٨- الجدل:
قال ابن منظور في لسان العرب: " الجدل هو: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.. يقال جادلت الرجل فجدلته جدلاً، أي: غلبته، ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام"١.
وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: " الجيم والدال واللام، أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة، ومراجعة الكلام"٢.
وفي الحديث عن النبي ﷺ : "أنا خاتم النبيين في أم الكتاب، وإن آدم لمنجدل في طينته"٣، أي ملقى على الجدالة، وهي: الأرض٤.
ومن هذا يتبين لنا أن الجدل في اللغة هو اللدد في الخصومة، ومراجعة الكلام.
أما الجدل في الاصطلاح فقد عرفه أبو البقاء في كتاب الكليات، فقال: " الجدل هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو
стр. 422
شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره"١.
وعرفه صاحب المصباح المنير، فقال بعد أن ذكر المعنى اللغوي للجدل: " ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة؛ لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق، وإلاّ فمذموم"٢ا.?
قال الرازي: "والجدل المذموم في القرآن، محمول على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح محمول على الجدل في تقرير الحق، ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى"٣ ا.?.
هذا وقد جاء الجدل في القرآن الكريم على أنواع منها:
١-ما كان القصد منه الرد على المعاندين وإلْزامهم بالحجة، وهذا ما جاء على ألسنة الرسل والأنبياء ﵈، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٥.
стр. 423
٢-ما جاء في القرآن من الحوار بقصد الترجي، أو الاسترشاد وحب الاستطلاع.
ومن هذا القبيل، جدل إبراهيم ﵇ مع ربه لتأخير العذاب عن قوم لوط ﵇، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ١.
وكذلك جدال الملائكة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وكذا جدال خولة بنت ثعلبة التي حكى الله قصتها في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣.
٣-ما جاء على ألسنة الكفار والمعاندين من الاعتراضات والدعاوي
стр. 424
الباطلة، كما قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ١.
والذي نحن بصدده الآن، إنّما هو جدل القرآن للمشركين في إثبات الوحدانية لله تعالى، وما أقامه عليهم من أدلة وبراهين، وإلزامهم بالحق في أسلوب واضح جلي.
هذا وقد سلك القرآن الكريم في الاستدلال على وحدانية الله تعالى مسلكين:
المسلك الأول: الاستدلال على وحدانية الله تعالى بانتظام الكون، وسلامته من الخلل والتصادم والفساد.
ومن أظهر الأدلة على هذا ما يسميه علماء الكلام بدليل التمانع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢.
قال الإمام عبد الرحمن بن نجم المعروف بالحنبلي في كتابه استخراج الجدل من القرآن، بعد إيراده للآية الكريمة: "وهذا الدليل معتمد أرباب
стр. 425
الكلام من أهل الإسلام، وقد نقل بعض علماء السلف أنه قال: نظرت في سبعين كتاباً من كتب التوحيد، فوجدت مدارها على قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ "١.
ومعنى الآية الكريمة: "أي لو كان في السموات والأرض إله غير الله، لخرجتا وهلك من فيهما، ذاك أنه لو كان فيهما إلهان، فإما أن يختلفا أو يتفقا في التصرف في الكون، والأول ظاهر البطلان، لأنه إما أن ينفذ مرادهما معاً، فيريد أحدهما الإيجاد والثاني لا يريده، فيثبت الوجود والعدم لشيء اختلفا فيه، وأما أن ينفذ مراد أحدهما دون الثاني، فيكون هذا مغلول اليد عاجزاً، والإله لا يكون كذلك، والثاني باطل أيضاً؛ لأنهما إذا أوجداه معاً توارد الخلق من خالقين على مخلوق واحد.
ولما أثبت بالدليل أنّ المدبر للسموات والأرض لا يكون إلا واحداً، وأن ذلك الواحد لا يكون إلاّ الله، قال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، أي: فتنزيهاً لله رب العرش المحيط بهذا الكون، ومركز تدبير العالم عما يقول هؤلاء المشركون من أنَّ له ولداً أو شريكاً"٢.
стр. 426
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: " أي لو قدر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما خلق، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض، وما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق غاية الكمال"٢.
وقال ابن القيم ﵀ في هذا المقام: " فلا بدّ من أحد أمور ثلاثة: إما أنّ يذهبَ كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أنْ يعلوا بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه، فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المربوبون المقهورون، وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد، من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره"٣ا.?.
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ
стр. 427
سَبِيلاً﴾ ١.
ومعنى الآية الكريمة أنه لو فرض جدلاً أن مع الله آلهة أخرى، كما يزعم المشركون، لطلبوا كما قال ابن عباس ﵄ منازعة وقتالاً، وكما تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض٢.
وقد احتوت الآية الكريمة حجة جدلية، فلو كان لله شركاء في كونه، لما قبلوا أن يكونوا في مركز أدنى، ولسعوا ليكونوا شركاء منافسين له في كل شيء٣.
стр. 428
المسلك الثاني: في التركيز على إبطال معبودات المشركين، ومناقشتهم فيها مناقشة واضحة صريحة في تلك المعبودات التي لا تخلق ذبابة، ولا تستطيع أنْ تدفع عن أنفسها ضراً، ولا تجلب لها نفعاً، فضلاً عن نفع أو إضرار غيرها، وبيان أن تلك المعبودات ما هي إلاّ مجرد أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وأنّها وليدة الظن والهوى.
وقد مر معنا أنّ من أصنام العرب المشهورة اللاتن والعزى، ومناة.. وعن مناقشتهم في هذه المعبودات قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
قال محمد عزة دروزة: "والآيات هي الأولى من نوعها في احتوائها تعريضاً صريحاً بمعبودات العرب، وعقائدهم، ونقاشاً وحجاجاً وتسفيهاً وإفحاماً حول هذه العقائد "٢.
ومجادلة المشركين هنا هو أنه إذا كان المشركون يعظمون البنين
стр. 429
ويحتقرون الإناث، فكيف ينسبون ما يحتقرونه إلى الله تعالى، وما يحبونه ويعظمونه ينسبونه لأنفسهم؟ فهذه القسمة جائرة وباطلة، حتى ولو كانت بين المخلوقين، فكيف بهم وهم يقسمون ذلك بينهم وبين رب العالمين؟
كما بينت الآية الكريمة حقيقة هذه المعبودات، وأنها مجرد أسماء جاءت من نسج الخيال واستهواء الشياطين، وأن المشركين لم يستندوا في تسميتها أو عبادتها إلى علم أو برهان نقلي أو عقلي، وإنّما استندوا إلى مجرد الظن والتخريض، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١.
كما أنهم فعلوا ذلك اتباعاً لهوى أنفسهم، وهوى الأنفس لا يصلح أن يكون إلهاً مشرعاً، وإلاّ لما احتاج الناس إلى إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ولكان إله كل إنسان هواه.
стр. 430
٩- تعجيز المشركين عن الإتيان بدليل عقلي أو نقلي يقر عبادتهم:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
وفي هذه الآية الكريمة يخاطب الله ﵎ نبيه محمداً ﷺ أن يستجوب المشركين عن أمرين:
١-هل يعقل أنْ يضاف إلى هذه الأصنام خلق جزء من أجزاء هذا العالم؟
٢-فإن لم يصح، فهل يجوز أنْ يقال: إنها أعانت إله العالم في خلق جزء من أجزاء العالم؟
ولما كان صريح العقل حاكماً بأنه لا يجوز إسناد جزء من أجزاء هذا العالم إليها، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، ولا يجوز أيضاً إسناد الإعانة إليه في أقل الأفعال وأذلها، فحينئذ صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو: الله ، وأن المنعم الحقيقي بجميع أقسام النعم هو:
стр. 431
الله تعالى.
والعبادة عبارة عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم، وذلك لا يليق إلاّ بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام، فلما كان الخالق الحق، والمنعم الحقيقي هو الله ، وجب أنْ لا تكون العبادة إلا له، ولما كانوا لا يستطيعون القول بأنها تستحق هذه العبادة، كما لا يستطيعون القول بأنا نعبدها لأجل أنْ الإله الخالق المنعم أمرنا بعبادتها، فعند هذا، ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذا السؤال فقال: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ .
وتقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي والرسالة، فنقول: هذا الوحي الدال على الأمر بعبادة هذه الأوثان، إما أن يكون قد نزل على محمد ﷺ ، أو في سائر الكتب الإلهية المنزلة على سائر الأنبياء.
وأما إثبات ذلك بالوحي إلى محمد ﷺ ، فهو معلوم البطلان.
وأما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء المتقدمين عليه، فهو أيضاً باطل، لأنه علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب الإلهية على المنع من عبادة الأصنام.
وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا﴾ .
стр. 432
وأما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن الأنبياء، سوى ما جاء في الكتب، فهذا أيضاً باطل، لأنّ العلم الضروري حاصل بأن أحداً من الأنبياء ما دعا إلى عبادة الأصنام، وهذا هو المراد من قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ ، ولما بطل الكل، ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل، وقول فاسد١.
ولهذا المعتقد الفاسد المبني على الضلال، أعقب الله تعالى الآية السابقة بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٢.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا﴾ ٣.
ومعنى الآية الكريمة: قل يا محمد –توبيخاً وتبكيتاً لهؤلاء المشركين
стр. 433
أخبروني عن شأن معبوداتكم من دون الله التي أشركتموها معه في العبادة، بأي شيء استحقت هذه العبادة؟
وإن كنتم تتوهمون فيها القدرة، فأروني أثرها؟
أروني أي شيء خلقوه في هذه الدنيا من المخلوقات حتى عبدتموهم من دون الله؟
أم أنهم شاركوا الله في خلق السموات وإبداعها فاستحقوا بذلك الشركة مع الله في الألوهية؟
أم أنزلنا عليهم كتاباً يشهد بالشركة، فهم على حجة ظاهرة واضحة في عبادة هذه الأوثان؟
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا﴾ .
قال أبو السعود في هذا المعنى: " لما نفى أنواع الحجج في ذلك، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تغرير الأسلاف للأخلاف، وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند الله"١ ا.?
وقد بين الله تعالى للمشركين به أن تلك المعبودات التي عبدوها من دونه لا تملك لعابديها وزن ذرة من خير أو ضر في السموات أو في الأرض، وليس له تعالى منها ولا من غيرها معين يعينه، أو مساعد يساعده، بل هو المنفرد بالخلق كله، المنفرد بالعطاء والمنع،
الفصل الثالث: توجيهات وتحذيرات للمشركين ويشتمل على ما يلي
١- الأمر الجازم بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
ولما كان الله ﵎ هو الخالق وحده، والرازق المتفضل على جميع خلقه بأنواع النعم، فهو المستحق وحده للعبادة، وإخلاصها له، وعدم الإشراك بأحد من مخلوقاته، فقد أمر الله تعالى الناس بعبادته وحده، ونهاهم نهياً مطلقاً عن عبادة ما سواه، وبين أنَّ العلة في خلق الجن والإنس، إنّما هو من أجل عبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وقد جاءت الأوامر بعبادة الله وحده، والنواهي عن عبادة غيره في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
стр. 436
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥.
قال ابن كثير: " أي: لا تكونوا من المشركين الذي فرقوا دينهم، أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود والنصارى
стр. 437
والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة -ما عدا أهل الإسلام-، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومذاهب باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنها على شيء، وهذه الأمة أيضاً اختلفت فيما بينهم على نحل، كلها ضلالة إلاّ واحدة، وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه"١.
وقد أرشد الله تعالى نبيه إبراهيم ﵇ عند بناء البيت الحرام، أن يبنيه على اسم الله تعالى وحده، وأن يطهره من الشرك وعبادة الأوثان، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٢.
وأوصى لقمان الحكيم ابنه بعدم الشرك بالله تعالى، فقال الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
إن واحداً من هذه الأوامر أو واحداً من هذه النواهي يكفي دليلاً للإقلاع عن هذه العبادة، فكيف والقرآن مليء بالأوامر بعبادة الله وحده والنواهي عن عبادة ما سواه!
стр. 440
٢- الأساليب الخبرية:
أ-أسلوب الخبر المجرد:
وقد جاء هذا الأسلوب مجرداً عن المؤكدات، بياناً للحق، وإعلاماً للخلق، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢.
ب- أسلوب الخبر المؤكد:
والمؤكدات التي جاء بها القرآن الكريم في شأن التوحيد والوحدانية كثيرة، منها:
١-التأكيد بالقسم.
٢-التأكيد بأن.
٣-التأكيد باللام.
وقد اجتمعت هذه المؤكدات الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
стр. 441
وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ١.
٤-التأكيد بأساليب القصر، كأسلوب النفي والاستثناء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ ٢.
وأسلوب القصر "بإنّما"، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٣.
وأسلوب القصر بالتقديم والتأخير، كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، فتقديم المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾ أفاد قصر العبادة على الله تعالى وحده، دون غيره.
стр. 442
٣- الدعوة إلى التجرد من التقاليد الموروثة:
لقد كانت التقاليد والعادات الموروثة تتحكم في عقائد الجاهلية، ومن أجل ذلك تعرضت العقائد للانحراف، وانهارت أمام القيم والأخلاق، واختلت الموازين والأعراف، فكان الواقع يرفض كل المسلمات والبدهيات، ولا يقبل سوى ما كان عليه الآباء والأجداد.
ولذلك فقد ناقش القرآن الكريم هذه القضية مناقشة جادة، وعالجها معالجة شافية، كعادته في معالجة القضايا ذات الأهمية البالغة، وبين أن هذه القضية لم تكن حديثة المولد والنشأة، ولكنها قديمة التاريخ، عميقة الجذور، فلم يكن العرب الذين واجههم نبينا محمد ﷺ هم أول من قال هذه المقالة، بل لقد رددها الذين استحبوا العمى على الهدى من الأمم السابقة.
لقد قالها قوم نوح ﵇: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ١.
أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ١.
وقيلت لموسى ﵇: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقد بين القرآن الكريم أن تلك المقالة قد قيلت لكافة الأنبياء قبل محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ٣.
وقص علينا ربنا تعالى قول الأقوام السابقين لرسلهم: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ٤.
وأخيراً قالها مشركو مكة للنبي الخاتم محمد ﷺ ،
стр. 445
قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ ١.
و ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ ٢.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣.
فهذا سندهم الوحيد، وهو دليلهم الفريد، إنه التقليد الجامد الذي لا يقوم على علم، ولا يعتمد على برهان، بل ولا حتى على تفكير أو روية، إن هذا الموقف إنّما هو استجابة لدعوة إبليس، فهل هم مصرون على السير في هذا الطريق، وراء تقليد الآباء حتى دخول نار جهنم؟
إنّها لمسة مزعجة، موقظة منبهة، ولكن لمن ألقى السمع وهو شهيد.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ٤.
стр. 446
وفي سورة الزخرف آيات كثيرة تناقش هذه القضية، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: " أي ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك، سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمة ... ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقتهم إليها أشباههم ونظائرهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل تشابهت قلوبهم "٢.
ويربط القرآن الكريم مقالتهم بمقالات الأمم السابقة المكذبة، والتي أهلكها الله تعالى بسبب كفرهم وتقليدهم الأعمى لآبائهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٣.
والآيات السابقة تبين لنا أن التقاليد الوراثية قد استحكمت في
стр. 447
عقول الناس من عهود الأنبياء السابقين، وإلى عهد محمد ﷺ ، ولا شك أنّ تلك المقالة قد قيلت، وستقال كلما عدل الناس عن منهج الإسلام.
وتبين الآيات كذلك أنَّ القوم المعارضين لم ينظروا إلى الدعوة بعين الإنصاف والتدبر، وإنّما نظروا إليها بالجحود والجمود، والاستسلام المطلق لتلك التقاليد والعادات الموروثة عن الآباء والأجداد.
ولقد بين القرآن الكريم سذاجة هذه الأقاويل، ووضح أنّها لا تستند إلى دليل من نقل أو عقل، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ٢.
فالآيات الكريمة تبين لنا أن القوم مستسلمون لتقاليد آبائهم وأجدادهم، حتى ولو كان آباؤهم وأجدادهم لا يعقلون شيئاً، ولا
стр. 448
يعلمون شيئاً، بأن كانوا جهالاً لا يميزون بين ما هو حق، وما هو باطل.
والقرآن الكريم يطلب من هؤلاء المقلدين أنْ يحاكموا تقاليدهم إلى ميزان العقل، إن كانت لديهم عقول، إلاّ أن القوم رفضوا توجيهات القرآن الكريم، واستمروا على تعصبهم، الأمر الذي جعل القرآن ينكر عليهم، ويتعجب من فعلهم، قال تعالى حكاية قول هود ﵇ لقومه:
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ ٢.
وبين القرآن الكريم أنّ الطاعة العمياء، والإغراق في الجهالة والضلال، وتتبع خطا الآباء من غير دليل ولا برهان، جعلت مصيرهم ومرجعهم إلى دركات الجحيم.
стр. 449
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١.
كما بين القرآن الكريم أنّ كل إنسان يتحمل تبعة عمله فقط، ولا يسأل عن حسنات أو سيئات الآخرين، كما ورد في كثير من الآيات البينات.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٣.
وقال الله تعالى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ
٤- استعمال الحكمة في دعوتهم:
ولما كانت دعوة القرآن الكريم مبنية على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
فقد أمر الله المؤمنين بأنْ لا يسبوا آلهة المشركين، مخافة أنْ يحمل هذا السب أولئك الجهلة على سب الله تعالى.
قال : ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
قال ابن عباس ﵄: قالوا يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهي الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدواً بغير علم٣.
стр. 452
وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله تعالى أنْ يستسبوا لربهم قوماً جهلة، لا علم لهم بالله١.
وقال السدي: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أنْ ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبيّ أبناء خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري إلى أبي طالب، فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا، وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه، فجاء النبي ﷺ فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول الله ﷺ : ماذا يريدون؟ فقالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال ﵊: أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم؟ قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطيكنها وعشر أمثالها، فما هي؟ قال: قولوا لا إله إلا الله، فأبوا
стр. 453
واشمأزوا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها، فقال: يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها، فقالوا: لتكفنّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمك، ونشتم من يأمرك، فأنزل الله هذه الآية١.
والآية الكريمة تنهى المؤمنين عن سب معبودات المشركين التي يدعون أنها تجلب لهم النفع، أو تدفع عنهم الضر، لأن المؤمنين إذا سبوا وشتموا معبودات المشركين، ربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول، وذلك لأنَّ طبيعة البشر أن كل من عمل عملاً، فإنه يستحسنه
стр. 454
ويدافع عنه، فإنْ كان الشخص يعمل الطيبات استحسنها ودافع عنها، وإنْ كان يعمل السيئات استحسنها ودافع عنها، ومن هنا فإنَّ واجب الداعية أن يبين الحق الواجب بيانه من بطلان عبادة المشركين وسخافتها، وعدم جوازها، وأنها لا تضر ولا تنفع، وأنها لا تستحق شيئاً من العبادة، وأن أي شيء يصرف إليها يكون محرماً، ويوصل صاحبه إلى نار جهنم، ويخلد فيها ما لم يرجع عن ذلك، ويتوب إلى الله تعالى قبل الموت، ثم يترك شأنهم إلى الله تعالى، إذ أنّ مصيرهم إليه، وهو الذي يجازيهم على أعمالهم.
أما أسلوب الدعوة عن طريق السباب والشتائم، فإنه لا يأتي بفائدة، وإنما يأتي بالنتائج العكسية من النفور عن الدعوة، وعدم قبولها، كما قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ ١.
وسب آلهة المشركين يترتب عليه المواجهة بالمثل من سب الله تعالى، أو رسوله ﷺ ، أو الدين، أو القرآن، وذلك لجهل المشركين، وعدم معرفتهم بعظمة الله تعالى، وبالتالي فشل الدعوة التي أتعب الداعية نفسه من أجلها.
стр. 455
ومن هذا القبيل جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه" ١.
стр. 456
٥- أسلوب القصة:
ومن أوسع أساليب القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد أسلوب القصة، وذلك لما للقصة من تأثير في النفوس البشرية، وسهولة في الحفظ والانتشار بين الناس.
ونكتفي هنا بإيراد مثال واحد في هذا الشأن: وهو ما ذكره الله تعالى لنا من قصة إبراهيم الخليل ﵇ مع قومه، وتحطيمه لأصنامهم، وذلك أنه لما حطم الأصنام وسألوه ﵇ عن من فعل ذلك الفعل؟
أحالهم إلى أخذ الإجابة من معبوداتهم الهزيلة، ساخراً منهم ومتهكماً بهم، وعند ذلك رجعوا إلى أنفسهم يلوم بعضهم بعضاً.
وقد ذكرت هذه القصة في عديد من السور، كالشعراء، والصافات، والأنبياء، ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ
стр. 457
الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وفي هذا تقرير للتوحيد بأبلغ أسلوب، وأقوى حجة، ونفي للشرك بأوضح بيان، فضلاً عما فيه من تحقير للأصنام وسخرية بالغة بعبادها.
وذلك أن معبودات القوم قد حطمت وقوضت وسويت بالأرض، ولم تستطع أن تدافع عن نفسها، فكيف يرجون أنْ تدافع عنهم، أو أن تصيبهم بالخير، أو تمسهم بالشر والمكروه، وزيادة على ذلك فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم.
ومن عمل إبراهيم هذا نستفيد درساً في الشجاعة الإقدام والاستماتة من أجل إقرار التوحيد، وإزالة جميع المعبودات من دون الله تعالى، حيث وقف ﵇ وجهاً لوجه أمام قومه الذين فشت فيهم عبادة الأصنام، يسفه معتقداتهم ويدعوهم بالحجة والبرهان إلى ترك عبادتها، ومع ذلك كان وحيداً لا يوجد من يقف إلى جانبه، حتى والده كان ضده، بل تهدده بالرجم والهجران، كما حكى الله قوله لابنه: ﴿لَئِن لَّمْ
стр. 458
تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
ومع هذا لم ينثن إبراهيم عن قصده، ولم يدخله الوهن، بل شرع في تدمير معتقدات قومه، وزلزلة بنيان مقدساتهم بيده، وهذا الفعل أشد أثراً من مقاومة الباطل بالقول الذي لم يجد معهم نفعاً.
وعلى هذا العمل جاء قول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢.
стр. 459
٦- الدعوة إلى الاعتبار بالسابقين:
يلفت القرآن الكريم أنظار المخاطبين إلى مصير الأمم المكذبة، وما تلقوه من الضربات القاصمة جزاء تمردهم على أنبياء الله تعالى، ويرشدهم إلى النظر والتدبر في الديار التي يمرون عليه مصبحين وممسين، ليكون منها الدرس والعبرة والذكرى.
جاء ذلك في كثير من الآيات البينات في كتاب الله العظيم.
ففي أعقاب قصة نوح ﵇، وهلاك قومه المكذبين بالطوفان، ونجاته ومن آمن معه بالسفينة، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ١.
وبعد أن عرض لأخبار صالح ولوط ﵉ ومصير قومهما، قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ
стр. 460
عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
وبعد أن ذكر قصة يوسف ﵇، وموقف أخوته منه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
ويقول بعد أنْ ذكر ما حدث بين فرعون وجنوده مع موسى وأخيه هارون ﵉، وما حاق بآل فرعون من سوء العذاب: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
وبعد أن ذكر ما حدث بين الروم والفرس، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ