← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب . يتلخص منهج المؤلف في عرض مادة كتابه فيما يلي (١): ١) صنف المؤلف مادة كتابه وجعل المعلومات ذات الموضوع الواحد تحت باب متسقل، فجاء الكتاب ـ عدا القسم المفقود من أوله ـ مقسما إلى سبعة وعشرين باباً. ٢) يوجد تكرار لبعض الرواة في أكثر من موضع من الكتاب؛ وهذا راجع إلى الأسلوب الذي بني عليه الكتاب، وهو أسلوب الأسئلة في تدوين المعلومات، وهو نهج يؤدي إلى اتساع المادة العلمية وتنوعها، كما أدت بعض الأسباب أيضا إلى وقوع التكرار في الكتاب مثل الاهتمام بذكر بعض شيوخ الراوي، أو العناية بنفي تحديث بعض الناس عنه، أو غير ذلك. ٣) ليس كل ما دونه أبو داود في هذا الكتاب ورد على صيغة السؤال، بل أورد أكثره على غير ذلك؛ حيث كان يسأله تارة، ويصغي إلى سؤال غيره تارة أخرى، وكثيرا ما كان يجلس إليه، ويتلقى عنه من غير مسألة، وربما كتب عنه ذلك كله، وأغلب نصوصه بلفظ: سمعت أحمد. ٤) قد يعلق الإمام أبو داود على بعض النصوص التي يرويها عن الإمام أحمد، وبعض التعليقات إنما هي من راوي الكتاب الحسين بن إدريس، لكن معظم مادة الكتاب فهي من إفادة الإمام أبي داود عن شيخه الإمام أحمد ﵀.

стр. 72

المبحث الثامن: المنتخب من العلل للخلال ـ لموفق الدين ابن قدامة . المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته . موضوعه: تتضمن مادة هذا المنتخب أحاديث تكلم عليها الإمام أحمد بالتعليل والتضعيف، وتضمن شيئا من كلامه على الجرح والتعديل، كما أن في آخره ملحقاً عرج فيه على طبقات أصحاب سفيان الثوري (١)، والأعمش (٢) وإبراهيم النخعي (٣). والكتاب المطبوع جزء من انتخاب الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي لعلل الخلال الكبير، وهو يشتمل على الجزءين العاشر والحادي عشر منه. وقد ذكر الحافظ الذهبي وأيضاً الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمة الله عليهما أن من مصنفات ابن قدامة "مختصر العلل للخلال" (٤). وزاد ابن رجب أنه مجلد ضخم. خصائصه: يمتاز الكتاب بما يلي: ١) أن أصل الكتاب قد اشتمل على مجموعة روايات عن الإمام أحمد نقلها تلاميذه عنه، وجمعها أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في كتابه: "العلل"،

стр. 73

وهو في ثلاث مجلدات (١)، وقد سرد ابن أبي يعلى أسماء أولئك التلاميذ ممن سمع منهم الخلال مسائلهم للإمام أحمد فبلغ عددهم ثلاثة وعشرين (٢)، وذكر أنه رحل إلى أقصى البلاد في جمع مسائل أحمد. وذكر الخطيب البغدادي أنه لم يكن ممن ينتحل مذهب الإمام أحمد أحد أجمع لعلوم أحمد منه (٣). فهذه ميزة عظيمة لهذا السفر. ١) أن الكتاب يشتمل على أحاديث معللة تكلم إمام من أئمة العلل وناقد من نقاد الحديث وهو الإمام أحمد عليها بالتعليل مع بيان وجوه التعليل. ٢) تنوع موضوعات الكتاب، فهي أشبه ما تكون بموضوعات ما يوسم بالكتاب الجامع، فإنه لم يتقصر على أبواب معينة أو موضوعات محددة، بل تناول جوانب علمية كثيرة، ففيه ما يتعلق بالزهد وذم الدنيا (٤)، وما يتعلق بالشبع (٥) وفي البنات والأخوات (٦)، وفي السباحة والمغزل (٧)، وفي عدن والزنج والبربر (٨)، وحول أحاديث الخلافة وفضائل الصحابة (٩)، وغير ذلك من موضوعات شتى. قيمته العلمية: يستمد هذا المنتخب قيمته العلمية من قيمة أصله الذي هو العلل للخلال، والذي صنفه في ثلاث مجلدات (١٠)، وهو عمل جبار لم يدانيه فيه

стр. 74

أحد، حتى قال الحافظ الخطيب: "وكان ممن صرف عناية إلى الجمع لعلوم أحمد ابن حنبل، وطلبها وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتبا، ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أجمع منه لذلك" (١). كما تظهر قيمة المنتخب العلمية من اهتمام العلماء بسماعه، كما يظهر من السماعات الموجودة على النسخة الخطية للكتاب، حيث اعتنى بعض العلماء بسماعه، ومنهم الحافظ يوسف بن عبد الهادي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). روايته: يظهر من طرة الجزء العاشر لهذا المنتخب ـ وهو الجزء المطبوع منه ـ أن راوي هذا الكتاب هو الفخر بن علي بن أحمد بن البخاري المقدسي، عن موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي (٣).

стр. 75

المطلب الثاني: منهج عرض مادة العلمية للكتاب . يتلخص منهج المنتخِب فيما يلي: ١) لم يصنف المنتخِب كتابه على ترتيب معين، وإنما اختار من الأصل أحاديث مختلفة المواضيع، وأثبتها في الكتاب، دون أي تنظيم أو ترتيب محدد. ٢) يوجد على كل حديث أو مجموعة أحاديث عنوانا يناسب فحواها، ولا يمكننا أن نعرف إن كانت هذه العناوين من وضع صاحب الأصل، أو من المنتخِب، وذلك لغياب الأصل عنا. ٣) ينقل مادة الكتاب مسندة ـ ابتداء من شيخ الخلال إلى نهاية السند ـ محافظا على طريق الأصل في العرض.

стр. 76

الباب الثاني: إعلال الأحاديث بالطعن في رواتها وفيه ثلاثة: الفصل الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالجهالة. الفصل الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخل بعدالته. الفصل الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخل بضبطه.

стр. 77

الفصل الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالجهالة .

стр. 78

المبحث الأول: ضابط الجهالة عند الإمام أحمد . من الأمور التي تشترط لقبول الخبر أن يكون مَن حدّث به ثقة كما قال سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "لا يحدث عن رسول الله ﷺ إلا الثقات" (١). وقال الشافعي: "لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا ثم ذكر منها كون من حدث به معروفا بالصدق في حديثه … " (٢). فتقرر لدى المحدِّثين ردُّ حديث من لم يعرف بالثقة في روايته. وكان ممن درج على هذا المنوال من أئمة الحديث في رد رواية الراوي المجهول الثقة وإعلال حديثه بسبب تلك الجهالة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ومنهجه في ذلك واضح المعالم. وإذا كان الإمام أحمد كغيره من الأئمة يعتبر الجهالة علة توجب رد الحديث أو على أقل الأحوال التوقف في قبوله فما هو حد الجهالة عنده؟ وبما ترتفع؟. فأولاً، تقرّر لدى العلماء المتأخرين أنهم وضعوا حداً فاصلاً للجهالة وما ترتفع به مبنياً على رواية عدد من الرواة عن الرجل، فحددوا ذلك برواية رجلين عنه فصاعدا، واتبعوا في ذلك الإمام محمد بن يحيى الذُّهلي (٣). قال الخطيب: "أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم كذلك"، ثم ذكر بإسناده عن أبي زكريا يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي أنه سمع أباه يقول: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة (٤).

стр. 79

فجعلوا حد الجهالة رواية أقل من اثنين عن الراوي وارتفاعها برواية اثنين عنه فأكثر. وأما الإمام أحمد فمنهجه في ذلك يختلف، فالنظر في صنيعه في هذا المضمار يدل على أنه ﵀ لا يعتبر رواية عدد معين من الرواة عن الراوي حداًّ فاصلاً لما ترتفع به جهالتُه عنده، ويدل على ذلك أمور، منها: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "قلت لأبي: سعيد بن جمهان (١) هذا، هو رجل مجهول؟ قال: لا، روى عنه غير واحد: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والعوام بن حوشب، وحشرج بن نباتة" (٢). فاعتل ﵀ لعدم جهالته براوية جماعة من الرواة عنه ـ وعددهم أربعة ـ مما يدل على أن من روى عنه جماعة بهذا العدد لا يوصف بالجهالة. وسأله عبد الله أيضاً عن نافع مولى أبي قتادة (٣) فقال: "معروف، روى عنه صالح بن كيسان وأظن الزهري" (٤). فجعله معروفاً مع أنه لم يذكر له راوياً غير صالح بن كيسان والزهري.

стр. 80

وقال في عمار العبسي (١): "رجل معروف روى عنه شعبة" (٢). وهذا لم يذكر له راوياً غير شعبة وإن كان لم ينص على تفرده بالرواية عنه، ولم أقف على من ذكر له راوياً آخر. في حين قال في حُصين بن عبد الرحمن الحارثي (٣): "ليس يُعرف، ما روى عنه غير حجاج بن أرطأة، وإسماعيل بن أبي خالد روى عنه حديثاً واحداً، أحاديثه أحاديث مناكير، كل شيء روى عنه حجاج منكر" (٤). فهذا جعله مجهولاً مع رواية اثنين عنه. وقال في حصين بن عبد الرحمن (٥) آخر: "لا يعرف، روى عنه حفص ابن غِياث عن الشعبي، ما سمعت روى عنه غير حفص" (٦). وقال في مروان بن عثمان (٧): "مجهول" (٨). وقد روى عنه ثلاثة: سعيد

стр. 81

ابن أبي هلال، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وقال في إبراهيم بن عبيد بن رفاعة: "ليس بمشهور" (١)، وقد روى عنه جماعة (٢). وقال في عبد الرحمن بن وعلة (٣): إنه مجهول، مع أنه روى عنه جماعة (٤). وكذلك قال في رُبيح بن عبد الرحمن (٥): "رجل ليس بمعروف" (٦). وقد روى عنه جماعة. والذي يستنتج من هذا هو أنه لا عبرة بتعدد الرواة عند الإمام أحمد في تحديد ما ترتفع به الجهالة، وإنما العبرة بشهرة الراوي وانتشار حديثه بين العلماء،

стр. 82

وعلى العكس من ذلك عدم شهرته بالعلم والرواية تقتضي الحكم عليه بالجهالة، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد عند ما سأله أبو داود عن حديث عاصم بن لقيط ابن صبرة (١) عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "ولنا غنم مائة" قال: "أتثبته؟ فقال عاصم: لم نسمع عنه حديثاً كذا ـ يعني لم نسمع عنه بكثير رواية ـ أي ليس عاصم بن لقيط بمشهور في الروايات عنه" (٢). فلم يثبت حديثه لأنه ليس مشهوراً بالرواية، وذلك أنه لم يرو عنه سوى إسماعيل بن كثير أبو هاشم المكي، وليس له عنه إلا حديث واحد. وأبو هاشم ثقة (٣)، لكن لم يعتبر الإمام أحمد روايته عنه مرقِّية له إلى رتبة الشهرة رافعة عنه وسم الجهالة، لأنه لما لم يكن له إلا حديث واحد دل ذلك على عدم شهرته برواية العلم. وشهرة الراوي تعرف عند الإمام أحمد بأمور، وهذه الأمور هي الأوصاف المعتبرة عنده لرفع الجهالة، وهي كالتالي:

стр. 83

١. جلالة الراوي عن الرجل وإن لم يكن له راوٍ سواه . إذا لم يرو عن الرجل إلا راوٍ واحد وكان ذلك الراوي من أجلة أهل العلم اعتبرت روايته عنه رافعة لجهالته، يدل على ذلك ما يلي: أ. ماذكره الحافظ ابن رجب قال: "وقد صحح ـ يعني الإمام أحمد ـ حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولا. قال في خالد بن سمير (١): لا أعلم أحداً روى عنه سوى الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث. وقال مرة أخرى: حديثه عندي صحيح (٢). قال ابن رجب: وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات". والأسود بن شيبان الذي تفرد بالرواية عن خالد هذا قال عنه الإمام أحمد في رواية الأثرم: "ثقة ثقة" (٣). وقال في رواية الميموني: "كان من خيار عباد الله" (٤). وقال عبد الرحمن بن مهدي: "نظر سفيان ـ وهو الثوري ـ وهو مختف عندنا بالبصرة إلى رقعة فيها حديث الأسود بن شيبان فقال إذا ذهبتَ إلى هذا

стр. 84

الشيخ فأعلمني حتى أنطلق معك" (١). فهذا يدل على جلالة الأسود بن شيبان، حيث حرص الثوري على الأخذ عنه، وتجشم الخروج إليه بالرغم مما كان فيه من حالة الخوف والاختفاء. ب. قال الإمام أحمد في هشام بن عمرو الفزاري: "هو من الثقات" (٢). وما روى عنه غير حماد بن سلمة، وإنما روى عنه حديثاً واحداً وهو حديث علي بن أبي طالب في الدعاء بعد الوتر (٣). ج. قال الإمام أحمد في أشعث بن عبد الرحمن الجرمي: "ليس به بأس" (٤).

стр. 85

وهو ممن ذكره الإمام مسلم في "المنفردات والوحدان" (١) ضمن من تفرد عنهم حماد بن سلمة بالرواية. فتوثيقه لهذين الراوين مع أنه ليس لكل واحد منهما إلا راوٍ واحد، ومع قلة حديثهما مبني على جلالة الراوي عنهما، وهو حماد بن سلمة. قال الفضل بن زِياد: "وحدثنا أبو طالب عن أبي عبد الله قال: سألته عن حماد بن سلمة فقال: حماد بن سلمة من خيار عباد الله الصالحين، ومَن جمع من السنة ما جمع! وقال أيوب: هاتوا مثل فتانا حماد. وقال الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: قال رجل يوماً: العلم عند شعبة، وسفيان، وحماد، فأنكرت عليه حماد أن يكون مثل شعبة وسفيان، ولم أكن بحديثه عالماً، فلما كتبت حديثه علمت أنه قد صدَق، فإن حماداً عالم" (٢)، فهذا يدل على جلالة حماد بن سلمة عند الإمام أحمد. د. نقل مغلطاي من كتاب الساجي عن أحمد بن حميد ـ وهو أبو طالب ـ قال: "قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فالحارث بن عبد الرحمن الذي يروي عنه ابن أبي ذئب؟ قال: لا أرى به بأساً" (٣). وقد قال ابن سعد، وابن المديني، وأبو أحمد الحاكم: "لا نعلم أحداً روى عنه ـ أي الحارث بن عبد الرحمن ـ إلا ابن أخته محمد ابن عبد الرحمن ابن أبي ذئب" (٤). وذكره الإمام مسلم في "المنفردات والوحدان" فيمن تفرد عنهم ابن أبي ذئب بالرواية (٥). ولعل من أجل هذا قال فيه ابن المديني: مجهول، نقله ابن حجر (٦).

стр. 86

روى عنه ابن أبي ذئب عدة أحاديث مما يدل على أنه لا يوصف بقلة الرواية (١). هـ. وقال الإمام أحمد في عبد العزيز بن عياش فيما رواه عنه ابن شاهين (٢): "صالح، وهوشيخ لابن أبي ذئب" (٣). فلم يجعلهما الإمام أحمد مجهولين مع تفرد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالرواية عنهما، وذلك لجلالته، ويدل على ذلك ما ذكره أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: "كان ابن أبي ذئب يُشبّه بسعيد بن المسيب، قيل له: خلف مثله ببلاده؟ قال: لا، ولا بغير بلاده" (٤). وقال يحيى بن معين: "كل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة إلا أبا جابر البياضي" (٥)، ونقل أبو داود عن أحمد بن صالح المصري مثل هذا (٦). لكن يعكر على هذا أن أبا داود روى عن أحمد أنه قال: "كان ابن أبي ذئب ثقة صدوقاً، أفضل من مالك بن أنس إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه، ابن أبي ذئب لا يُبالي عن من يحدث" (٧). فهذا لا يمنع أن يقبل الإمام أحمد من تفرد

стр. 87

عنهم لجلالته، وإن كان لا يجعلهم في مرتبة الثقات كما يفعل بمن تفرد الإمام مالك بالرواية عنهم كما سيأتي، وهذا يوضحه قوله في كلٍّ من الراويين اللذين تقدم ذكرهما حيث قال في الأول ـ وهو الحارث بن عبد الرحمن: "لا أرى به بأساً". وقال في الثاني: "صالح". على أن هناك ما يدل على أن شهرة الأول، وهو كثرة حديثه بخلاف الثاني. ووجه اعتبار جلالة الراوي وصفاً رافعًا لجهالة من تفرد بالرواية عنه والحكم عليه بالشهرة هو أنه يبعد مع جلالة الحافظ المعتني بهذا الشأن أن يأخذ العلم عمن ليس بأهل أن يؤخذ عنه. قال ابن معين في عُمارة بن أكيمة الليثي (١) الذي تفرد الزهري بالرواية عنه: "كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب. قال ابن عبد البر: إصغاء سعيد بن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم" (٢). وذكره ابن البرقي في "باب من لم تشتهر عنه الرواية واحتُملت روايته لرواية الثقات عنه" وقال: لم يغمز (٣). لكن يستثنى من هذا من كان مع جلالته معروفاً بالرواية عن كل ضرب من الرواة، ولا ينتقي شيوخه، فقد قال الإمام أحمد في جون بن قتادة: "شيخ لا يُعرف، لم يحدث عنه غير الحسن" (٤). فلم يعتبره الإمام أحمد معروفاً برواية الحسن البصري عنه مع جلالته كما فعله علي بن المديني (٥). والذي يظهر لي أن

стр. 88

ذلك راجع إلى ما ذكر الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه كان يروي عن كلٍّ، أي سواءٌ كان معروفاً بالعلم والرواية أم لا. قال أحمد في رواية الفضل بن زياد والميموني: "ليس في المرسلات أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنهما يأخذان عن كل" (١). وقال أيضاً: "حدثنا أبو أسامة، عن وُهيب، عن خالد الحذاء قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: كان أربعة يُصدِّقون من حدثهم: أبو العالية، والحسن، وحُميد بن هلال، ورجل آخر سماه" (٢). ٢. أن يتفرد عن الرجل من كان معروفاً بأنه لا يروي إلا عن ثقة من الأمور التي تعرف بها شهرة الراوي عند الإمام أحمد وقبوله عنده مع كونه ممن لم يرو عنه إلا واحد كون الذي روى عنه ممن عرف عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة. قال الحافظ ابن رجب: "المنصوص عن أحمد يدل على أنه من عُرف عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له ومن لم يعرف عنه ذلك فليس بتعديل" (٣). وهناك طائفة نصّ الإمام أحمد على أن كل من رووا عنه فهو ثقة، منهم: أ- مالك بن أنس: قال في رواية ابن هانئ: "ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة، كل من روى عنه مالك فهو ثقة" (٤). وروى أبو زرعة الدمشقي عن أحمد أنه قال: "مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة" (٥).

стр. 89

وقال الميموني: "سمعت أحمد غير مرة يقول: كان مالك من أثبت الناس، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولاسيما مدني" (١). ب- يحيى بن سعيد القطان: قال أبو داود: قلت لأحمد: "إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول يحتج بحديثه؟ قال يحتج بحديثه" (٢). ج- عبد الرحمن بن مهدي: قال أحمد في رواية الأثرم: "إذا حدّث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة" ثم قال: "كان عبد الرحمن أولاً يتساهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعدُ وكان يروي عن جابر (٣) ثم تركه" (٤). د- أيوب بن أبي تميمة السختياني: قال أبو داود: "قلت لأحمد: أبو زيد المدني؟ قال: أي شيء يُسأل عن رجل روى عنه أيوب" (٥). وذكر ابن رجب في عباس بن عبيد الله بن عباس أنه روى عنه أيوب مع جلالته وانتقاده للرجال حتى قال أحمد فذكره (٦). ٣. استقامة حديث الرجل وموافقته لروايات الثقات . من الأمور التي تعرف بها شهرة الراوي عند الإمام أحمد أيضاً استقامة أحاديثه وعدم مخالفتها لروايات الثقات، يدل على ذلك ما يلي: قال الإمام أحمد في عُمارة بن عبد: "مستقيم الحديث، لا يروي عنه غير

стр. 90

أبي إسحاق السبيعي" (١)؛ فلم يجعله الإمام أحمد مجهولاً مع تفرد أبي إسحاق السبيعي بالرواية عنه، لأنه كان مستقيم الحديث. وعلى العكس من قول الإمام أحمد قال فيه أبو حاتم: "شيخ مجهول لا يحتج بحديثه" (٢). وقال الإمام أحمد في هُبيرة بن يَريم كما في رواية عبد الله (٣): "هُبيرة رجل صالح، ما أعلم من حدث عنه غير أبي إسحاق". وقال في رواية الأثرم: "هُبيرة بن يَريم لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامة من غيره ـ يعني الذين روى عنهم أبو إسحاق وتفرد بالرواية عنهم" (٤). وقد قال عنه أبو حاتم حين سئل: "يحتج بحديثه؟ قال: هو شبيه بالمجهولين" (٥). وقال عنه ابن معين: "مجهول" (٦). وقد روى عنه أبو إسحاق أحاديث ذكرها ابن عدي ثم قال: "لهبيرة هذا غير ما ذكرت، ويحدث عنه أبو إسحاق بأحاديث، وهذه الأحاديث التي ذكرتها هي مستقيمة ورواها عن أبي إسحاق الثوري وشعبة ونظائرهما" (٧). وهذا الذي أشار إليه الإمام أحمد ـ أعني استقامة حديثه. ومما يدل على اعتبار الإمام أحمد استقامة حديث الراوي لإثبات شهرته ونفي الجهالة عنه ما ذكره ابن هانئ قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما أعلم أن

стр. 91

أحداً روى عن سَلْم بن أبي الذيال إلا المعتمر، وسلم ثقة" (١). وإنما وثقه مع تفرد معتمر بن سليمان بالرواية عنه لأن أحاديثه مستقيمة، فدل ذلك على أنه معروف بطلب العلم حيث روى ما يُقارب حديث الثقات. قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر سَلْم فقال: حديثه مقارب" (٢). وقال عباس الدوري: "قال أحمد بن حنبل: سلم بن أبي الذيّال أحاديثه متقاربة، لم يرو عنه غير معتمر" (٣). ٤. تقدم طبقة الراوي إذا كان حديثه غير منكر . يدل على هذا موقف الإمام أحمد من عمرو بن راشد الأشجعي، فإنه روى حديث وابِصة بن معبَد أن رجلاً صلى خلف الصف وحده فأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة (٤)، فقال الإمام أحمد: حديث وابصة حديث حسن (٥)، وقال: عمرو ابن راشد معروف (٦). وإنما روى عن عمرو بن راشد هذا هلال بن يَساف، ونسير ابن دغلوق (٧). وهلال بن يَساف من التابعين، وقد أدرك علي بن أبي طالب (٨)، فدل على أن عمرو بن راشد متقدم في طبقته، ويكون من طبقة كبار التابعين، وقد روى عن عمر وعلي. وهذا الحديث الذي رواه قد قال فيه أحمد: "لا أعرف

стр. 92

لحديث وابصة مخالفاً" (١) قال ابن رجب: "يعني لا يعرف له حديثاً يخالفه، فإن حديث أبي بكرة يمكن الجمع بينه وبينه بما تقدم، والجمع بين الأحاديث والعمل بها أولى من معارضة بعضها ببعض، واطرادها واطراحها بعضها، إذا كان العمل بها كلها لا يؤدي إلى مخالفة ما عليه السلف الأول" (٢) فدل على عدم نكارة حديثه عند الإمام أحمد. واحتج الإمام أحمد أيضاً بالأثر الذي رواه سفيان، عن نسير بن ذُعْلُوق، عن عمرو بن راشد، أن رجلاً اشترى ناقة وهي مريضة فاستثنى البائع جلدها فبرئت، فرغب فيها، فخاصمه إلى عمر، فأرسلهم إلى علي فقال: تقوَّمّ ثم يكون له شراؤه (٣). قال الإمام أحمد: "أنا أذهب إلى هذا، فقال له أبو ثور: يا أبا عبد الله، من عمرو بن راشد؟ فقال: سبحان الله، أما سمعت حديث شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن هِلال بن يَساف، عن عمرو بن راشد، عن وابِصة، أن رجلاً صلى خلف الصف وحده؟ ثم قال أبي: هو رجل معروف أو مشهور" (٤) وقال في موضع آخر: "عمرو بن راشد روى عنه هلال بن يساف" (٥). فاعتبره الإمام أحمد معروفاً مع قلة عدد من روى عنه، واعتبر في ذلك قدم طبقته وعدم مخالفة حديثه لما هو أثبت منه، والله أعلم.

стр. 93

٥. كونه معروفاً عند أهل العلم ببلده: ومن الأمور التي تعرف بها شهرة الراوي عند الإمام أحمد كونه معروفاً عند أهل العلم ببلده وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد العزيز بن عبيد الله (١) الذي روى عنه إسماعيل بن عياش فقال: كنت أظن أنه مجهول حتى سألت عنه بحمص فإذا هو عند هم معروف، ولا أعلم أحداً روى عنه غير إسماعيل بن عياش قال: وقالوا هو من ولد صهيب (٢). فأطلق عليه أنه معروف ونفى عنه الجهالة مما يدل على أنه يقصد أنه معروف في باب الرواية، واعتمد في ذلك على معرفته لدى أهل العلم بحمص، إذ لا يسوغ للإمام أحمد أن يسأل عن الراوي إلا أهل العلم والاختصاص، والعلم عند الله.

стр. 94

المبحث الثاني: جهالة الصحابي ليست بعلة . والذي تقدم من منهج الإمام أحمد من إعلال الحديث بالجهالة خاص بمن وصف بذلك ممن دون الصحابة، أما الصحابة فجهالة أي واحد منهم ليست بعلة. وقد جاء ذلك عن الإمام أحمد صريحاً، فذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر عن الأثرم قال: "قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم" (١). ونقل عنه أيضاً ﵀ أنه صحّح حديث رجل من الصحابة لم يُسمّ، فقيل له في الحديث الذي رواه إبراهيم بن أبي العباس، قال: حدثنا بقية، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يُصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء" (٢). قال الأثرم: قلت لأحمد هذا إسناد جيد؟ قال: نعم. نقله عنه ابن عبد الهادي وقال: وقد احتج به الإمام أحمد أيضاً في رواية غير واحد من أصحابه (٣). فقال الإمام أحمد إن إسناد الحديث جيد مع كون الصحابي في السند مجهولاً غير مسمى، مما يدل على أن ذلك ليست بعلة عنده. وقد اعتمد ابن التركماني هذا الصنيع من الإمام أحمد في الرد على البيهقي حيث قال إثر روايته للحديث: هو مرسل (٤)، فقال ابن التركماني: تسمية هذا

стр. 95

مرسلاً ليس بجيد لأن خالداً هذا أدرك جماعة من الصحابة وهم عدول فلا يضرهم الجهالة ثم ذكر سؤال الأثرم المذكور سابقاً (١).

стр. 96

المبحث الثالث: ما رواه المجهول مخالفا للثابت المعروف عند الإمام أحمد إذا روى الراوي المجهول حديثاً مخالفاً للثابت المعروف عند الإمام أحمد قوي عنده ردّ حديثه بسبب جهالته وما تضمنته روايته من المخالفة. ويدل على هذا صنيعه في أحاديث وهي: الحديث الأول: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "قلت لأبي: ما تقول في هذا الحديث، حديث مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمِّه، عن عائشة أن النبي ﷺ رخص أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دبغت؟ قلت لأبي: ما تقول في هذا الحديث؟ قال: فيه أمه، من أمه؟ كأنه أنكره من أجل أمه" (١). رواه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، وأحمد (٥) وغيرهم من طرق عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه عن عائشة زوج النبي ﷺ ، وهو عند مالك في "الموطأ" (٦). فهذا الحديث أعله الإمام أحمد بجهالة أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حيث قال: فيه أمه، ومن أمه؟

стр. 97

وتبع الإمام أحمد تلميذه الأثرم في إعلال الحديث بالعلة نفسها فقال: "أما حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه فإن أمه غير معروفة ولم نسمع أنه روى عن غيرها هذا الحديث" (١). وأم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان روت عن عائشة، وروى عنها ابنُها وعلى حسب ما قاله الأثرم ما روى عنها غير هذا الحديث. وابنها محمد بن عبد الرحمن من التابعين، لا يسأل عن مثله كما قال أبوحاتم (٢)، ووثقه ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حجر (٣). وذكر الحافظ ابن حجر (٤) أن ابن حبان ذكرها في "الثقات"، ولم أقف عليها في "كتاب الثقات". وهناك قرائن تؤيد جانب القبول لرواية أم محمد بن عبد الرحمن غير أن الإمام أحمد لم يعتبرها. و هذه القرائن هي: أولاً: كون أم محمد بن عبد الرحمن من طبقة التابعين إذ إن ابنها نفسه من طبقة التابعين، ونص البخاري (٥) على أنه سمع ابن عمر، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وزيد بن ثابت. وكون الراوي المجهول من طبقة كبار التابعين أو أوساطهم مما يجعل حديثه محتملاً ويتلقى لحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول كما قال الحافظ الذهبي (٦) وقال نحوه ابن كثير (٧).

стр. 98

الثاني: كون الراوي عنها ثقة مشهوراً بالعلم والرواية. الثالث: أنها توبعت في رواية هذا الحديث عن عائشة، تابعها الأسود ابن يزيد، وعطاء بن يسار كلاهما عن عائشة بمعناه. أما حديث الأسود بن يزيد فأخرجه النسائي (١) وأحمد (٢)، والطحاوي (٣)، وابن حبان (٤)، والدارقطني (٥) من طريق شريك القاضي، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن الأسود، عن عائشة قالت: "سُئل النبي ﷺ عن جلود الميتة، فقال: "دِباغها ذكاتها". وهذا لفظ النسائي. وشريك في إسناد الحديث هو ابن عبد الله النخعي القاضي، صدوق يخطئ، وقد تغير حفظه لما ولي القضاء (٦)، وقد اختلف عليه الثقات في رواية هذا الحديث. رواه عنه على الوجه المذكور حجاج بن محمد المصيصي، وحسين بن محمد بن بهرام المروذي، أخرج الروايتين الامام أحمد، وأخرج الرواية الثانية النسائي، وابن حبان، والطحاوي. ورواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. أخرج هذه الرواية النسائي (٧)، وكذلك قال أبو أيوب بن محمد الوزان (٨)، وعبد الرحمن بن يونس

стр. 99

السرّاج (١) كلاهما عن حجاج الأعور عن شريك عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وهذا الاختلاف سببه سوء حفظ شريك إذ الرواة عنه كلهم ثقات فاختلافهم يدل على سوء حفظ الراوي الذي رووا عنه. وقد روى الحديث إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. أخرج الحديث النسائي (٢)، والطحاوي (٣). قال الدارقطني بعد أن ساق الاختلاف: "وأشبهها بالصواب قول إسرائيل ومن تابعه عن الأعمش" (٤). وتبقى علة أخرى في هذا الإسناد وهي عنعنة الأعمش، وهو معروف بالتدليس، وقد روى حفص بن غياث ما يدل على أنه دلس هذا الخبر. فروى عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه عن الأعمش قال: حدثنا أصحابنا عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ به. أخرجه الطحاوي (٥). وهذه العلة لا تمنع من اعتبار الرواية في المتابعات. والمتابعة الثانية هي رواية عطاء بن يسار، أخرجها الدارقطني (٦)، والبيهقي (٧) من طريق إبراهيم بن الهيثم: حدثنا علي بن عيّاش، قال: حدثنا محمد بن مطرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "طهور كل أديم دباغه". قال الدارقطني: إسناد حسن، كلهم ثقات. وقال البيهقي: رواته كلهم ثقات.

стр. 100

قال ابن عبد الهادي (١) في سنده: "إبراهيم بن الهيثم (٢) تُكلم فيه، والمحفوظ حديث زيد عن ابن وعلة". وتوجيه كلام ابن عبد الهادي أن الاختلاف وقع على زيد بن أسلم في رواية الحديث حيث رواه مالك (٣)، وسفيان بن عيينة (٤)، وسليمان بن بلال (٥)، وعبد العزيز الدراوردي (٦)، وفليح بن سليمان (٧)، وسفيان الثوري (٨)، وحماد بن سلمة (٩)، وهشام بن سعد (١٠)، كلهم رووه عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس، فرواية محمد بن مطرف، وهو أبو غسان المدني (١١) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة مخالفة لرواية الجماعة عن زيد بن أسلم، وهي قطعاً خطأ، على أنه قد روي عن أبي غسان مثل رواية الجماعة. فروى الطحاوي (١٢) من

стр. 101

طريق سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به. فالحافظ ابن عبد الهادي ما رآى الحمل في هذا الحديث على علي ابن عياش الراوي عن أبي غسان في الرواية الشاذة ـ لثقته (١)، فإنه ثقة حجة كما قال الدارقطني (٢)، بل جعل الحمل على إبراهيم بن الهيثم لأنه متكلم فيه. فقد تبين أن كلا المتابعتين ـ أعنى رواية الأسود عن عائشة، ورواية عطاء بن سيار عن عائشة ـ لم تسلم من علة. ويبقى النظر فيما يشهد لحديث عائشة، وهو حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرّ بشاة ميتة وفيه أنه قال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ " ـ الحديث (٣)، فهذا أيضاً أعلّه الامام أحمد بالاضطراب (٤). وشاهد ثان هو حديث سلمة بن المحبّق ـ وسيأتي في هذا المطلب، وهو معلول عنده أيضاً. فتبين من هذا كله أن حديث أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ليس له عند الامام أحمد شيء سالم من العلة يشهد له، وقد عارضه ما هو أثبت منه عنده، وهو حديث عبد الله بن عُكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ وأنا غلام شاب قبل موته بشهر أو شهرين: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أخرجه أبو داود (٥)، وابن ماجه (٦)، والترمذي (٧)،

стр. 102

والنسائي (١)، وأحمد (٢) وغيرهم. قال الإمام أحمد: "أذهب إلى حديث ابن عُكيم" (٣). وقال في رواية صالح ـ بعد أن ذكر اضطراب حديث ابن عباس ـ قال: "وليس عندي في دباغ الميتة حديث صحيح، وحديث ابن عُكيم هو أصحها"، ثم قال: "الله قد حرّم الميتة، فالجلد هو من الميتة، وأذهب إلى حديث ابن عُكيم، أرجو أن يكون صحيحاً" (٤). وقال أيضاً: إسناد جيد يرويه يحي بن سعيد، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكيم. وقال مرة: ماأصلح إسناده (٥). فجهالة أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان علة توجب ردّ حديثها عند الامام أحمد، وكونها من طبقة التابعين مع رواية الراوي الثقة المشهور عنها لا يجدي شيئاً لمعارضة ذلك بما هو أقوى عند الامام أحمد، وهو مخالفته لحديث عبد الله بن عُكيم الذي هو معارِضٌ راجحٌ عند الإمام أحمد لكل ما عارضه من الأحاديث في هذا الباب، مع مايؤيده من ظاهر القرآن ـ وهو تحريم الميتة، وكون جلدها منها كما بينه ﵀ في رواية ابنه صالح، والله أعلم.

стр. 103

الحديث الثاني: قال أبو طالب أحمد بن حميد: "سألت ـ يعني أحمد بن حنبل ـ عن جون ابن قتادة فقال: لا يُعرف قلت: روى غير هذا الحديث قال: لا" (١). والمقصود بالحديث هو حديث سلمة بن المحبِّق (٢): أن رسول الله ﷺ مرّ ببيت بفنائه قِربة معلَّقة فاستقى، فقيل: إنها ميتة، فقال: "ذكاة الأديم دباغه" أخرجه أبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وأحمد (٥)، والطحاوي (٦)، وابن حبان (٧)، والدارقطني (٨)، والحاكم (٩)، والبيهقي (١٠) من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن جَوْن بن قتادة، عن سلمة بن المحبق به، واللفظ لأحمد. وظاهر صنيع الامام أحمد في هذا الحديث أيضاً إعلاله بجهالة جون، ويزاد عليه معارضة الحديث لما هو أرجح منه عند الامام أحمد، وهو حديث عبد الله بن عُكيم. ووجه جهالة جون كونه ليس له راوٍ غير الحسن البصري، وهو وإن كان إماماً جليلاً إلا أنه معروف بكثرة الرواية عن المجهولين، فلعدم تحريه في

стр. 104

الرواية عن المشهورين لم يعدّ الامام أحمد مَن تفرّد بالرواية عنه في عِداد الرواة المعروفين. الحديث الثالث: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "قلت لأبي: فحديث الحارث بن بلال ابن الحارث المزني في فسخ الحج؟ قال: لا أقول به. قال أبي: لا نَعرف هذا الرجل، ولم يروه إلا الدراوردي، هذه الأحاديث أحب إليّ" (١). وحديث الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه قال: [قلت يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: "بل لنا خاصة" أخرجه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، وأحمد (٥)، والطحاوي (٦)، والدارقطني (٧)، والحاكم (٨)، والبيهقي (٩) كلهم من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ربيعة الرأي عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه به. قال ابن هانئ: "قيل له ـ يعني أحمد بن حنبل ـ في الفسخ، فقال: نعم، هذا عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ . قيل: فحديث بلال بن الحارث؟ قال: ومَن بلال بن الحارث؟ ومن روى عنه؟ أما أبوه فمِن أصحاب النبي ﷺ فأما هو فأنكره. فقيل له إنه روى حديثاً! فقال: من رواه؟ وأنكره. قلت: ترى فسخ

стр. 105

الحج؟ قال: نعم، إن شاء هو فسخ، أذهب إلى حديث جابر: [أنهم أهلوا بالحج فأمرهم النبي ﷺ أن يُحلّوا] (١). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث بلال بن الحارث في فسخ الحج؟ قال: ومن بلال بن الحارث؟ أو قال: الحارث بن بلال؟ ومن روى عنه؟ ليس يصِحّ حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى يُفتي به في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر" (٢). وقال البغوي: وحكي عن أحمد أنه كان يُجوِّز فسخ الحج لغيرهم من الناس، وضعّف حديث الحارث بن بلال، وقال: "ليس الحارث بن بلال بمعروف، وقد روى فسخ الحج جماعة منهم ابن عباس، وجابر، وعائشة وغيرهم" (٣). وقال المجد ابن تيمية: قال أحمد بن حنبل: "حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثب، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل، وقال: أرأيت لو عُرف الحارث بن بلال إلا أن أحد عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يرون ما يرون من الفسخ أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ " (٤). وهذه الروايات كلها متفقة على أن الإمام أحمد ضعّف حديث الحارث ابن بلال، عن أبيه لأجل جهالة الحارث بن بلال، ولمخالفته لما روي عن عدد كثير من الصحابة. والحارث بن بلال بن الحارث المزني المدني روى عن أبيه ولأبيه

стр. 106

صحبة (١) وفد على النبي ﷺ في وفد مزينة سنة خمس من الهجرة (٢)، وروى عن الحارث بن بلال ربيعةُ الرأي وحده، قاله الذهبي (٣). وابنه يزيد بن الحارث بن بلال رأى علي بن أبي طالب (٤)، فالظاهر أن الحارث بن بلال تابعي كبير، حيث إن ابنه رأى علي بن أبي طالب (٥)، إلا أنه تفرد برواية هذا الحديث، ولا يعرف إلا به وقد خالف رواية جماعة من الصحابة. قال أحمد: عندي ثمانية عشر حديثاً صحيحاً في فسخ الحج (٦). فهذه المخالفة كافية في رد الحديث حتى لو كان الحارث بن بلال معروفاً كما قال الإمام أحمد، فكيف وهو غير معروف؟.

стр. 107

المبحث الرابع: نماذج من إعلال الإمام أحمد للأحاديث بجهالة بعض رواتها . أعل الإمام أحمد أحاديث رواة تفردوا برواية أصل ليس لهم فيه متابع ولا شاهد، ردها لأن رواتها غير معروفين لديه، فدل على أن الراوي المجهول لا يحتج بما تفرد به، فمن نماذج الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بتفرد الراوي المجهول: الحديث الأول: قال أبو داود: "رأيت أحمد يتهيّب ويجبن أن يقول بحديث عَوْسَجة مولى ابن عباس: [أن النبي ﷺ أعطى الميراث المولى من أسفل]، وقال: عوسجة لا أعرفه" (١). وقال أيضاً: "سمعت أحمد ذكر حديث عَوْسَجة عن ابن عباس، فقال: عوسجة لا أعرفه" (٢). وهذا الحديث رواه أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦)، وأبو داود الطيالسي (٧)، وأحمد (٨)، والطحاوي (٩)، والحاكم (١٠)،

стр. 108

والبيهقي (١) كلهم من طرق عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس، عن ابن عباس [أن رجلاً مات على عهد النبي ﷺ ولم يدَعْ وارثاً إلا عبداً هو أعتقه فأعطاه النبي ﷺ ميراثه]. وهذا لفظ الترمذي. فهذا الحديث تضمن إثبات أصل شرعي في ميراث الرجل إذا مات ولم يدع وارثاً إلا مولى من أسفل، وقد تفرد به (٢) عوسجة مولى ابن عباس (٣)، ولم يوجد له متابع ولا شاهد يشهد له، فلم يقبله الإمام أحمد لحال عوسجة حيث وصفه بأنه غير معروف عنده، أي ليس له من الشهرة والرواية ما يحتمل منه مثل هذا التفرد. وعوسجة من طبقة التابعين (٤) ولم يرو عنه غير عمرو بن دينار (٥). وعمرو إمام ثقة ثبت (٦)، وهذان الأمران ـ كونه من طبقة التابعين، ورواية إمام ثقة عنه ـ من القرائن التي تقوي جانب القبول لحديثه، والحكم عليه بالشهرة، لكنهما معارضان بقرينة أخرى هي أقوى منهما ـ وهي: عدم العمل بهذا الحديث عند العلماء. قال الإمام الترمذي ﵀ بعد تحسينه للحديث ـ "والعمل عند أهل العلم في هذا الباب إذا مات الرجل ولم يترك عصبة أن ميراثه يجعل في بيت مال المسلمين" (٧).

стр. 109

وقال الإمام ابن قتيبة ﵀: "الفقهاء على خلاف حديث عوسجة هذا إما لاتهامهم عوسجة، فإنه ممن لا يثبت به فرض ولا سنة إما لتحريف في التأويل وإما النسخ" (١). وقال الموفق ابن قدامة ﵀: "لا يرث المولى من أسفل في قول عامة أهل العلم، وحكي عن شريج وطاووس أنهما ورثاه" (٢). فإذا انضم إلى هذه القرينة قلة حديثه (٣) قوي جانب رد ما تفرد به بسبب عدم شهرته بالعلم. وممن سلك هذا المسلك من الائمة في هذا الحديث وردَّه بعلة عدم شهرة راويه أبو حاتم الرازي (٤)، والنسائي (٥)، وكذلك قال البخاري: لم يصح حديثه (٦). الحديث الثاني: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سألت أبي قلت: يصح حديث سمرة عن النبي ﷺ : "من ترك الجمعة عليه دينار أونصف دينار يتصدق به؟ " فقال: قُدامة بن وبرة يرويه، لا يعرف" (٧).

стр. 110

هذا الحديث أخرجه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، وأحمد (٣)، وابن خزيمة (٤)، وابن حبان (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧) من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة به مرفوعاً. قال الإمام مسلم أيضاً: "قيل لأحمد بن حنبل: يصح حديث سمرة عن النبي ﷺ : "من ترك الجمعة عليه نصف دينار"؟ فقال: قدامة يرويه، لا نعرفه" (٨). وهذا الراوي الذي أعلّ الإمام أحمد الحديث به لم يذكر له راوياً سوى قتادة بن دعامة السدوسي (٩) الإمام التابعي، ولم ترفع رواية قتادة عنه الجهالة عند الإمام أحمد، والحديث الذي رواه في كفارة من ترك الجمعة غريب ليس له أصل يشهد له (١٠).
следующие страницы →