← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ١. تعنيف الملائكة للكفار عند قبض أرواحهم: وعلى النقيض مما سبق، يكون موقف الملائكة مع الكافرين الجاحدين، ذلك أنه من بدء سكرات الموت، فإنَّ الملائكة تتلقف أولئك الخاسرين بالتعنيف والأذى، والحساب العسير، على ما فرطوا في جنب الله، واتباعهم للعقائد الضالة، ثم يعرضون عليهم مشاهد مما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢.

стр. 527

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ ٣. لعن الملائكة للكفار: وهم يلعنون الكفار مع لعن الله لهم والناس أجمعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 528

الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ١. الملائكة لا يملكون من الأمر إلا ما شاء الله: وعلى الرّغم مما رأينا من الصّلة الوثيقة بين الملائكة والإنسان في جميع مراحله المختلفة، سواء أكان ذلك قبل الموت أم بعده، فإنها لا تملك من أمره شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، وكلُّ ما يمكن قوله إنَّ الملائكة جنود الله وعبيده، منفذون لأوامره، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢. أما الأمر فكله لله تعالى، لا يشاركه فيه من خلقه مشارك، ولو كان نبياً مرسلاً، أو ملكاً مقرباً، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣.

стр. 529

وقال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ ٣. الأمر بالإيمان بالملائكة: وقد أمر الله تعالى عباده بالإيمان بهم، والتصديق بوجودهم، بل

стр. 530

وقرن الإيمان به تعالى بالإيمان بهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١. وجعل تعالى إنكارهم كفراً وضلالاً، قال تعالى: ﴿ ... وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ ٢. خلاصة ما تقدم: ومن هذا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم بين منزلة الملائكة عند الله تعالى بما لا يحتملُ الجدل والمناقشة، فما الملائكة إلاّ عباد مكرمون، يفعلون ما يؤمرون، وهم يحصون أعمال العباد، وهم حملة عرش الرحمن ﵎، يطُوفوُن حوله ويسبحون بحمد ربّهم، وينزلون فيما عظم من الأمور بإذن الله تعالى، ويشهدون بوحدانيته، ويشهدون على صحة ما أنزل على الرسول ﷺ من القرآن وحمل الرسالة. وهم يُثّبتُون المؤمنين في جهادهم، ويصلون عليهم، ويتلقونهم عند وفاتهم بالبشرى والتحية الطيبة، والتكريم الحسن والاستغفار لهم، في حين أنّهم يعاملون الكفار عند الوفاة بالشدة والقسوة، ويتلقونهم في الآخرة بمثل ذلك ويلعنونهم.

стр. 531

ومع ذلك كله، فإنَّ الملائكة مهما علت منزلتهم عند ربهم، فإنَّهم لا يخرجون عن كونهم عبيداً لله تعالى، خاضعين له، مشفقين من خشيته، عارفين لحدودهم، فلا يتكلمون ولا يشفعون إلاّ بإذن ربهم ورضاه. وفي ذلك كله الردّ القاطع على مفاهيم المشركين الخاطئة نحو الملائكة، والتصحيح لما في أذهانهم من انحرافات وخرافات.

стр. 532

المبحث الثاني: إنكار المشركين لليوم الآخر ومنهج القرآن في إثباته: الحكمة من البعث: لقد خلق الله الخلق لعبادته، وكلفهم بالعبودية له، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وبيّن ﵎ للناس طريق الخير، وطريق الشر، ليكونوا على بينة من أمرهم، ولما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد لقبول الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ٢. ولما كان الخالق الحكيم لم يخلق الناس عبثاً، ولم يتركهم سدى، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ

стр. 533

يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ١. لذلك فإنَّ عدل الله وحكمته، وإعطاءه لكل ذي حق حقه، وتفريقه بين الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء، وحتى لا يكون من كفر بالله وعصاه كمن عبده وأطاعه، لهذا فإنَّ الله تعالى جعل اليوم بعد هذه الحياة؛ لينال فيه كل إنسان جزاء عمله من الثواب والعقاب. جاء ذلك واضحاً في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ ٢. وقوله : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي

стр. 534

الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ١. وواقع الحال أننا نرى كثيراً ممن ارتكبوا جرائم في هذه الحياة يفارقونها وهم متلبسون بجرائمهم، ولم يقتص منهم، كما نرى أناساً آخرين يغادرونها وهم مظلومون، ولم ترد إليهم مظالمهم، ولم يقتص من ظالميهم، كما نرى أشراراً في الدنيا منعمين، وأخياراً معذبين، مع العلم أنَّ ذلك كله واقع بعلم الله القوي القادر السميع البصير، الذي لا تخفى عليه خافية، والذي قد حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرماً، ولكنه تعالى يمهل ولا يهمل. لذا والحالة هذه، فإنه إذا ذهب كلُّ إنسان بما فعل، ظالماً أو مظلوماً دون محاسبة، أو مجازاة، كان ذلك خدشاً في حق الإله العظيم، وعدله ﵎، فلا بدَّ إذاًَ من يوم يقف فيه الظالم والمظلوم، والقائم بالتكاليف الإلهية، والتارك لها بين يدي الخالق جل وعلا، ليقتص من الظالم للمظلوم، ولينال كلُّ من المحسن والمسيء جزاءه المستحق، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٢.

стр. 535

وقال تعالى: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١. لهذا كله، فإن الحكمة واضحة في أنه لا بدّ من حياة أخرى غير هذه الحياة، يحضر فيها الجميع بين يدي الخالق ﵎ لمجازاة المكلفين منهم بحسب كسبهم الإرادي الاختياري، الذي كسبوه في هذه الدنيا، لأنَّ الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣. شبه منكري البعث: ومع ظهور الحكمة في إعادة الحياة إلى الموتى للحساب والجزاء، فإنَّ

стр. 536

بعضاً من المشركين قد ضلوا في هذا الباب، والحق أنهم ليس لهم مستند فيما ذهبوا إليه، سوى الإنكار والاستبعاد الناتج عن تصورهم لتفتت العظام، وتحلل الأجساد بعد الموت إلى ذرات ترابية صغيرة، واختلاط تلك الأجزاء الصغيرة بالأرض والنبات. وقد قصّ الله تعالى مقولات هؤلاء المنكرين وشبهاتهم في كتابه الكريم، والتي تعود كلها كما قلت إلى الإنكار والاستبعاد. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٤.

стр. 537

وقال تعالى: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ١. ولشدة تعنت المنكرين للبعث، فقد نسبوا القائل به إلى الكذب والافتراء والجنون. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ ٢. إنَّ الأمر غريب وعجيب عندهم، والحديث عنه يعد خرافة كما قال قائلهم: حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو٣ وقال شداد بن أوس بن عبد شمس في رثاء أهل بدر من المشركين:

стр. 538

وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى١ تكلل بالسنام يخبرنا الرسول لسوف نحيا ... وكيف حياة أصداء وهام٢ ولما كانت قضية البعث بعد الموت من القضايا المهمة في العقيدة الإسلامية، شأنها في ذلك شأن إثبات الوحدانية لله تعالى، فقد اهتم القرآن الكريم بالدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر غاية الاهتمام، وجمع بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٣. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٤. وقوله: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٥.

стр. 539

وقوله: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١. أدلة القرآن في إثبات البعث: ولقد استدل القرآن الكريم على إمكان البعث وتحقق وقوعه بأدلة مختلفة يمكن إيجازهما فيما يلي: الأول: الاستدلال على وقوع البعث بمن أماتهم الله ثم أحياهم، فقد ذكر القرآن الكريم عدداً من الأمثلة من هذا النوع من الاستدلال، وإليك البيان: ١-ما ذكره الله تعالى عن قوم موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. وقد ذكر المفسرون: أن الذين أخذتهم الصاعقة هم السبعين الذين اختارهم موسى ﵇ من خيارهم لميقات وقّته له ربه، فقالوا له: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ، فأخذتهم الصاعقة، وهي كما قالوا:

стр. 540

-نار من السماء- فماتوا جميعاً، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ولم يزل حتى ردّ الله إليهم أرواحهم، فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون١. قال النحاس: "وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ أخبروا بهذا"٢. ٢- قصة الرجل من بني إسرائيل الذي ضرب بعضو من أعضاء البقرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣. وذلك أن القتيل ضرب بعضو من أعضاء البقرة التي أمرهم الله بذبحها، كما قال لهم موسى ﵇: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ٤، فلما ضرب ببعضها قام تشخب أوداجه دماً، فقالوا له من

стр. 541

قتلك؟ قال: قتلني فلان، ثم عاد ميتاً كما كان١. قال الطبري: "قوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى﴾ مخاطبة من الله لعباده المؤمنين، واحتجاج منه على المشركين المكذبين بالبعث، وأمرهم بالاعتبار بما كان منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل بعد مماته في الدنيا، فقال لهم تعالى ذكره: أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، اعتبروا بإحيائي هذا القتيل بعد مماته، فإني كما أحييته في الدنيا، فكذلك أحي الموتى بعد مماتهم، فأبعثهم يوم البعث، وإنّما احتج جل ذكره بذلك على مشركي العرب، وهم قوم أميون لا كتاب لهم، لأنَّ الذين كانوا يعلمون ذلك من بني إسرائيل كانوا بين أظهرهم، وفيهم أنزلت هذه الآيات، فأخبرهم جل ذكره بذلك ليتعرفوا علم من قبلهم"٢. ٣- قصة الذين أخبر الله تعالى عنهم في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٣. وهؤلاء هم قوم من بني إسرائيل، وقع فيهم الوباء، ففروا هاربين،

стр. 542

قال ابن عباس ﵄: "كانوا أربعة آلاف، وعنه كانوا ثمانية آلاف، وعنه أيضاً أربعون ألفاً خرجوا فراراً من الطاعون، قالوا نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال الله لهم: "موتوا" فماتوا، فمرّ عليهم نبيٌ من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم"١. ٤- ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢. والذي مرّ على القرية هو: "عزير" ﵇ على القول المشهور، والقرية المشهور أنها بيت المقدس، مرّ عليها عزير بعد تخريب بختنصر لها، وقتل أهلها، ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله٣. ٥- سؤال إبراهيم ﵇ عن كيفية إحياء الموتى، قال تعالى:

стр. 543

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم ﵇ أسباباً منها أنه لما قال للنمرود ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ، أحب أنْ يترقى من علم اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة٢. وأما حديث: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذْ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ... ﴾ "٣ الآية، فإن إبراهيم ﵇ لم يكن شاكاً في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى هذا الذي ورد من النبي ﷺ على أقوال كثيرة، أحسنها وأصحها ما قاله أبو

стр. 544

إبراهيم المزني وجماعة من العلماء، من أنَّ الشكَ مستحيلٌ في حق إبراهيم ﵇، فإنَّ الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنَّ إبراهيم ﵇ لم يشك، وإنّما خص إبراهيم بالذكر لكون الآية قد يسبق الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، فنفى ذلك عنه، وإنّما رجح إبراهيم على نفسه ﷺ تواضعاً وأدباً، أو قبل أنْْ يعلم ﷺ أنه خير ولد آدم١. وذكر ابن حجر ﵀ عن بعض علماء العربية:" أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٢، أي لا خير في الفريقين، ونحو قول القائل: الشيطان خير من فلان، أي لا خير فيهما، فعلى هذا فمعنى قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" لا شك عندنا جميعاً "٣ا.?. أما قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ ، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "أوثقهُّن فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهم جزءاً، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن

стр. 545

ونتف ريشهن ومزقهن، وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءاً، قيل أربعة أجبل، وقيل سبعة. قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله أن يدعوهن فدعاهن كما أمره الله ، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدمّ إلى الدّم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته وأتينه يمشين سعياً، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته"١. ٦- ما أخبر الله تعالى في عيسى ﵇، أنه كان يحيى الموتى بإذن الله، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ ٢. وذكر المفسرون أنه أحيا أربعة أنفس من الموت٣، وكان إحياء

стр. 546

عيسى الموتى بدعائه لله، يدعو لهم فيستجيب له١. ٧- ما أخبر الله عنه من قصة أصحاب الكهف، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ٢. وقال تعالى عنهم: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ٣. وقال أيضاً: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ ٤. قال ابن كثير ﵀: " ذكر غير واحد من السلف أنه قد حصل

стр. 547

لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجةً ودلالةً وآيةً على ذلك"١. الثاني: الاستدلال بالنشأة الأولى: جاء ذلك في آيات كثيرة منها ما يلي: ١- قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ٢. والمعنى: أن المشركين المكذبين بالبعث، قالوا إذا أصبحنا عظاماً نخرة، وذرات متفتتة كالتراب، هل سنبعث ونخلق خلقاً جديداً؟ ويجيبهم الله تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يقول: لو كنتم من نوع الحجارة أو الحديد، لقدر الله تعالى على بعثكم وإحيائكم، فضلاً عن كونكم من العظام والرفات، لأنَّ الله تعالى لا يعجزه شيء ﴿أَوْ

стр. 548

خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: أو كونوا خلقاً آخر أبعد عن الحياة من الحجارة والحديد، مما يصعب في نفوسكم تصور الحياة فيه ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ أي: من الذي يردنا إلى الحياة بعد الممات ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، أي: قل لهم يا محمد: القادر العظيم الذي خلقكم وأنشأكم من العدم أول مرة، هو الذي يعيدكم ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي: يحركون رؤوسهم قائلين في استهزاء وتعجب واستنكار، متى يكون هذا البعث الذي تدعيه؟ وهنا يقول الحق لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: لعله يكون قريباً، فإن كلَّ ما هو آت قريب١. ٢- وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ٢. وفي هذه الآية الكريمة، ينبه الله تعالى الجاحد للبعث على خلقه

стр. 549

الأول، ليستدل به على الإعادة، ويعلم أنَّ الذي خلقه من العدم، قادر على أنْ يعيده بعد الفناء وتشتت الأجزاء. قال بعض العلماء: "لو اجتمع كلُّ الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار، لما قدروا عليها، إذ لا شك أنَّ الإعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً"١. ٣-وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢. ٤-وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ

стр. 550

فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ ١. فهذه الآيات الكريمة تقوم على مقدمات وحقائق واضحة بنيت عليها نتائج ثابتة، مع ما فيها من السهولة والوضوح التام. فالله تعالى يذكر للمجادلين في قدرة الله تعالى، المنكرين للبعث، دليلين واضحين على إمكان البعث: أحدهما: في الإنسان نفسه. والآخر في النبات. فأما الدليل الذي في الأنفس، فهو يشتمل عليه صدر الآية الكريمة، وهو متعلق بالنشأة الأولى: (فكأن الله سبحانه قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث، فتفكروا في خلقكم الأول، لتعلموا أنَّ القادر على خلقكم أولاً، قادرٌ على خلقكم ثانياً) ٢. ومعنى ذلك فإن شككتم أيها المنكرون للبعث في قدرة الله على إحيائكم بعد موتكم، فانظروا في أصل خلقكم ليزول ريبكم، فقد خلقنا أصلكم "آدم" ﵇ من التراب، ثم جعلنا خلقكم بعد ذلك من نطفة ماء، ثم إلى علقة، وهو الدم الجامد، ثم إلى مضغة، وهي القطعة من اللحم متبينة الخلق والصورة، وغير متبينة في شكلها وخلقها، لنيبن لكم

стр. 551

قدرتنا على الخلق والإعادة ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ، أي: ونثبت من الحمل في الأرحام من أردنا أن نقره فيها، حتى زمن الوضع ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي: ثم نخرج هذا الجنين فينمو شيئاً فشيئاً ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ، أي: كمال قواكم وعقولكم ﴿وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى﴾ فيموت في شبابه، ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ، فيصل إلى سن الشيخوخة والهرم ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ فيعود إلى ما كان عليه في أوان الطفولة من الضعف وقلة الفهم والإدراك. فالآية الكريمة تخاطب المنكر للبعث، قائلة له: إنْ كنت تستبعد البعث والنشور، فما عليك إلا أنْ تنظر إلى أصل خلقك، ونشأتك الأولى وحياتك المتعددة، فعند ذلك تعلم علم اليقين، أنَّ القدرة التي صنعت ذلك لا يعجزها إحياؤك بعد موتك. وأما دليل النبات أو إحياء الأرض بعد موتها، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ، وسيأتي إيضاح هذا الاستدلال في موضعه. قال الفخر الرازي: "ثم إنه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أموراً خمسة:

стр. 552

١- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ ، والحق هو الموجود الثابت، فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع، وحاصلها راجع إلى حدوث هذه الأعراض وتواردها على الأجسام دليل على وجود الصانع. ٢- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ، فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء، فكيف يستبعد منه إعادة الأموات. ٣- قوله تعال: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني: أنَّ الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء، لا بدّ أنْ يكون قديراً قادراً على الإعادة أيضاً. ٤- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾ ، والمعنى أنه لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة، وأنه تعالى قادر على كل شيء، وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة في نفسها، وإذا ثبت الإمكان، وأخبر الصادق عن وقوعه، وجب القطع بوقوعه. ٥- ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ ، أي: ولتوقنوا بأنَّ الله حينئذ يبعثُ من في القبور أحياء إلى مواقف الحساب. ثم قال الرازي: واعلم أنّ تحرير هذه الدلائل على الوجه النظري، أنّ

стр. 553

يقال الإعادة في نفسها ممكنة، والصادق أخبر عن وقوعها، فلا بدّ من القطع بوقوعها"١ا.?. ٤- ومن أدلة البعث قياساً على النشأة الأولى، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٢. ٥- وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ، أي: وهو الذي يبدأ الخلق من غير أصل له، فينشئه بعد أنْ لم يكن شيئاً، ثم يفنيه بعد ذلك، ثم يعيده كما بدأه، وذلك أسهل عليه حسب ما يدور في عقول المخاطبين، من أنّ

стр. 554

من فعل شيئاًَ مرة، كانت الإعادة أسهل عليه، وإلاّ فكل الممكنات بالنظر إلى قدرة الله تعالى سواء١. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٢. والمعنى: أفعجزنا عن ابتداء الخلق، حتى نعجز عن إعادته بعد الموت؟ قال ابن كثير ﵀: "والمعنى أنَّ الخلق لم يعجزنا، والإعادة أسهل منه"٣. ٦- وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.

стр. 555

٧- وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١. قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبيّ بن خلف لعنه الله إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذره في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أنَّ الله يبعث هذا؟ قال ﷺ : "نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار". ونزلت هذه الآيات من آخر يس. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: إنّ العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله ﷺ : أيحيي اللهُ هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم يميتك الله، ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم"، قال ونزلت الآيات من آخر يس٢. قال ابن كثير: "وعلى كل تقدير، سواء كانت هذه الآيات نزلت في أبيّ بن خلف، أو العاص بن وائل، أو فيهما، فهي عامة في كل

стр. 556

منكر للبعث"١. ٨- وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٢. ومعنى الآيات الكريمة، أفيظن الإنسان أنْ يترك هملاً من غير بعث ولا حساب؟ وبدون تكليف، بحيث يبقى كالبهائم، أما كان هذا الإنسان نطفة له ماء مهين، يخرج من بين صلب الرجل، وترائب المرأة، ثم كان علقة من دم غليظ متجمد، فخلقه الله بقدرته في أحسن صورة وأجملها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ٣، فكان من هذا الإنسان الذكر والأنثى بقدرته تعالى، أليس الذي أنشأ الإنسان هذه النشأة العجيبة، بقادر على إعادة خلقه بعد فنائه؟ "سبحانك اللهم بلى". إلى غير ذلك من الآيات التي أوردها القرآن في اثبات البعث مستدلاً على ذلك بالنشأة الأولى.

стр. 557

الثالث: الإستدلال على البعث بخلق السموات والأرض بطريق الأولى، ومن الحجج التي استدل القرآن بها على منكري البعث، بيان قدرته العظيمة على خلق الأكوان، ومن ذلك خلقه للسموات والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ٤.

стр. 558

فهذه الآيات الكريمة، وما في معناها من أكبر الأدلة والبراهين على قدرة الخالق العظيم، لأنه من المعروف ببداهة العقول السليمة، أنَّ خلق السموات والأرض أعظم من البعث وإعادة خلق الناس. الرابع: الاستدلال بخلق النبات: ومن أدلة القرآن على إمكان البعث، قياس إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات، جاء ذلك في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ

стр. 559

فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢. فهذه الآيات الكريمة، استدل بها القرآن الكريم على بعث الموتى من قبورهم، وذلك أنَّ الله تعالى ينزل الأمطار على الأرض المجدبة القاحلة، فتحيا بعد أن كانت ميتة هامدة، وتهتز وتربو وتنبت من أصناف النباتات المختلفة، وكذلك الأموات يخرجون كما تخرج هذه النباتات من الأرض الميتة، إذ أنَّ القادر على هذا قادر على ذلك، ولو كانت إعادة الحياة إلى الإنسان مستحيلة، لما عادت الحياة إلى النباتات بعد موتها، لأنَّ المشابهة واضحة. ولقد لفت القرآن الكريم أنظار المنكرين للبعث إلى التأمل والتبصر في المخلوقات المحسوسة والمشاهدة، لأخذ العبرة منها، ليعود للنفوس إيمانها فتشعر بالاستقرار والطمأنينة. الخامس: الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر: قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ

стр. 560

تُوقِدُونَ﴾ ١. قال الفخر الرازي: "ووجهه هو أنَّ الإنسان مشتمل على جسم يحس به، وحياة سارية فيه، وهي كحرارة جارية فيه، فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه، فلا تستبعدوه، فإنَّ النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء، أعجب وأغرب، وإن استبعدتم خلق جسمه، فخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم، فلا تستبعدوه، فإنَّ الله خلق السموات والأرض"٢. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ﴾ ٣. ووجه الاستدلال من الآيتين: أنَّ من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر، لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت٤. السادس: الإستدلال بحصول اليقظة بعد النوم: فإنَّ النوم أخو الموت، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى

стр. 561

ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. ثم ذكر عقيبه أمر الموت والبعث، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ٢. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣. والمراد من ذلك الإستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر٤. وهناك استدلالات أخرى، ذكرها بعضُ العلماء أمسكنا عنها اختصاراً٥.

стр. 562

المبحث الثالث: بيان الحق في أمر الشفعاء: معنى الشفاعة لغة: قال ابن الأثير: "الشفعة في كل ما لم يقسم، وهي مشتقة من الزيادة، لأنّ الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به، كأنه كان واحداً وتراً، فصار زوجاً شفعاً، والشافع هو الجاعل الوتر شفعاً ... وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: شفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمُشَفِّع: الذي يَقْبَلُ الشفاعة، والمُشَفَّع الذي تقبل شفاعته"١. وفي المفردات للراغب: "والشفاعة الإنضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثرُ ما يستعمل في إنضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة"٢. وقال ابن فارس: "الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين"٣. وفي القاموس المحيط: "وشفعته فيه تشفيعاً حين شفع شفاعة،

стр. 563

واستشفعه إلينا سأله أن يشفع"١. ومن هذا يظهر لنا أنَّ الشفاعة في اللغة، تدورُ حول اقتران شيء بشيء، أو إنضمام شيء إلى شيء لزيادته أو لنصرته، أو للتجاوز عنه. وإذا بحثنا الشفاعة في كتاب الله تعالى، نجد أنَّها تنقسم إلى قسمين: شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخرة، ونجد أنّ الشفاعة في الدنيا خاصة بالعباد، وتقع لبعضهم من بعض، لأنهم يملكونها، وهي تنقسم إلى قسمين: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة، ومثال الشفاعة الحسنة: ما إذا استشفع شخص بشخص آخر عند ذي مال أو منصب أو سلطان ليشفع له عنده برفع حاجته إليه، لإظهار حقه أو إزالة الضرر والظلم عنه، فإنَّ تلك الشفاعة جائزة، وينال فاعلها الثواب من الله ﵎، بدليل قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ ٢. وقول الرسول ﷺ : "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء" ٣.

стр. 564

أما الشفاعة السيئة: فهي ما إذا استشفع شخصٌ بشخص آخر في تعطيل حد من الحدود، أو إسقاط حق من الحقوق، أو إلحاق الضرر بآخر، فإنَّ تلك الشفاعة غير جائزة، وينال فاعلُها العقاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ ١. وقد أمر الله تعالى عباده بالتعاون على فعل الخيرات، ونهاهم عن المنكرات، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٢. أما الشفاعة في الآخرة، فلا تكون إلا بأمر الله وحده، لا يملكها غيره، وخاصة بمن له ملك السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.

стр. 565

قال الفخر الرازي: "وتقرير الجواب، أنّ هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها. والأول باطل؛ لأنّ هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً، ولا تعقل شيئاً، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها. والثاني باطل؛ لأنّ في يوم القيامة لا يملك أحدٌ شيئاً، ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره، وهذا هو المراد من قوله ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ "١. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٢. وتنقسم الشفاعةُ في الآخرة إلى قسمين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. فأما الشفاعة المثبتة، فهي: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له٣.
следующие страницы →