قال القفال: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب، أنّ الله تعالى علم أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيراً، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق"١.
٩- الربا:
الربا لغة: الزيادة، يقال: ربا المال يربو ربواً، إذا زاد وارتفع٢.
وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبائع٣.
وقد كان هذا الوباء منتشراً في الجاهلية إنتشاراً واسعاً، ولا ريب أنّ لليهود الذين سكنوا الجزيرة العربية اليد الطولى في انتشار هذا الداء بينهم، فاليهود هم الذين ﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٤.
والربا قسمان٥:
١-ربا النسيئة.
٢-وربا الفضل.
стр. 737
وربا النسيئة (التأجيل) هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.
وربا الفضل وهو بيع النقود بالنقود، أو الطعام بالطعام مع الزيادة.
وبالنظر إلى الآيات الواردة في الربا، نجد أنّ القرآن الكريم قد تعرض لهذا الداء الوبيل في أربعة مواضع:
ففي المرحلة الأولى يقول تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١.
والآية الكريمة كما تبين أنّ الربا ليس له ثواب عند الله، فهي كذلك لم تذكر أنّ الله قد أجل لآكله عقاباً، كما تبين الآية أنّ ما أخذه المرابي من المحتاج عن طريق الاستغلال ليزيد به في ماله بلا مقابل، فإنّ ماله لن يزيد عند الله تعالى.
أما المرحلة الثانية: فقد كانت درساً وعبرة قصها علينا القرآن الكريم عن سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الربا، فأكلوه، وعاقبهم الله بمعصيته، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
стр. 738
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.
وواضح أنّ هذه العبرة لا تقع موقعها إلاّ إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصداً في هذا الأمر.
ثم تأتي المرحلة الثالثة: تحمل النهي الصريح عن الربا، ولكنه لم يكن إلاّ نهياً جزئياً عن الربا الفاحش، الذي يتزايد حتى يصير أضعافاً مضاعفة٢.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
قال ابن جرير: "إنّ الرجل كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافاً مضاعفة،
стр. 739
فنهاهم الله في إسلامهم عنه"١.
وفي النداء للمؤمنين بهذا الوصف، دليل على أنّ الإيمان يتنافى مبدئياً مع أكل الربا الذي لا يكون إلا مع الجشع والظلم واستغلال المحتاجين، والإيمان إنّما يكوِّن مجتمعاً نظيفاً سليماً يبني معاملاته كلها على التراحم والتعاون على الخير.
وأخيراً تأتي المرحلة الرابعة، والتي ختم بها التشريع في الربا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
والنص الكريم يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا، فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد لما أمر الله به، والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر، ولا يدع إنساناً يتستر وراء كلمة الإيمان، بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله، ولا ينفذه في حياته، ولا يحكمه في معاملاته.
ولقد ترك لهم ما سلف من الربا لم يقرر استرداده منهم، ولا
стр. 740
مصادرة أموالهم كلها، أو جزء منها، بسبب أنّ الربا كان داخلاً فيها.. إذ لا تحريم بغير نص، ولا حكم بغير تشريع.. وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به.. واستجاش قلوبهم –مع هذا- شعور التقوى لله، وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته.
وإلى جوار صفحة الترغيب هذه صفحة الترهيب.. الترهيب الذي يزلزل القلوب: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ﴾ .
يا للهول حرب من الله ورسوله.. حرب تواجهها النفس البشرية، حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة.. فأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟ "١.
ولقد كتب رسول الله ﷺ بهذه الآيات إلى عتاب بن أسيد نائب مكة، من أجل محاربة بني المغيرة إذا لم يقلعوا عن التعامل بالربا، فقالوا: "نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا" فتركوه كلهم٢.
стр. 741
وقد أمر ﷺ في خطبته في حجة الوداع بوضع كل ربا في الجاهلية، وأوله ربا عمه العباس عن كاهل المدينين الذين ظلّوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام.
فقال في خطبته: "وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله" ١.
هذا وقد أفاض القرآن الكريم في بيان العبادات، وأصول الأخلاق، وحقوق الإجتماع، وشرحها شرحاً وافياً حيث حبب إلى الناس الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجفاء الطبع، وحقد القلب، وخشونة اللفظ، وأمر بالقصاص لضرورة حماية الأنفس وصيانة المجتمعات من الفوضى وانتهاك المحارم، وأمر بالجهاد والطاعة، والوضوء والغسل من الجنابة، وأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث على الزواج الشرعي لبقاء النسل، وقضاء الوطر في لقاء طاهر شريف بين الذكر والأنثى من بني البشر.
وأمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وأمر بالشكر والورع والحياء، وكف الأذى، ونصرة المظلوم،
стр. 742
ونهى عن الظلم والاحتقار، والغيبة والنميمة، والتجسس والجهر بالسوء من القول، والتباغض والتحاسد والكذب وشهادة الزور، والهمز واللمز، والغش والخداع، ودعوى الجاهلية واعتبارها خبيثة منتنة.
وأمر بالاستئذان وغض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ اللسان، والحب في الله، والبغض في الله، وأمر بإفشاء السلام، وحسن الخلق، والإحسان إلى الجار، واليتامى والمسكين وابن السبيل ... إلى آخره.
ونستطيع القول بأنّ النقلة التي أحدثها الإسلام تشمل الحياة كلها من أدب الأكل والشرب، وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة وسياسة الحكومة وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.
وتفصيل الأمر في ذلك يحتاج إلى مجلدات ضخمة.
стр. 743
الفصل الثالث: موقف الإسلام من المشركين: ويشتمل على ما يلي:
١- تمهيد:
أطلق القرآن الكريم لفظ المشركين على عبّاد الأوثان والأصنام، وقد أصبح هذا اللفظ علماً عليهم يميزهم عن بقية الأديان الأخرى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً﴾ ٣.
وقال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ٤.
стр. 744
ففي هذه الآيات، نرى أن القرآن قد ميز أهل الكتاب –على ما فيهم من ضلال وباطل- عن عبدة الأوثان والأصنام.
قال صاحب المغني: "وسائر آي القرآن الكريم يفصل بينهما، فدلّ على أن لفظ المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب"١.
وقال القرطبي في هذا الخصوص: "ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه"٢.
ووصف القرآن الكريم لعبدة الأوثان والأصنام على لسان الرسول ﷺ بالمشركين فيه تسفيه لعقولهم، وأنّ عبادتهم تلك باطلة وفاسدة؛ لأنها مبنية على الجهل والضلال، وفيه الدعوة لهم إلى تحكيم عقولهم، والنظر إلى معبوداتهم بعين الازدراء والاحتقار، وأنْ يخلصوا العبادة لرب الأرباب، والذي بيده الخير والعطاء والمنع والحرمان.
ولتلوث المشركين بهذه العبادات القذرة، أصبحوا نجساً، فلا يحلّ لهم دخول المسجد الحرام، ولا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم، ولا الاستغفار لهم.. وكان لا بدّ من قتالهم ونقض عهودهم، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
стр. 745
٢- لا يحل لهم دخول المسجد الحرام واعتبارهم نجس:
وقد أصبح المسجد الحرام خاصاً بالمسلمين؛ لأنه مكان لعبادة الله وحده، فلا يجوز عبادة أحد مع الله فيه، ولذلك أمر الله المؤمنين بإبعاد المشركين عن المسجد الحرام، وألاّ يقربوه بعد نزول هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقد بعث رسول الله ﷺ علياً مع أبي بكر ﵄ سنة تسع من الهجرة، وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان٢.
يقول سيد قطب ﵀: "إنّما المشركون نجس.. فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره الحس، ويتطهر منه المتطهرون، وتلك غاية في
стр. 746
تحريم وجودهم بالمسجد الحرام، حتى لينصبَّ النهي على مجرد القرب منه، ويعلل سيد قطب بأنهم نجس، وهو عدم الطهور، ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة والتجارة التي يعيش عليها معظم الظاهرين في الجزيرة، ورحلة الشتاء والصيف، التي تكاد تقوم عليها الحياة، إنها كلها ستتعرض للضياع بسبب منع المشركين من الحج، وبإعلان الجهاد على المشركين كافة، نعم ولكنها العقيدة، والله يريد أن تخلص القلوب كلها للعقيدة، وبعد ذلك فالله هو المتكفل بأمر الرزق من وراء الأسباب المعهودة المألوفة، وحين يشاء الله يستبدل أسباباً بأسباب، وحين يشاء يغلق باباً ويفتح الأبواب"١.
نوعية نجاسة المشرك:
اختلف العلماء في نجاسة المشرك هل هي حسية أو معنوية؟
فذهب أهل الظاهر إلى نجاسة أبدانهم٢، وروى صاحب الكشاف عن ابن عباس ﵄ أنّ أعيانهم نجسة، كالكلاب والخنازير٣.
وقال الحسن البصري: "من صافح مشركاً فليتوضأ"٤.
стр. 747
وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز١.
واستدلوا بظاهر الآية الكريمة، وما جاء في الحديث الصحيح: "إن المؤمن لا ينجس" ٢.
وقد رجح هذا الرأي الفخر الرازي٣ والألوسي٤.
وذهب الجمهور إلى أنّ ذلك على التشبيه، أي هم بمنزلة النجس أو كالنجس لخبث اعتقادهم، وكفرهم بالله، جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها.
وأجابوا عن الحديث بأنّ المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء، لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة.
وعن الآية الكريمة بأنّ المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم أنّ الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أنّ عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية
стр. 748
إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدلّ على أنّ الآدمي الحي ليس بنجس العين، إذ لا فرق بين النساء والرجال١.
والمشركون أنجاس فاسدوا الاعتقاد، يشركون بالله ما لا يضر ولا ينفع، ويعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ويأكلون الميتة والدم وهي أقذار حسية، ويستحلون القمار والزنا..
وهم لا يجتنبون النجاسات ولا يتطهرون، فالنجاسة ملازمة لهم حساً ومعناً، من أجل ذلك لا يصح أنّ يدخلوا أرض الحرم، فضلاً عن دخول البيت نفسه، وطوافهم فيه عراة، ويشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا لم تكن صلاتهم إلا مكاء وتصدية.
وهنا أودّ أن أذكر قصة أم حبيبة زوج النبي ﷺ مع أبيها أبي سفيان، "لقد جاء أبو سفيان -قبل أن يسلم- من مكة إلى المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش الرسول ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس ... "٢.
стр. 749
وقد فعلت ذلك ﵂ لقوة إيمانها بالله تعالى، وشدة محبتها لرسوله ﷺ .
لا يجوز لهم عمارة المسجد الحرام:
وكما منع القرآن الكريم المشركين من دخول المسجد الحرام، منعهم من عمارة سائر المساجد، لأنهم يشركون مع الله غيره في عباداتهم.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
والمعنى أنه لا يصح ولا يليق بالمشركين أنْ يعمروا شيئاً من مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده، ومن أعظم المساجد بيت الله الحرام، فلا يجوز لهم الإقامة فيه للعبادة، أو الخدمة والولاية عليه، ولا أنْ يزوروه حجاجاً أو معتمرين، وهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، ناطقين به بأقوالهم وأفعالهم، وذلك أنه لا يستقيم لهم أنْ يجمعوا بين أمرين متناقضين:
стр. 750
عمارة المسجد الحرام، والإشراك بالله والكفر به وبعبادته.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ، أي: أولئك المشركون بالله تعالى، الكافرون بما جاء به رسوله ﷺ ، قد بطلت أعمالهم التي كانوا يفخرون بها من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج، ونحو ذلك مما كانوا يعملونه في الدنيا، بسبب مخالطتها للشرك بالله تعالى، وهم في نار جهنم ماكثون أبداً لا أحياء ولا أمواتاً، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ بيان من الله تعالى أنّ المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بوحدانية الله تعالى على الوجه الذي بينه في كتابه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده، ويجزي كل نفس ما كسبت، مع إقامة الصلاة المفروضة على وجه جامع بين أركانها وشروطها وسننها وآدابها، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، وبقية المستحقين لها، وخشية الله دون غيره مما لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وغيرها.
وقوله: ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ، قال ابن عباس: "إنّ أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه ﷺ ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ
стр. 751
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ ١، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن، فهي واجبة"٢.
ويستمر السياق مخاطباً مشركي قريش، منكراً عليهم وموبخاً لهم، أنْ تكون سقاية الحجيج، وسدانة بيت الله الحرام، كإيمان من آمن بالله وجاهد في سبيله.
قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٣.
جاء في سبب نزول الآية عن ابن عباس ﵄ قال: قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، ونفك
стр. 752
العاني، فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ... ﴾ الآية١.
وأخرج مسلم عن النعمان بن بشير قال: "كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أنْ أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلتُ على رسول الله ﷺ لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ... ﴾ الآية"٢.
والمعنى أجعلتم يا معشر المشركين أو يا من تنازعتم من المؤمنين -أي الأعمال أفضل- سقاية الحجيج وسدانة بيته العتيق، كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله؟ وذلك أنّ السقاية والعمارة وإن كانتا من أعمال الخير والبر، فإنّ أصحابهما لا يدانون ولا يساوون أهل الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله في علو المرتبة وشرف المنزلة، فضلاً عن أن
стр. 753
يفضلهما كما يزعم كبراء مشركي قريش.
﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، لأنّ المشركين ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان بوحدانية الله، وظلموا المسجد الحرام، حيث جعلوه متعبداً لأوثانهم، وأما الذين طهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإيمان بالله وحده، وتركوا دورهم وديارهم وجاهدوا في دين الله بأموالهم وأنفسهم، أعظم درجة عند الله وأرفع منزلة عنده من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام مع الإشراك بالله تعالى.
وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بالإيمان والهجرة والجهاد في سبيله، هم الفائزون بالجنة، الناجون من النار يوم القيامة.
стр. 754
٣- تحريم نسائهم وذبائحهم:
ولما كان الزواج سكينة ومودة، فإنه لا يمكن أن يكون بين طرفين متناقضين متباعدين، لذلك حرّم الإسلام الزواج من المشركين.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ١.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، وقيل: في مرثد بن أبي مرثد، واسمه كناز بن حصين الغنوي، بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: "عناق" فجاءته فقال لها: إنّ الإسلام حرم ما كان في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فأتى النبي فاستأذنه، فنهاه عن التزوج بها لأنه كان مسلماً وهي مشركة٢.
стр. 755
وروى السدي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع، فأتى النبي ﷺ فأخبره بخبرها، فقال النبي ﷺ : "ما هي يا عبد الله؟ قال: يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ﴾ الآية١.
ومعنى الآية الكريمة أي: ولا تتزوجوا أيها المسلمون بالوثنيات حتى يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، ولأمة مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها، وسائر ما
стр. 756
يوجب الرغبة فيها من حسب أو نسب أو جاه وغيره، ولا تُزوجوا أيها المسلمون بناتكم من المشركين حتى يؤمنوا بالله وبرسوله محمد ﷺ ، ولأن تزوجوا بناتكم من عبد مؤمن، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال؛ لأن المشركين والمشركات الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم يدعونكم إلى ما يوصلكم النار من الكفر والفسوق والعصيان، فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم.
وذلك لأن الله تعالى يريد بكم الخير، ويدعوكم إلى ما فيه سعادتكم، وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب، ويبين الله لكم حججه وأدلته لتتذكروا وتميزوا بين الخير والشر، والطيب والخبيث.
ومن الآية يتبين لنا أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج بمشركة، كما لا يجوز للمسلمة أن تتزوج بمشرك؛ للاختلاف الشاسع بين من يعبد الله وحده ويؤمن برسوله، ومن يعبد الأصنام والأوثان.
استثناء الكتابيات:
هذا وقد خص من هذا العموم إباحة نكاح الكتابيات لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا
стр. 757
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ... ﴾ ١.
وبما روي أن عثمان ﵁ تزوج نائلة الكلبية، وهي نصرانية على نسائه، وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام، ولم ينقل أن أحداً من الصحابة أنكر ذلك، فعلم أنهم متفقون على جواز نكاح الكتابيات٢.
أما ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه لا يرى ذلك، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٣، ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عبد من عبيد الله، فقد أجاب الجمهور أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عند الإطلاق عبدة الأوثان، ولا يدخل فيه أهل الكتاب بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
стр. 758
خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وفي سائر آي القرآن الكريم يفصل بينهما، فدل على أن لفظة "المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإنْ قيل: فقد وصفهم الله بالشرك في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
قيل: إنّ أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك، فإنّ الله إنما بعث الرسل بالتوحيد، فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك، ولكن النصارى ابتدعوا الشرك، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا
стр. 759
يُشْرِكُونَ﴾ ، فحيث وصفهم بأنهم أشركوا، فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به، وجب تمييزهم عن المشركين"١.
والقول الراجح في هذا: هو ما ذهب إليه الجمهور، من جواز نكاح الكتابيات لوضوح الدليل، ولعل ابن عمر كره الزواج منهن خشية على الزوج أو على الأولاد من الفتنة، فإنّه إذا كان كذلك فإنّ الزواج لا يجوز، أما إذا لم يكن هناك خطر من فتنة على الزوج والأولاد، أو كان هناك طمع في إسلامها، فلا وجه للقول بالمنع والله أعلم.
تحريم ذبائحهم:
وأما ذبائح المشركين، فهي محرمة، لأنهم يذبحونها لغير الله تعالى، قال : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ... ﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀:" ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ هو: ما ذبح على غير اسم الله تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك، مما كانت
стр. 760
الجاهلية ينحرون له"١.
وقال القرطبي ﵀: "ولا خلاف بين العلماء أن ذبيحة المجوسي لناره، والوثني لوثنه لا يؤكل"٢.
وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للُعبها عرساً فنحرت جزوراً، فقال الحسن: لا يحل أكلها، فإنها إنما نحرت لصنم٣.
كما أورد القرطبي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم، فيهدون منه للمسلمين، فقالت: "ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم"٤.
واستدل ابن كثير ﵀ بتحريم طعام المشركين لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ ٥، حيث قال: "فدل بمفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان الأخرى لا يحل"٦.
стр. 761
ومن الأدلة على تحريم ذبائح المشركين قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١.
قال الطبري ﵀: "يعني بقوله جل ثناؤه ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ : لا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه أنتم أو يذبحه موحدون لله بشرائع شرعها له في كتاب منزل، فإنه حرام عليكم، ولا ما أهل به لغير الله، مما يذبحه المشركون لأوثانهم، فإنّ أكل ذلك فسق، يعني معصية.."٢.
ومن هذا نرى أنّ الآية الكريمة قد بينت أنه لا يجوز للمسلمين أن يأكلوا مما أهل لغير الله به، وهو ما ذبحه المشركون لأوثانهم، وإن أكل شيء من ذلك فسق ومعصية لله تعالى، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ..﴾ ٣.
стр. 762
قال صاحب المغني ﵀: "وسائر الكفار غير أهل الكتاب كمن عبد ما استحسن من الأصنام والحجارة والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم"١.
وذكر ابن القيم ﵀ أن ذلك "اتفاق من الصحابة ﵃"٢.
стр. 763
٤- عدم الاستغفار لهم:
وبيّن القرآن الكريم أنه لا يصح ولا يجوز الاستغفار للمشركين بعد إصرارهم على الشرك وموتهم على ذلك.
قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ١.
وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: "أي عم قل لا إله إلاّ الله كلمة أحاج لك بها عند الله " فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فقال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن
стр. 764
يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية١.
ونزلت: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ٢.
والمعنى: أنه لا ينبغي ولا يصح من النبي ﷺ ولا من المؤمنين أن يطلبوا من الله المغفرة للمشركين، ولو كان المشركون أقرباء، لهم حق البر والصلة، من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار لموتهم على الشرك والكفر.
ثم أجاب القرآن الكريم عن سؤال قد يختلج بالخاطر، فيقال كيف يمنع النبي والمؤمنون من الاستغفار لأقربائهم، وقد استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه.
فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ ، أي: إنما كان استغفار إبراهيم لأبيه بقوله: ﴿وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ٣.
стр. 765
إلا من أجل وعد تقدم له بقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ ، وهذا الاستغفار إنما كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ، أي: فلما تبين لإبراهيم أنّ أباه مصر على الكفر مستمر على الضلال، تبرأ منه بالكلية، فضلاً عن الاستغفار له، كما قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ ١.
ثم بيّن الله تعالى سبباً آخر في حمل إبراهيم ﵇ على الاستغفار لأبيه، وهو فرط ترحمه وصبره على أبيه، حيث وصفه ربه ﵎ بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ، أي: كثير التأوه من فرط الرحمة والمبالغة في خشيته، صبور على الأذى من أبيه الذي توعده بقوله: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأََرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ٢.
стр. 766
٥- البراءة من عهودهم:
ولما كان بين النبي ﷺ وبين المشركين عهود ومواثيق، كما هو الحال في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة –حيث كان من شروط الصلح التي تم الاتفاق عليها بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش:
-أن تضعَ الحربُ أوزارها بين الطرفين لمدة عشر سنوات.
-أن من أحب الدخول في عقد محمد وعهده، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه١.
وبناء على ذلك، دخلت خزاعة في عقد محمد ﷺ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ثم لم تلبث خزاعة أن
стр. 767
دخلت في الإسلام.
إلاّ أنَّ المشركين لم يحترموا تلك العهود، بل نقضوها واعتدوا على خزاعة أحلاف الرسول صلى الله عليه وسلم١.
لهذا جاءت سورة التوبة تعلن إلغاء عهود المشركين، ونبذها إليهم على وضوح وبصيرة، لأنّ الناكثين لا يتورعون عن الخيانة كلما سنحت لهم الفرصة، ولذلك فقد قطع الله ما بين المسلمين والمشركين من صلات، فلا عهد لهم ولا أمان، بعد أن منحهم الله تعالى فرصة كافية هي السياحة في الأرض أربعة أشهر، ينطلقون فيها آمنين، ليتمكنوا من النظر والتدبر في أمرهم، ويختاروا ما يرون فيه المصلحة لهم.
قال تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وفي الصحيحين أن أبا هريرة ﵁ قال: "بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، أنْ
стр. 768
لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمر أنْ يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌ في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأنْ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان"١.
وقد أعلن الله تعالى للمشركين في السنة التاسعة للهجرة، وفي يوم الحج الأكبر، قيل: يوم عرفة، وقيل: يوم النحر، وهو الأرجح لأنه ثبت في الصحيحين أن الله بريء من عهودهم، ورسوله بريء منهم كذلك، إلا الذين سبق لهم عهد ولم ينقضوا ذلك العهد، فإنه يوفى لهم عهدهم.
قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
стр. 769
الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
أما إذا مضت الأشهر الأربعة التي حُرّم فيها قتالهم، ولم يراجعوا فيها أنفسهم، فيحنئذ لا بد من قتالهم في أي مكان أو زمان من حل أو حرم، وأخذهم بالأسر، ومنعهم من التنقل في بلاد المسلمين، والقعود لهم في كل طريق يسلكونه، إلا إذا تابوا عن الشرك وأدوا ما فرضه الله عليهم من الصلاة والزكاة، فإنه على المسلمين عند ذلك أن يكفوا عنهم، ولا يتعرضوا لهم، فإن الله تعالى واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
ومن سماحة الإسلام أنه إذا جاء أحد المشركين بعد انقضاء الأشهر، وليس بينه وبين الرسول ﷺ عهد مسبق، وطلب من الرسول ﷺ أن يسمع ما يدعو إليه من التوحيد والقرآن، فإن له الأمان حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويتطلع حقيقة أمره٣.
стр. 770
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وهذا في غاية حسن المعاملة وكرم الأخلاق، لأن المراد ليس النيل من الكافرين، بل المقصود إقناعهم وهدايتهم حتى يعرفوا الحق فيتبعوه، ويتركوا الكفر والضلال.
ومع ذلك فإن القرآن الكريم يستبعد ثبات المشركين على العهد والتزامهم به.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
والآية الكريمة تحمل استفهاماً إنكارياً، أي: كيف يكون للمشركين عهد معتد به عند الله وعند رسوله ﷺ ، ثم استدركت الآية الكريمة أن الذين كانت لهم معاهدة عند المسجد الحرام، ولم ينقضوها واستقاموا على ذلك، فلهم الوفاء، فإن الله تعالى يحب من اتقاه،
стр. 771
ووفى بعهده، وترك الغدر والخيانة.
ويتكرر الاستبعاد لثباتهم على العهد، لأنهم إن يظفروا بالمسلمين لا يراعوا فيهم عهداً ولا ذمة، وإنما يرضونهم بالكلام الجميل، إن كان الظفر للمسلمين عليهم، وتمتنع قلوبهم عن الإذعان والوفاء بما يبدونه بألسنتهم.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١.
ويضيف القرآن الكريم في ذم المشركين وتوبيخهم ما لم يتوبوا، فيصبحوا إخواناً مسلمين، فيقول تعالى: ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
أما إذا نكث المشركون الذين لهم عهود ومواثيق مع المسلمين، وعابوا الدين، وانتقصوه، فإنّ النتيجة الحتمية هي القتال لصناديدهم ورؤسائهم، لأنهم لا أيمان لهم ولا عهود يوفون بها، لعلهم يكفوا عن
стр. 772
الإجرام، وينتهوا عن الطعن في دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ ١.
ويحض القرآن الكريم المؤمنين على قتال المشركين الناكثين لعهودهم وأيمانهم، الذين هموا بحبس الرسول ﷺ أو قتله، أو إخراجه من مكة، بل قرّ قرارهم على أن يقتلوه على أيدي مجموعة من شبابهم، حتى يتفرق دمه بين القبائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.
ذكر أهل التفسير وأهل السير عن ابن عباس ﵄: "أن نفراً من أشراف قريش اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا: أجل فادخل، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل –يعني محمداً ﷺ .
فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك،
стр. 773
فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه، حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم.
فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم حتى تستريحوا منه، فإنه إذا خرج فلن يضركم ما صنع وأين وقع، فقال الشيخ المذكور: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بحديثه؟ والله لئن فعلتم لتجتمعن عليكم العرب حتى يخرجوكم من بلادكم، ويقتلوا أشرافكم، قالوا صدق، فانظر رأياً غير هذا.
فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلاماً شاباً جلداً، ونعطي كل واحد سيفاً صارماً يضربونه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فيقبلون الدية، ونستريح منه، ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله إبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك، فأتى جبريل النبي ﷺ فأخبره وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ... ﴾ الآية"١.
стр. 774
فإذن المشركون قرروا قتل الرسول ﷺ في مكة، وقبل ذلك فعلوا بالمستضعفين من المؤمنين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بالله تعالى، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولا، وبعد ذلك صدوا رسول الله ﷺ والمسلمين عن المسجد الحرام، ثم بدأوا المسلمين بالعداوة، حيث قاتلوا بني خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ ، ثم خرجوا لقتال المسلمين في بدر.
وقد أهاب النبي ﷺ لذلك بالمؤمنين، وحثهم على قتال أعدائهم أعداء الإسلام والمسلمين، ليشفي الله قلوب المؤمنين بإعلاء كلمة "لا إله إلا الله" وتعذيب المشركين وخزيهم، ويذهب ما أصاب المؤمنين من غيظ وكرب. ويعذب المشركين ويجزيهم.
قال تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وفي أمر الله تعالى لنبيه ﷺ بنبذ عهود الخائنين
стр. 775
للعهد، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ ١.
قال القرطبي: "والمعنى: وإما تخافن من قوم -بينك وبينهم عهد- خيانة فانبذ إليهم العهد، أي: قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم وأنا مقاتلكم، ليعلموا بذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد، وهم يثقون بك، فيكون ذلك خيانة وغدراً"٢.