← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١. وعن ما يقوله الله تعالى للمشركين المفترين عليه، المكذبين بآياته يوم القيامة، وما يقوله الأتباع للقادة والرؤساء منهم، وما يجيبونهم به: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢.

стр. 492

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا

стр. 493

كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. ويذكر الله تعالى حال المشركين به في الدار الآخرة، وما يعانون هناك من العذاب الشديد، وما يحل بهم من الأمر الفظيع، وما يحصل لهم من الاضطراب النفسي الرهيب، حيث يختلقون الأعذار الواهية، ويستترون وراء الخيال والأوهام، ظانين أنها تغني عنهم شيئاً، فيزعمون أنّهم كانوا مؤمنين، كما يلقى بعضُهم التبعية على الآخرين، ويعلن البعضُ الآخر الكفر بما كانوا به مشركين، ويلتجئ آخرون منهم إلى الله قائلين، لو شاء اللهُ ما عبدنا من دونه من شيء، رغم طرق الهداية الكثيرة التي بينها الله لهم في الدنيا. كل ذلك نتيجة للاضطرابات العصبية العنيفة التي تثيرها الحسرة والندامة، ولكن حين لا ينفع الندم، حين ينكشف الغطاء وتظهر الحقيقة التي لا مفرّ منها، فلا شركاء، ولا شفعاء، ولا أنداد ولا غيرهم، وأن جميع المتبوعين يتبرأون من التابعين. عند ذلك يعلم المشركون أنّ القوة لله وحده، وأنه لا إله غيره، فلو تدبر هؤلاء المشركون واتعظوا بما سيحصل لهم من عذاب الله هناك، لانتهوا عما هم فيه من الشرك والضلال، ووحدّوا الله الذي لا إله غيره في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 494

هناك تتبرأ الملائكةُ من الذين يزعمون أنّهم يعبدونهم في الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ١. ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلاَ ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ٢. وتتبرأ الجن منهم كذلك، ويتنصلون من عبادتهم لهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤.

стр. 495

قال الفخر الرازي: "قال المفسرون: إذا استقرّ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، أخذ أهلُ النار في لوم إبليس وتقريعه، فيقوم في النار فيما بينهم خطيباً ويقول، ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ "١. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ٢. وقال الخليل ﵇ لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ٣. وفي اليوم الآخر يسألُ اللهُ المشركين عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه. فيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا

стр. 496

مُشْرِكِينَ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ١. قال ابن عباس ﵄: "أما قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّامُشْرِكِينَ﴾ ، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام فقالوا: تعالوا لنجحد ﴿قَالوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلُهم ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ .٢ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ٣. وإن الكفار ليتمنون العودة إلى الدار الدنيا، ليعملوا عملاً صالحاً، ويؤمنوا إيماناً صادقاً، حين يظهر لهم ما كانوا يخفونه في أنفسهم من

стр. 497

الكفر والمعاندة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ١. وأنهم يأتون يوم القيامة وحداناً ليس معهم شيء من الأنداد أو الأصنام أو الشفعاء الذين يزعمون أنهم يشفعون لهم، والذين ظنوا أنّهم شركاء في استحقاق العبادة. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢. ويبين الله تعالى حالة المجادلين في آيات الله، المكذبين لرسله وما جاؤوا به، ما ينتظرهم من العذاب الشديد في الآخرة، وهناك يقول لهم على سبيل التبكيت والسخرية، أين معبوداتكم الذين كنتم تعبدونهم في الدنيا؟

стр. 498

ووقتها يضطرب المشركون في الجواب: فتارة يقولون: غابوا عنا فلا نراهم، وتارة يجحدون عبادتهم لها، ويقولون لم نكن نعبد شيئاً، وتارة يرجعون ذلك إلى مشيئة الله تعالى، ولكن ذلك التملص وتلك الأعذار لا تجديهم من عذاب الله وعقابه شيئاً. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ١. وقال الله تعالى عنهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ... ﴾ ٢.

стр. 499

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢. إلى غير ذلك من الآيات التي تصف حال المشركين في الآخرة حين يتخلى عنهم الشفعاءُ والأنداد، وما يحصل لهم في ذلك اليوم الرهيب من ارتباك واضطراب نفسي عندما يواجهون مصيرهم إلى نار جهنم -نجّانا الله منها- وأنَّ أمراً هذا شأنه لجدير بالعناية والتأمل والخوف والحذر من الوقوع فيه. ٣- الخلود في نار جهنم: ولعظم جريمة الشرك وكبر بشاعته وشناعته فقد بيّن القرآن الكريم أنّ الله تعالى لن يتسامح مع مرتكبي هذا الجرم الفظيع، وأنّ الشرك يقطع الصلة بين الله تعالى وبين العباد، فلا يبقى لهم معه أمل من المغفرة والرحمة إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون.

стр. 500

ولا شكّ أنَّ الإنسان إذا لم تدله دلائل التوحيد المبثوثة في هذا الكون الكبير، وما جاء به الرسل الكرام من هداية البشرية، أنّ نفسه قد فسدت فساداً لا رجعة فيه، وأنه لم يبق في نفسه عنصر من عناصر الخير والصلاح، وأنّ فطرته التي فطره الله عليها قد انتكست وارتدت إلى أسفل سافلين، وبذلك فقد تهيأت بذاتها إلى حياة الخلود في دار الجحيم، والعياذ بالله. والآيات التي تبين أنَّ المشرك إذا مات قبل أن يتوب إلى الله توبة صادقة، فإنه يخلد في النار كثيرة، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ١. قال الطبري: "وقد أبانت هذه الآية أنّ كلَّ صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها، ما لم تكن كبيرته شركاً بالله"٢. وقال ابن الجوزي: "والمراد من الآية: لا يغفر الله لمشرك على

стр. 501

شركه، وفي قوله: ﴿لِمَن يَشَاء﴾ نعمة عظيمة من وجهين: أحدهما: أنها تقتضي أن كلَّ ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب، وإنْ مات مصراً. والثاني: أنّ تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع"١. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ

стр. 502

عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاَء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾ ٣. ومعنى الآيات الكريمة، أي: أنَّكم أيها المشركون وما تعبدون من

стр. 503

دون الله من الأوثان والأصنام، حطب جهنم ووقودها يوم القيامة، ولو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله تعالى آلهة صحيحة، لما وردوا النار ولما دخلوها، ولكن كُلاً من العبادين والمعبودين في نار جهنم خالدون مخلدون، وأنَّ لهؤلاء الكفرة في النار أصوات تخرج من قلوبهم المحزونة، ولكنهم مع هذا لا يسمعون من تلك الأصوات شيئاً، لأنهم يُحشرون صماً، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ١. قال المراغي: " أي ونجمعهم في موقف الحساب بعد تفرقهم من القبور -عمياً وبكماً وصماً كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون، ولا ينطقون بالحق، ويتصامون عن استماعه، فهم في الآخرة لا يبصرون ما تقرّ به أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ٢"٣. وفي عدم سماع أهل النار، ذكر ابن جرير والسيوطي عن عبد الله

стр. 504

بن مسعود ﵁ قال: "إذا ألقى في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابين في توابيت أخرى، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يرى أحدٌ منهم أنَّ في النار أحد يعذب غيره.."١. وزاد ابن الجوزي قولين آخرين: أحدهما: أنَّ السماع أنس، والله لا يحبُّ أنْ يؤنسهم. والآخر: إنما لم يسمعوا لشدة غليان جهنم٢. وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٤.

стр. 505

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ١. وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً، دخل النار" ٢. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" ٣. إلى غير ذلك من الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة، التي تبين المصير الأسود الذي ينتظر المشركين يوم القيامة، وهو الخلود الأبدي السرمدي في نار جهنم.

стр. 506

والحق أنَّ ذلك تقتضيه العدالة الإلهية بين البشر، بعد أن أوضح الله لهم سبل الهداية، وأرشدهم إلى طريق العبادة الصحيحة، إذ لا يستوي الموحدون والمشركون في ميزان الله تعالى، فالموحدون يستحقون الأجر والثواب على توحيدهم لربهم وإخلاصهم له في العبادة، والمشركون بالله يستحقون العذاب والنكال على شركهم وعصيانهم لله الذي خلقهم، واتباعهم طرق الغواية، وتنقصهم لرب العالمين.

стр. 507

المجلد الثاني الباب الثالث: دحض شبهات المشركين الفصل الأول: دحض شبهات المشركين حول بعض المسائل الغيبية المبحث الأول: حقيقة الملائكة وأراجيف المشركين حولهم ... الباب الثالث: دحض شبهات المشركين: ويشتمل على ما يلي: الفصل الأول: دحض شبهات المشركين حول بعض المسائل الغيبية المبحث الأول: حقيقة الملائكة، وأراجيف المشركين حولهم: الملائكة في الأصل جمع ملأك، ثم حذفت همزته لكثرة الاستعمال، فقيل: ملك، وقيل: أصله مألك بتقديم الهزة من الألوك، وهي الرسالة، ثم قدمت الهمزة وجمع١. وسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنهم رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده٢. وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية قادرة على التمثل بأنواع مختلفة الشكل بإذنه تعالى، مناسبة للحال التي يأتون فيها، ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٣. وقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنَّهم جعلوا الملائكة ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ وجعلوهم بنات الله، وعبدوها معه، فأخطأوا خطأ

стр. 508

كبيراً في كل مقام من هذه المقامات الثلاث١. وقد جادل القرآن الكريم هؤلاء المشركين في عدة مواضع، وألزمهم بالحجة البالغة، وبين سخافاتهم الوثنية، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢. لقد اختاروا لأنفسهم البنين، مع كراهتهم للبنات واحتقارهم لهنَّ، فإنَّ أحدهم إذا أخبر بولادة بنت، صار وجهه متغيراً من الغم والحزن، ومسوداً من الغيظ والكآبة، ولذلك فإنه يتوارى من قومه خجلاً من العار الذي قد يلحقه بسبب مجيء البنت، وكأنها في نظره بلية من البلايا، وليست هبة إلهية من الله تعالى. ثم يفكر فيما يصنع بهذه البنت، أيمسكها على الذل والهوان، أم يدفنها في التراب وهي حية، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ ٣.

стр. 509

وقوله تعالى: ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ في آية النحل، أي: ساء وقبح حكمهم في نسبتهم لخالقهم البنات، وهن عندهم مستحقرات، وإضافتهم لأنفسهم البنين لشرفهم عندهم، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١. وهذا الكلام يشتمل على أمرين: الأول: إثبات البنات لله، وذلك باطل؛ لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه، كيف يمكن إثباته للخالق؟ الثاني: إثبات أنّ الملائكة إناث، وهذا أيضاً باطل، لأنَّ طريق العلم إما الحس، وإما الخبر، وإما النظر. أما الحس فمفقود ههنا، لأنهم ما شاهدوا كيفية خلق الله للملائكة،

стр. 510

وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ . وأما الخبر فمفقود أيضاً، لأنَّ الخبر إنما يفيد العلم، إذا علم كونه صدقاً قطعاً، وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ . وأما طريق النظر، فمفقود وبيانه من وجهين: الأول: إنَّ دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب، لأنّ الله تعالى له الكمال المطلق، والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس، وهو المراد من قوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . يعني إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب عند العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب، كان قولهم باطلاً. الثاني: أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك، ظهر ضده وهو خلو الدعوى من أي دليل يدل على صحة قولهم، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . فثبت بما ذكر أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته لا

стр. 511

الحس، ولا الخبر، ولا النظر، فكان المصير إليه باطلاً قطعاً١. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ٢. فهذه الآيات الكريمة، هي على شاكلة الآيات السابقة في معالجة مفتريات المشركين في الملائكة، بالأدلة العقلية، ومناقشتهم بمنطق الحجة والبرهان. والآيات الكريمة تناقشهم فيما يلي٣:

стр. 512

١-جعلهم لله جزءاً من عباده، وقد أنكر القرآن عليهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ ، ومعنى ذلك أنَّهم أثبتوا لله ولداً، فإن ولدَ الرجل جزء منه، ولا شك أن إثبات الولد لله تعالى محال قطعاً، لذلك فقد أكد الله سبحانه كفرهم بقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ ، أي: إنَّ الإنسان بجحوده بنعم الله التي أنعمها عليه ظاهر الكفر، لمن تأمل حاله وتدبر أمره. ٢-مناقشتهم عن سرّ اختيارهم للبنين، وجعلهم البنات لله رب العالمين، جاء ذلك في الإنكار عليهم في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾ ، وقد تقرر عند هؤلاء المشركين تفضيل البنين على البنات، فلو كان مرجع القسمة إلى العقل، لكان اللهُ أولى بالبنين من البنات، ولو كان مرجعها إلى العدل -بصرف النظر عن استحالة ذلك أو إمكانه- لكان العدل يقتضي على أسوأ تقدير، التسوية في القسمة، ولكنهم تجاوزا في الطغيان والسذاجة حدود المألوف من الذوق والفطرة الإنسانية، قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١، أي: قسمة جائرة، وغير عادلة.

стр. 513

٣-بينت الآيات أنَّ الأنثى محل نقص في الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر من نقصها، كما قال بعض شعراء العرب: وما الحلي إلا زينة من نقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا كان الجمال موفرا ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا١ وأما نقص معناه، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت: ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة٢. وهذا مما يبين سوء نظرتهم للبنت. قال صاحب التسهيل عند هذه الآية: "والمقصد الردّ على الذين قالوا الملائكة بنات الله، كأنه قال: أجعلتم لله من ينشأ في الحلية؟ يعني يكبر وينبت في استعمالها، وذلك صفة النقص. ثم أتبعها بصفة نقص أخرى فقال: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ، يعني: أنّ الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت، لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله

стр. 514

من يتصف بهذه النقائص"١. وقد زادت الآيات المشركين توبيخاً وإنكاراً في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ . والمعنى أنَّ الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد، فكيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى؟ وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا غضبان ألا نلدَ البنينا وليس لنا من أمْرنا ماشينا وإنّما نأخذُ بالذي أعطينا٢ وفي قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ، كفر آخر تضمنه قولهم الشنيع، وهو اعتقادهم بأن الملائكة -الذين خلقوا لعبادة الله وطاعته- إناث. وقد ردّ اللهُ عليهم مقالهم هذا، فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ ، أي:

стр. 515

أحضروا وقت خلق الله لهم، حتى يحكموا بأنهم إناث؟ وفي هذا تجهيل للمشركين ورمي لهم بالسفه والحمق، ثم توعدهم على مقالهم بقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ ، أي: ستكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في الدنيا في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها يوم القيامة، ليأتوا ببرهان على صحتها، ولن يجدوا لذلك سبيلا. ٤-مناقشتهم في احتجاجهم بالقدر لعبادتهم الباطلة، جاء ذلك في قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ ، أي: وقالوا لو شاء الله لحال بيننا وبين عبادة الملائكة والأصنام، فإنه تعالى عالم بذلك، وقد أقرنا عليه. قال ابن كثير: "وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلاً كبيراً، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشدّ الإنكار، فإنه منذ بعث الرسل، وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه.."١. وقال القرطبي: "وهذا منهم كلمة حق أريدَ بها باطل، فكل شيء بإرادة الله، والمشيئة غير الرضى، ولا يصحُّ الاحتجاج بالمشيئة، فإنهم لو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أنّ الله أراد منهم ذلك"٢. ونستطيع أنْ نقول بأنَّ مشيئة الله تعالى وإرادته نوعان: مشيئة قدرية

стр. 516

كونية، ومشيئة شرعية. فالمشيئة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات. والمشركون جعلوا المشيئة الكونية والعامة دافعة للأمر والنهي، ولم يذكروها على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمر الله، دافعين بها شرعه١. ٥-إفهام المشركين بأنَّ عباداتهم في ذلك كله، ليس لها دليل ولا برهان، بل مجرد الآراء والأهواء وتقليد الآباء والأجداد ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ، أي: ما لهم على ما قالوا مستند يستندون إليه في تأييد دعواهم، وما هم إلا متقولون على الله زوراً وبهتاناً. ولما بين تعالى بطلان قولهم بالعقل، أتبعه ببطلانه بالنقل، فقال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ، أي: هل أنزلنا على هؤلاء المشركين كتاباً من قبل هذا القرآن، ينطق بصحة ما يدّعون حتى يعولوا عليه، ويتمسكوا بتوجيهاته؟ ولما لم يكن لهم حجة على ما زعموا، اعترفوا بأنّه ليس لديهم

стр. 517

مستند سوى تقليد آبائهم الجهلة ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ، فلما عجزوا عن الإتيان بما يبرر هذا الافتراء، بطل قولهم، وسقطت شبهتُهُم، وظهر أمرُ الله متمثلاً في عقيدة التوحيد الخالصة من أدران الشرك ورواسب الوثنية. ثم بين أن مقال هؤلاء سبقهم إلى مثله أشباهُهُم من الأمم المكذبة للرسل، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ، وفي هذا تسلية للرسول ﷺ ، ودلالة على أن التقليد في مثل ذلك ضلال قديم، وأسلافهم لم يكن لهم سند منظور يعتد به"١. بيان القرآن لحقيقة الملائكة: والقرآن الكريم يخبرنا بالكثير عن حقيقة الملائكة وأعمالهم في الكون، وعلاقتهم بالإنسان في الدنيا والآخرة. ومن أهم أعمالهم وأبرزها إبلاغ الوحي الإلهي إلى الرسل ﵈، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ

стр. 518

شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. وأخبر الله تعالى أنَّ الملائكة تظهر في صفوف منتظمة، تسبح له وتتلو آياته، فتلهم الحق والخير، وتزجر عن الكفر والشر، وقد أقسم اللهُ تعالى بها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ٢. ظهور الملائكة في صور البشر: وقد تظهر الملائكةُ في صور رجال من البشر، لكن هذا لا يعني أنها تمارس ما يمارسه البشر من طبائع وغرائز، مثل الأكل والشرب وغيره. فقد جاءت الملائكة إبراهيم ﵇ تبشره بمولد ابنه إسحاق على هيئة رجال من البشر، ولما كان إبراهيم ﵇ لم يعرفهم بعد، فإنَّه سارع بإعداد وليمة لإطعامهم، لكن الملائكة امتنعت عن الأكل الذي قدمه لهم إبراهيم، ولم تمتد له أيديهم، فشعر إبراهيم عند ذلك

стр. 519

بالخوف والريبة، ولكنهم أخبروه بأنهم رسل الله إلى قوم لوط ﵇. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ ١. ومن ظهور الملائكة في صورة البشر، ما ثبت عن النبي ﷺ من أن جبريل ﵇ كان يأتيه في صورة رجل أعرابي حسن المنظر. من ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه

стр. 520

إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ... " ١ الحديث. وفيه قال: "ثم انطلق فلبث ملياً، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". طاعة الملائكة لربهم، وشهادتهم بوحدانيته: والملائكة يخشون الله تعالى، ويخافون عقابه، ومن طبيعتهم الطاعة وعدم العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢. وهم يشهدون بوحدانية الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. ويشهدون على صحة ما جاء به الرسول ﷺ :

стр. 521

﴿لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ١. وهم يحملون عرش ربهم، ويستغفرون للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٢. وهم درجات عند ربهم، ولكل منهم مقام لا يتعداه، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ٣. حفظ الملائكة للإنسان في الدنيا بإذن الله: ولقد جعل الله تعالى من الملائكة من يحفظ الإنسان من الأذى، إلى نهاية أجله. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء

стр. 522

أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ ٢. وقد أيد الله رسوله ﷺ بالملائكة في هجرته من مكة إلى المدينة، قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣. مشاركة الملائكة المسلمين في بعض الغزوات: وفي غزوة بدر، حيث كان المسلمون في قلة من العدد والسلاح، لا يتميزون إلاّ بما اطمأنت به قلوبهم من عقيدة التوحيد الخالص، والثقة في

стр. 523

نصر الله الذي سعوا إليه بالعزم الصادق، والتضرّع الخالي من الغرور والكبرياء، أمد الله المسلمين بألف من الملائكة مردفين، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ١. وفي غزوة الأحزاب، نزلت الملائكة، وكان ما فعلته بالكفار، وما ألقته في قلوبهم من الرعب كفيلاً بردّهم خائبين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢. وفي يوم حنين نزلت الملائكة، ونكّلت بالكافرين جزاء لهم على كفرهم وبغيهم على المؤمنين بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ ٣. تسجيل الملائكة لأفعال العباد: ومن الملائكة المكلفين بمراقبة الناس في جميع حركاتهم وسكناتهم،

стр. 524

وتسجيل كل ما يصدر عنهم من خير وشر. قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٣. تنزيل الملائكة لتثبيت المؤمنين عند الموت: وليست علاقة الملائكة بالناس في الحياة فحسب، بل إنها تتنزل عند الموت على الذين آمنوا بالله صدقاً وأخلصوا العمل له، بأنّ لا يخافوا مما يقدمون عليه من أهوال القيامة، ولا يحزنوا على ما تركوه في الدنيا من الأهل والمال والولد، وأنَّ لهم الجنة، وأنَّ الملائكة أنصارهم وأولياؤهم في الدنيا والآخرة، يرشدونهم إلى ما فيه الخير والسعادة.

стр. 525

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ ١. وحين يتعرض المؤمنون لغمرات الموت، فإنَّ الملائكة تبشرهم بالجنة، وتبعث في نفوسهم الأمن والسكينة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢. حسن استقبال الملائكة للمؤمنين في الآخرة: وتستقبل الملائكةُ المؤمنين على أبواب الجنة، يهنئونهم بما هم قادمون عليه، فلا تخيفهم أهوال يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ٣. وفي الجنة ينعم المؤمنون بتسليم الملائكة عليهم، وترحيبهم بهم، قال

стр. 526

تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ١. تعنيف الملائكة للكفار عند قبض أرواحهم: وعلى النقيض مما سبق، يكون موقف الملائكة مع الكافرين الجاحدين، ذلك أنه من بدء سكرات الموت، فإنَّ الملائكة تتلقف أولئك الخاسرين بالتعنيف والأذى، والحساب العسير، على ما فرطوا في جنب الله، واتباعهم للعقائد الضالة، ثم يعرضون عليهم مشاهد مما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢.

стр. 527

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ ٣. لعن الملائكة للكفار: وهم يلعنون الكفار مع لعن الله لهم والناس أجمعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 528

الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ١. الملائكة لا يملكون من الأمر إلا ما شاء الله: وعلى الرّغم مما رأينا من الصّلة الوثيقة بين الملائكة والإنسان في جميع مراحله المختلفة، سواء أكان ذلك قبل الموت أم بعده، فإنها لا تملك من أمره شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، وكلُّ ما يمكن قوله إنَّ الملائكة جنود الله وعبيده، منفذون لأوامره، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢. أما الأمر فكله لله تعالى، لا يشاركه فيه من خلقه مشارك، ولو كان نبياً مرسلاً، أو ملكاً مقرباً، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣.

стр. 529

وقال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ ٣. الأمر بالإيمان بالملائكة: وقد أمر الله تعالى عباده بالإيمان بهم، والتصديق بوجودهم، بل

стр. 530

وقرن الإيمان به تعالى بالإيمان بهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١. وجعل تعالى إنكارهم كفراً وضلالاً، قال تعالى: ﴿ ... وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ ٢. خلاصة ما تقدم: ومن هذا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم بين منزلة الملائكة عند الله تعالى بما لا يحتملُ الجدل والمناقشة، فما الملائكة إلاّ عباد مكرمون، يفعلون ما يؤمرون، وهم يحصون أعمال العباد، وهم حملة عرش الرحمن ﵎، يطُوفوُن حوله ويسبحون بحمد ربّهم، وينزلون فيما عظم من الأمور بإذن الله تعالى، ويشهدون بوحدانيته، ويشهدون على صحة ما أنزل على الرسول ﷺ من القرآن وحمل الرسالة. وهم يُثّبتُون المؤمنين في جهادهم، ويصلون عليهم، ويتلقونهم عند وفاتهم بالبشرى والتحية الطيبة، والتكريم الحسن والاستغفار لهم، في حين أنّهم يعاملون الكفار عند الوفاة بالشدة والقسوة، ويتلقونهم في الآخرة بمثل ذلك ويلعنونهم.
следующие страницы →