← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رواه الترمذي (١)، والدارقطني (٢)، والبيهقي (٣) كلهم من طريق أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. فقال الخلال: أخبرنا الميموني قال: سمعت أبا عبد الله يقول: "لا أعرف شيئاً يثبت في أوقات الصلوات: أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا ـ يعني مغفرة ورضواناً. وقال له رجل: ما ترى: أول الوقت كذا وأوسطها كذا رضوان ومغفرة؟ فقال له أبو عبد الله: من يروي هذا؟ ليس هذا يثبت" (٤). وقال ابن عدي: "هذا الحديث بهذا الإسناد ـ أي إسناد يعقوب بن الوليد ـ باطل" (٥). ٢. ومن القرائن التي تعود إلى حال الراوي رميه بسرقة الحديث: وسرقة الحديث هو تعمّد تركيب متن على إسناد ليس له، وقد تقدمت بعض أمثلة ذلك، ومنه أيضاً أن يسرق حديثاً لم يسمعه فيدّعي سماعَه من رجل (٦)، وحديث الموصوف بهذه الصفة يُطلق عليه الإمام أحمد الكذب والبطلان. و من أمثلة ذلك: قال عبد الله: "قلت لأبي: بلغني أن ابن الحِمَّاني حدّث عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يُعجبه النظر إلى الحمام".

стр. 142

فأنكروه عليه فرجع عن رفعه وقال: عن عائشة مرسلاً. فقال أبي: هذا كذب، إنما كنا نعرف به حسين بن علوان، ويقولون إنما وضعه على هشام. قلت له: إن بعض أصحاب الحديث زعم أن أبا زكريا السَّيْلحيني رواه عن شريك، قال كَذِبٌ هذا على السَّيْلحيني، السيلحيني لا يحدث بمثل هذا، هذا حديث باطل" (١). لم أقف على هذا الإسناد الذي ذكره عبد الله، ولا رواية حسين بن علوان التي أشار إليها الإمام أحمد رحمة الله عليهما جميعاً. وقد أخرج ابن الجوزي في الموضوعات (٢) من طريق الحاكم بإسناده عن أبي حفص عمرو بن شمر، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عائشة قالت: [كان رسول الله ﷺ يحب النظر إلى الخضرة، وإلى الأترج، وإلى الحمام الأحمر]. ثم قال: عمرو بن شمر متروك. وجه علة الحديث: أعل الإمام أحمد الإسناد الذي ذكره عبد الله بيحيى الحِمّاني بأنه سرقه من حسين بن علوان الذي قام بوضعه على هشام بن عروة. وقد ركّب له يحيى الحِمّاني إسناداً فجعله من حديث شريك؛ سرقه من حسين بن علوان هذا، وليس له أصل من حديث شريك، ولو ثبت أن السيْلحيني حدّث به عن شريك لكان له أصل، لأن السيْلحيني ـ وهو يحيى بن إسحاق البجلي السيْلحيني، ويقال: السيْلحوني والسالحيني ـ شيخ صدوق، ووثقه ابن سعد، والذهبي (٣). لكن ذلك لم يثبت، فقد ذكر عبد الله كما في رواية الخلال عنه للمسألة: "أن فضل

стр. 143

الأعرج قال: سمعت يحيى بن معين يقول: قد حدّث به السيْلحيني، فأنكره أبي وقال لي: اذهب إلى يحيى وقلْ: قال لك أبي: سمعتَه من السيْلحيني؟ قال: فلقيت يحيى فذكرتُ له إنكارَ أبي عبد الله فقال: قل له: لا، والله ما سمعتُهُ، ورفع عبدُ الله صوتَه كأنه يُحاكي كلامَ يحيى" (١). ويحيى الحِمّاني هو يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني أبو زكريا الكوفي. ذكر الإمام البخاري أن الإمام أحمد رماه (٢)، وروى غير واحدٍ من تلاميذ الإمام أحمد وجه هذا الرمي وأن ذلك راجعٌ إلى سرقة الحديث، وليس بمعنى اختلاق المتون، ومن أجمع ما رُوي في ذلك ما رواه ابنه عبد الله قال: "قلت لأبي: إن ابنيْ أبي شيبة ذكرا أنهما يقدمان بغداد فما ترى فيهم؟ فقال: قد جاء ابنُ الحِمّاني إلى ههنا فاجتمع عليه الناس وكان يَكذِب جِهاراً فاجتمع عليه الناس، ابنُ أبي شيبة على حال يصدق … قلت لأبي: ابن الحماني حدّث عنك، عن إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ "أبردوا بالصلاة" فقال: كذَب، ما حدثتُه به. فقلت: إنهم حكوا عنه أنه قال: سمعتُه منه في المذاكرة على باب إسماعيل بن عُليّة. فقال: كذَب، إنما سمعتُه بعد ذلك من إسحاق الأزرق وأنالم أعلم تلك الأيام أن هذا الحديث غريب حتى سألوني عنه بعد ذلك هؤلاء الشباب أو قال: هؤلاء الأحداث. قال أبي: وقتَ التقيْنا على باب ابنِ عُليّة إنما كنا نتذاكر الفقه والأبواب، لم نكن تلك الأيام نتذاكر المسند، كنا نتذاكر الصغار وأحاديث الفقه والأبواب. وقال أبي: كان وقع إلينا كتاب الأزرق، عن شريك فانتخبت منه فوقع هذا الحديث فيها. قلت لأبي: أخبرني رجلٌ أنه سمع ابنَ الحِماني يحدث عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] قال: كانوا يكرهون أن يستدلوا، فقال رجل: هذا الحديث في كتب ابن المبارك عن

стр. 144

شريك، عن الحكم البصري، عن منصور. فقال ابن الحماني: حدثناه شريك عن الحكم البصري، عن منصور. فقال أبي: ما كان أجرأَه، هذه جرأةٌ شديدةٌ ولم يعُجبه ذلك، وقال: ما زِلنا نعرفه أنه يسرق الأحاديث أو يتلقَّطُها أو يتلقَّفُها" (١). قال: "وسمعت أبي مرة أخرى وذكر ابن الحِمّاني فقال: قد طلب وسمع، ولو اقتصر على ما سمع لكان له فيه كفاية. قال عبد الله بن أحمد: وهذا أحسن ما سمعت من أبي فيه" (٢). وقد تواتر توثيق يحيى الحماني عن يحيى بن معين كما قال الذهبي، وكان له مسند كبير وكان يزعم أنه أول من جمع المسند من أهل الكوفة، قال الذهبي: "لا ريب أنه كان مبرزاً في الحفظ كما كان سليمان الشاذكوني، ولكنه أصون من الشاذكوني، ولم يقل أحدٌ قط إنه وضع حديثاً، بل ربما كان يتلقّط أحاديث ويدّعي روايتها، فيرويها على وجه التدليس ويُوهم أنه سمعها، وهذا قد دخل فيه طائفة، وهو أخف من افتراء المتون" (٣). والحديث الذي في هذه المسألة مثال على تركيب متن على إسناد ليس له، الأمر الذي جعل الإمام أحمد يرمي يحيى الحماني بالكذب، وهذا أشد من ادعاء السماع، وإن كان كلا الأمرين داخلين في سرقة الحديث. والإمام أحمد لم يخرج ليحيى الحماني شيئاً في المسند (٤).

стр. 145

٣. ومن قرائن إثباث الوضع والتي تعود إلى حال الراوي كون الراوي يروي عن شيخ ويصرح بالسماع منه مع كونه لم يسمع منه من أمثلة ذلك ما رواه الخلال عن حنبل: قال حنبل: "قلت لأبي عبد الله: حدثنا عاصم، عن محمد بن زياد الجزري، عن ميمون، عن يزيد بن الأصمّ قال: قال [إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذونه]. قال أبو عبد الله: اضرب عليه، فضربت عليه وسمعت أبا عبد الله يقول: محمد بن زياد الجزري يقال: إنه يضع الحديث" (١). أنكر الإمام أحمد هذه الرواية وأمر بالضرب عليها لحال محمد بن زياد الجزري، وهو محمد بن زياد الطحان اليشكري الكوفي المعروف بالميموني ـ نسبة إلى ميمون بن مهران (٢). قال عنه هنا: "يضع الحديث". وقال عبد الله: "سألت أبي عن محمد بن زياد يقال له الميموني كان يحدث عن ميمون بن مهران، قال: كذاب خبيث أعور يضع الحديث" (٣). وبين وجه هذا الكذب في رواية أبي دواد: قال: سمعت أحمد بن حنبل قال: "ما كان أجرأَه! يقول حدثنا ميمون بن مهران" (٤). فالظاهر من هذه العبارة أنه يصرّح بالسماع من ميمون بن مهران مع كونه لم يسمع منه، وهذا من أوضح القرائن على كذب الراوي. ومما يدل على عدم سماعه من ميمون ما ذكره هارون بن مرّة ويحيى بن معين يسمع قال: "جاء كتاب البغداديين إلى أبي المليح وأنا حاضر يسألونه عن محمد بن زياد الطحان فقال:

стр. 146

جاءنا محمد بن زياد الطحان الأعور بعد ما مات ميمون بن مهران" (١) وأبو المليح هو الحسن بن عمر الرّقّي الفزاري مولاهم، وكان راوية لميمون بن مهران. قاله ابن سعد عن عبد الله بن جعفر الرقي (٢). وسائر الأئمة أيضاً على تكذيب محمد بن زياد. قال الحافظ ابن حجر: كذبوه (٣). ٤. ومنها كون الراوي ممن يُوضع له الأحاديث فيحدث بها فمن ذلك من كان هذا وصفه لكونه ليس من أهل الحديث فلا يتفطنّ لما يوضع له من الأحاديث، مثال ذلك ما ذكره المرُّوذي: قال المرُّوذي: "وعرضت عليه ـ أي أبي عبد الله ـ حديثاً رووه عن محمد ابن الجرّاح، عن شعبة، عن سفيان الثوري، عن علي مرفوعاً: "من صلى كذا فله كذا، ومن قرأ كذا فله كذا"، فقال: هذا باطل موضوع، قد رأيت ابن الجراح فرأيت عنده أحاديث وضعت له، لم يكن يدري ما الحديث" (٤). وذكر الحافظ ابن حجر عن علل الخلال: سئل أحمد عن حديث محمد ابن الجراح، عن شعبة مرفوعاً: "من عمل كذا فله كذا" فقال: "هذا باطل موضوع، وقد رأيت ابن الجراح فرأيت عنده أحاديث وضعت له ولم يكن يدري ما الحديث" (٥).

стр. 147

ولم أقف على هذا الحديث، ومحمد بن الجراح قد بيّن الإمام أحمد حالَه، وقال أبو حاتم: مجهول (١)، ولم أر السيوطي أشار إلى هذا الحديث عند ما ذكر الباطل من أحاديث فضائل القرآن سورة سورة، فإنه أشار إلى حديث ابن عباس، وحديث أبي أمامة الباهلي فقط (٢). ومنهم من بُلي بمن يُوضع له الحديث في آخر عمره وهو لا يدري، ومثال ذلك ما رواه الخلال عن الأثرم قال: قال الأثرم: "قال أبو عبد الله في الحديث الذي رواه كاتب الليث، عن نافع بن يزيد، عن زَهرة بن مَعبد، عن سعيد بن المُسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن الله اختار لي أصحاباً" قال: ذاك عندي موضوع" (٣). هذا الحديث أخرجه البزار (٤)، وابن حبان في المجروحين (٥)، والخطيب في تاريخه (٦). وتمام لفظ الحديث: "إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين إلا النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة ـ يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ـ وفي كل أصحابي خير، واختار أمتي على جميع الأمم فبعثني في خير قرن، ثم الثاني، ثم الثالث تترى ثم الرابع فرادى". وجه علة الحديث: حكم الإمام أحمد على الحديث بالوضع، ولم يبين وجه علته، وبالنظر في كلامه في رواة الحديث يظهر أن علة الحديث راجعة إلى أبي صالح عبد الله بن صالح

стр. 148

كاتب الليث بن سعد. قال عنه الإمام أحمد: "كان أولَ أمره متماسكاً ثم فسد بأخرةٍ، وليس هو بشيء" (١) وبيّن الحفاظ أبو حاتم، وأبو زرعة وابن خزيمة كيف جاءه هذا الفساد في آخره. فقال أبو حاتم: "الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخر عمره التي أنكروا عليه نرى أن هذه مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه، وكان سليم الناحية، وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث ويضعه في كتب الناس، ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب، وكان رجلاً صالحاً" (٢). وقال أبو زرعة ـ في أثناء كلامه في عثمان بن صالح السُّهمي ـ "لم يكن عندي عثمان ممن يكذب، ولكنه كان يكتب حديث خالد بن نجيح، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ أملى عليهم مالم يسمعوا فبُلوا به، وقد بُلي به أبو صالح أيضا في حديث زهرة بن معبد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، ليس له أصل وإنما هو عن خالد بن نجيح" (٣). والحديث الذي أشار إليه هو هذا الحديث الذي أعله الإمام أحمد بالوضع. وأما ابن خزيمة فقال: "كان له جار بينه وبينه عداوة فكان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح ويكتب في قرطاس بخط يُشبه خط عبد الله بن صالح ويطرح في داره في وسط كتبه، فيجده عبد الله فيحدث به فيتوهّم أنه خطه وسماعه، فمن ناحيته وقع المناكير في أخباره" (٤). فتبين بهذا كيف جاءت العلة في هذا الحديث، وأنه من وضع خالد بن نجيح، وضعه على أبي صالح فحدّث به، وهذا يدل على غفلة وعدم التيقظ، وهي علة

стр. 149

جاءته في آخر عمره. قال الذهبي في أبي صالح: "كان صدوقاً في نفسه، من أوعية العلم، أصابه داء شيخه ابن لهيعة، وتهاون بنفسه حتى ضعُف حديثُه، ولم يُترَك بحمد الله، والأحاديث التي نقموها عليه معدودة في سعة ما روى" (١). لكن يشكل على هذا الحمل على أبي صالح ما رواه الخطيب في (٢) من طريق أبي العباس محمد بن أحمد بن الأثرم ـ قال الذهبي: صدوق ـ حدثنا علي ابن داود القنطري ـ قال الذهبي: ثقة ـ حدثنا ابن أبي مريم، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا نافع بن يزيد، عن زهرة بن معبد فذكره بمثل الإسناد الأول. ورواه أيضاً محمد بن الحارث العسكري عن سعيد بن أبي مريم عن نافع به (٣). فهاتان المتابعتان تخلصان أبا صالح من التهمة بهذا الحديث فيما يظهر. فأما أبو زرعة فموقفه من متابعة ابن أبي مريم هو تكذيب راويها عن ابن مريم، وهو محمد بن الحارث العسكري. فروى الحاكم بإسناده إلى أحمد ابن محمد بن سليمان التستري قال: سألت أبا زُرعة الرازي … فمن رواه عن ابن أبي مريم؟ قال هذا كذّاب. قال التستري: وقد كان محمد بن الحارث العسكري حدثني به عن كاتب الليث وابن أبي مريم (٤). وأما الذهبي فبرّأ ساحة أبي صالح من الحمل بسبب هذه المتابعة، وقال: فلعله مما أدخل على نافع مع أن نافع بن يزيد صدوق يقِظ (٥). فكأنه يبعد حصول ذلك.

стр. 150

وبالرجوع إلى ترجمة خالد بن نجيح ظهر أن سعيد ابن أبي مريم أيضاً لم يسلم من دسّه، فقال أبو حاتم: "خالد بن نجيح المصري كان يصحب عثمان بن صالح المصري، وأبا صالح كاتب الليث، وابن أبي مريم … وهو كذاب، كان يفتعل الأحاديث ويضعها في كتب ابن أبي مريم، وأبي صالح، وهذه الأحاديث التي أنكرت على أبي صالح يتوهم أنه من فعله" (١). ومثل هذا بعينه قد وقع لقتيبة بن سعيد من خالد ـ وهو ابن نجيح ـ المدائني هذا كما ذكره الحاكم بإسناده عن البخاري في الحديث الذي أنكره البخاري على قتيبة بن سعيد في جمع التقديم بين الصلاتين في السفر قال: "قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني، قال البخاري: وكان خالد المدائني يُدخل الأحاديث على الشيوخ" (٢). فبناء على هذا يظهر لي أن خالد بن نجيح أدخل الأحاديث المفتعلة على ابن أبي مريم كما أدخلها على أبي صالح، لكن لكثرة ما حدّث أبو صالح بهذه المناكير بالنسبة لابن أبي مريم تبادر الحمل في هذا الحديث عليه دونه. وهذا يُمثّل القاعدة التي ذكرها المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب "الفوائد المجموعة"، قال ﵀: "إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقاً حيث وقعت أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر ـ ثم ذكر أمثلة على ذلك: منها قال: فمن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أدخل على الشيخ كما ترى في لسان الميزان في ترجمة الفضل بن الحُباب وغيرها، وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك

стр. 151

العلة مطلقاً إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكراً يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد تحق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها، وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقّب بأن تلك العلة غير قادحة وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقب أن الخبر غير منكر" (١). وممن حكم على هذا الحديث بالوضع الإمام النسائي، والظاهر أنه يرى الحمل في ذلك على أبي صالح فإنه شديد القول فيه. قال فيه: ليس بثقة (٢). هذا، وقرينة معرفة أن الراوي ممن أدخلت عليه الأحاديث المفتعلة ليست كافية في حد ذاتها لإثبات الوضع، ولا بد أن ينضمّ إلى ذلك قرينة كون الحديث منكراً سنداً أو متناً أو هما معاً، وهي من القرائن التي تعود إلى حال المروي، الآتية في المطلب القادم. وهذا بخلاف غيرها من القرائن التي تعود إلى حال الراوي المتقدمة مثل كونه وضاعاً أو متهماً بسرقة الحديث فهي كافية بوحدها في إثبات الوضع، والله أعلم.

стр. 152

المطلب الثاني: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المَروي حكم الإمام أحمد بناء على هذه القرائن على أحاديث بأنها باطلة أو موضوعة أو لا أصل لها، وحكمه في ذلك غير متوقف على حال رواتها، بل يتوقف على النظر في المرويات ومدى سلامتها واستقامتها متناً وسنداً، سواء بلغ رواتها إلى حد الترك أو لا، ونظره في ذلك منصب على نوع الخطأ في الرواية سنداً أو متناً أو هما معاً. فمن تلك القرائن: ١. كون الحديث لا يشبه ما خرج من مشكاة النبوة لركاكة ألفاظه ومعانيه، أو اشتماله على المجازفة في الترغيب والترهيب، أو الفضائل، وكان مناقضاً للأصول (١)، فلكثرة ممارسة الحفاظ للألفاظ النبوية يحكمون بأن هذا مختلق، وقد تقصر عباراتهم عن الإفصاح بوجه العلة. فمن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد: قال الخلال: "أخبرني يوسف بن موسى (٢) أن أبا عبد الله سُئل عن محدّثٍ بنصبين يقال له: محمد بن نعيم روى عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ : "منْ لَذَّذ أخاه بما يَشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة". فقال: هذا كذب، هذا باطل (٣).

стр. 153

هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات اعتماداً على هذه الرواية عن الإمام أحمد (١). ونقل الشيخ الألباني عن السُّبكي أنه لم يجد له إسناداً (٢). ولم يذكر لهذا الراوي ـ محمد بن نعيم ـ غير هذا الحديث، كأنه لا يعرف إلا به (٣). فمثل هذا الوعد العظيم على فعل حقير راجع إلى الركة (٤)، وإذا انضم إليه كون الحديث عن أبي الزبير عن جابر، وأحاديثه في نسخة معروفة ولا يعرف هذا الحديث فيها قوي الظن باختلاقه. ومن أمثلته أيضاً: قال مهنّا: "قلت لأحمد: حدثني الوليد بن الفضل العنزي، أخبرني إسماعيل بن عبيد بن نافع العجلي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمّار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل آنفاً فقلت له: يا جبريل حدِّثني بفضائل عمر في السماء. فقال: يا محمد، لو حدَّثتُك بفضائل عمر في السماء ما لبث نوحٌ في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ما نفدت فضائل عمر، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر" فقال أحمد: لا أعرف إسماعيل بن نافع، هذا حديث موضوع" (٥). هذا الحديث أخرجه الروياني (٦)، والطبراني (٧)، وابن عدي في ترجمة الوليد ابن الفضل (٨)، وهو في جزء

стр. 154

ابن عرفة (١) كلهم من طريق الوليد بن الفضل العنزي به. وهو من رواية الوليد بن الفضل العنزي، قال عنه ابن حبان: يروي الموضوعات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد (٢). وقد تفرد بهذا الحديث. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حماد إلا إسماعيل، تفرد به الوليد (٣). وقال ابن عدي: ما أظن أن للوليد بن الفضل غير هذا الحديث، وإن كان اليسير من الحديث عنده (٤). فمن كان بهذه المثابة في قلة الحديث ثم روى عن مجهول خبراً لا يعرف إلا به قوي القول برده. وأما إسماعيل بن عبيد بن نافع فقال الإمام أحمد: لا أعرفه، وكذلك قال الأزدي (٥). والخبر مثال على المجازفة في ذكر الفضائل وهو أمر غير معهود في الأحاديث النبوية، فإذا انضم إلى هذا كون راويه ليس له من الحديث إلا قليل، وتفرد عن راوٍ مجهول بخبر لا يعرف إلا به، قويت الدلائل لإثبات الوضع فيه، والله أعلم. وممن حكم على الحديث بالوضع الإمام أبو حاتم الرازي فقال مجيباً على سؤال ابنه له عن الحديث: "هذا حديث باطل موضوع، اضرب عليه" (٦).

стр. 155

٢. ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي أن لا يكون للحديث أصل من حديث أي راوٍ ممن ذكر في الإسناد، ولا يعرف الحديث إلا من طريق من لا يحتمل تفرده . فمن ذلك: قال المروذي: "وسئل عن حديث ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن ابن المنكدر، عن أنس عن النبي ﷺ : "من جلس إلى قَينة صُبَّ في أُذنه الآنُك (١) يومَ القيامة" وقيل له: رواه رجل بحلَب وحسَّنوا الثناء عليه فقال: هذا باطل" (٢). الحديث أخرجه ابن حزم (٣) من طريق أحمد بن الغمر بن أبي حماد بحمص، ويزيد بن عبد الصمد، نا عبيد بن هشام الحلبي ـ هو أبو نعيم ـ نا عبد الله بن المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من جلس إلى قينة فسمع منها صَبَّ الله في أذنيْه الآنك يوم القيامة". وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق محمد بن إبراهيم أبي بكر الصوري عن أبي نعيم الحلبي به ولفظه: [من استمع إلى قينة … ]، ومن طريق سعيد بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو نعيم به ولفظه: [من قعد إلى قينة … ] (٤) وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك على ما ذكره الحافظ ابن حجر في اللسان وفي التهذيب (٥). وهذا الحديث آفته أنه غير معروف ولا أصل له من حديث ابن المبارك، ولا من حديث مالك، ولا من حديث ابن المنكدر. قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن

стр. 156

الدارقطني أنه قال: "تفرد به أبو نعيم عن ابن المبارك، ولا يثبت هذا عن مالك ولا عن ابن المنكدر" (١). وقال ابن حزم: "هذا حديث موضوع مركب فضيحة ما عرف قط من طريق أنس ولا من رواية ابن المنكدر، ولا من حديث مالك، ولا من جهة ابن المبارك، وكل من دون ابن المبارك إلى ابن شعبان مجهولون … " (٢)، وأبو نعيم هو عبيد بن هشام الحلبي ـ وهو الذي عناه عبد الله حين ذكره للإمام أحمد: "رواه رجل بحلَب وحسَّنوا الثناء عليه. قال عنه أبو زرعة: صدوق (٣)، وكذا وثقه الخليلي في الإرشاد (٤). وقال أبو داود: ثقة تغير في آخر أمره لقِّن أحاديث ليس لها أصل. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو أحمد الحاكم: روى ما لا يتابع عليه (٥). وقال الحافظ ابن حجر: صدوق تغير في آخر عمره فلقِّن (٦). وذكره عبد القيوم في الملحق الأول لكتاب "الكواكب النيرات" (٧). وجه علة الحديث: نقد الإمام أحمد لهذا الحديث منصب على الرواية لا على حال الراوي، حيث لم يلتفت ﵀ إلى كون راويه قد حسِّن الثناء عليه، وتوضيح ذلك أن كلاًّ من ابن المبارك، ومالك، وابن المنكدر، وأنس من أوعية الرواية وممن جُمع حديثُهم وانتشر، وسعة معرفة الإمام أحمد بمرويات من تدور عليهم الرواية وكثرة اطلاعه عليها جعلته ينفي أن يكون هذا الحديث من حديث أحد هؤلاء الأعلام، ولم يشر ﵀

стр. 157

إلى المتهم به ولا من الحمل فيه عليه كما فعل في غيره من الأحاديث، وبالنظر في كلام النقاد في أبي نعيم الحلبي يتبيّن للناظر أن الحمل في هذه الرواية على أبي نعيم، لا لأنه متهم بالكذب لكن لتغيره في آخر عمره وقبوله التلقين، وهو مظنة وقوع الكذب في المرويات، وقد قالوا: "إذا سرّك أن يكذبك الرجل فلقنه" (١). ٣. ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي كون الحديث منكرَ الإسناد، مما يدل على احتمال وقوع تركيب الإسناد في روايته ، مثاله: قال عبد الله: "حدّثتُ أبي بحديث حدثنا خالد بن إبراهيم أبو محمد المؤذِّن، قال: حدثنا سلاّم ابن رُزيْن قاضي أنطاكية، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا والنبي ﷺ في بعض طُرُقات المدينة إذا أنا برجل قد صُرع فدَنوتُ منه فقرأتُ في أذنه اليسرى فاستوى جالساً فقال النبي ﷺ : "ماذا قرأت في أذنه يا بن أم عبد؟ " قلت: فِداك أبي وأمي قرأتُ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فقال لي النبي ﷺ : "والذي بعثني بالحق لو قرأها موقن على جبل لزال". قال أبي هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين منكر الإسناد" (٢). الحديث أخرجه العقيلي من طريق عبد الله (٣)، وابن الجوزي (٤).

стр. 158

وجه علة الحديث: حكم الإمام أحمد على الحديث بالوضع وقال: هذا حديث الكذابين منكر الإسناد. ووجه الكذب فيه النكارة في إسناده، فإن الحديث ذُكر عن سلاّم بن رُزين عن الأعمش، وسلاّم مجهول لا يعرف وروى عن الأعمش _وهو من بحور الرواية ـ ما لم يرويه المعروفون عن الأعمش، ثم ساق إسناداً يسهل إلى الأذهان ذكره الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود. قال الذهبي عن سلاّم أبي رزين: لا يعرف وحديثه باطل (١). وقال في "تلخيص الموضوعات": فيه سلام بن رزين عن الأعمش ـ مجهول، ثم ذكر ما نقله عبد الله عن الإمام أحمد أن الحديث موضوع (٢). وفي موضع آخر من الكتاب نفسه (٣) قال: كأنه ـ أي سلام بن رزين ـ وضعه. وهذا أيضاً مما حكم عليه الإمام أحمد بالوضع لحال إسناده، وأما المتن فقد روي بإسناد آخر هو أمثل من هذا. فروى أبو يعلى (٤) قال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبيرة، عن حَنَش الصنعاني، عن عبد الله أنه قرأ في أذن مبتلى فأفاق فقال له رسول الله ﷺ : "ما قرأتَ؟ ". قال: قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ حتى فرغ آخر السورة، فقال رسول الله ﷺ : "لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال". ومن طريق أبي يعلى رواه أبو نعيم (٥).

стр. 159

ورواه ابن أبي حاتم (١) من طريق ابن وهب، والخطيب في التاريخ (٢) من طريق عفيف بن سالم الموصلي، والبغوي (٣) من طريق بشر بن عمر، وذكر السيوطي (٤) أن ابن مردويه رواه من طريق أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، والحكيم الترمذي من طريق القعنبي، كل هؤلاء الخمسة ـ وكلهم ثقات ـ عن ابن لهيعة به. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح (٥). وتعقب أبو الحسن الكناني (٦) والألباني (٧) الحكم على الحديث بالوضع بطريق أبي يعلى هذه، غير أن الألباني أعله بالإرسال، وذلك أن رواية ابن وهب، وعفيف بن سالم، وبشر بن عمر عن ابن لهيعة كلها بالإرسال ـ عن حنش أن رجلاً مصاباً مُرَّ به على عبد الله بن مسعود، وخالف الوليد بن مسلم فذكره عن حنش عن عبد الله أنه قرأ في أذن مبتلى … وأما رواية أبي الأسود، والقعنبي فلم يسق السيوطي إسنادهما بل عطف على سائر الروايات بدون تمييز بين المسندة منها والمرسلة. ورواية ستة من الثقات تقتضي أن للحديث أصلاً من حديث ابن لهيعة، وإن حكمنا عليه بالضعف إذ العمل على تضعيف حديث عبد الله بن لهيعة كما قال الذهبي (٨).

стр. 160

وإذا تبين وجه إعلال الإمام أحمد للحديث فلا وجه للتعقّب عليه، لأنه حكم عليه بالوضع لنكارة إسناده، وأن هذا المتن بهذا الإسناد منكر، ولم يتكلم عن المتن، وهذا موجود في منهجه وقد تقدمت أمثلة ذلك. ٤. ومن القرائن التي تعود إلى حال المروي أن يروي الراوي حديثاً بإسناد رُوي به أحاديث معروفة جمعت في نسخة ثم لا يكون حديث ذلك الراوي موجوداً في تلك النسخة، فيحكم عليه بالوضع . مثال ذلك: روى الخلال قال: "حدثنا مهنّا قال: قلت لأحمد: ثنا إبراهيم بن موسى المروزي، قال: عرضت على مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم". قال أحمد: هذا كذب (١). وقد اختلفوا في تسمية هذا الراوي عن مالك، وكلهم يروونه من طريق مهنّا: فقيل: إبراهيم بن موسى كما في هذا النقل من طريق الخلال. وإبراهيم بن موسى لم أجد له ترجمة إلا عند الذهبي في "الميزان" وتبعه الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٢)، اعتماداً على هذا النقل عن الخلال. وقيل أحمد بن إبراهيم بن موسى: قاله ابن حبان، وابن عدي، والدارقطني كلهم عن مهناّ، ووهمّ الدارقطني مهناّ في هذه التسمية. قال ابن حبان: "أحمد بن إبراهيم بن موسى، شيخ يروي عن مالك ما لم يحدّث به قط، لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاحتجاج به كذا!، روى

стр. 161

عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ثم ذكره بإسناده وقال: وهذا حديث لا أصل له من حديث ابن عمر، ولا من حديث نافع، ولا من حديث مالك، إنما هو من حديث أنس بن مالك، وليس بصحيح" (١). وقال ابن عدي: "أحمد بن إبراهيم بن موسى منكر الحديث وليس بمعروف، وروى عن مالك وعن غيره بمناكير. ثم قال عن هذا الحديث: وهذا الحديث منكر بهذا الإسناد ولا يرويه إلا أحمد بن إبراهيم بن موسى وهو غير معروف" (٢). وقيل: موسى بن إبراهيم المروزي. وهذا الذي صوبّه الدارقطني كما نقله الحافظ ابن حجر (٣) عنه، وساق الدارقطني هذا الحديث من طريق مهنّا ابن يحيى عنه ـ أي أحمد بن إبراهيم بن موسى ـ ثم قال: "أحسب مهنّا وهم فيه، وإنما روى هذا عن مالك موسى ابن إبراهيم المروزي"، ثم ساقه من طريق موسى به. وكذلك رواه الخطيب من طريق محمد بن بيان عن مهناّ فقال: عن موسى بن إبراهيم. وأعاد ابن عدي ذكر هذا الحديث في ترجمة موسى بن إبراهيم، لكن رواه من طريق موسى بن هارون الجمال: سمعت موسى بن إبراهيم: ثنا الليث بن سعد، وقرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وقال عنه ابن عدي: "شيخ مجهول، وله أحاديث عن ثقات الناس، وهو بيّن الضعف على رواياته وحديثه" (٤).

стр. 162

والذي أراه راجحاً من هذه الأقرال أنه موسى بن إبراهيم لمتابعة موسى ابن هارون الجمال لمهناّ في اسمه، وأرى أن الاختلاف في اسمه عن مهنّا راجع إلى جهالته، والله أعلم. وموسى بن إبراهيم هذا له ترجمة في تاريخ بغداد، وقال يحيى بن معين عنه: ذاك كذاب. وقال الدارقطني: متروك (١). ولم يذكر الخطيب مالكاً من الذين روى عنهم، لكن ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمته في "لسان الميزان" (٢). وذكر الخطيب عن إبراهيم الحربي أن موسى بن إبراهيم هذا كان صاحب شرطة، ثم ترك الشرطية فجاء إلى مسجد الجامع فقعد مع قوم يدعون، ثم جاء بكتاب معه يقرأ فيه في مسجد الجامع في أصحاب الحديث فقالوا له: أملِ علينا، فأملى عليهم عن ابن لهيعة وغيره شيئاً لم يسمعه قط ولم يسمع هو قط حديثاً، لا أدري أيش قصة ذاك الكتاب اشتراه أو استعاره أو وجده. ا. هـ. (٣). وأحاديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر معروفة في نسخة مشهورة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه زاد جماعة عدة أحاديث ليست من هذه النسخة، منها القوي والسقيم، وأن الإمام الدارقطني ذكر جلَّها في غرائب مالك (٤). ويغلب على الظن من خلال حكم الإمام أحمد وكلام الحفاظ أن هذا الحديث الذي رواه موسى بن إبراهيم من تلك الأحاديث التي زِيدت على النسخة وليس منها. وإطلاق الإمام أحمد الكذب على هذا الحديث يعني به كذِب بهذا الإسناد، وإلا فالمتن له طرق ضعيفة، قاله الذهبي (٥)، وهو كما قال. فوجود

стр. 163

حديث بهذا الإسناد ـ مالك، عن نافع، عن ابن عمر ـ وعدم وجود أصل له من أحاديث هذه النسخة قرينة دالة على أن ذلك الحديث ركّب له هذا الإسناد (١). ٥. من القرائن التي تعود إلى حال المروي كون الحديث المروي أصله يعود إلى نسخة موضوعة . ومثال ذلك: قال المرُّوذي: "سألته ـ أي الإمام أحمد ـ عن حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي عن النبي ﷺ [أنه مسح على الجبائر] فقال: باطل، ليس من هذا شيء، من حدّث بهذا؟ قلت: ذكروه عن صاحب الزهري، فتكلم فيه بكلام غليظ" (٢). أطلق الإمام أحمد الحكم بالبطلان على هذا الحديث وأنكر على من حدّث به عن عبد الرزاق عن معمر، وذلك لأن الإمام أحمد أدرك أن أصل الحديث حديث عمرو بن خالد الواسطي عن زيد بن علي عن آبائه، وهذه نسخة موضوعة، فأصبح الحديث يعود إلى نسخة موضوعة، يدل على ذلك ما تقدم في ترجمة عمرو بن خالد الواسطي (٣) أن الأثرم ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: "عمرو بن خالد الواسطي كذّاب، قلت: الذي يروي عنه إسرائيل؟ قال: نعم، الذي يروي حديث الزَّنديْن ويروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب" (٤).

стр. 164

وحديث الزَّنديْن هو هذا الحديث، فقد رواه ابن ماجه (١)، والدارقطني (٢)، والعقيلي (٣)؛ الأول من طريق محمد بن أبان البلخي، والثاني والثالث من طريق الدبري، كلاهما عن عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن عمرو بن خالد، عن زيد ابن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: [انكسرتْ إحدى زنديَّ (٤) فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر]. وهو في مصنف عبد الرزاق (٥). قال العقيلي: لا يعرف هذا الحديث إلا من طريق عمرو بن خالد هذا. ورواه الدارقطني (٦) أيضاً من طريق محمد بن أبان البلخي، عن سعيد بن سالم ـ وهو القداح ـ عن إسرائيل. ورواه من هذا الطريق ابن عدي (٧)، ومن طريقه البيهقي (٨). فتبيّن أن أصل الحديث حديث عمرو بن خالد مما رواه عن زيد بن علي ابن الحسين، وهي نسخة موضوعة وهي التي أشار إليها الإمام أحمد بقوله: روى عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، ونصّ المزي على أنها نسخة (٩). ومن أجل هذا أنكر الإمام أحمد على من روى الحديث عن عبد الرزاق، عن

стр. 165

معمر، وتعين أن يكون الحمل فيه على ذلك الراوي عن عبد الرزاق، وبرئت ساحة عبد الرزاق لمعرفة الإمام أحمد بحديثه، فهو يعرف أنه لم يحدث بالحديث عن معمر فلم يبق إلا الراوي عنه. والشاهد من هذا أن الإمام أحمد أنكر الحديث قبل السؤال عن راويه المتهم به؛ توصل إلى معرفة هذا بقرينة في متن الحديث المروي من غير التفات إلى حال راويه. والمقصود بالبطلان في جواب الإمام أحمد عن هذا السؤال هو إسناد الحديث ـ أعني عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ـ أما متنه فهو موضوع عنده بمقتضى حكمه على نسخة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه. وممن أنكر أن يكون عبد الرزاق حدّث بهذا الحديث عن معمر يحيى بن معين. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سمعت رجلاً يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي ﷺ أنه مسح على الجبائر؟ فقال: باطل، ما حدّث به معمر قط. سمعت يحيى يقول: عليه بدنة مقلدة مجلّلة إن كان معمر حدّث بهذا قط، هذا باطل، ولو حدّث بهذا عبد الرزاق كان حلالَ الدم، من حدّث بهذا عن عبد الرزاق؟ قالوا له: فلان. فقال: لا والله، ما حدّث به معمر، وعليه حجة من ههنا ـ يعني المسجد ـ إلى مكة إن كان معمر حدث بهذا. ثم قال عبد الله: وهذا الحديث يروونه عن إسرائيل، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي فذكره وقال: وعمرو بن خالد لا يسوى حديثه شيئاً" (١). وفي رواية الخلال عن عبد الله لهذه القصة التصريح بالذي حدّث به عن

стр. 166

عبد الرزاق وأنه محمد بن يحيى ـ وهو الذهلي (١). وهو صاحب الزهري الذي ورد في سؤال المرّوذي. وقال أبو حاتم في الحكم على هذا الحديث من رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه: هذا حديث باطل لا أصل له (٢). ٦. من القرائن التي تعود إلى حال المروي أن يكون المتن أصله كلامُ غير النبي ﷺ صحابيٍّ أو غيرِه ـ فيضاف إلى النبي ﷺ عمداً أو خطأً ، فتعلُّ بذلك الرواية المرفوعة إلى النبي ﷺ بما ثبت عن الصحابي أو غيره، وهذا بشرط أن لا يكون للحديث أصل عن النبي ﷺ من وجه صحيح، وذلك بأن ينفي الحديث حافظ جهبذ مثلاً، أو يكون الكلام معروفاً عند الحفاظ من كلام غير النبي ﷺ . ومن أمثلة ما روي عن الإمام أحمد من هذا النوع: قال مهنَّا: "سألتُ أبا عبد الله: أتعرف عن النبي ﷺ أنه قال: "قيلوا فإن الشياطين لا تقيل"؟ فقال: لا أعرفه، إنما هذا عن منصور، عن مجاهد، عن عمر" (٣). قال الإمام أحمد في هذا الحديث: لا أعرفه، وهذا يعتمد في نفي الحديث كما قال الحافظ ابن حجر: "إذا قال الحافظ المطلع الناقد في حديث: لا أعرفه اعتمد ذلك في نفيه" (٤). وقال الإمام أحمد: "كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث" (٥). فالمعروف في متن هذا الحديث عند الإمام أحمد ما ذكره

стр. 167

عن عمر، وأما عن النبي ﷺ فليس بمعروف. وقد روي الحديث عن النبي ﷺ من حديث أنس >. رواه أبو نعيم (١)، وأبو حيان (٢) من طرق عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وفي سنده عمران القطان، وهو عمران بن دوّار العمي. ضعفه ابن معين (٣)، والنسائي (٤). وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث (٥). وقال البخاري، وابن حجر: صدوق يهم. وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم. وأورد له العقيلي عن قتادة عن سعيد ابن أبي الحسن عن أبي هريرة حديث: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء"، قال: لا يتابع عليه ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن عمران (٦). ومثل هذا لا يحتمل التفرد بمثل هذا الحديث عن مثل قتادة. وقد روي من طريق آخر عن أنس. أخرجه الطبراني من طريق علي بن عياش، عن معاوية بن صالح الطرابلسي، عن كثير بن مروان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي خالد الدالاني إلا كثير، ولا عن كثير إلا معاوية بن يحيى، تفرد به علي بن عياش (٧).

стр. 168

وكثير بن مروان هو المقدسي، ضعفه ابن معين، والدارقطني. وفي رواية قال ابن معين: كذّاب. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بكثيرة ومقدار ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه (١). ومن أجل ذلك قال عنه الحافظ: متروك (٢). وخالفه إسماعيل بن عياش فرواه عن عباد بن كثير ـ وهو البصري كما قال ابن حبان (٣) ـ عن سيار الواسطي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به. رواه الخطيب (٤) والقزويني في أخبار قزوين (٥). ونقل الخطيب عن الدارقطني أنه قال: تفرد به أبو الحكم سيار بن وردان، عن إسحاق، وتفرد به عنه عباد بن كثير، ولم يروه عنه غير إسماعيل بن عياش. وسيار بن وردان وثقه أحمد، وابن معين (٦). وأما عباد بن كثير فهو البصري. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك (٧). فالطرق الثلاثة لا تسلم من ضعيف أو متروك تفرد عن راوٍ مشهور، ففي الأول عمران القطان عن قتادة، وعمران ضعيف؛ وفي الثاني: كثير بن مروان، عن أبي خالد الدالاني عن إسحاق بن أبي طلحة؛ وفي الثالث: عباد بن كثير، عن سيار الواسطي، عن إسحاق بن أبي طلحة، وكثير وعباد متروكان، ولا يعرف حديث إسحاق بن أبي طلحة هذا إلا من طريقهما.

стр. 169

أما الإمام أحمد فذكر أن المعروف من هذا المتن قول عمر. وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد قال بلغ عمر أن عاملا له لم يَقِل فكتب إليه عمر: [قِلْ فإني حُدِّثت أن الشيطان لا يقيل] (١). فيفهم من صنيع الإمام أحمد إعلال الرواية المرفوعة بهذا المروي عن عمر، أي إن أصل الكلام لعمر فأضيف إلى النبي ﷺ غلطاً، وهو من أسباب الوضع في الحديث (٢). واعتبر الشيخ الألباني أثر عمر شاهداً لحديث أنس فحسّن الحديث وقال: "وهو وإن كان موقوفاً فمثله لا يقال من قبل الرأي، بل فيه إشعار بأن هذا الحديث كان معروفاً عندهم، ولذلك لم يجد عمر ﵁ ضرورة التصريح برفعه، والله أعلم" (٣). وقول الإمام أحمد عن الحديث: لا أعرفه يقدح في قول الشيخ: إن هذا الحديث كان معروفاً عندهم، وهو وجه علته، إذ لو كان معروفاً لما كان قول عمر كاشفاً عن علته، والعلم عند الله. وقد أَعل الحديث ابن حجر، والسخاوي، والعجلوني، ورد المناوي على السيوطي في تحسينه له (٤). ومثال آخر لإضافة كلام غير النبي ﷺ إلى النبي ﷺ : قال مُهنَّا: سألتُ أحمد قلت: حدثني أبو خيثمة: ثنا محمد بن الحسن

стр. 170

المديني، ثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [فُتحت المدائن بالسيف، وفُتحتْ المدينة بالقرآن]. فقال: هذا منكر. قلت: لم تسمع هذا من حديث مالك، ولا من حديث هشام؟ قال: لا. وسألت يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بصحيح، قد رأيت أنا هذا الشيخ ـ يعني محمد بن الحسن، وكان كذّاباً وكان رجلاً سخياً. قلت: يُروى عنه الحديث؟ قال: لا، هو كذّاب. وقال: إنما كان هذا قول مالك، ولم يكن يرويه عن أحد (١). هذا الحديث رواه أبو يعلى في "معجمه" (٢)، ومن طريقه ابن عدي (٣)، والعقيلي (٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥) من طريق محمد بن الحسن المديني، حدثني مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: فذكره. وجه علة الحديث: حكم عليه الإمام أحمد بالنكارة، وأوضح مهنّا وجه تلك النكارة بسؤاله الآخر: لم تسمع هذا من حديث مالك ولا من حديث هشام؟ فقال: لا. أي ليس لمحمد بن الحسن هذا متابع عن مالك، ولا عن هشام، وحيث إنه لا يحمل منه هذا التفرد عن مالك عن هشام، ومالك إمام حافظ مكثر صاحب أصحاب اعتنوا بحديثه وجمعوه وضبطوه، فدل ذلك على نكارة الحديث واتهامه به.

стр. 171

ووجه آخر من علة هذا الحديث هو ما ذكره ابن معين أن هذا قول من قول مالك فجعله ابن زبالة من قول النبي ﷺ . وقد نقل مثل هذا الوجه ابن الجوزي عن الإمام أحمد أنه قال في هذا الحديث: "هذا منكر، لم يُسمع من حديث مالك، ولا من حديث هشام، إنما هذا قول مالك، لم يروه عن أحد، قد رأيت هذا الشيخ ـ يعني محمد بن الحسن ـ كان كذّاباً" (١). ومحمد بن الحسن المديني هو المعروف بمحمد بن الحسن بن زبالة المخزومي. وقد قال يحيى بن معين كما في هذه الرواية إنه كذّاب. وعنه أيضاً: "ليس بثقة، كان يسرق الحديث" (٢). وقال البخاري: "عنده مناكير" (٣). وقال أحمد بن صالح المصري: "كتبتُ عنه مئة ألف حديث ثم تبين لي أنه كان يضع الحديث فتركت حديثه" (٤). وأما أبو حاتم فقال: "واهي الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده مناكير، وليس بمتروك الحديث" (٥). وقال الحافظ ابن حجر: كذبوه (٦). وهذا الحديث قد تفرد به ابن زبالة. قال العقيلي: لا يتابعه إلا من هو مثله أو دونه (٧). وقد ذكر الخليلي (٨) هذا الحديث مثالاً لما تفرد به غير حافظ يُضعَّف من

стр. 172

أجله، وإن لم يُتَّهم بالكذب. قال: "لم يروه عن مالك إلا محمد بن الحسن بن زبالة، وليس بالقوي، لكن أئمة الحديث قد رووا عنه وقالوا: هذا من كلام مالك بن أنس نفسه، فعساه قُرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة فظن هذا أن ذلك من كلام النبي ﷺ فحمله على ذلك. ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن ولا إتقان". وكلام الخليلي هذا يستقيم لو كانت حالة ابن زبالة على ما ذكر من أنه ليس بالقوي فحسب، أما وقد اتهم بالكذب وبسرقة الحديث فالذي يظهر هو ما قاله الحافظ ابن حجر: "إنما هذا قول مالك فجعله محمد بن الحسن مرفوعاً وأبرز له إسناداً" (١)، وهذا الصنيع نوع من الوضع، ولو استقام ما قاله الخليلي لكان مثالاً للمدرج، والله أعلم. وقد أشار ابن رجب إلى هذين المسلكين حيث قال: "ومن الناس من اتهمه بوضعه، ومنهم من قال: وهم فيه، هذا من كلام مالك نفسه فجعله مرفوعاً لسوء حفظه وعدم ضبطه، ومثل ذلك وقع كثيراً لأهل الغفلة وسوء الحفظ غلطاً لا تعمداً" (٢). تتمة: ويُلاحظ في هذين المطلبين أن الغالب في هذه القرائن ـ سواء التي تعود إلى حال الراوي أو إلى حال المروي ـ التوصل بها إلى معرفة صدق الراوي أو كذبه فيما رواه من الأخبار تحقيقاً أو على الظن الراجح، وهو أمر يحصل في الغالب بتتبع الروايات والنظر في حال رواتها، أي بنقد الأسانيد، وقلَّ أن تعود

стр. 173

تلك القرائن إلى نقد ما يرويه من وجه مخالفته المعقول أو معارضته ما هو أولى منه، أي نقد المتون، وما ذلك إلا للاكتفاء بذلك من دون الالتجاء إلى الوجه الثاني من النقد. وقد نبه الإمام الشافعي على هذا من منهج المحدثين حيث قال: "ولا يُستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المُخبِر وكذبِه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدلَّ على الصدق والكذب فيه بأن يُحدِّثَ ما لا يجوز أن يكون مثلُه (١)، أو ما يُخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالاتٍ بالصدق منه" (٢).

стр. 174

المطلب الثالث: لا منافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع . وقد تقدم حديث الزَّنديْن وهو يصلح مثالا لهذا، وذلك أن محمد بن يحيى ثقة وقد روى حديثاً حكم عليه الإمام بأنه باطل بالإسناد الذي رواه. ومثال آخر: قال مهنّا: "وقلت: حدثنا يزيد بن هارون، أنا محمد بن عبد الرحمن بن مجبِّر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه" فقال أحمد: محمد بن عبد الرحمن بن مجبِّر ثقة، وهذا الحديث كذب" (١). هذا الحديث رواه عبد بن حميد (٢)، والخطيب (٣) كلاهما من طريق يزيد ابن هارون به. ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٤)، والجرجاني (٥) من طريق الحجاج بن المنهال، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن مجبِّر به. فهذا الحديث حكم عليه الإمام أحمد بأنه كذب مع توثيقه لمحمد بن عبد الرحمن ابن مجبر راوي الحديث، ووجه ذلك أنه نظر إلى الرواية ورأى أنها باطلة، ولا منافاة بين توثيقه للراوي وحكمه على حديثه بأنه كذب، لأن ذلك محمول على أنه غلِط في الرواية إذ جائزٌ أن يكون قد وقع منه الغلط ثم رجع عنه. ومحمد بن عبد الرحمن بن مجبر قال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال أبو زرعة: واهي الحديث (٦). وقال الفلاّس:

стр. 175

ضعيف. وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه (١). وقال ابن حبان: لا يحتج به (٢). وقال الحاكم أبو عبد الله: ثقة (٣). ومن أمثلة ذلك ما ذكره عبد الله: قال عبد الله: "وعرضتُ على أبي حديثاً حدثنا عثمان عن جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة بنت حسين عن فاطمة الكبرى عن النبي ﷺ في العُصبة (٤)، وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر [أن النبي ﷺ شهِد عيداً للمشركين] (٥)، فأنكرها جداً وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جداً وقال: هذه أحاديث موضوعة أو كأنها موضوعة، وقال: ما كان أخوه ـ يعني عبد الله بن أبي شيبة تطنَّف (٦) نفسه لشيء من هذه الأحاديث. ثم قال:

стр. 176

نسأل الله السلامة في الدين والدنيا، وقال: نراه يتوهّم هذه الأحاديث نسأل الله السلامة، اللهم سلِّمْ سلِّمْ" (١). وقال في موضع آخر: "سمعتُ أبي يقول ـ حين نعي له ـ عثمان بن أبي شيبة فقال: تلك الأحاديث التي حدّث بها وأنكرها جداً، وذكر منها حديثَ جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة، وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر: شهد النبي ﷺ عيداً للمشركين، فقال ما كان أخوه تطنف نفسه لمثل هذه الأحاديث. والحديث حدثناه عثمان عن جرير عن سفيان، وإنما كان يحدث به جرير عن سفيان عن عبد الله بن جرير بن زياد القُمِّي مرسل" (٢). فأنكر الإمام أحمد هذه الأحاديث ووصفها بأنها موضوعة أو شبه موضوعة، والذي رواها هو عثمان بن أبي شيبة وقد قال فيه: ما علمت إلا خيراً وأنثى عليه كما في رواية الأثرم (٣). فعثمان ليس بمتهم عنده ولا رماه بالكذب، لكن وصف أحاديثه هذه بأنها موضوعة لتحقق وقوع الخطأ فيها، ثم بيّن عذره في ذلك بأنه يتوهّم هذه الأحاديث أي يحدّث بها على التوهم والغلط. والشاهد أنه وصف أحاديث رواها راوٍ ثقة بالوضع. ومن هذا المنطلق أخذ الشيخ المعلمي ﵀ القاعدة التي ذكرها حيث

стр. 177

قال: "قد تتوفّر الأدلة على البطلان مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يتّهم بتعمد الكذب، بل قد يكون صدوقاً فاضلاً، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أُدخل عليه الحديث" (١).

стр. 178

المطلب الرابع: تعدد طرق الحديث المعلّ بكذب راويه . ذكر المرُّوذي عن الإمام أحمد أنه ذُكر له الفوائد فقال: "الحديث عن الضعفاء قد يُحتاج إليه في وقتٍ، والمنكر أبداً منكر" (١). وقال ابن هانئ: "قيل له ـ أي أبي عبد الله ـ فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبداً منكر. قيل له الضعفاء؟ قال: قد يُحتاج إليهم في وقتٍ، كأنه لم ير بالكتاب عنهم بأساً" (٢). ومعنى هذا أن الحديث المنكر لا يزال منكراً مهما تعددت طرقه، وذلك لأن المنكر قد تحقق للناقد أو غلب على ظنه من وقوع الخطأ فيه، فتعدد الطرق لا يزيل خطأه، وإنما ينفع تعدد الطرق في أحاديث الضعفاء التي يتردد الناقد فيها بين إصابة الراوي وخطئه، فإذا رُويتْ من طرق أخرى ترجّح لديه جانب الإصابة. وإذا كان هذا في الحديث المنكر ففي حديث الكذاّب والمتَّهم بالكذب كان الأمر أشد وأعظم، وكثرة الطرق وتعددها لا تفيد معه إلا كشف ما وقع فيه من سرقة الحديث، فلا تزيده إلا وهناً. ومن أمثلة هذا ما ذكره عبد الله قال: "ذكر أبي حديث المُحاربي، عن عاصم، عن أبي عثمان، حديث جرير: [تبنى مدينة بين دِجلة ودُجَيل … ] فقال: كان المُحاربي جليساً لسيف بن محمد بن أخت سفيان، وكان سيف كذّاباً، فأظن المحاربي سمع منه. قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاّب ـ يعنى عن سفيان.

стр. 179

قلت له: إن لويناً حدثناه عن محمد بن جابر فقال: كان محمد ربما ألحق في كتابه، أو يلحق في كتابه ـ يعني الحديث. وقال: هذا حديث ليس بصحيح أو قال: كذب (١). وقال: وسُئل عن حديث جرير: [تبنى مدينة … ] فقال: ما حدّث به إنسان ثقة. وذكر له أن عبد العزيز بن أبان رواه عن الثوري فقال: تركته لما حدّث بحديث المواقيت (٢). هذا الحديث روي من حديث جرير بن عبد الله البجلي ولفظه: [تُبنى مدينة بين دِجلَةَ ودُجيْل (٣) وقطربُّل (٤) والصَّراة (٥) تُجْبى إليها خزائنُ الأرضِ وجبابرتُها يُخسَف بأهلها، فلَهي أسرع هوياًّ بأهلها من الوَتَدِ الحديد في الأرض الرِّخوة]. والحديث روي من عدة طرق وقد توسع الخطيب البغدادي في تاريخه من سردها وذكر عللها (٦). وملخص هذه الطرق أربعة، سأذكرها مع عللها: الطريق الأول: المحاربي، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن جرير.

стр. 180

وهو الطريق الذي ذكره الإمام أحمد، ولم أقف عليه مسنداً. وعلة هذا الطريق ما رواه العقيلي (١)، والخطيب (٢) ومن طريقه ابن الجوزي (٣) وذكره البخاري تعليقاً (٤) من طريق سيف بن محمد ـ وهو ابن أخت سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي قال كنت مع جرير بن عبد الله بقطربل فقال … الحديث. قال الإمام أحمد كما في رواية عبد الله في هذه المسألة: "كان المُحاربي جليساً لسيف بن محمد بن أخت سفيان، وكان سيف كذّاباً، فأظن المحاربي سمع منه". فتبين أن أصل الحديث لسيف بن محمد فدلسه المحاربي. وسيف بن محمد رماه الإمام أحمد بالكذب كما في رواية عبد الله هذه. وقال عبد الله أيضاً: "سمعت أبي يقول: لا يكتب حديث سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري، ليس سيف بشيء، وكان سيف يضع الحديث" (٥). ورماه أيضاً يحيى بن معين وأبو داود، ونسبه الساجي للوضع. أما غيرهم من الأئمة فلم يوصلوه إلى الكذب، إنما أطلقوا عليه أنه متروك (٦). وأما المُحاربي فهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي: وثقه ابن معين، والنسائي (٧). وقال أبو حاتم: "صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن
следующие страницы →