بهم ليل الشتاء، ويحنون إلى ضياء الشمس عندما تتوارى عنهم فترة وراء السحاب، فكيف بهم لو فقدوا الضياء، ولو دام عليهم الليل سرمداً إلى يوم القيامة؟ على فرض أنهم ظلوا أحياء، وإنَّ الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار، لو لم يطلع عليها النهار، والناس يستروحون الظلام حين يطول عليهم الهجير ساعات من النهار، ويحنون إلى الليل حين يطول النهار بعض ساعات في الصيف، ويجدون في ظلام الليل وسكونه الملجأ والقرار. والحياة كلها تحتاج إلى فترة الليل لتجدد ما تنفقه من الطاقة في نشاط النهار، فكيف بالناس لو ظل النهار سرمداً إلى يوم القيامة على فرض أنهم ظلوا أحياء، وإن الحياة كلها معرضة للتلف والبوار، إن دام

стр. 396

عليها النهار١. أما العلم الحديث، فيقول كريسي موريسون:" إن الشمس التي هي مصدر كل حياة، تبلغ درجة حرارة مسطحها ١٢.٠٠٠ درجة فهرنهايت، وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لأن تمدنا هذه النار الهائلة بالدفء الكافي، لا بأكثر منه، وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب، وكان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة، بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها، ولو أنَّ درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة، فإن كل نبت يموت، ويموت معه الإنسان حرقاً أو تجمداً. والكرة الأرضية تدور ... بمعدل ثمانية عشر ميلاً في الثانية، ولو أنَّ معدل دورانها كان مثلاً ستة أميال أو أربعين ميلاً في الثانية، فإن بعدنا عن الشمس أو قربنا منها يكون بحيث يمتنع معه نوع حياتنا، ولو أنَّ شمسنا أعطت نصف إشعاعها الحالي فقط، لكنا تجمدنا، ولو أنها زادته بمقدار النصف، لأصبحنا رماداً من زمن بعيد، هذا إذا كنا قد ولدنا بوصفنا شرارة بروتوبلازمية (خلية) للحياة، ومن ذلك نجد أن شمسنا هي الصالحة لحياتنا من بين ملايين الشموس غير الصالحة لهذه الحياة "٢.

стр. 397

والآيات تبين للناس جميعاً والمشركين على وجه الخصوص، أنَّ تعاقب الليل والنهار بهذا النظام الدقيق المحكم إلى يوم القيامة، يدل دلالةً جليةً على قدرة الخالق، وأنه لا إله غيره، ولا أحد يفعل كفعله، ولذا كان الخطاب عن طريق السؤال والجواب للتبكيت والإلزام بالحجة الواضحة التي لا يمكن إنكارها.

стр. 398

٥- أمثلة من البراهين العقلية على وحدانية الله: الدين الإسلامي لا يدعو الناس إلى عقيدة غامضة، ولكنه يقوم على براهين عقلية واضحة، تدل على صحة ما يدعو إليه، ولا يهاجم مبدأ أو معتقداً آخر إلاّ بعد أن يقدّم الدليل الواضح على تفاهته وبعده عن الحق والصواب، وتعدد المعبودات –مثلاً- يجعل البشر عبيداً لتلك المعبودات، ومن جراء ذلك تقع الأعباء الكثيرة على كواهل عابديها، كتقديم الهدايا والنذور وغيرها من أنواع القرب. قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١. فالقرآن الكريم يبين الفرق العظيم، والبون الشاسع بين عبادة إله واحد يخضع الجميع لحكمه، وما يتطلبه ذلك التوحيد من التخفيف عن كواهل البشر من التضحيات المرهقة، والشعائر الرهيبة، وبين عبادة آلهة متعددة، غالباً ما ينشأ بسببها أنواع من الاختلاف والشقاق، كما يُحاج القرآن الكريم المشركين بأن تعدد المعبودات ليس له أساس من شرع أو

стр. 399

حق، وإنما هي أسماء سموها هم وآباؤهم، ولذلك فإنّه يجب عليهم أنْ يرجعوا إلى عقولهم ويخلصوا العبادة لله تعالى وحده، فذلك الدين القيم الذي لا اعوجاج فيه. قال الفخر الرازي: " إنّ كونه تعالى واحداً يوجب عبادته؛ لأنه لو كان له ثان لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا، ورفع الشرور والآفات عنا، فيقع الشك في أننا هل نعبد هذا أم ذاك؟ "١. وهذا الذي قاله الرازي هو بعض ما يفهم من بعض مقتضيات التوحيد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. وقد تضمنت الآية الكريمة استفساراً إنكارياً فيه تهكم وتقريع للمشركين، إذ أنّهُ من الواضح أنه ليس هناك موازنة بين ما عبدوه من دون الله من المعبودات التي ليس فيها شائبة خير، وبين من لا خير إلا خيره، ولا إله غيره. قال سيد قطب ﵀: " ويبدو هذا السؤال بهذه الصيغة وكأنه تهكم محض، وتوبيخ صرف؛ لأنه غير قابل أنْ يوجه على سبيل الجد، أو

стр. 400

أن يطلب عنه جواب"١. وتتابع البراهين الدالة على وحدانية الله تعالى، وقدرته وحكمته، يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. فهذه الآيات الكريمة واجهت المشركين بأسئلة مستمدة من واقع الكون الذي حولهم، والذي يشاهدونه ويلمسونه، ويتمتعون بفوائده وخيراته.

стр. 401

إنَّ استخدام الحواس في النظر، والتدبر فيما يشاهد من خلق السموات والأرض وما فيهما من إبداع وتنسيق، لا يمكن أنْ يكون صدفةً، أو رميةً من غير رام. إنَّ الأرض التي جعلت مستقراً للكائن الحي، إنساناً كان أو حيواناً، والأنهار التي تجري فيها لمصلحة الإنسان والحيوان، والجبال التي انتصبت على ظهرها لتثبيتها واستقرارها، وما جعله الله من حواجز تفصل بين المياه العذبة والمياه المالحة١. إنَّ الذي فعل ذلك لا يمكن أن يكون معه شريك في ملكه، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون الحق، فيشركون مع الله غيره. ويأتي البرهان الآخر في الآيات الكريمة عن طريق الاستفهام الإنكاري، لاستنهاض الذهن الخامل إلى القيام بالموازنة، بين الذي يجيب دعوة المضطر كلما تضرع إليه لإزالة ما ألم به من مكاره، ودفع ما أحاط به من نوازل، والذي يجعل سكان الأرض خلائق يعمرونها جيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة، وبين هذه المعبودات التي لا تفقه ولا تحس ولا تعي، ولا تدافع عن نفسها، فضلاً عن نفع أو إضرار غيرها. ويأتي برهان آخر أيضاً، وهو أنه من يرشدهم إلى مقاصدهم في أسفارهم في الظلام الدامس، في البراري، والقفار، والبحار، والبلاد التي

стр. 402

يتوجهون إليها بالليل والنهار؟ ومن الذي يسوق الرياح مبشرة بنزول المطر الذي هو رحمة للبلاد والعباد؟ هل من إله مع الله يقدر على شيء من ذلك؟ تعالى الله وتقدس الخالق القادر عن مشاركة المخلوق العاجز. ويأتي البرهان الأخير من سياق الآيات الكريمة، يسأل المشركين عن من يبدأ خلق الإنسان ثم يعيده بعد فنائه؟ قال الزمخشري: " كيف قال لهم ذلك وهم منكرون للإعادة؟ والجواب: أنه قد أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار"١. ويسألهم القرآن الكريم عن الذي يرزقهم من السماء بإنزال المطر، فينبت لهم من خيرات الأرض والزروع والثمار؟ فهل من إله غير الله تعالى يفعل شيئاً من ذلك؟ ثم قال لهم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: أحضروا حجتكم ودليلكم على ما تدّعون وتزعمون إن كنتم صادقين في أنَّ مع الله إلهاً آخر. قال أبو حيان: " وناسب ختم كل استفهام بما تقدمه، فلما ذكر

стр. 403

إيجاد العالم العلوي والسفلي، وما امتن به من إنزال المطر، وإنبات الحدائق، اقتضى ذلك أن لا يعبد إلا موجد العالم، والممتن بما به قوام الحياة، فختم بقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ، أي: يعدلون عن عبادته، أو يعدلون به غيره مما هو مخلوق مخترع، ولما ذكر جعل الأرض مستقراً، وتفجير الأنهار وإرساء الجبال، وكان ذلك تنبيها على تعقل ذلك والفكر فيه، ختم بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ . ولما ذكر إجابة دعاء المضطر وكشف السوء واستخلافهم في الأرض ناسب أن يستحضر الإنسان دائماً هذه المنة، فختم بقوله: ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ إشارة إلى نسيان الإنسان إذا صار إلى الخير، بعد زال السوء عنه. ولما ذكر الهداية في الظلمات، وإرسال الرياح مبشرات، ومعبوداتهم التي لا تهدي ولا ترسل، وهم يشركون بها، ختمه بقوله: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ على سبيل التوكيد والتقرير، إنه لا إله إلا هو تعالى"١ ا.?.

стр. 404

٦- الاستدلال بالمتقابلات: ومن الأدلة التي أقامها القرآن الكريم على المشركين، الإستدلال بالمقابلة بين خالق المخلوقات العظيمة –خاصة- ماله تأثير على حياة الناس ومنافعهم- وبين ما يعتقد فيه المشركون أنّ له شيئاًَ من التأثير كدفع ضر أو جلب نفع، وهو مخلوق حقير لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعاً ولا يُدفع عنها ضراً- فضلاً عن نفع أو إضرار غيره. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١. قال الرازي: " والمعنى أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها، كمن لا يخلق، بل لا يقدر ألبتة على شيء، أفلا تذكرون، فإنّ هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر وتفكر ونظر، ويكفي فيه أن تنتبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، فهذه الأصنام جمادات محضة، وليس لها فهم ولا قدرة، ولا اختيار، فكيف تقدمون على عبادتها، وكيف تجوزون الاشتغال بخدمتها وطاعتها"٢. وجاء في تفسير أبي السعود: " ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ﴾ هذه المصنوعات

стр. 405

العظيمة، ويفعل هاتيك الأفاعيل البديعة، أو يخلق كل شيء، ﴿كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ شيئاً أصلاً، وهو تبكيت للكفرة، وإبطال لإشراكهم وعبادتهم للأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك من المشابهة بينها وبينه "١. ومن آيات المقابلة في هذا الخصوص، قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢. وقد اشتملت الآية الكريمة على أربع متقابلات: المقابلة الأولى: بين الله الذي هو رب السموات والأرض، وبين شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا يدفعون عنها ضراً. قال الفخر الرازي: " ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها،

стр. 406

ودفع المضرة عن أنفسها، فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها، ودفع المضرة عن غيرها، كان ذلك أولى، فإذا لم تكن قادرة على ذلك، كانت عبادتها محض العبث والسفه"١. المقابلة الثانية: هي بين الأعمى، ويشمل المشرك الذي لا يبصر الحق، ولا يدرك الحقائق، وبين البصير ويشمل المؤمن الذي يبصر الحق، ويدرك الحقائق. وهذه المقابلة هي في الواقع استدلال تدعيمي للمقابلة الأولى، لأنه من المسلم به بداهة أنْ لا تساوي بين الأعمى والبصير. قال الرازي مبيناً العلاقة بين هذه المقابلة، والتي قبلها: " ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة، بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى، والعالم بها كالبصير"٢. المقابلة الثالثة: هي بين الظلمات والنور، وإيضاح ذلك، إنه إذا كانت الظلمة وما ينتج عنها من ضياع وضلال، فإنها لا يمكن أنْ تكون مساوية للنور، وما يتولد عنه من إنارة وإشعاع، واهتداء، فكيف تصح المساواة بين جمادات جاثمة من الأصنام والأوثان لا تحرك ساكناً، وبين من كان من إبداعه خلق السموات والأرض؟

стр. 407

المقابلة الرابعة: وهي بين من يخلق، ومن لا يخلق، وهي من تمام الاحتجاج عليهم، والتهكم بعقولهم، والمعنى هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله، فالتبس الأمر عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم؟ وإذا كان المشركون يعلمون بالضرورة أنّ تلك المعبودات من دون الله لم يصدر عنها فعل ألبتة، وما ظهر لها خلق إطلاقاً، ولما كان الأمر كذلك كان حكمهم إزاءها بأنها شركاء لله في الألوهية محض السفه والجهل. قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ هذا يدل على اعترافهم بأن الله هو الخالق، وإلا لم يكن للاحتجاج بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ معنى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، أي: فإذا اعترفتم، فلم تعبدون غيره؟ وذلك الغير لا ينفع ولا يضر، وهو إلزام صحيح"٢.

стр. 408

ومن آيات المقابلة قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ١. وقد ذكر الله تعالى من مخلوقاته، في هذا السياق ما يلي: ١- خلق السموات بغير عمد مرئية. ٢- جعل الرواسي الثابتة على الأرض حتى لا تهتز وتضطرب، فتهلك من على ظهرها. ٣- تفريق كل أنواع الحيوانات والدواب من مأكول ومركوب على سطح الأرض. ٤- إنزال الماء من السماء وفق نظام دقيق. ٥- أنبت من الأرض كل صنوف النبات ذات المنافع الكثيرة، والخلق البديع. أما آثار الذين من دونه تعالى، فهي لا شيء بحكم واقع الأمر. قال الرازي: "يعني: الله خالق، وغيره ليس بخالق، فكيف تتركون

стр. 409

عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق"١. فالتقابلات إذن تهدف إلى الاستدلال على أن الله تعالى ليس له شريك في ملكه أبداً، وهي تبرهن على عدم وجود أي مبرر منطقي يسوغ عبادة غير الله من الأوثان والأنداد وغيرها.

стр. 410

٧- ضرب الأمثال: ومن الوسائل التي استعملها القرآن الكريم في دعوة المشركين، ضرب الأمثال للتذكير والوعظ والاعتبار، وتصوير الشرك بصورة محسوسة ليكون ذلك أقرب إلى الأنظار، وأثبت في الأذهان، وأسرع في الفهم والامتثال. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٢. والمثل في اللغة يطلق على المثل، والشبه والشبيه وزناً ومعنىً في الجملة٣، وقيل المثل بفتحتين معناه: الوصف، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ ٤.

стр. 411

فمثلها صفتها والخبر عنها١. ونقل الميداني أنّ المثل: قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، مأخوذ من المثال، والأصل فيه التشبيه٢. ويقرر أبو هلال العسكري أن كلَّ كلمةٍ سائرة تسمى مثلاً، وقد يأتي القائل بما يحسن من الكلام أن يتمثل به، إلا أنه لا يتفق أن يسير فلا يكون مثلاً٣. ويذكر الراغب الأصفهاني "بأن أصل المثول الانتصاب، والممثل المصور على مثال غيره، يقال: مثل الشيء أي انتصب وتصور، والتمثال الشيء المصور، وتمثل كذا تصور، قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٤"٥. وقد نفى الله تعالى عنه المشابهة من كل وجه، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ

стр. 412

كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١. ومن هنا نستطيع أن نقول إنَّ المثل هو: الشيء الممثل به، الذي يتضح به صورة المعنى المراد وصفه، وإبراز هذه الصفة بطريقة واضحة جلية. ١- ومن الأمثال التي ضربها الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله تعالى يعبدونها، ويرجون نفعها بالعنكبوت اتخذت بيتاً لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. قال ابن كثير ﵀: " هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يغني عنه شيئاً، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف

стр. 413

المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها "١. وقال القرطبي: " وهذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما إنَّ بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً "٢. وقال ابن القيم ﵀: " ... وهذا من أحسن الأمثال، وأدلها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده"٣. ٢-وضرب الله تعالى مثلاً آخر في بيان عجز معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب الحقير، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٤. قال ابن القيم ﵀: " حقيق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة

стр. 414

التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب، وإذا سلبهم الذباب شيئاً مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذونه منه فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما يسلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى؟ وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم، والشهادة على أنَّ الشياطين قد تتلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة ... إلى أن يقول: وأدلُّ من ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم، أنّ هذا الخلق الأقل الأذل، العاجز الضعيف، لو اختطف منهم شيئاً واستلبه، فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه، لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه.."١. ٣-كما ضرب الله تعالى لهم مثلاً واقعياً من أنفسهم، وهو أنه إذا كان أحدهم لا يرضى أن يكون عبده ومملوكه شريكاً له في ماله الذي رزقه الله تعالى، فكيف يرضى لله شريكاً له في العبادة، وهو في الأصل مخلوق لله، وعبد له؟

стр. 415

قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. قال ابن كثير ﵀: " هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"٢. وقال ابن القيم ﵀: " وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها، معلوم لها. والمعنى: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله، حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأن

стр. 416

يتصرف فيه، كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فَلِمَ عدلتم لي من خلقي من هو مملوك لي؟ فإن كان هذا الحكم باطلاً في خاطركم وعقولكم، مع أنه جائز عليكم، وممكن في حقكم، إذ ليس عبيدكم ملكاً لكم حقيقة، وإنّما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عبادي، فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي، مع أنّ من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي، فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول "١. ٤-ومن ضرب الأمثال للمشركين، وإقامة الحجة عليهم، ما ضربه الله لهم في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. ففي هذا المثل شبه الله المشرك بالعبد الذي يتولى أمره شركاء كثيرون بينهم اختلاف وتنازع، فهم يتنازعونه ويتجاذبونه في حوائجهم، واحد يأمره بأمر، وآخر يأمره بمخالفته، وثالث يأمره بكذا، ورابع يأمره بكذا، مما يجعل العبد في حيرة وضلال من أمره، لا يدري أيهم يرضي؟

стр. 417

وشبه الرجل الموحد بالعبد الذي لا يملكه إلاّ شخص واحد، حسن الأخلاق، فلا منازعة ولا معارضة مما يحقق للعبد الهدوء والاستقرار. والسؤال الموجه إلى المشركين هو: هل يستوي العبد الذي يملكه شركاء بينهم نزاع في ذلك العبد المشترك بينهم وبين العبد الذي يملكه شخص واحد في حسن الحال وراحة البال؟ والجواب: إذا كان ذلك حقاً لا يستوي، فكذلك لا يستوي المؤمن الموحد الذي لا يعبدُ إلاّ الله وحده لا شريك له، مع المشرك الذي يعبد آلهة متعددة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: "هذه الآية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص"١. وقال الرازي: "وهو مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك، وتحسين التوحيد"٢. ٥-ومن الأمثال التي ضربها الله تعالى للمشركين، قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللهُ

стр. 418

مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ١. فقد اشتملت الآيتان الكريمتان على مثلين: الأول: ما ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام التي يعبدونها من دون الله جل وعلا، وبيان ذلك: أنَّ مثل هؤلاء المشركين مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك يتصرف في أمره كيف يشاء، مع أنهما سيان في البشرية والمخلوقية لله ، فما الظن برب العالمين حيث يشركون به أعجز المخلوقات وأحقرها؟ وهو سبحانه المالك لكل شيء، ينفق كيف يشاء على خلقه، ليلاً ونهاراً، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء. وقد ذهب إلى هذا القول مجاهد والسدي٢. وذهب ابن عباس وقتادة أنه مثل صربه الله للمؤمن والكافر، فالذي لا يقدر على شيء هو الكافر؛ لأنه لا خير عنده، وصاحب الرزق هو المؤمن، لما عنده من الخير٣.

стр. 419

قال ابن القيم ﵀: " والقول الأول أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسباً بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١"٢. والمثل الثاني: هو ما ضربه الله سبحانه لنفسه، ولما يعبدون من دونه أيضاً من الأصنام الباطلة، فالصنم بمنزلة رجل أبكم لا ينطق ولا يعقل، ولذلك فهو عاجز لا يقدر على شيء بالكلية، لأنه إما حجر أو شجر، ومع هذا فأينما أرسله صاحبه لا يأتيه بخير، ولا يقضي له حاجة. والسؤال هو هل يستوي هذا الأخرس الذي لا يفيد شيئاً، وذلك الرجل البليغ المتكلم بأفصح بيان، وهو على طريق الحق والاستقامة؟ وإذا كان العاقل لا يسوي بينهما، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه القادر العليم، المتكلم الآمر بالمعروف، والهادي إلى الصراط المستقيم. وبهذا يتبين لنا أن ضرب المثل من الوسائل التي أثبت الله تعالى بها قدرته العظيمة، وعجز كل ما يعبد من دونه من إنسان أو حيوان، أو

стр. 420

حجر، أو شجر، وغير ذلك، وأنه من الأساليب التي اتخذها القرآن في إقامة الحجة على المشركين، حيث أنه أظهر الشرك في صور ملموسة محسوسة.

стр. 421

٨- الجدل: قال ابن منظور في لسان العرب: " الجدل هو: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.. يقال جادلت الرجل فجدلته جدلاً، أي: غلبته، ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام"١. وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: " الجيم والدال واللام، أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة، ومراجعة الكلام"٢. وفي الحديث عن النبي ﷺ : "أنا خاتم النبيين في أم الكتاب، وإن آدم لمنجدل في طينته"٣، أي ملقى على الجدالة، وهي: الأرض٤. ومن هذا يتبين لنا أن الجدل في اللغة هو اللدد في الخصومة، ومراجعة الكلام. أما الجدل في الاصطلاح فقد عرفه أبو البقاء في كتاب الكليات، فقال: " الجدل هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو

стр. 422

شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره"١. وعرفه صاحب المصباح المنير، فقال بعد أن ذكر المعنى اللغوي للجدل: " ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة؛ لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق، وإلاّ فمذموم"٢ا.? قال الرازي: "والجدل المذموم في القرآن، محمول على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح محمول على الجدل في تقرير الحق، ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى"٣ ا.?. هذا وقد جاء الجدل في القرآن الكريم على أنواع منها: ١-ما كان القصد منه الرد على المعاندين وإلْزامهم بالحجة، وهذا ما جاء على ألسنة الرسل والأنبياء ﵈، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٥.

стр. 423

٢-ما جاء في القرآن من الحوار بقصد الترجي، أو الاسترشاد وحب الاستطلاع. ومن هذا القبيل، جدل إبراهيم ﵇ مع ربه لتأخير العذاب عن قوم لوط ﵇، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ١. وكذلك جدال الملائكة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وكذا جدال خولة بنت ثعلبة التي حكى الله قصتها في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣. ٣-ما جاء على ألسنة الكفار والمعاندين من الاعتراضات والدعاوي

стр. 424

الباطلة، كما قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ١. والذي نحن بصدده الآن، إنّما هو جدل القرآن للمشركين في إثبات الوحدانية لله تعالى، وما أقامه عليهم من أدلة وبراهين، وإلزامهم بالحق في أسلوب واضح جلي. هذا وقد سلك القرآن الكريم في الاستدلال على وحدانية الله تعالى مسلكين: المسلك الأول: الاستدلال على وحدانية الله تعالى بانتظام الكون، وسلامته من الخلل والتصادم والفساد. ومن أظهر الأدلة على هذا ما يسميه علماء الكلام بدليل التمانع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢. قال الإمام عبد الرحمن بن نجم المعروف بالحنبلي في كتابه استخراج الجدل من القرآن، بعد إيراده للآية الكريمة: "وهذا الدليل معتمد أرباب

стр. 425

الكلام من أهل الإسلام، وقد نقل بعض علماء السلف أنه قال: نظرت في سبعين كتاباً من كتب التوحيد، فوجدت مدارها على قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ "١. ومعنى الآية الكريمة: "أي لو كان في السموات والأرض إله غير الله، لخرجتا وهلك من فيهما، ذاك أنه لو كان فيهما إلهان، فإما أن يختلفا أو يتفقا في التصرف في الكون، والأول ظاهر البطلان، لأنه إما أن ينفذ مرادهما معاً، فيريد أحدهما الإيجاد والثاني لا يريده، فيثبت الوجود والعدم لشيء اختلفا فيه، وأما أن ينفذ مراد أحدهما دون الثاني، فيكون هذا مغلول اليد عاجزاً، والإله لا يكون كذلك، والثاني باطل أيضاً؛ لأنهما إذا أوجداه معاً توارد الخلق من خالقين على مخلوق واحد. ولما أثبت بالدليل أنّ المدبر للسموات والأرض لا يكون إلا واحداً، وأن ذلك الواحد لا يكون إلاّ الله، قال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، أي: فتنزيهاً لله رب العرش المحيط بهذا الكون، ومركز تدبير العالم عما يقول هؤلاء المشركون من أنَّ له ولداً أو شريكاً"٢.
следующие страницы →