← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

صحبة (١) وفد على النبي ﷺ في وفد مزينة سنة خمس من الهجرة (٢)، وروى عن الحارث بن بلال ربيعةُ الرأي وحده، قاله الذهبي (٣). وابنه يزيد بن الحارث بن بلال رأى علي بن أبي طالب (٤)، فالظاهر أن الحارث بن بلال تابعي كبير، حيث إن ابنه رأى علي بن أبي طالب (٥)، إلا أنه تفرد برواية هذا الحديث، ولا يعرف إلا به وقد خالف رواية جماعة من الصحابة. قال أحمد: عندي ثمانية عشر حديثاً صحيحاً في فسخ الحج (٦). فهذه المخالفة كافية في رد الحديث حتى لو كان الحارث بن بلال معروفاً كما قال الإمام أحمد، فكيف وهو غير معروف؟.

стр. 107

المبحث الرابع: نماذج من إعلال الإمام أحمد للأحاديث بجهالة بعض رواتها . أعل الإمام أحمد أحاديث رواة تفردوا برواية أصل ليس لهم فيه متابع ولا شاهد، ردها لأن رواتها غير معروفين لديه، فدل على أن الراوي المجهول لا يحتج بما تفرد به، فمن نماذج الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بتفرد الراوي المجهول: الحديث الأول: قال أبو داود: "رأيت أحمد يتهيّب ويجبن أن يقول بحديث عَوْسَجة مولى ابن عباس: [أن النبي ﷺ أعطى الميراث المولى من أسفل]، وقال: عوسجة لا أعرفه" (١). وقال أيضاً: "سمعت أحمد ذكر حديث عَوْسَجة عن ابن عباس، فقال: عوسجة لا أعرفه" (٢). وهذا الحديث رواه أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦)، وأبو داود الطيالسي (٧)، وأحمد (٨)، والطحاوي (٩)، والحاكم (١٠)،

стр. 108

والبيهقي (١) كلهم من طرق عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس، عن ابن عباس [أن رجلاً مات على عهد النبي ﷺ ولم يدَعْ وارثاً إلا عبداً هو أعتقه فأعطاه النبي ﷺ ميراثه]. وهذا لفظ الترمذي. فهذا الحديث تضمن إثبات أصل شرعي في ميراث الرجل إذا مات ولم يدع وارثاً إلا مولى من أسفل، وقد تفرد به (٢) عوسجة مولى ابن عباس (٣)، ولم يوجد له متابع ولا شاهد يشهد له، فلم يقبله الإمام أحمد لحال عوسجة حيث وصفه بأنه غير معروف عنده، أي ليس له من الشهرة والرواية ما يحتمل منه مثل هذا التفرد. وعوسجة من طبقة التابعين (٤) ولم يرو عنه غير عمرو بن دينار (٥). وعمرو إمام ثقة ثبت (٦)، وهذان الأمران ـ كونه من طبقة التابعين، ورواية إمام ثقة عنه ـ من القرائن التي تقوي جانب القبول لحديثه، والحكم عليه بالشهرة، لكنهما معارضان بقرينة أخرى هي أقوى منهما ـ وهي: عدم العمل بهذا الحديث عند العلماء. قال الإمام الترمذي ﵀ بعد تحسينه للحديث ـ "والعمل عند أهل العلم في هذا الباب إذا مات الرجل ولم يترك عصبة أن ميراثه يجعل في بيت مال المسلمين" (٧).

стр. 109

وقال الإمام ابن قتيبة ﵀: "الفقهاء على خلاف حديث عوسجة هذا إما لاتهامهم عوسجة، فإنه ممن لا يثبت به فرض ولا سنة إما لتحريف في التأويل وإما النسخ" (١). وقال الموفق ابن قدامة ﵀: "لا يرث المولى من أسفل في قول عامة أهل العلم، وحكي عن شريج وطاووس أنهما ورثاه" (٢). فإذا انضم إلى هذه القرينة قلة حديثه (٣) قوي جانب رد ما تفرد به بسبب عدم شهرته بالعلم. وممن سلك هذا المسلك من الائمة في هذا الحديث وردَّه بعلة عدم شهرة راويه أبو حاتم الرازي (٤)، والنسائي (٥)، وكذلك قال البخاري: لم يصح حديثه (٦). الحديث الثاني: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سألت أبي قلت: يصح حديث سمرة عن النبي ﷺ : "من ترك الجمعة عليه دينار أونصف دينار يتصدق به؟ " فقال: قُدامة بن وبرة يرويه، لا يعرف" (٧).

стр. 110

هذا الحديث أخرجه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، وأحمد (٣)، وابن خزيمة (٤)، وابن حبان (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧) من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة به مرفوعاً. قال الإمام مسلم أيضاً: "قيل لأحمد بن حنبل: يصح حديث سمرة عن النبي ﷺ : "من ترك الجمعة عليه نصف دينار"؟ فقال: قدامة يرويه، لا نعرفه" (٨). وهذا الراوي الذي أعلّ الإمام أحمد الحديث به لم يذكر له راوياً سوى قتادة بن دعامة السدوسي (٩) الإمام التابعي، ولم ترفع رواية قتادة عنه الجهالة عند الإمام أحمد، والحديث الذي رواه في كفارة من ترك الجمعة غريب ليس له أصل يشهد له (١٠).

стр. 111

الحديث الثالث: قال أبو داود: "سمعت أحمد سُئل عن حديث سلمة بن المحبِّق: [أن رجلاً وطئ جارية امرأته]، فقال: جون بن قتادة شيخ لا يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن" (١). هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، وأحمد (٥) عن الحسن عن سلمة بن المحبق قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يواقع جارية امرأته قال: "إن أكرهها فهي حرة، ولها عليه مثلها وإن طاوعته فهي أمة ولها عليه مثلها" وهذا لفظ أحمد (٦).

стр. 112

فأعل الإمام أحمد هذا الحديث بجون بن قتادة (١)، وقال عنه: "شيخ لا يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن". وكذلك روى أبو طالب أحمد بن حميد قال سألت أحمد بن حنبل عن جون ابن قتادة فقال: لا أعرفه (٢). فقد أعل الإمام أحمد الحديث بمطلق الجهالة والراوي الموصوف بها من طبقة كبار التابعين على ما صنفه الحافظ بن حجر، وقد تفرد عنه بالرواية راوٍ واحد، وهو ثقة إمام ولم ترفع رواية هذا الإمام عنه الجهالة، وذلك راجع إلى ما تقدمت الإشارة إليه أن الإمام الحسن البصري كان يأخذ عن كل أحد.

стр. 113

وقد روي عن أحمد أنه أفتى بمقتضى هذا الحديث (١)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ليس ببعيد عن الأصول، وحسّن الحديث" (٢). وهذا محمول على ما ذكر من منهج الإمام أحمد أنه يرى العمل بالحديث الضعيف وأنه أحب إليه من الرأي (٣). الحديث الرابع: قال مُهنَّا: "سألت أحمد ويحيى عن الحديث الذي رواه رفدة بن قضاعة، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب قال: [كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة] فقالا جميعاً: ليس بصحيح. قال أحمد: لا يُعرف رفدة بن قضاعة" (٤). هذا الحديث رواه ابن ماجه (٥)، وابن أبي عاصم (٦)، والطبراني (٧)، والعقيلي (٨)، وابن عدي (٩)، والخطيب (١٠)، وأبو نعيم (١١) كلهم من طريق هشام

стр. 114

ابن عمّار، عن رفدة بن قضاعة به. ورواه ابن الجوزي (١) من طريق ابن حبان، عن العباس، عن هشام بن عمار به بلفظ: [كان يرفع يديه في كل خفض ورفع]. والحديث قال فيه الإمام أحمد: ليس بصحيح، وعلته جهالة رفدة بن قضاعة فإنه لا يُعرف كما قال الإمام أحمد في هذا السؤال. ورِفدة بن قضاعة روى عنه هشام بن عمار، ومروان بن محمد الطاطري (٢)، وليس له من الحديث إلا شيء يسير، فاعتبره الإمام أحمد غير معروف. قال ابن عدي: "رفدة بن قضاعة هذا لم أر له إلا حديثاً يسيراً، وعند هشام بن عمار عنه مقدار خمسة أو ستة أحاديث" (٣). وقد وثقه هشام بن عمار (٤)، وقال البخاري: في حديثه المناكير (٥). وقال أبو حاتم: منكر الحديث (٦). وقال النسائي: ليس بالقوي (٧). وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه (٨). وقال الذهبي: واهٍ (٩). وقال ابن حجر: ضعيف (١٠). وأما يحيى بن معين فضعف الحديث بناء على ضعف رفدة، فقد قال فيه: هو شيخ ضعيف (١١).

стр. 115

وأحاديث رفع اليدين في الصلاة ثابتة عن النبي ﷺ من طرق صحاح، وليس فيها أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة، ولا يعرف إلا من حديث رِفدة هذا (١). قال ابن حبان: "وأخبار الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك بين السجدتين" (٢). وللحديث إسناد آخر عن رِفدة، ذكره الدارقطني (٣)، فقال: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ورواه غيره عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه كان يكبر في كل تكبيرة، ولم يذكر الرفع. قال الدارقطني: وهذا هو الصواب (٤). الحديث الخامس: قال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري ـ بالنون ـ الدمشقي: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أُبيّ بن عِمارة ليس بمعروف الإسناد. ثم قال أبو زرعة: فناظرت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في حديثه عن رسول الله ﷺ في المسح فلم يقنع به. قلت له: فحديث عطاء بن يسار، عن ميمونة ـ حدثت به أبا عبد الله ـ أعني في المسح أيضاً؟ قال: ذاك من كتاب. قلت لأبي عبد الله: أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاث ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر، وقال لي أبو عبد الله أحمد بن حنبل: حديث خُزيمة بن ثابت مما لعله أن يدل على ـ يعني حجة لهم، قوله: ولو استزدته لزادني" (٥).

стр. 116

حديث أُبي بن عِمارة ـ بكسر العين ـ الذي ضعفه الإمام أحمد في هذه الرواية رواه أبو داود (١) قال: "حدثنا يحيى بن معين، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أُبي بن عِمارة ـ قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين ـ أنه قال: يا رسول الله! أمسح على الخُفّين؟ قال: "نعم"، قال: يوماً؟ قال: "يوماً"، قال: ويومين؟ قال: "ويومين"، قال: وثلاثة؟ قال: "نعم وما شئت". ورواه ابن ماجه (٢)، والفسوي (٣) وابن أبي عاصم (٤) والطحاوي (٥)، والطبراني (٦)، والدارقطني (٧) والحاكم (٨)، والبيهقي (٩). وقد وقع اختلاف في إسناد الحديث أشار أبو داود إلى بعضه، وفصّله أبو الحسن بن القطان (١٠). وقال أبو داود: ليس هو بالقوي. وأعلّ الإمام أحمد هذا لحديث بجهالة رجال الإسناد، فإن قوله: ليس بمعروف الإسناد، فسره ابن الجوزي بأن رجاله لا يعرفون (١١). وقد بين الدارقطني المجهولين في الإسناد، وهم: عبد الرحمن بن رزين، ومحمد بن يزيد ابن أبي زياد، وأيوب بن قطن (١٢).

стр. 117

وأما حديث عطاء بن يسار، عن ميمونة فسيأتي إن شاء الله في الكلام على الوجادة. ومما حكم عليه الإمام أحمد بالنكارة لتفرد راويه المجهول ما ذكره المرُّوذي: قال المرّوذي: "وألقيت على أبي عبد الله حديثاً رواه الفضل بن موسى، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: [عارض رسول الله صلى الله عليه جنازة أبي طالب] فقال: هذا منكر، هذا رجل مجهول" (١). والمقصود بالرجل المجهول هو إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي، وهو إبراهيم بن بيطار أبو إسحاق. قال ابن عدي: يروي عنه الفضل بن موسى الشيباني، وعيسى بن موسى الغنجار، ومحمد بن سلام البيكندي، وقال عنه: "ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى ليست بمستقيمة" (٢). والحديث رواه ابن عدي (٣)، وذكره الذهبي (٤) ومتنه: أن النبي ﷺ عارض جنازة عمه أبي طالب فقال: "وصلتك رحم، وجزيت خيراً يا عمّ".

стр. 118

وإنما حكم عليه الإمام بالنكارة لأنه لا أصل له من حديث ابن عباس، ولا من حديث عطاء، ولا من حديث ابن جريج، وإنما جاء من طريق إبراهيم ابن بيطار هذا، فحري به أن يكون منكراً. وقد قال الذهبي أيضاً: هذا خبر منكر (١). وقد روي من وجه آخر عن عطاء، رواه معاوية بن عبيد الله كاتب المهدي، عن المهدي الخليفة، عن أبيه أبي جعفر المنصور قال: حدثني عطاء، قال: سمعت ابن عباس فذكره، أخرجه الخطيب (٢). ومعاوية بن عبيد الله قد ذكر بالخير والعبادة (٣)، ولم أر من ذكر فيه جرحاً أو تعديلاً من حيث الرواية، وكذلك المهدي والمنصور، فلا يثبت الحديث بروايتهم، ويبقى حكم الإمام أحمد على الحديث بالنكارة ثابتاً بدون معارض. ومما أنكره الإمام أحمد بالجهالة رفع حديث عائشة برواية عبد العزيز بن النعمان عنها: [كان رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان اغتسل] (٤)، فقال: عبد العزيز بن النعمان لا يعرف. ا. هـ (٥). وذلك أنه قد روي هذا الحديث عنها من وجوه كثيرة موقوفاً عليها (٦).

стр. 119

وقد ثبت عنها مرفوعاً عند مسلم (١) وغيره من أوجه كثيرة أيضاً. ومعظم من روى عنها موقوفاً قد جاء عنهم الرواية بالرفع إلى النبي ﷺ من طريقها. وقد قال ابن عبد البر عن رواية الوقف: "وهذا الحديث يدخل في المسند بالمعنى والنظر، لأنه محال أن ترى عائشة نفسها في رأيها حجة على غيرها من الصحابة في حين اختلافهم في هذه المسألة النازلة بينهم، ومحال أن يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها في مسألة قد خالفها فيها من الصحابة غيرها برأيه، لأن كل واحد ليس بحجة على صاحبه عند التنازع، وهذا يدلك على أن تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة إنما كان من أجل أن علم ذلك كان عندها عن رسول الله ﷺ فلذلك سلم لها إذ هي أولى بعلم مثل ذلك من غيرها"، ثم ذكر من روى الحديث عنها مسنداً (٢). وبهذا يتبين أن رواية عبد العزيز بن النعمان ـ وإن كان في نفسه غير معروف ـ لها أصل من حديث عائشة ﵁ مرفوعاً، مما يدل على أن في إنكار الإمام أحمد لروايته نظراً، والله أعلم. ومما رده الإمام أحمد من الآثار بعلة الجهالة أثر عثمان بن عفان أن الخلع تطليقة (٣)،

стр. 120

ردّه بجهالة الراوي عن عثمان وهو جمُهان (١)، وذهب إلى قول ابن عباس أن الخلع تفريق وليس هو بطلاق. قال عبد الله: "قال أبي في حديث عثمان: إسناده ما أدري ما هو: جمهان عن أم بكرة! هو كأنه لم يرض إسناده. قلت لأبي: تذهب إلى قول ابن عباس؟ قال: فيه اختلاف، ورأيته كأنه يذهب إلى قول ابن عباس" (٢). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث عثمان: [أن الخلع تطليقة] لا يصح؟ فقال: ما أدري، جُمهان لا أعرفه" (٣). ومن الآثار أيضاً ما ذكره أبو داود قال: "سمعت أحمد ذكر أبا شيبة الذي روى عنه عبّاد ابن العوّام، عن عِكرمة [أن ابن عباس كان ينام بين جاريتين]، قال: أبو شيبة هذا شيخ مجهول" (٤)، وقال في رواية عبد الله: "أبو شيبة الذي حدثنا عنه عباد بن العوام لا أدري من هو، ما روى عنه أعلم غير عباد" (٥)، ثم ذكر هذا الأثر. وهذا يدل على إنكاره لهذا الأثر لجهالة راويه.

стр. 121

وأبو شيبة لا يعرف اسمه، وروى عنه أيضاً زكريا بن أبي زائدة على ما ذكره أبو زرعة الرازي (١). وكان الإمام أحمد ﵀ ينكر حديث الراوي المجهول إذا تفرد به عن حافظ مكثر، فقد ورد في علل الخلال كما في "المنتخب من علله" (٢). قال مهنا: "سألت أحمد عن إبراهيم بن قعيس يحدث عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون أمراء من بعدي" قال لا أعرفه. ولكن العلاء بن المسيب يحدث عنه هذا الحديث ولا نعرف هذا، ولم يروه أصحاب نافع قال: ولا أعرف إبراهيم بن قعيس ولا أدري من هو". فهذا الحديث أنكره الامام أحمد لأنه غريب من حديث نافع إذ لم يحدث به أصحاب نافع كمالك وعبيد الله وأيوب وغيرهم، ونافع إمام حافظ مكثر وكان له أصحاب كُثًر، والذي تفرد بالحديث عن نافع وهو إبراهيم بن قُعيس (٣) ليس

стр. 122

بمعروف عند الامام أحمد ولا يدري من هو، فلا يحتمل منه مثل هذا التفرد. والظاهر أن رواية الثقة عنه ـ وهو العلاء بن المسيب (١) ـ لم تكسبه تلك المعرفة التي يحتمل معها قبول خبر تفرد به عن مثل نافع. والله أعلم. هذا الحديث رواه أحمد (٢) قال: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر ـ يعني ابن عياش، عن العلاء بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض". وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٣)، وأخرج نحوه الطحاوي (٤). وقد أشار البخاري إلى وقوع اختلاف في رواية هذا الحديث فذكر أن محمد بن يوسف البيكندي روى عن سفيان، عن زُبيد، عن رجل يقال له: إبراهيم، عن كعب بن عجرة قال: قال النبي ﷺ : "سيكون أمراء … " (٥). هكذا أخرجه الترمذي (٦)، والنسائي (٧) كلاهما من طريق محمد بن يوسف، فذكراه عن إبراهيم وليس بالنخعي. وكان البخاري يشير إلى احتمال أن إبراهيم في هذا الإسناد هو قعيس، ونفى المعلمي أن يكون إبراهيم في هذا الإسناد هو قعيس (٨)، والحديث

стр. 123

معروف لكعب بن عجرة من طرق أخرى عن عاصم العدوي، عن كعب بن عجرة صححه الترمذي، وابن حبان (١).

стр. 124

المبحث الخامس: إعلال حديث الراوي المكثر من الرواية عن المجهولين . من الأمور المنتقدة على بعض الرواة كثرة روايتهم عن المجهولين، لأن ذلك يدل على عدم عنايته بانتقاء الشيوخ، وعدم التمكن من الوقوف على حال المجهولين. ويظهر أثر ذلك في ترحيح مرسل من ينتقي شيوخه على مرسل من لا ينتقيهم (١). وقد كان الإمام أحمد ينكر على الرواة عدم انتقاء الشيوخ. قال محمد بن عبد الله: "كنت عند أحمد بن حنبل فقال له إبراهيم بن خرزاذ: يا أبا عبد الله، إن ابن عرعرة يحدث، فقال: أف، لا يُبالون عمن كتبوا ـ يعني إبراهيم بن عرعرة" (٢). ومن أمثلة ما أعله الإمام أحمد من أحاديث الثقات لكون شيخهم في الإسناد مجهولاً: قال أبو طالب: "سألت أحمد بن حنبل في السجن عن حديث يزيد بن هارون، عن بقية، عن أبي أحمد، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا كتبت كتاباً فتربه، فإنه أنجح للحاجة والتراب مبارك" فقال: هذا حديث منكر، وما روى بقية عن بحير بن سعيد، وصفوان والثقات يكتب، وما روى عن المجهولين لا يكتب" (٣). هذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٤)، وابن أبي شيبة (٥) بلفظ: [تربوا صحفكم أنجح لها، إن التراب مبارك] من طريق بقية به.

стр. 125

وقد رواه بقية من وجه آخر: عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. قال أبو حاتم: هذا حديث باطل (١). وذُكر ليحيى بن معين قال: ذاك لا يساوي حديثه شيئاً (٢). قال الذهبي: هذه بواطيل (٣). قال أبو طالب: "سألت أبا عبد الله: قلت: شُريح حدثنا عن محمد بن إسماعيل ـ يعني ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد، عن مصعب بن مصعب، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "ترفع زينة الدنيا بعد خمس وعشرين ومائة سنة". قال أبو عبد الله: لا تخرجه، هذا منكر جداً، كان ابن أبي فُديك لا يُبالي عمن روى" (٤). هذا الحديث أخرجه ابن عدي (٥)، والبزار (٦) وقال البزار: "هذا الحديث لا نعرفه إلا عن عبد الرحمن بن عوف، ولا نعلم له طريقاً إلا هذا الطريق". قال ابن عدي: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد، لم يروه غير عبد الملك بن زيد، وعن عبد الملك بن ابن أبي فُديك". وعبد الملك بن زيد، ضعفه ابن الجنيد، وقال النسائي: ليس به بأس (٧). وابن أبي فُديك هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك، أبو إسماعيل المدني. قال عنه الإمام أحمد في رواية أبي داود: ابن أبي فُديك لا يُبالي أي شيء

стр. 126

روى (١). وقال في رواية الفضل بن زياد: لا بأس به، قيل له: أهو أحب إليك أو أبو ضمرة؟ قال: لا أدري (٢). وقال عنه الذهبي وابن حجر: صدوق (٣). وضعف الإمام أحمد حديث ابن عمر مرفوعاً: "من اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام لم تقبل له صلاة ما دام عليه" (٤) في رواية أبي طالب وقال: "هذا ليس بشيء، ليس له إسناد" (٥). قال ابن رجب: "يشير إلى ضعف إسناده، فإنه من رواية بقية، عن يزيد ابن عبد الله الجهني، عن هاشم الأوقص، عن نافع. وقال أحمد في رواية مهنَّا: لا أعرف يزيد بن عبد الله، ولا هاشماً الأوقص" (٦). فيزيد بن عبد الله الجهني من شيوخ بقية المجهولين، فضعف الحديث من أجله.

стр. 127

الفصل الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخلُّ بعدالته

стр. 128

المبحث الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالكذب أو التهمة به . من الأمور التي تعود إلى الإعلال بالطعن في عدالة الراوي الإعلالُ بالكذب، ولماّ كان عماد الرواية هو الصدق كان أشدَّ موجِبات ردّ رواية الراوي كذبُه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي. فكذب الراوي في الحديث النبوي هو أن يروي عن النبي ﷺ ما لم يقلْه ولم يفعلْه ولم يُقرَّه متعمداً لذلك (١). ويُسمّى الحديث الذي رواه "الموضوع". وبعض العلماء لم ير التقييد بقيد التعمّد، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فعرّف الموضوع بأنه ما يُعلم انتفاء خبره وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب بل أخطأ فيه (٢). والناظر في مناهج النّقّاد المتقدمين ومصطلحاتهم في هذا الباب يرى أنهم يطلقون الحكم بالوضع على حديث من وقع ذلك منه عمداً أو خطأً، كما يصفون الراوي بالكذب وإن كان لم يتعمد اختلاق المتون، وكذلك جامعوا كتب الموضوعات كما أفاده الشيخ المعلمي ﵀ حيث قال: "إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي ﷺ فقد يقول: باطل أو موضوع، وكلا اللفظين يقتضي أن الخبر مكذوب عمداً أو خطأ، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمداً غير أن هذا المتبادر لم يَلتفِت إليه جامعو كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يجدون قيام الدليل على بطلانه وإن كان الظاهر عدم التعمد" (٣). وكذلك يُطلق المتقدمون الكذب على من يدّعي سماع حديث من شيخ لم

стр. 129

يسمع منه، أو من يتعمد قلب الإسناد، أو من يسرق الحديث، أو يقبل التلقين، أو يلزق أحاديث الضعفاء على الثقات، وحكموا على أحاديث هؤلاء وأمثالهم بالوضع، كما ستأتي أمثلة ذلك عند الإمام أحمد، بينما المتأخرون قد خصصوا لأحاديث هؤلاء أسماءً خاصة نظراً لكونهم لم يتعمدوا الكذب (١)، ولكن الشأن في الأئمة المتقدمين ـ كما سوف يظهر من منهج الإمام أحمد ـ أن استعمالهم للمصطلحات أشد شمولاً من استعمال المتأخرين لها، الذين عُرفوا بتحرّي التحديد في المصطلحات، على غِرار ما بين منهج الفريقين من الفرق في استعمال ألفاظ الجرح والتعديل (٢). وأما التهمة بالكذب فهو أن يتفرد الراوي برواية ما يخالف القواعد المعلومة إذا لم يكن في الإسناد من يُتّهم بذلك غيره، ومنه أيضاً أن يُعرف عنه الكذب في كلامه وإن كان لا يُتّهم أن يَكذِب على رسول الله ﷺ (٣). ويدخل في هذا من يصرّح بالسماع من شيخ ثبت أنه لم يسمع منه (٤). وكل هذه الأقسام داخلة في الإعلال بكذب الراوي في هذه الدراسة. ومن خلال دراسة الأحاديث التي أعلّها الإمام أحمد بكذب رواتها أو حكم عليها بالوضع أو الكذب أو البطلان يظهر بعض معالم منهجه في هذا الباب، وذلك في سبعة مطالب:

стр. 130

١. إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال الراوي. ٢. إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي. ٣. لا منافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع. ٤. تعدد طرق الحديث المعلّ بكذب راويه. ٥. مصطلحات الإمام أحمد في هذا الباب. ٦. موقفه من الرواية عن الكذّابين والمتَّهمين بالكذب. ٧. مخالفة حكمِه حكمَ غيره في آحاد المسائل في هذا الباب.

стр. 131

المطلب الأول: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال الراوي . إن الحكم بالوضع على حديث من الأحاديث عمل مبني على غلبة الظن، وللأئمة في هذا طرق متعددة، وإدراك قوي تضيق عنه عباراتهم من جنس ما يؤتاه الصيرفي الجِهبِذ في نقد الذهب والفضة، أو الجوهري لنقد الجواهِر والفُصوص لتقويمها (١). وهناك قرائن تظهر للباحث من مناهج الأئمة يستعين بها على إدراك الأحكام التي توصل إليها هؤلاء الأئمة في هذا الباب، بعضها تعود إلى حال الراوي، وبعضها تعود إلى حال المروي. وسأذكر في هذا المطلب ما وقفت عليه عند الإمام أحمد من القرائن التي تعود إلى حال الراوي، وذلك من خلال دراسة بعض الأحاديث التي حكم عليها بالوضع أو ما في معناه، وهذه القرائن كالتالي: ١. كون الراوي ممن وصف بأنه كذّاب أو يروي الموضوعات: فمن ذلك ما رواه ابنه عبد الله: قال عبد الله: "عرضتُ على أبي أحاديث سمعتها من إسماعيل بن عبد الله ابن زرارة السُّكَّري الرقّي عن شيخ يقال له عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي كان ينزل بالس (٢)، منها: عن خصيف عن أبي صالح عن أسماء بنت يزيد الأنصارية عن خزيمة بن ثابت الأنصاري قال: [إني لقائم تحت جِران (٣) ناقة رسول الله ﷺ تَقصع عليّ بجِرَّتها (٤) ويذوب عليّ لعابُها] فذكر الحديث وفيه

стр. 132

"لا وصية لوارث، الولد للفراش، والعارية مردودة، والمِنحَة مردودة، والدَّيْن مقضي، والزَّعيم غارم ـ وهو الكفيل"، وله أيضا غير هذا بأسانيد مختلفة. فقال أبي: عبد العزيز وهو الذي يروي عن خُصيف، اضرب على أحاديثه هي كذب أو قال: موضوعة أو كما قال أبي. فضربت على أحاديث عبد العزيز بن عبد الرحمن" (١). روى ابن عدي (٢) والعقيلي (٣) هذه الرواية من طريق عبد الله بن الإمام أحمد. وجه علة الحديث: أوضحه العقيلي حيث قال: "وإنما أنكر أبوعبد الله الإسناد لا المتن، أما المتن فمعروف بغير هذا الإسناد عن عمرو بن خارجة الجنبي، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجماعة من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: "الولد للفراش" وليس فيه: "وحسابهم على الله" (٤). ومعنى هذا أن الحديث ليس له أصل من حديث خزيمة بن ثابت، والبلاء من عبد العزيز هذا ومن أجل ذلك أمر الإمام أحمد بالضرب على حديثه وسماه موضوعاً. وأيضاً قد انفرد بزيادة لفظة: "وحسابهم على الله". وعبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي قال فيه النسائي: ليس بثقة (٥). وقال ابن عدي: وعبد العزيز هذا يروي عن خصيف أحاديث بواطيل يرويها عنه إسماعيل بن زرارة، وإسحاق بن خلدون البالسي، وفيها غير حديث خصيف عن أنس وسائر ذلك كله، ليس لها أصول ولا يتابعه الثقات

стр. 133

عليها. ا. هـ. (١)، ونصّ في موضع آخر على أن البلاء في رواية خصيف منه لا من خصيف، قال: وإذا حدّث عن خصيف ثقة فلا بأس بحديثه وبرواياته إلا أن يروى عنه عبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي يكنى أبا الأصبغ، فإن رواياته عنه بواطيل، والبلاء من عبد العزيز لا من خصيف، ويروي عنه نسخة عن أنس بن مالك، وعن جماعة من التابعين. ا. هـ (٢). وقال ابن حبان: يأتي بالمقلوبات عن الثقات فيكثر والملزقات بالأثبات فيفحش، وقال: كتبنا عنه عن عمر بن سنان، عن إسحاق بن خالد البالسي عنه نسخة شبيهاً بمائة حديث مقلوبة منها ما لا أصل له، ومنها ما هو ملزق بإنسان لم يرو ذلك البتة، لا يحل الاحتجاج به بحال. ا. هـ (٣). وقال الحاكم أبو عبد الله: "روى عن خصيف بن عبد الرحمن وعبد الكريم بن مالك أحاديث موضوعة" (٤). وقد رُويتْ هذه القصة التي وردت في هذا الحديث من حديث عمرو ابن خارجة الجنبي وأنه هو الذي وقعت له القصة المذكورة وليس لخزيمة بن ثابت كما في حديث البالسي هذا، فروى الإمام الترمذي في جامعه قال: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة أن النبي ﷺ خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها وإن لعابها يسيل بين كتفيّ فسمعته يقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادّعى إلى غير أبيه أو

стр. 134

انتمى إلى غير مواليه رغبة عنهم فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (١) ورواه النسائي (٢)، وابن ماجه (٣)، وأحمد (٤)، والدارمي (٥)، والدارقطني (٦). فاتضح أن رواية عبد العزيز البالسي مقلوبة، لا أصل لها من حديث خزيمة بن ثابت البتة، والله أعلم. وفي هذا أيضاً إطلاق الوضع على إلزاق متن معروف بإسناد مختلق. ومثال آخر لهذه القرينة: قال عبد الله: "ذكرتُ لأبي حديث عبد الصمد، عن أبيه عبد الوارث، عن أبيه، عن الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يمشي الرجل في نعلٍ واحدةٍ أو خُفٍّ واحد. قال أبي: هذا حديث منكر. قيل له: إن غير عبد الصمد يقول: عن عبد الوارث، عن الحسن، عن عمرو بن خالد، عن حبيب. قال أبي: نُرى عمرو بن خالد ليس يسوى حديثه [شيئاً] ليس بشيء" (٧). وقال عبد الله في وجاداته على المسند (٨): "وكان في كتاب أبي ـ فذكر الحديث بهذا الإسناد ـ ثم قال: فلم يُحدثّنا به، ضرب عليه في كتابه، فظننت أنه

стр. 135

ترك حديثه من أجل أنه روى عن عمرو بن خالد الذي يُحدّث عن زيد بن علي، وعمرو بن خالد لا يساوي شيئاً". وهذا الحديث رواه عبد الله في زياداته على المسند كما تقدم، ورواه ابن عدي (١) من طريق عمر بن شبة عن عبد الصمد بن عبد الوارث بمثل إسناد عبد الله، ليس فيه: عمرو بن خالد. ورواه الطبراني (٢) من طريق الحسين بن علي الحلواني، عن عبد الصمد، عن أبيه، عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت به (٣). وجه علة الحديث: أعلّه الإمام أحمد بأنه حديث منكر، وآفته عمرو بن خالد، وهو القرشي مولاهم، أصله من الكوفة ثم انتقل إلى واسط، وهو المتَّهم بهذا الحديث، ومن أجله ضرب الإمام أبو عبد الله على الحديث ولم يحدث به كما قال عبد الله. وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم: "عمرو بن خالد الواسطي كذّاب، قلت: الذي يروي عنه إسرائيل؟ قال: نعم، الذي يروي حديث الزَّنديْن (٤) ويروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب" (٥).

стр. 136

وقال الأثرم أيضاً: "لم أسمع أبا عبد الله يصرّح في أحد ما صرّح في عمرو بن خالد من التكذيب" (١). وقال وكيع: "كان في جِوارنا، يضع الحديث فلما فُطن له تحوّل إلى واسط" (٢). وقال عباس الدُّوري عن ابن معين: "كذاّب غير ثقة ولا مأمون، يروي عن زيد بن علي، عن آبائه" (٣). وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: "كان واسطياًّ، وكان يضع الحديث، ولم يقرأ علينا حديثه وقال: اضربوا عليه" (٤). وقال الدارقطني: "كذاب" (٥). وقال البيهقي: "كان معروفاً بوضع الحديث" (٦). وقال الذهبي: "كذبوه" (٧). وقال ابن حجر: "متروك، رماه وكيع بالكذب" (٨)، وحالته أشد من المتروك. وقد دلّس الحسن بن ذكوان في الإسناد الذي في زيادات المسند وعند ابن عدي، فلم يذكر عمرو بن خالد في الإسناد، وأشار عبد الله إلى أن بعض

стр. 137

تلاميذ عبد الوارث بن سعيد رووه بذكر عمرو بن خالد بين الحسن بن ذكوان وحبيب بن أبي ثابت. وقد جاء هذا مصرَّحاً عن الإمام أحمد، ذكره العقيلي في ترجمة الحسن بن ذكوان من طريق الأثرم أنه قال: "قلت لأبي عبد الله: الحسن بن ذكوان ما تقول فيه؟ فقال: أحاديثه أباطيل، يروي عن حبيب بن أبي ثابت … وهو لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي" (١). وإنكار الإمام أحمد موجه إلى إسناد الحديث لا المتن، ووجه ذلك أن الحديث لا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، وأما متنه ـ أي النهي عن الانتعال في نعل واحدةٍ (٢) ـ فصحيح من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله. فحديث أبي هريرة في الصحيحين (٣) بلفظ: "لا يشمي أحدكم في نعل واحدة، ليَنعلْهما جميعاً أو ليَخْلَعهما جميعاً"، وهذا لفظ مسلم. وحديث جابر في صحيح مسلم بلفظ: [أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله، أو يمشي في نعل واحدة، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفاً عن فرجه] (٤). وفي هذا إطلاق الوضع على تركيب الإسناد لا على اختلاق المتن، وهو مثل الذي قبله، فدل على أن إلزاق متن معروف بسند مختلق يعتبر وضعاً، والعلم عند الله. وفيه أيضاً إثبات الوضع بقرينة وجود راوٍ معروفٍ بالوضع في سند الحديث، وهو المطلوب من هذا المطلب. وفيه أيضاً إطلاق النكارة على ما هو وضع في الحقيقة، وسيأتي.

стр. 138

وقد أمر الإمام أحمد بالضرب على حديث آخر لعمرو بن خالد سيأتي في مطلب موقفه من الرواية عن الكذّابين والمتهمّين بالكذب، وأنكر له حديثاً آخر سيأتي في مطلب قرائن تعود إلى حال المروي إن شاء الله. ومثال ثالث لإثبات الوضع بقرينة وجود راوٍ وُصف بالكذب ما ذكره عبد الله: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: يعقوب بن الوليد من أهل المدينة، وكان من الكذّابين الكبار، فحدّث عن أبي حازم، عن سهل بن سعد [أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب] " (١). هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في السنن (٢) قال: حدثنا محمد بن الصباح، وعمرو بن رافع، ثنا يعقوب بن الوليد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد به. وأخرجه الطبراني (٣) من طريق عبد الرحمن بن نافع عن يعقوب به. وجه علة الحديث: أعلّه الإمام أحمد بيعقوب بن الوليد الذي وصفه هنا بأنه كان من الكذّابين الكبار. وقال عنه أيضاً: "يعقوب بن الوليد المديني أبو يوسف كتبت عنه وخرقنا حديثه منذ دهر، وكان من الكذّابين وكان يضع الحديث، يحدث عن أبي حازم، وهشام بن عروة، وابن أبي ذئب. وقال عبد الله: سمعت أبي يقول غير مرّة: كان

стр. 139

كذّاباً يضع الحديث" (١). وهكذا أطلق الجرح على يعقوب غير واحد من الأئمة، فقال ابن معين كما في رواية عباس الدوري: "لم يكن بشيء" (٢) وقال الجوزجاني: "غير ثقة ولا مأمون، هو صاحب حديث سهل بن سعد في الرطب والقثّاء" (٣) وقال أبو حاتم: "منكر الحديث ضعيف الحديث كان يكذب، والحديث الذي رواه موضوع، وهو متروك الحديث". وقال أبو زرعة: "ليس بشيء وترك حديثه" (٤) واتهمه ابن عدي بسرقة الحديث (٥). وقال ابن حبان: "كان ممن يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب" (٦). ومتن الحديث صحيح من حديث عبد الله بن جعفر ﵁ بلفظ: [رأيت النبي ﷺ يأكل الرطب بالقثاء]. أخرجه الأئمة الستة إلا النسائي (٧). ومن حديث عائشة ﵂ بلفظ: "أن النبي ﷺ كان يجمع البطيخ بالرطب" أخرجه أبو داود (٨)،

стр. 140

والترمذي (١)، والنسائي (٢)، وابن حبان (٣). ومن حديث أنس بن مالك ﵁ عند الترمذي في "الشمائل" (٤)، وأحمد (٥)، والنسائي (٦)، وابن حبان (٧)، ولفظه: [أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب]. ومن هذا يفهم أن كلام الإمام أحمد في الحديث هو من حيث إسناده إلى سهل بن سعد، فكأن يعقوب بن الوليد ركّب له هذا الإسناد: أبو حازم، عن سهل بن سعد، وهذا من سرقة الحديث، وهو نوع من الوضع في الحديث. وقد وافق الإمام أحمد على إعلال هذا الحديث الإمامان أبو حاتم، والجوزجاني؛ الأول صريحاً في قوله: "والحديث الذي رواه موضوع"، والثاني إيماءً في قوله: "وهو صاحب حديث سهل بن سعد في الرطب والقثّاء". وقد تقدم أقوالهما. وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن أحاديث ثلاثة رواها أبو يوسف المديني، منها: حديث أبي يوسف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: [رأيت النبي ﷺ يأكل البطيخ بالرطب]، قال أبي: أبو يوسف هذا اسمه يعقوب بن الوليد ضعيف الحديث، وحديث سهل هو باطل وهذه الاحاديث الثلاثه بواطيل" (٨). وليعقوب هذا حديث آخر أعلّه الإمام أحمد بقوله: ليس يثبت، وهو حديث ابن عمر مرفوعاً: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الآخر عفو الله"

стр. 141

رواه الترمذي (١)، والدارقطني (٢)، والبيهقي (٣) كلهم من طريق أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. فقال الخلال: أخبرنا الميموني قال: سمعت أبا عبد الله يقول: "لا أعرف شيئاً يثبت في أوقات الصلوات: أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا ـ يعني مغفرة ورضواناً. وقال له رجل: ما ترى: أول الوقت كذا وأوسطها كذا رضوان ومغفرة؟ فقال له أبو عبد الله: من يروي هذا؟ ليس هذا يثبت" (٤). وقال ابن عدي: "هذا الحديث بهذا الإسناد ـ أي إسناد يعقوب بن الوليد ـ باطل" (٥). ٢. ومن القرائن التي تعود إلى حال الراوي رميه بسرقة الحديث: وسرقة الحديث هو تعمّد تركيب متن على إسناد ليس له، وقد تقدمت بعض أمثلة ذلك، ومنه أيضاً أن يسرق حديثاً لم يسمعه فيدّعي سماعَه من رجل (٦)، وحديث الموصوف بهذه الصفة يُطلق عليه الإمام أحمد الكذب والبطلان. و من أمثلة ذلك: قال عبد الله: "قلت لأبي: بلغني أن ابن الحِمَّاني حدّث عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يُعجبه النظر إلى الحمام".

стр. 142

فأنكروه عليه فرجع عن رفعه وقال: عن عائشة مرسلاً. فقال أبي: هذا كذب، إنما كنا نعرف به حسين بن علوان، ويقولون إنما وضعه على هشام. قلت له: إن بعض أصحاب الحديث زعم أن أبا زكريا السَّيْلحيني رواه عن شريك، قال كَذِبٌ هذا على السَّيْلحيني، السيلحيني لا يحدث بمثل هذا، هذا حديث باطل" (١). لم أقف على هذا الإسناد الذي ذكره عبد الله، ولا رواية حسين بن علوان التي أشار إليها الإمام أحمد رحمة الله عليهما جميعاً. وقد أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (٢) من طريق الحاكم بإسناده عن أبي حفص عمرو بن شمر، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عائشة قالت: [كان رسول الله ﷺ يحب النظر إلى الخضرة، وإلى الأترج، وإلى الحمام الأحمر]. ثم قال: عمرو بن شمر متروك. وجه علة الحديث: أعل الإمام أحمد الإسناد الذي ذكره عبد الله بيحيى الحِمّاني بأنه سرقه من حسين بن علوان الذي قام بوضعه على هشام بن عروة. وقد ركّب له يحيى الحِمّاني إسناداً فجعله من حديث شريك؛ سرقه من حسين بن علوان هذا، وليس له أصل من حديث شريك، ولو ثبت أن السيْلحيني حدّث به عن شريك لكان له أصل، لأن السيْلحيني ـ وهو يحيى بن إسحاق البجلي السيْلحيني، ويقال: السيْلحوني والسالحيني ـ شيخ صدوق، ووثقه ابن سعد، والذهبي (٣). لكن ذلك لم يثبت، فقد ذكر عبد الله كما في رواية الخلال عنه للمسألة: "أن فضل

стр. 143

الأعرج قال: سمعت يحيى بن معين يقول: قد حدّث به السيْلحيني، فأنكره أبي وقال لي: اذهب إلى يحيى وقلْ: قال لك أبي: سمعتَه من السيْلحيني؟ قال: فلقيت يحيى فذكرتُ له إنكارَ أبي عبد الله فقال: قل له: لا، والله ما سمعتُهُ، ورفع عبدُ الله صوتَه كأنه يُحاكي كلامَ يحيى" (١). ويحيى الحِمّاني هو يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني أبو زكريا الكوفي. ذكر الإمام البخاري أن الإمام أحمد رماه (٢)، وروى غير واحدٍ من تلاميذ الإمام أحمد وجه هذا الرمي وأن ذلك راجعٌ إلى سرقة الحديث، وليس بمعنى اختلاق المتون، ومن أجمع ما رُوي في ذلك ما رواه ابنه عبد الله قال: "قلت لأبي: إن ابنيْ أبي شيبة ذكرا أنهما يقدمان بغداد فما ترى فيهم؟ فقال: قد جاء ابنُ الحِمّاني إلى ههنا فاجتمع عليه الناس وكان يَكذِب جِهاراً فاجتمع عليه الناس، ابنُ أبي شيبة على حال يصدق … قلت لأبي: ابن الحماني حدّث عنك، عن إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ "أبردوا بالصلاة" فقال: كذَب، ما حدثتُه به. فقلت: إنهم حكوا عنه أنه قال: سمعتُه منه في المذاكرة على باب إسماعيل بن عُليّة. فقال: كذَب، إنما سمعتُه بعد ذلك من إسحاق الأزرق وأنالم أعلم تلك الأيام أن هذا الحديث غريب حتى سألوني عنه بعد ذلك هؤلاء الشباب أو قال: هؤلاء الأحداث. قال أبي: وقتَ التقيْنا على باب ابنِ عُليّة إنما كنا نتذاكر الفقه والأبواب، لم نكن تلك الأيام نتذاكر المسند، كنا نتذاكر الصغار وأحاديث الفقه والأبواب. وقال أبي: كان وقع إلينا كتاب الأزرق، عن شريك فانتخبت منه فوقع هذا الحديث فيها. قلت لأبي: أخبرني رجلٌ أنه سمع ابنَ الحِماني يحدث عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] قال: كانوا يكرهون أن يستدلوا، فقال رجل: هذا الحديث في كتب ابن المبارك عن

стр. 144

شريك، عن الحكم البصري، عن منصور. فقال ابن الحماني: حدثناه شريك عن الحكم البصري، عن منصور. فقال أبي: ما كان أجرأَه، هذه جرأةٌ شديدةٌ ولم يعُجبه ذلك، وقال: ما زِلنا نعرفه أنه يسرق الأحاديث أو يتلقَّطُها أو يتلقَّفُها" (١). قال: "وسمعت أبي مرة أخرى وذكر ابن الحِمّاني فقال: قد طلب وسمع، ولو اقتصر على ما سمع لكان له فيه كفاية. قال عبد الله بن أحمد: وهذا أحسن ما سمعت من أبي فيه" (٢). وقد تواتر توثيق يحيى الحماني عن يحيى بن معين كما قال الذهبي، وكان له مسند كبير وكان يزعم أنه أول من جمع المسند من أهل الكوفة، قال الذهبي: "لا ريب أنه كان مبرزاً في الحفظ كما كان سليمان الشاذكوني، ولكنه أصون من الشاذكوني، ولم يقل أحدٌ قط إنه وضع حديثاً، بل ربما كان يتلقّط أحاديث ويدّعي روايتها، فيرويها على وجه التدليس ويُوهم أنه سمعها، وهذا قد دخل فيه طائفة، وهو أخف من افتراء المتون" (٣). والحديث الذي في هذه المسألة مثال على تركيب متن على إسناد ليس له، الأمر الذي جعل الإمام أحمد يرمي يحيى الحماني بالكذب، وهذا أشد من ادعاء السماع، وإن كان كلا الأمرين داخلين في سرقة الحديث. والإمام أحمد لم يخرج ليحيى الحماني شيئاً في المسند (٤).

стр. 145

٣. ومن قرائن إثباث الوضع والتي تعود إلى حال الراوي كون الراوي يروي عن شيخ ويصرح بالسماع منه مع كونه لم يسمع منه من أمثلة ذلك ما رواه الخلال عن حنبل: قال حنبل: "قلت لأبي عبد الله: حدثنا عاصم، عن محمد بن زياد الجزري، عن ميمون، عن يزيد بن الأصمّ قال: قال [إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذونه]. قال أبو عبد الله: اضرب عليه، فضربت عليه وسمعت أبا عبد الله يقول: محمد بن زياد الجزري يقال: إنه يضع الحديث" (١). أنكر الإمام أحمد هذه الرواية وأمر بالضرب عليها لحال محمد بن زياد الجزري، وهو محمد بن زياد الطحان اليشكري الكوفي المعروف بالميموني ـ نسبة إلى ميمون بن مهران (٢). قال عنه هنا: "يضع الحديث". وقال عبد الله: "سألت أبي عن محمد بن زياد يقال له الميموني كان يحدث عن ميمون بن مهران، قال: كذاب خبيث أعور يضع الحديث" (٣). وبين وجه هذا الكذب في رواية أبي دواد: قال: سمعت أحمد بن حنبل قال: "ما كان أجرأَه! يقول حدثنا ميمون بن مهران" (٤). فالظاهر من هذه العبارة أنه يصرّح بالسماع من ميمون بن مهران مع كونه لم يسمع منه، وهذا من أوضح القرائن على كذب الراوي. ومما يدل على عدم سماعه من ميمون ما ذكره هارون بن مرّة ويحيى بن معين يسمع قال: "جاء كتاب البغداديين إلى أبي المليح وأنا حاضر يسألونه عن محمد بن زياد الطحان فقال:
следующие страницы →