٥- أسلوب القصة:
ومن أوسع أساليب القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد أسلوب القصة، وذلك لما للقصة من تأثير في النفوس البشرية، وسهولة في الحفظ والانتشار بين الناس.
ونكتفي هنا بإيراد مثال واحد في هذا الشأن: وهو ما ذكره الله تعالى لنا من قصة إبراهيم الخليل ﵇ مع قومه، وتحطيمه لأصنامهم، وذلك أنه لما حطم الأصنام وسألوه ﵇ عن من فعل ذلك الفعل؟
أحالهم إلى أخذ الإجابة من معبوداتهم الهزيلة، ساخراً منهم ومتهكماً بهم، وعند ذلك رجعوا إلى أنفسهم يلوم بعضهم بعضاً.
وقد ذكرت هذه القصة في عديد من السور، كالشعراء، والصافات، والأنبياء، ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ
стр. 457
الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وفي هذا تقرير للتوحيد بأبلغ أسلوب، وأقوى حجة، ونفي للشرك بأوضح بيان، فضلاً عما فيه من تحقير للأصنام وسخرية بالغة بعبادها.
وذلك أن معبودات القوم قد حطمت وقوضت وسويت بالأرض، ولم تستطع أن تدافع عن نفسها، فكيف يرجون أنْ تدافع عنهم، أو أن تصيبهم بالخير، أو تمسهم بالشر والمكروه، وزيادة على ذلك فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم.
ومن عمل إبراهيم هذا نستفيد درساً في الشجاعة الإقدام والاستماتة من أجل إقرار التوحيد، وإزالة جميع المعبودات من دون الله تعالى، حيث وقف ﵇ وجهاً لوجه أمام قومه الذين فشت فيهم عبادة الأصنام، يسفه معتقداتهم ويدعوهم بالحجة والبرهان إلى ترك عبادتها، ومع ذلك كان وحيداً لا يوجد من يقف إلى جانبه، حتى والده كان ضده، بل تهدده بالرجم والهجران، كما حكى الله قوله لابنه: ﴿لَئِن لَّمْ
стр. 458
تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
ومع هذا لم ينثن إبراهيم عن قصده، ولم يدخله الوهن، بل شرع في تدمير معتقدات قومه، وزلزلة بنيان مقدساتهم بيده، وهذا الفعل أشد أثراً من مقاومة الباطل بالقول الذي لم يجد معهم نفعاً.
وعلى هذا العمل جاء قول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢.
стр. 459
٦- الدعوة إلى الاعتبار بالسابقين:
يلفت القرآن الكريم أنظار المخاطبين إلى مصير الأمم المكذبة، وما تلقوه من الضربات القاصمة جزاء تمردهم على أنبياء الله تعالى، ويرشدهم إلى النظر والتدبر في الديار التي يمرون عليه مصبحين وممسين، ليكون منها الدرس والعبرة والذكرى.
جاء ذلك في كثير من الآيات البينات في كتاب الله العظيم.
ففي أعقاب قصة نوح ﵇، وهلاك قومه المكذبين بالطوفان، ونجاته ومن آمن معه بالسفينة، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ١.
وبعد أن عرض لأخبار صالح ولوط ﵉ ومصير قومهما، قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ
стр. 460
عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
وبعد أن ذكر قصة يوسف ﵇، وموقف أخوته منه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
ويقول بعد أنْ ذكر ما حدث بين فرعون وجنوده مع موسى وأخيه هارون ﵉، وما حاق بآل فرعون من سوء العذاب: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
وبعد أن ذكر ما حدث بين الروم والفرس، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ
стр. 461
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى بعد أن أشار إلى هلاك القرون السابقة، لما ظلموا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
والآيات التي تحث على النظر والتأمل، والدراسة والاعتبار بمصير الأمم السابقة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾ ٣.
قال ابن كثير: " أي فكروا في أنفسكم وانظروا ما أنزل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين"٤.
وقال الفخر الرازي: " فإن قيل: ما الفرق بين قوله ﴿فَانْظُرُواْ﴾ وبين قوله: (ثم انظروا) ؟ قلنا: قوله: ﴿فَانْظُرُواْ﴾ يدل على أنه تعالى
стр. 462
جعل النظر سبباً عن السير، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين.
وأما قوله (سيروا في الأرض ثم انظروا) فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة، وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ثم نبه الله تعالى على هذا الفرق بكلمة (ثم) لتباعد ما بين الواجب والمباح، والله أعلم"١ا.?.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ ٢.
يقول ابن جرير الطبري: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: سيروا في البلاد فانظروا إلى مساكن الذين كفروا بالله من قبلكم، وكذبوا رسله، كيف كان آخر أمرهم، وعاقبة تكذيبهم رسل الله وكفرهم، أنا أهلكناهم بعذاب منا، وجعلناهم عبرةً لمن بعدهم، يقول فعلنا ذلك بهم، لأن أكثرهم كانوا مشركين بالله مثلهم"٣.
стр. 463
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ ٣.
فهذه الآيات الكثيرة حينما تدعو إلى السير والنظر في ديار الأمم السابقة، ليس الغرض منها الدعوة إلى مجرد التنقل والسياحة والترويح عن النفس، وإنما القصد هو التأمل وأخذ الدروس والعبر والاتعاظ بسنن الله تعالى في الكون، حتى لا يقع اللاحقون فيما وقع فيه السابقون، والسعيد
стр. 464
من اتعظ بغيره وتعلم من أخطاء الآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١.
стр. 465
٧- تذكير المشركين بالنعم وتحذيرهم من النقم:
ومن الأساليب التي اتبعها القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، والإقرار بوحدانية الله تعالى، تذكيرهم بالنعم وتحذيرهم من النقم.
أ-تذكيرهم بالنعم:
ففي مجال تذكيرهم بالنعم، ذكّرهم القرآن بأنواع من النعم الكثيرة، التي امتن الله بها عليهم، وعلى عباده، والتي لا يستطيع أحد من خلقه أنْ يأتي بشيء منها، جاء ذلك في كثير من السور والآيات العديدة من ذلك ما تحدثت به سورة النحل عن الكثير من النعم التي امتن الله بها على الناس، والسورة مكية، والمشركون في مكة هم أول من خوطبوا بذلك.
ومما جاء في هذه السورة قوله تعالى:
﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ
стр. 466
يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
ومعنى الآيات أن الله تعالى فاوت بين خلقه في الأرزاق، فهذا غني وذاك فقير، وهذا مالك وذاك مملوك، وأن الأغنياء ليس بمشركين فيما رزقهم الله من الأموال حتى يستووا في ذلك مع عبيدهم.
قال ابن عباس ﵄: "لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني"٢.
وعنه رواية أخرى: "فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم".
وأنكر الله تعالى إشراك غيره معه، وهو المتفضل على خلقه بجميع أنواع النعم، ومن ذلك أنّ من آياته خلق النساء من جنس الرجال، ليحصل الائتلاف والمودة والرحمة بينهم، وجعل من هؤلاء الزوجات الأولاد والحفدة، ورزقهم بأنواع الثمار والحبوب، أفمع هذه النعم التي من الله تعالى يؤمنون بالأوثان، ويكفرون بالله تعالى ويضيفونها إلى غيره ممن لا يقدر على إنزال المطر، ولا على إخراج الزرع أو الشجر؟!!
ومن الآيات التي ذكرهم الله تعالى فيها بأنواع كثيرة من النعم المناسبة لهم لعلهم يتدبرون، فيسلمون ويخلصون له العبادة، حتى ينجوا من
стр. 467
عذابه، قوله تعالى:
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
إنها نعم تأخذ بوجدان الإنسان العاقل إلى الشعور بالطمأنينة والراحة والسكون، وإنَّ الشعور بها ليؤدي إلى الشعور بالاستسلام إلى خالقها، والمنعم بها وفاءً له، وشكراً على كرمه وجوده، واعترافاً له بالجميل، وإقراراً بأنه لا أحد يقدر على إيجاد هذه النعم سواه.
ومن تذكير الله تعالى لعبيده بالنّعم الكثيرة الدالة على ربوبيته ووحدانيته، ما جاء في قوله تعالى من سورة المؤمنون: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ
стр. 468
جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ١.
وذكر الله تعالى ما امتن به على كفار قريش من الأمن والطمأنينة، حيث جعل بلدهم مكة حرماً مصوناً من السلب والنهب، بينما الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ٢.
ومن الآيات التي ذكر الله فيها بعض نعمه على خلقه، قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ ٣.
стр. 469
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين نعم الله العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
ب-تحذيرهم من النقم:
وفي مجال تحذيرهم من النقم، فقد حذّر القرآن الكريم المشركين وتهددهم بالجوع والخوف والمنع والحرمان.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ٣.
стр. 470
فهذا المثل ضربه الله تعالى لأهل مكة، بقوم كانوا في أمن واستقرار وسعادة ونعيم، تأتيهم الخيرات والأرزاق بكثرة من كل الجهات، فأبطرتهم ولم يشكروا الله على ما آتاهم من خير، وما وهبهم من رزق، فعصوا الله وتمردوا، فبدّل اللهُ نعمته بنقمة، وسلبهم نعمة الأمن والاطمئنان، وأذاقهم آلام الجوع والخوف بسبب كفرهم ومعاصيهم.
قال الفخر الرازي: "وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة، وهو محمد ﷺ فكفروا به، وبالغوا في إيذائه، فعذبهم الله بالقحط والجوع سبع سنين، حتى أكلوا الجيف والعظام"١.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ٢.
والمراد بهؤلاء كما ذكر المفسرون: مشركو قريش الذين بدلوا نعمة الله عليهم بالكفر، فكذبوا نبيهم محمداً ﷺ ، وقاتلوه يوم
стр. 471
بدر، وعبدوا الأصنام ليضلوا الناس عن دين الله١.
وبهذا يتبين لنا أن القرآن الكريم ذكر المشركين بأنواع من النعم، لعلهم يشكرون، وحذرهم من عقابه لعلهم يرجعون، وتذكير المخاطبين بالنعم وتحذيرهم من العذاب والنقم يدعوهم إلى التفكر بعين البصيرة، لترك عبادة غير الله تعالى.
стр. 472
٨- الشرك خرافات وأوهام:
أ-بيان ضعف الشركاء ومهانة الآلهة المدعاة:
ولم يقف القرآن الكريم في دعوته للمشركين عند إقامة الحجج والبراهين دون أن يبين لهم سخف ما هم عليه من عقيدة واهية، وما اتخذوه من دون الله تعالى من آلهة مزعومة، لا تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة مصنوعة، ولا تنصر عابديها، بل لا تملك لأنفسها نصراً، ولا تدفع عنها ضراً، سواء كانت تلك المعبودات من البشر، أو من الحجر، أو من الكواكب، أو من الموتى، أو من غير ذلك.
ولقد حاور القرآن أصحاب تلك العقائد الساذجة، وتلك العقليات السخيفة، وخاطب عقولهم لإيقاظها من تلك الغفلة التي لا تليق بالعقل البشري، مهما كانت طفولته، وبين لهم أنَّ تلك المعبودات ضعيفة مهانة لا حول لها ولا قوة، وإنّها لا تستطيع أن تنصر أنفسها، فضلاً عن أن تنصر غيرها.
قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ
стр. 473
لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ١.
ومن الآيات الواردة في عجز تلك الآلهة المزعومة وضعفها، وحقارتها، وقلة شأنها، وأنَّ الإله هو رب واحد لا شريك له، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... ﴾ ٢.
وعن فقر تلك المعبودات واحتياجها إلى التقرب إلى الله، والتوسل إليه بالطاعة والعبادة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣.
стр. 474
وهل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض قادرين على إحياء الموتى؟
كلا بل اتخذوا آلهة جمادة لا تتصف بالقدرة على شيء، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
بل إنَّ هذه المعبودات التي عبدوها من دون الله تعالى لو اجتمعت كلها لما استطاعت خلق ذبابة صغيرة حقيرة، بل لو خطفت الذبابة شيئاً من حقير الطعام، وطارت به، لما استطاعوا إنقاذه وإرجاعه منها، رغم قلته وحقارته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿ ... وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن
стр. 475
تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١.
ومما يبين حقارة تلك المعبودات وعجزها، ما ذكره الله في قصة إبراهيم ﵇ مع الأصنام.
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على ضعف تلك المعبودات، وعجزها، وأنها لا تستطيع أنْ تقدم لعابديها أو المتبركين بها، أو المتوسلين إليها أي خدمة مرجوة، لا كبيرة ولا صغيرة، وبالتالي يجب على المشركين أنْ يقلعوا عن عبادة تلك المعبودات الواهية والتقرب إليها، ويخلصوا العبادة لله تعالى وحده، الذي خلقهم وخلقها، والقادر على الإحياء والإماتة، والنفع والضر.
стр. 476
ب- تسفيه وتهجين عقول المشركين:
لقد تحدث القرآن الكريم عن المشركين كثيراً، ووقف معهم طويلاً، وما ذلك إلاّ لتصفية النفوس البشرية من أدران الشرك، ورواسب الجهل، وطالما طالبهم بالرجوع إلى الفطرة، والتساؤل معها عن مظاهر الخلق والرزق والتدبير، والملك والحفظ والرعاية، لأن الفطرة السليمة لا تملك إلاّ الاعتراف بالربوبية لله ، وما دامت الفطرة قد اعترفت بربها خالقها ورازقها، فما الذي يمنعها من الاعتراف بالإلهية الحقة، وما الذي يمنعها من أن توحده في ذاته وصفاته وأفعاله؟
إن القرآن الكريم يتوجه إلى مكنونات عقول المشركين، وإلى فطرهم السليمة، ويضع أيديهم على مفاتيح الحق، ويضيء لهم أنوار البصيرة.
إذ كيف يرضى عاقلٌ مدرك الوعي والشعور، أنْ يمرغ جبهته أمام حجر أصم، أو إنسان ضعيف عاجز، أو كوكب تسيره القدرة الإلهية، أو ميت هو في حاجة ماسة إلى عفو الله ورحمته وغفرانه؟
وكيف ينزل العقل الإنساني إلى هذا الدرك الأسفل من التخلف العقلي، مع اعترافه بأنَّ للوجود رباً خالقاً رازقاً؟ ويتوجه إلى هذا الخالق العظيم مباشرة؟ وهو القائل في محكم كتابه:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
стр. 477
فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١.
لقد شنَّ القرآن الكريم حملةً عنيفةً على من يعترف بآلهة أخرى مع الله تعالى، أو يجعل له وساطات يتقربُ بها إليه، ويظهر القرآن فساد هذه الآلهة المدعاة وعجزها الشنيع، وفقرها البالغ، وحاجتها الماسة لمن يدبر أمرها ويقوم بحاجتها، فضلاً عن أن تعبد، أو تقدم لها الفروض والقربات!.
وقد تقدم معنا في مبحث ضعف الشركاء كثيراً من الآيات الدالة على عجز تلك الآلهة، وسخف عقلية عابديها، ونزيد هنا شيئاً مما قدمه القرآن العظيم من تسفيه وتهجين لعقليات أولئك العابدين مع الله غيره.
من ذلك ما ذكره الله تعالى، حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿ ... أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ
стр. 478
وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١.
وقال تعالى عن قوم موسى ﵇ الذين عبدوا العجل: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٤.
وعن ما وصل إليه المشركون من خطأ فادح، وضلال كبير واضح، يقول تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ
стр. 479
فِي ضَلاَلٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣.
ولفرط جهالتهم اتخذوا ما لا يملك لهم شيئاً أصلاً، شفعاء عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
قال ابن كثير ﵀: "هذا ذم للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله -وهي الأصنام والأوثان التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم، بلا دليل
стр. 480
ولا برهان، وهي لا تملك شيئاً من الأمر، وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالاً بكثير من الحيوانات"١.
وبين لهم القرآن الكريم أن عبادة غير الله ظلم وافتراء وكذب على رب العالمين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
وعن سذاجة عقول المشركين، وفعلهم مع الأصنام، يذكر ابن هشام وابن كثير: أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي الله
стр. 481
عنهما، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها، ويتلفانها ويتخذانها حطباً للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتأوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح -وكان سيداً في قومه- صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفاً ويقول له: انتصر، ثم يعدوان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضاً، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أنَّ ما كان عليه من الدين باطل، وقال:
والله لو كنت إلهاً لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لملقاك إلهاً مستدن ... الآن فتشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن ... الواهب الرازق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النبي المرتهن "١.
وقد اتخذت بنو حنيفة صنماً من حلوى، فعبدوه دهراً طويلاً، ثم أدركتهم مجاعة، فأكلوه، وفيهم يقول الشاعر:
стр. 482
أكلت بنو حنيفة ربها ... زمن التقحم١ والمجاعة
لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعة٢
وقال بعض المشركين حين وجد الثعلبان قد بال على رأس صنمه:
إله يبولُ الثعلبانُ برأسه ... لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالبُ٣
ولهذه العقليات السخيفة، فقد سفه القرآن الكريم عقليات المشركين، واستهجن عبادتهم، لأنّ تلك المعبودات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ولهذا فقد بين القرآن أنّ عبادتهم تلك ظلم وافتراء، وكذلك على رب الأرباب، وإنَّ تلك العبادات ليس لها ما يبررها من دليل عقلي أو نقلي.
стр. 483
٩- أضرار الشرك في الدنيا والآخرة:
أ- أضرار الشرك في الدنيا:
أما أضرار الشرك في الدنيا، فإنَّ الإسلام حينما يتصدى لمهاجمة الشرك ومحارته بجميع أشكاله وألوانه صغيره وكبيره، فإنَّ غايته من ذلك هو تحرير الإنسان من الخضوع والخنوع لأي مخلوق على ظهر هذه الأرض، لأن خضوع الإنسان للمتغير الذي يعتريه الفناء، معناه أنَّ الإنسان يصبح مضطرباً في التوجه والعبادة في حياته، ومضطرباً في غايته، وبالتالي فهو مضطرب في دوافع عمله وسلوكه.
فإذن فإن مهاجمة الإسلام للشرك، كانت لأجل أن يترفع الإنسان عن عبادة الناقص المتغير الفاني، إلى عبادة من له الدوام والاستقرار والكمال١.
إن الحياة التي يهيمن عليها الشرك، لهي حياة بهيمية، تعافها النفوس الزكية، وتأنفها الطبائع الإنسانية، فهذه المخلفات التي تتركها وراءها رواسب الشرك والوثنية، تعوق مسيرة الحياة، وتخالف السنن الكونية، تلك والله نتائج حرب الإبادة والتدمير لكافة القيم والمعاني الروحية
стр. 484
والأصلية١.
إنَّ الإسلام حينما يبين فساد الشرك وبطلانه، وعدم الغفران لصاحبه إذا مات وهو مشرك، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ ٢.
فما ذلك إلاّ لأنَّ الشرك بالإضافة إلى كونه تنقص لرب العالمين، وصرف العبادة لمن لا يستحقها من المخلوقين، فإنّه وليد الخرافة والجهل، لأنه يجلبُ من المساوئ للمجتمع ما لا يجلبه شيء آخر، فهو إلى جانب مناقضته للعقل والمنطق، فإنه يجعل الأذهان طيّعة لقبول الأوهام والخرافات والأساطير التي تهدم كيانه وتضعفه وتقف حاجزاً دون رُقيّه وازدهاره.
يقول الدكتور خليل هراس: "أعجبني كلمة لبعض الباحثين في هذا الصدد، أثبتها هنا بنصها، يقول: إنّ أكبر الكبائر الإشراك بالله تعالى، لأنّ الشرك ظلمات بعضها فوق بعض، وحجب متلاطمة لا يقرّ لها قرار، فهو يجعل الإنسان عبداً للمخلوق، وهو لا يعبد المخلوق إلاّ جلباً لفائدة أو
стр. 485
دفعاً لضرر، فهو في الواقع عبد لمصلحته، وبالتالي فهو عبد لنفسه، وعبادة النفس معناها أن الشّخص غير صالح ليكون عضواً عاملاً على الرقي بالجماعة الإنسانية، محققاً لسعادتها، بل هو على الضّد من ذلك يكون عدواً هادماً لأركانها، ساعياً في شقائها دون أن يدري ... "١.
ب-أضرار الشرك في الآخرة:
أما أضرار الشرك في الآخرة فتتمثل فيما يلي:
١-إحباط الأعمال.
٢-العذاب النفسي.
٣-الخلود في نار جهنم.
١-إحباط الأعمال:
ولما كان الشرك بالله تعالى أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب والمعاصي، وأفظع المحرمات وأشنعها على الإطلاق، وأنَّ صاحبه خالد مخلد في النار إذا لم يتب إلى الله تعالى، ويمت على التوحيد، لذلك فإنَّ الله لا يقبل عملاً من الأعمال مع الإشراك به، مهما كان حجم ذلك العمل.
قال تعالى بعد أن ذكر ثمانية عشر نبياً:
стр. 486
﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١.
والمعنى لو فرض أنْ أشرك هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلو مكانتهم، وقدرهم عند الله تعالى، لبطل عملهم، فكيف بمن سواهم؟
وقد ذكر القرآن هذا تحذيراً من الشرك، مع أن الشرك محال أن يكون من الأنبياء.
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره، فعبدوا معه غيره، لحبط عنهم عملهم، أي: بطل، فذهب عنهم أجر أعمالهم التي كانوا يعملون، لأنّ الله لا يقبل مع الشرك به عملاً"٢.
وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
روى ابن عباس في هذه الآية: "أنَّ أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيراً، يقول: من عمل صالحاً التماس الدنيا،
стр. 487
صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل، لا يعمله إلاّ التماس الدنيا، يقول الله تعالى: (أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وأحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين) ".
وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.
وقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى، وقال مجاهد وغيره، نزلت في أهل الرياء، وقال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته، وطِلبته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطى بها جزاء.
وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة١.
وقال تعالى مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
قال ابن جرير: "لئن أشركت بالله شيئاً يا محمد، ليبطلن عملك، ولا تنال به ثواباً، ولا تدرك جزاءً إلا جزاء من أشرك بالله، ... ولتكونن
стр. 488
من الهالكين بالإشراك بالله، إنّ أشركت به شيئاً"١.
وقال ابن الجوزي: "قال ابن عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه ﷺ وتهديد لغيره، لأن الله قد عصمه من الشرك"٢.
وقال غيره: إنّما خاطبه بذلك، ليعرف من دونه أنَّ الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها، ولو وقع من نبي.
وقال أبو السعود: "والكلام وارد على طريقة الفرض، لتهييج الرسل، واقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه"٣.
ولقد جاءت الأحاديث النبوية تبين وتؤكد أنّ الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلاّ ما كان خالصاً لوجهه الكريم، وأنَّ من أشرك بالله في شيء من أنواع العبادات، فعليه أنْ يطلب الأجر والثواب من غير الله تعالى، على وجه التحدي والتعجيز.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن
стр. 489
الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه" ١.
قال النووي: "ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئاً لي ولغيري، لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، والمراد أنَّ عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، ويأثم به"٢.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يوم لا ريب فيه، ناد مناد من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإنَّ الله أغنى الشركاء عن الشرك" ٣.
وروى مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيره، فأنا منه بريء، وهو
стр. 490
للذي أشرك" ١.
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبين أنّه لا يقبل عمل مع الشرك بالله، مهما كان حجم ذلك العمل.
٢- العذاب النفسي:
ويرشد القرآن الكريم هؤلاء المشركين الذين يتخذون من دون الله شركاء وأنداداً، ليمدوا بصائرهم إلى ذلك اليوم الذي يقفون فيه بين يدي الله الواحد الأحد، ليروا عند ذلك أن القوة لله جميعاً، فلا شركاء ولا أنداد مهما كان نوعها.
وأصبحت كلها عاجزة عن حماية أنفسها فضلاً عن حماية تابعيها، وعند ذلك يتبرأ المتبوعون من التابعين، وينشغل كل بنفسه، تابعاً أو متبوعاً من شدة هول العذاب الذي يقطع كل الأواصر والعلاقات، وكل وسائل القربى والمحبة.
وساعتها يعلم المشركون أنَّ الإله الذي يدبر عالم الآخرة، هو عين الإله الذي كان يدبر عالم الدنيا، وأنهم كانوا ضالين في الملجأ إلى سواه، وفي إشراك غيره معه، وأنَّ الضلال هو الذي هبط بعقولهم وأرواحهم، وكان منشأ عقابهم وعذابهم.
كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
ويذكر الله تعالى حال المشركين به في الدار الآخرة، وما يعانون هناك من العذاب الشديد، وما يحل بهم من الأمر الفظيع، وما يحصل لهم من الاضطراب النفسي الرهيب، حيث يختلقون الأعذار الواهية، ويستترون وراء الخيال والأوهام، ظانين أنها تغني عنهم شيئاً، فيزعمون أنّهم كانوا مؤمنين، كما يلقى بعضُهم التبعية على الآخرين، ويعلن البعضُ الآخر الكفر بما كانوا به مشركين، ويلتجئ آخرون منهم إلى الله قائلين، لو شاء اللهُ ما عبدنا من دونه من شيء، رغم طرق الهداية الكثيرة التي بينها الله لهم في الدنيا.
كل ذلك نتيجة للاضطرابات العصبية العنيفة التي تثيرها الحسرة والندامة، ولكن حين لا ينفع الندم، حين ينكشف الغطاء وتظهر الحقيقة التي لا مفرّ منها، فلا شركاء، ولا شفعاء، ولا أنداد ولا غيرهم، وأن جميع المتبوعين يتبرأون من التابعين.
عند ذلك يعلم المشركون أنّ القوة لله وحده، وأنه لا إله غيره، فلو تدبر هؤلاء المشركون واتعظوا بما سيحصل لهم من عذاب الله هناك، لانتهوا عما هم فيه من الشرك والضلال، ووحدّوا الله الذي لا إله غيره في الدنيا ولا في الآخرة.