← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

نسأل الله السلامة في الدين والدنيا، وقال: نراه يتوهّم هذه الأحاديث نسأل الله السلامة، اللهم سلِّمْ سلِّمْ" (١). وقال في موضع آخر: "سمعتُ أبي يقول ـ حين نعي له ـ عثمان بن أبي شيبة فقال: تلك الأحاديث التي حدّث بها وأنكرها جداً، وذكر منها حديثَ جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة، وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر: شهد النبي ﷺ عيداً للمشركين، فقال ما كان أخوه تطنف نفسه لمثل هذه الأحاديث. والحديث حدثناه عثمان عن جرير عن سفيان، وإنما كان يحدث به جرير عن سفيان عن عبد الله بن جرير بن زياد القُمِّي مرسل" (٢). فأنكر الإمام أحمد هذه الأحاديث ووصفها بأنها موضوعة أو شبه موضوعة، والذي رواها هو عثمان بن أبي شيبة وقد قال فيه: ما علمت إلا خيراً وأنثى عليه كما في رواية الأثرم (٣). فعثمان ليس بمتهم عنده ولا رماه بالكذب، لكن وصف أحاديثه هذه بأنها موضوعة لتحقق وقوع الخطأ فيها، ثم بيّن عذره في ذلك بأنه يتوهّم هذه الأحاديث أي يحدّث بها على التوهم والغلط. والشاهد أنه وصف أحاديث رواها راوٍ ثقة بالوضع. ومن هذا المنطلق أخذ الشيخ المعلمي ﵀ القاعدة التي ذكرها حيث

стр. 177

قال: "قد تتوفّر الأدلة على البطلان مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يتّهم بتعمد الكذب، بل قد يكون صدوقاً فاضلاً، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أُدخل عليه الحديث" (١).

стр. 178

المطلب الرابع: تعدد طرق الحديث المعلّ بكذب راويه . ذكر المرُّوذي عن الإمام أحمد أنه ذُكر له الفوائد فقال: "الحديث عن الضعفاء قد يُحتاج إليه في وقتٍ، والمنكر أبداً منكر" (١). وقال ابن هانئ: "قيل له ـ أي أبي عبد الله ـ فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبداً منكر. قيل له الضعفاء؟ قال: قد يُحتاج إليهم في وقتٍ، كأنه لم ير بالكتاب عنهم بأساً" (٢). ومعنى هذا أن الحديث المنكر لا يزال منكراً مهما تعددت طرقه، وذلك لأن المنكر قد تحقق للناقد أو غلب على ظنه من وقوع الخطأ فيه، فتعدد الطرق لا يزيل خطأه، وإنما ينفع تعدد الطرق في أحاديث الضعفاء التي يتردد الناقد فيها بين إصابة الراوي وخطئه، فإذا رُويتْ من طرق أخرى ترجّح لديه جانب الإصابة. وإذا كان هذا في الحديث المنكر ففي حديث الكذاّب والمتَّهم بالكذب كان الأمر أشد وأعظم، وكثرة الطرق وتعددها لا تفيد معه إلا كشف ما وقع فيه من سرقة الحديث، فلا تزيده إلا وهناً. ومن أمثلة هذا ما ذكره عبد الله قال: "ذكر أبي حديث المُحاربي، عن عاصم، عن أبي عثمان، حديث جرير: [تبنى مدينة بين دِجلة ودُجَيل … ] فقال: كان المُحاربي جليساً لسيف بن محمد بن أخت سفيان، وكان سيف كذّاباً، فأظن المحاربي سمع منه. قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاّب ـ يعنى عن سفيان.

стр. 179

قلت له: إن لويناً حدثناه عن محمد بن جابر فقال: كان محمد ربما ألحق في كتابه، أو يلحق في كتابه ـ يعني الحديث. وقال: هذا حديث ليس بصحيح أو قال: كذب (١). وقال: وسُئل عن حديث جرير: [تبنى مدينة … ] فقال: ما حدّث به إنسان ثقة. وذكر له أن عبد العزيز بن أبان رواه عن الثوري فقال: تركته لما حدّث بحديث المواقيت (٢). هذا الحديث روي من حديث جرير بن عبد الله البجلي ولفظه: [تُبنى مدينة بين دِجلَةَ ودُجيْل (٣) وقطربُّل (٤) والصَّراة (٥) تُجْبى إليها خزائنُ الأرضِ وجبابرتُها يُخسَف بأهلها، فلَهي أسرع هوياًّ بأهلها من الوَتَدِ الحديد في الأرض الرِّخوة]. والحديث روي من عدة طرق وقد توسع الخطيب البغدادي في تاريخه من سردها وذكر عللها (٦). وملخص هذه الطرق أربعة، سأذكرها مع عللها: الطريق الأول: المحاربي، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن جرير.

стр. 180

وهو الطريق الذي ذكره الإمام أحمد، ولم أقف عليه مسنداً. وعلة هذا الطريق ما رواه العقيلي (١)، والخطيب (٢) ومن طريقه ابن الجوزي (٣) وذكره البخاري تعليقاً (٤) من طريق سيف بن محمد ـ وهو ابن أخت سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي قال كنت مع جرير بن عبد الله بقطربل فقال … الحديث. قال الإمام أحمد كما في رواية عبد الله في هذه المسألة: "كان المُحاربي جليساً لسيف بن محمد بن أخت سفيان، وكان سيف كذّاباً، فأظن المحاربي سمع منه". فتبين أن أصل الحديث لسيف بن محمد فدلسه المحاربي. وسيف بن محمد رماه الإمام أحمد بالكذب كما في رواية عبد الله هذه. وقال عبد الله أيضاً: "سمعت أبي يقول: لا يكتب حديث سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري، ليس سيف بشيء، وكان سيف يضع الحديث" (٥). ورماه أيضاً يحيى بن معين وأبو داود، ونسبه الساجي للوضع. أما غيرهم من الأئمة فلم يوصلوه إلى الكذب، إنما أطلقوا عليه أنه متروك (٦). وأما المُحاربي فهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي: وثقه ابن معين، والنسائي (٧). وقال أبو حاتم: "صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن

стр. 181

المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عن المجهولين" (١). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: "بلغنا أن المحاربي كان يدلس. وقد روى حديثاً عن معمر وأنكره الإمام أحمد جداً وقال عبد الله: ولم نعلم أن المحاربي سمع من معمر شيئاً" (٢). الطريق الثاني: عبد العزيز بن أبان، عن سفيان، عن عاصم به. ذكر هذا الطريق عبد الله في سؤاله للإمام أحمد، وأخرجه الخطيب مسنداً في التاريخ (٣) ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٤). وعلة هذا الطريق عبد العزيز بن أبان: قال أحمد كما في هذه الرواية: "تركته لما حدث بحديث المواقيت". وقال عبد الله في موضع آخر: "سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان، قال: لم أخرج عنه في المسند شيئاً، وقد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، لما حدّث بحديث المواقيت حديث سفيان عن علقمة بن مرثد تركته" (٥). وقال ابن معين: "وضع أحاديث عن سفيان، لم يكن بشيء" (٦). وقال في رواية أخرى: "عبد العزيز بن أبان كذاب يدعي ما لم يسمع وأحاديث لم يخلقها الله قطُّ" (٧). وقيل له: "من أين جاء ضعفه؟ قال: كان يأخذ

стр. 182

حديث الناس فيرويه" (١). وقال عبد الله بن نمير: "ما رأيت أحداً أبين أمراً منه، وقال: هو كذاب" (٢). وقال أيضاً: "ما مات حتى قرأ ما ليس من حديثه" (٣). فهذا متهم بسرقة الحديث بنوعيها: ادعاء السماع واختلاق المتون. ويوضحه ما ذكره الخطيب عن يحيى بن معين: قال أبو زكريا ـ يعني يحيى ابن معين: "عبد العزيز بن أبان كذاب خبيث. قلت له: بأي شيء استدللت على كذبه؟ قال حدّث عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير في دجلة ودجيل. فقلت له فقد حدّث به عمّار بن سيف عن سفيان. قال: عمار كان رجلا مغفلا لا يدري من سفيان سمعه أو من عاصم" (٤). وقال الإمام أحمد في هذه المسألة: "كل من حدّث به عن الثوري فهو كذّاب"، وكان أعلم الناس بحديث سفيان الثوري كما قال عبد الرحمن بن مهدي (٥). وقد ذكر الخطيب الذين رووه عن الثوري، ورواياتُهم كلهم في تاريخه (٦) وهم: ١. عمار بن سيف: رواه عن سفيان عن عاصم، ورواه عن عاصم مباشرة وزعم أنه حضر الثوري يسأل عاصماً عنه (٧). وقد تقدم عن يحيى بن معين أن هذا من غفلته.

стр. 183

وعمار بن سيف كان عابداً صالحاً (١). قال أبو حاتم: "وكان ضعيف الحديث منكر الحديث" (٢). وقال أبو داود: "كان مغفلاً" (٣). وقال ابن حبان: "كان ممن يروي المناكير عن المشاهير حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها، فبطل الاحتجاج به لما أتى من المعضلات عن الثقات" (٤). وقال أبو نعيم: "روى عن إسماعيل بن أبي خالد والثوري المناكير لا شيء" (٥). وذكر الإمام البخاري رواية عمار بن سيف قال: "يروى عنه عن سفيان عن عاصم عن أبى عثمان في قطربل وصراة، قطربل موضع عند باب بغداد وصراة نهر: لا يتابع عليه منكر ذاهب" (٦). وقد روى الخلال عن المخرمي: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن آدم يقول: "إنما أصاب عمار هذا الحديث على ظهر كتاب فرواه" (٧). ٢. إسماعيل بن أبان: هو أبو إسحاق الغنوي على ما قاله الخطيب (٨). قال عنه البخاري: متروك، تركه أحمد (٩). وعن أحمد أيضاً: "كتبتُ عنه ثم حدّثَ بأحايث موضوعة فتركناه" (١٠). وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين:

стр. 184

"وضع أحاديث على سفيان لم تكن" (١). وقال أبو حاتم: "متروك الحديث وكان كذاباً" (٢). فهذا حاله، فإما أن يكون وضع الحديث على سفيان أو سرقه من عمار ابن سيف، فقد ذكر المخرمي عن يحيى بن آدم أنه قال: ما رواه أحد إلا عمار بن سيف. ٣. إسماعيل بن نجيح: ذكر الخطيب أنه صاحب غرائب ومناكير عن سفيان الثوري وعن غيره، وذكر عن ابن عقدة أنه قال فيه: ضعيف ذاهب (٣). ٤. أبو سفيان عبيد الله بن سفيان الغداني ويقال له أبو سفيان الصوّاف: حديثه أيضاً عند الخطيب في التاريخ (٤). قال عباس عن ابن معين: أبو سفيان الصواّف كان كذاباً (٥). قال أبو حاتم: هو شيخ ليس بالقوي (٦). وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه (٧). وقال ابن عدي: وفي بعض حديثه بعض النكرة (٨). ٥. عبد الرزاق بن همام الصنعاني: ذكر حديثه الخطيب بإسناده إلى أحمد ابن محمد ابن عمر بن يونس قال: قلت لعبد الرزاق أحدثك سفيان الثوري هذا الحديث؟ قال: نعم عن عاصم الأحول … (٩) الراوي عن عبد الرزاق هو أحمد ابن محمد بن عمر أبو سهل اليمامي. قال أبو حاتم: "قدم علينا وكان كذاباً،

стр. 185

وكتبت عنه ولا أحدث عنه" (١). قال ابن عدي: "حدث بأحاديث مناكير عن الثقات وجدته ينسخ عن الثقات العجائب. وذكر عن القاسم المطرز أنه كان يقول: كتبت عن اليمامي هذا خمسمائة حديث … ليس عند الناس منها حرف" (٢). وقال عنه الذهبي: هالك (٣). هؤلاء الذين ذكرهم الخطيب أنهم رووا الحديث عن الثوري، وبذكر أحوالهم من حيث الجرح والتعديل تبين صحة ما قاله الإمام أحمد أن كلَّ من حدّث به عن الثوري فهو كذّاب. الطريق الثالث: لُوين، عن محمد بن جابر الحنفي، عن عاصم الأحول به. هذا الطريق ذكره عبد الله في هذه المسألة أن لويناً حدثهم به، ورواه الخطيب بإسناده (٤). وعلته: ما ذكره الإمام أحمد أن محمد بن جابر ـ الراوي عن عاصم الأحول ـ ربما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه الحديث. ومحمد بن جابر هو السحيمي الحنفي أبو عبد الله اليمامي. ضعفه ابن معين، والنسائي. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: من كتب عنه كتب عنه باليمامة وبمكة وهو صدوق، إلا أن في حديثه تخاليط، وأما أصوله فهي صحاح. وقال أبو حاتم: "ذهبت كتبه في آخر عمره وساء حفظه، وكان يلقنّ وكان عبد الرحمن ابن مهدي يحدث عنه ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير وهو معروف بالسماع جيد اللقاء رأوا في كتبه لحقاً وحديثه عن حماد فيه اضطراب روى عنه

стр. 186

عشرة من الثقات" (١). وقال ابن حبان: "كان أعمى يُلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذُوكر به فيحدّث به. ثم روى عن إسحاق بن عيسى بن الطباع أنه قال: ذاكرتُ محمد بن جابر ذات يوم بحديث شرِيك عن أبي إسحاق فرأيته في كتابه قد ألحقه بين السَّطريْن كتاباً طرياًّ" (٢). الطريق الرابع: أبو شهاب الحنّاط، عن عاصم الأحول به. ذكره الخطيب من طريق الحسن بن الربيع عنه به (٣). علته: لم يذكر الإمام أحمد علة هذا الطريق، وأما الخطيب فأعله بأبي شهاب الحناط، قال: وأما أبو شهاب الحناط فقد كان صدوقاً إلا أن يحيى بن سعيد القطان لم يكن يرضى أمره، وكان يقول: لم يكن بالحافظ، وأحسب أنه وقع إليه حديث عاصم من جهة عمار بن سيف، أو سيف بن محمد، أو محمد بن جابر فرواه عن عاصم مرسلاً، لأن الحسن بن الربيع لم يذكر عنه الخبر فيه، والله أعلم. وأبو شهاب الحناط هو عبد ربه بن نافع. قال يحيى القطان: لم يكن أبو شهاب الحناط بالحافظ ولم يرض أمره. قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبى عن أبى شهاب الحناط؟ فقال: ما بحديثه بأس. فقلت له: إن يحيى بن سعيد يقول ليس هو بالحافظ، فلم يرض بذلك ولم يقرَّبه. قال ابن أبى خيثمة عن يحيى بن معين: أبو شهاب الحناط ثقة. وقال أبو حام: أبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع صالح الحديث (٤) وقال الساجي صدوق يهم في حديثه (٥). قال الذهبي: احتج به

стр. 187

البخاري ومسلم وهو صدوق وغيره أقوى منه (١). ذكره ابن حجر في طبقات المدلسين من أجل كلام الخطيب الذي أشار فيه إلى تدليسه (٢). فالحاصل أن الحديث لا أصل له. لما ذكر هذا الحديث لأحمد بن منيع ذهب إلى الإمام أحمد فسأله فقال له: يا أبا جعفر! ليس لهذا الحديث أصل (٣)، وكذلك قال يحيى بن معين (٤). وهذا ما يقصده الإمام أحمد لما قال: ما حدث به إنسان ثقة، كما في سؤال عبد الله الثاني. فهذا الحديث على اختلاف طرقه ليس له أصل، لأن أصل الحديث حديث كذب، تلقَّطَتْه الرواةُ إما بالسرقة أو التدليس، وهو يوضّح أن تعدد الطرق لا تجعل الحديث الموضوع صحيحاً أبداً. ومثال آخر يدل على أن الحديث المعلّ بكذب راويه لا يرتقي بتعدد طرقه: قال عبد الله: "سألته عن قول الناس: [أول ما خلق اللهُ العقْل قال له: أَقبِل فأَقبلَ … ]، فقال: هذا موضوع ليس له أصل" (٥). روي هذا الكلام في أحاديث منها: عن عائشة ﵂ قالت: حدثني النبي ﷺ أن "أول ما خلق الله العقل قال: أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر، ثم قال: ما خلقت شيئاً أحسن منك، بك آخذ، وبك أعطي". رواه أبو نعيم في الحلية (٦) من طريق سهل بن المرزبان بن محمد أبي الفضل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الزهري، عن

стр. 188

عروة، عن عائشة به. قال أبو نعيم: "غريب، لا أعلم له راوياً عن الحميدي إلا سهلاً وأراه واهماً فيه" ولم أقف على ترجمة له. ومنها عن أبي هريرة مرفوعاً: "لما خلق الله العقل قال له: قم فقام، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: اقعد فقعد. فقال: ما خلقت خلقاً هو خير منك ولا أفضل منك ولا أحسن منك ولا أكرم منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أُعرَف، وبك أعاقب، لك الثواب وعليك العقاب". رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١) وابن عدي (٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣) وابن الجوزي في الموضوعات (٤)، من طريق حفص بن عمر حدثنا الفضل بن عيسى الرقاشي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة به. قال ابن حبان في حفص بن عمر، وهو قاضي حلب: "يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به" (٥) والفضل بن عيسى الرقاشي قال فيه الإمام أحمد: ضعيف (٦) وقال ابن معين: كان رجل سوء. وقال ابن حبان: "ممن يروي المناكير عن الشاهير" (٧). وروي من وجه آخر عن سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، عن الثوري، عن الفضيل بن عثمان عن أبي هريرة به. رواه ابن الجوزي في الموضوعات (٨). وقد تقدم الكلام في سيف بن محمد.

стр. 189

ومنها عن أبي أمامة: رواه الطبراني (١)، والعقيلي (٢) بمثل لفظ حديث أبي هريرة. من طريق أبي همام الوليد بن شجاع، عن سعيد بن الفضل القرشي، عن عمر بن صالح العتكي، عن أبي غالب، عن أبي أمامة. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي أمامة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو همام. وقال العقيلي: حديثه منكر، وعمر هذا وسعيد بن الفضل الراوي عنه مجهولين جميعاً ولا يتابع على حديثه ولا يثبت في هذا المتن شيء. ومنها ما روي عن الحسن ـ وهو البصري ـ مرفوعاً رواه عبد الله في زوائد الزهد (٣) ومن طريقه ابن أبي عاصم في كتاب الزهد (٤): حدثنا علي بن مسلم، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه، فذكره بمثل لفظ حديث أبي هريرة. فيه سيار بن حاتم العنزي. قال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير. وقال الأزدي: عنده مناكير (٥) وشيخه جعفر بن سليمان الضبعي: صدوق زاهد يتشيع (٦) وقال ابن عدي: "أحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان منها منكر فلعل البلاء فيه من الراوي" (٧) على أن هذا قد روي من قول الحسن. رواه البيهقي في شعب الإيمان (٨) وقال: "هذا من قول الحسن وغيره مشهور" فلعله انقلب على راويه فجعله من قول النبي ﷺ .

стр. 190

وبالجملة هذا الحديث وإن تعددت طرقه لا يصح، ولا أصل له كما قال الإمام أحمد. قال ابن الجوزي: "وقد رويت في العقل أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت ـ ثم ذكر بعض رواته ـ وكلهم متروكون، وقد كان بعضهم يضع الحديث ويسرقه الآخر يغير إسناده" (١). وروى الخطيب بإسناده إلى أبي الحسن الدارقطني قال: "كتاب العقل وضعه أربعة، أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المحبر، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر" (٢) وهذا مثال آخر على أن الحديث الذي قال فيه إمام من أئمة هذا الشأن: لا أصل له، لا يرتقي بتعدد طرقه، والله أعلم.

стр. 191

المطلب الخامس: بعض مصطلحات الإمام أحمد في هذا الباب . تقدم أن استعمال الأئمة المتقدمين ﵏ للمصطلحات أشد شمولاً من استعمال المتأخرين، فيلاحظ عند المتقدمين وجود عدة إطلاقات للمصطلح الواحد، ومن أجل هذا يحسن الوقوف على ما عند الإمام أحمد من مصطلحات في هذا الباب وما وقع فيها من إطلاقات، فإن ذلك وثيق الصلة بمعرفة منهجه. والمصطلحات التي يدور عليها كلام الإمام أحمد في هذا الباب هي: موضوع، كذب، باطل، ليس له أصل، منكر. والظاهر من المصطلحات الثلاثة الأولى ـ موضوع، كذب، باطل ـ أنها بمعنى واحد، ويوضّح ذلك سؤال عبد الله الذي تقدم، قال عبد الله: قلت لأبي: بلغني أن ابن الحِمَّاني حدّث عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة [أن النبي ﷺ كان يُعجبه النظر إلى الحمام]. فأنكروه عليه فرجع عن رفعه وقال: عن عائشة مرسلاً. فقال أبي: هذا كذب، إنما كنا نعرف به حسين بن علوان، ويقولون إنما وضعه على هشام. قلت له: إن بعض أصحاب الحديث زعم أن أبا زكريا السَّيْلحيني رواه عن شريك، قال كَذِبٌ هذا على السَّيْلحيني، السيلحيني لا يحدث بمثل هذا، هذا حديث باطل (١). فهنا حكم على الحديث أولاً بأنه كذب، ثم بيّن وجه ذلك بأن حسين ابن علوان وضعه، ثم حكم عليه آخراً بأنه باطل. فالحديث موضوع: وضعه حسين بن علوان، فسماه مرة: كذباً، ومرة: باطلاً، فهذا صريح في أن هذه الألفاظ الثلاثة عنده بمعنى واحد. ويطلق الإمام أحمد هذه الألفاظ على معان متشابهة، وبالتتبع جاءت كالتالي:

стр. 192

١. إطلاقها على الحديث المختلق المصنوع على رسول الله ﷺ ، وإطلاقها على هذا المعنى هو الغالب، فمن ذلك قوله في حديث علي: [من صلى كذا فله كذا، ومن قرأ كذا فله كذا] (١) قال: باطل موضوع، وقال في راويه محمد بن الجراح: "قد رأيت ابن الجراح، فرأيت عنده أحاديث وضعت له، لم يكن يدري مالحديث"؛ وكقوله في حديث العقل (٢) أيضاً: موضوع؛ وكقوله في حديث أبي صالح كاتب الليث بإسناده إلى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ : "إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين إلا النبيّين والمرسلين … " (٣): قال: ذاك عندي موضوع. وقال في حديث: "من لذّذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة" (٤): كذب، باطل. وقال في حديث: "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه" (٥): هذا كذب. والوصف المشترك بين هذه الأحاديث أنها كلها متون مختلقة على رسول الله ﷺ . ٢. إطلاق هذه الألفاظ على تركيب الأسانيد، وهو أن يعمد الراوي إلى حديث معروف بإسناد واحد فيرويه بإسناد آخر ليس له، وهذا نوع من أنواع ما استقرّ تسميته في المصطلح بالمقلوب (٦) فمن ذلك قوله في حديث ابن مسعود في قراءته على المصروع (٧): "هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين منكر الإسناد". فأوضح أن وجه الوضع هو نكارة الإسناد، واستدل بذلك على وقوع إلزاق متن لإسناد ليس له. وقال في الحديث الذي رواه عبد العزيز بن عبد الرحمن

стр. 193

البالسي عن خزيمة بن ثابت مرفوعا: "لا وصبة لوارث إلخ" (١) قال: أحاديثه كذب أو موضوعة، وتقدم قول العقيلي في إيضاح وجه إنكار الإمام أحمد للحديث أنه أنكر الإسناد لا المتن، لأن المتن معروف بغير الإسناد الذي ذكره هذا الراوي. وقال في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، قال فيه: هذا كذب (٢) وتقدم قول الذهبي أنه يعني كذب بهذا الإسناد، لأن المتن له طرق ضعيفة. وكذلك أطلق الكذب على سرقة الحديث كما في السؤال عن يحيى الحماني حيث أسند عن شريك عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعجبه النظر إلى الحمام (٣) فجعل إلزاق هذا الحديث بشريك من الكذب، وهذا أيضاً مما استقرّ تسميته في المصطلح على نوع من المقلوب. ٣. إطلاق الموضوع على حديث المتروك. فمن ذلك ما رواه مهناّ: قال مهنّا: "قلتُ لأحمد: حدّثوني عن محمد بن بكّار، عن حفص بن عمر، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تأْخُذوا العلمَ إلا عن من تُجيزون شهادتَه". قال: ليس بصحيح، هذا حديث موضوع من قبل صالح بن حسان، هذا رجل مديني متروك الحديث" (٤). فهذا الحديث أطلق عليه الوضع، واتّهَم به صالح بن حسان، وهو عنده متروك الحديث، ولم يرمِه بالكذب. وقال عنه مرة: ليس بشيء (٥). وقال ابن معين:

стр. 194

ليس حديثه بشيء (١). وقال البخاري: منكر الحديث (٢). وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث (٣). قال الخطيب عن هذا الحديث: "تفرد بروايته صالح بن حسان، وهو ممن اجتمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج به لسوء حفظه وقلة ضبطه … " (٤). وكذلك أطلق البطلان على حديث المتروك: قال ابن هانئ: "عرضتُ على أبي عبد الله: يحيى بن سعيد العطار، عن سعد ـ أبو حبيب ـ عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "دعاء الوالد لولده مثل دعاء النبي ﷺ لأمته". قال أبو عبد الله: حديث باطل منكر" (٥). وزاد في رواية الخلال عن محمد بن أبي هارون، عن ابن هانئ قال: وسمعته يقول: سعد أبو حبيب ليس حديثه بشيء (٦). هذا الحديث رواه أبو نعيم في أخبار إصفهان (٧)، ومن طريقه ابن عساكر في

стр. 195

تاريخ دمشق (١) والديلمي في مسند الفردوس (٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣). وصف الحديث بالبطلان وجعل المتّهمَّ به سعداً أبا حبيب ووصفه بأنه ليس حديثه بشيء، وهذه العبارة، إذا لم توجد قرينة رمي الراوي بالكذب، فإن الإمام أحمد ﵀ يطلقها على الراوي المتروك (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يقول أهل الحديث عن بعض المحدّثين: "ليس بشيء"، أو عن بعض الأحاديث: "ليس بشيء" إذا لم يكن ممن ينتفع به في الرواية لظهور كذبه عمداً أو خطأ" (٥). وقد عرّف الحافظ ابن حجر حديث من فحُش غلطه، أو كثرت غفلتُه، أو

стр. 196

ظهر فسقُه بالمنكر على رأي من لا يشترط في المنكر المخالفة (١)، والراوي الذي فحُش غلطه أو كثرت غفلتُه هو المتروك. وعرفّه الذهبي بالمطروح وقال: هو ما انحط عن رتبة الضعيف ـ ثم مثّل له برواية بعض الرواة ـ وقال: وأشباههم من المتروكين والهلكى (٢) فهذا يدل على أن لحديث المتروك تسمية خاصة لدى الأئمة المتأخرين، فهو فوق الضعيف ودون الموضوع (٣). ٤. إطلاق الكذب والبطلان على ما هو خلاف المعروف. جاء مثال لذلك في مسائل صالح: قال صالح: "قال أبي": حديث عائشة: [أن النبي ﷺ نهى عن صلاتين] كذب، ليس بشيء (٤). ويقصد بذلك الحديث الذي أخرجه الطحاوي حدثنا فهد، قال: ثنا علي ابن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن سعد بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ نهى عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (٥). قال الحافظ ابن رجب: قاعدة في تضعيف أحاديث رُويت عن بعض الصحابة، والصحيح عنهم رواية ما يخالفها، فمن ذلك حديث سعد بن سعيد، عن عمرة عن عائشة، عن النبي ﷺ في النهي عن صلاتين: صلاة بعد العصر … الحديث. أنكره أحمد والدارقطني وغيرهما. وقال الدارقطني: المحفوظ عنها أنها

стр. 197

قالت: ما دخل عليّ النبي ﷺ بعد العصر إلا صلى ركعتين. ا. هـ (١). ومن إطلاق البطلان على هذا النوع ـ أعني خلاف المعروف ـ ما رواه أبو زرعة الدمشقي: قال أبو زرعة الدمشقي: "وسألت أحمد بن حنبل عن حديث أنس بن مالك: [دخل رسول الله ﷺ مكة وعبد الله بن رواحة آخذ بغَرزِه؟] قال: لو قلت إنه باطل، وردّه رداًّ شديداً. قال أبو زرعة: فأما حديث أنس الأول الذي أنكره أحمد بن حنبل فحدّثني أحمد بن شبُّويه قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: [دخل رسول الله ﷺ مكة وابن رواحة آخذ بغرزه وهو يقول: "خلوا بني الكفار عن سبيله"] (٢). أنكره الإمام أحمد لأن المعروف أن عبد الله بن رواحة قُتل في مؤتة وكانت قبل دخول النبي ﷺ مكة عام الفتح، هذا إذا حُمل حديثُ أنس بن مالك على أن ذلك كان عامَ الفتح، ولم أر التصريح بذلك في شيء من طرق الحديث، بل الذي ورد أن ذلك كان في عمرة القضاء؛ جاء مصرحاً في رواية الترمذي، وابن حبان (٣) وغيرهما للحديث الذي ذكره أبو زرعة الدمشقي بإسناده، وإذا كان كذلك فلا اعتراض على الحديث، والله أعلم. اللهم إلا أن يقال وقع ذلك غلطاً كما وقع للإمام الترمذي حيث جعل المؤْتة قبل عمرة القضاء ذهولاً منه وغلطاً،

стр. 198

وقد ردّ عليه الحافظ ابن حجر رحمة الله على الجميع (١). ففي هذين المثالين إطلاق الكذب والبطلان على الحديث المخالف للمعروف، وهو المسمى المنكر، وهو نوع من الضعيف. فإطلاق الإمام أحمد هذه الألفاظ المرادفة للحديث الموضوع على تركيب الإسناد، وسرقة الحديث، والحديث المقلوب، والمطروح أو المنكر على رأي، والمنكر يدل على ما أشير إليه من توسّع المتقدمين في استعمال المصطلحات. وإنما ساغ تسمية هذه الأنواع بالموضوع، والباطل، والكذب لأن بينها وبين الحديث المختلق المصنوع وصف مشترك، وهو بطلان نسبة الكلام إلى من أضيف إليه تحقيقاً أو في الظن الغالب، وإنما الفرق بينها كون ذلك وقع عمداً أو خطأً؟ وهل أُضيف الكلام إلى النبي ﷺ أو إلى غيره؟ ومن هذا الوجه لم ير بعض الأئمة التقييد بالتعمّد في تعريف الحديث الموضوع كما سبقت الإشارة إليه. وأما قوله: "ليس له أصل"، فهذا لغة يعني نفي وجود أي أصل للحديث على وجه العموم، لأن "أصل" نكرة في سياق النفي بـ"ليس" فتعمّ. والأصل هو ما انبنى عليه غيره. وذكر السيوطي أن شيخ الإسلام ابن تيميه يقول معنى قولهم: "ليس له أصل" أو "لا أصل له": ليس له إسناد (٢) فكأن الأصل المنفي في عبارتهم هو الإسناد الذي يتوصل به إلى إثبات المتن. ووَرَدَ عن الإمام أحمد إطلاق هذه العبارة على الحديث الموضوع المختلق

стр. 199

كما قال في حديث العقل: هذا موضوع، ليس له أصل (١) وهو حديث رُوي بأسانيد وكلها واهية وموضوعة كما تقدم، فكأن تلك الأسانيد ليست بشيء، وهذا يعكس المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام لعبارة: "ليس له أصل". وقد أطلقها الإمام أحمد على معانٍ أخرى منها: ١. ما لم يثبت متنه لمخالفته الثابت المعروف من هدي النبي ﷺ كما في المسألة التالية: قال عبد الله: "سألتُ أبي عن حديث ميمونة بنت الحارث أنها جعلتْ أمرَها بيد العباس فزوّجها من النبي ﷺ صحيح هذا الحديث؟ قال أبي: هذا حديث ليس له أصل وقال: النبيُّ ﷺ خطب حفصةَ إلى عمر فزوَّجه، الزهري عن سالم عن ابن عمر عن عمر خطبها النبي ﷺ يعني حفصة فزوّجه، والنبي ﷺ خطب إلى أبي بكر فزوّجه قال أبي: وقال شعبة: ولم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ليس هذا فيها" (٢). وقال في مسائله: "سألتُ أبي عن حديث ميمونة بنت الحارث: إنما جعلتْ أمرَها بيد العباس فزوَّجها من النبي ﷺ ، صحيح هذا الحديث؟ فقال أبي: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مِقسَم إلا أربعة أحاديث ليس هذا فيها، قال أبي: هذا حديث ليس له أصل" (٣). أنكر الإمام أحمد هذا الحديث وقال فيه: ليس له أصل، وعلته عنده مخالفته للثابت المعروف عن النبي ﷺ أنه يخطت المرأة إلى أهلها، وذكر خطبته حفصة إلى عمر، وعائشة إلى أبي بكر أجمعين، وأما العباس فإنما كان زوجَ أخت ميمونة،

стр. 200

وهي أم الفضل بنت الحارث، ولم يكن ولياًّ لها ولاية خاصة، ثم أبان وجه دخول العلة على الحديث المذكور وهو عدم سماع الحكم من مسقم لهذا الحديث. ففي هذا إطلاق لفظزة: "ليس له أصل" على الحديث المنكر متناً (١).

стр. 201

٢. أطلقها على ما لم يثبت لغرابة إسناده وعدم مجيئه من وجه صحيح ومحفوظ. قال عبد الله: "سئل عن حديث أبي الزبير عن جابر عن فاطمة بنت قيس في المستحاضة، قال: ليس بصحيح أو ليس له أصل يعني حديث جعفر بن سليمان عن ابن جريج" (١). وفي المسائل برواية صالح: قلتُ: "حديث فاطمة بنت أبي حبيش في المستحاضة رواه أبو الزبير، عن جابر، عن فاطمة بنت قيس في المستحاضة؟ قال أبي: ليس هذا بشيء" (٢). أعلّه الإمام أحمد بقوله: ليس بصحيح أو ليس له أصل، وأوضحت رواية صالح وجه علة الحديث، وهو أن الحديث حديث فاطمة بنت أبي حبيش، فرواه جعفر بن سليمان الضبعي من حديث فاطمة بنت قيس (٣)، وقال أحمد عن هذه

стр. 202

الرواية: ليس بشيء، يشير إلى خطأ جَعلِها من مسند فاطمة بنت قيس، لأن جعفر بن سليمان تفرد بذلك من بين أصحاب ابن جريج الكثيرين. ومثال آخر لإطلاقه هذه العبارة على ما أنكره لغرابته وعدم مجيئه من وجه صحيح: قال أبو زرعة الدمشقي: "وسألت أحمد بن حنبل عن حديث سعيد ابن المسيب، عن أبي ثعلبة: "كُلْ ما رَدَّتْ عليك قوسُك": رواه ضمرة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ثعلبة؟ فقال: ما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ قلت له: أتخاف أن لا يكون له أصل؟ قال: نعم. قال أبو زرعة: وإنما رواه الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب؛ أخبرني به محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي" (١). هذا الحديث أخرجه ابن ماجه من طريق ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي به (٢)، وقد اختلف على الأوزاعي فيه: قال الدارقطني: وغير ضمرة بن ربيعة يرويه عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن أبي ثعلبة مرسلاً قال: والمرسل

стр. 203

أصح (١)، وذكر أبو زرعة الدمشقي هنا أن أهل الشام إنما يروون الحديث عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب ـ يعني عن أبي ثعلبة (٢). وأما وجه إعلال الإمام أحمد للحديث فهو من حيث أنه ذكر لسعيد ابن المسيب رواية عن أبي ثعلبة، فإنه أنكره بقوله: وما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ فإن هذا استفهام إنكار، وأوضحه أبو زرعة باستفهام آخر: تخاف أن لا يكون له أصل؟ فقال: نعم. أي ما جاءت رواية لسعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة من وجه صحيح سالم من العلة. وقد تبيّن أن هذه الرواية غير محفوظة حيث أن الصحيح من رواية الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن أبي ثعلبة ليس فيه سعيد بن المسيب كما قاله الدارقطني، ووجه آخر عنه: عن عمرو بن شعيب، عن أبي ثعلبة كما قال أبو زرعة أنه المحفوظ عن أهل الشام. وهناك قرينة أخرى تؤيد إنكار الإمام لرواية سعيد عن أبي ثعلبة، وهو أن أبا ثعلبة الخشني سكن الشام، والظاهر أن ذلك كان إثر فتحها ـ قبل أن يولد سعيد بن المسيب لأنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، بينما فتحُ الشام كان في السنة الأولى من خلافة عمر ـ فقد روى الإمام أحمد في المسند قال: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة الخشني قال [أَتيتُ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله اكتُب لي بأرض كذا وكذا ـ بأرض بالشام لم يظهر عليها

стр. 204

النبي ﷺ حينئذ فقال النبي ﷺ : "ألا تسمعون إلى ما يقول هذا؟ " فقال أبو ثعلبة: والذي نفسي بيده لتظهرن عليها، قال: فكتب له بها] (١) فيبعد مع هذا لقاء سعيد، وهو مدني لأبي ثعلبة الخشني (٢). والشاهد من هذا إطلاق عبارة "ليس له أصل" على ما لم يثبت من وجه صحيح سالم من العلة. وأما قول الإمام أحمد: "منكر" فقد أفردتُ له مطلباً خاصاً سيأتي إن شاء الله، ويكفي أن أشير هنا إلى تفسير الأثرم لهذه العبارة عند الإمام أحمد: قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث الفضل بن دَلْهم عن الحسن، عن قبيصة بن حُرَيْث، عن سَلَمة بن المُحبّق عن النبي ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً" فقال: هذا حديث منكر، يعني خطأ" (٣). فقد فسّر الأثرم معنى المنكر عند الإمام أحمد بأنه الخطأ، وهذا وجه إطلاقه المنكر على الحديث الموضوع في حديث: "فتحت المدائن بالسيف وفتحت المدينة بالقرآن" (٤)، حيث تحقق من وقوع الخطأ في الحديث بإضافة قول غير النبي ﷺ إلى النبي ﷺ .

стр. 205

المطلب السادس: موقفه من الرواية عن الكذّابين والمتَّهمين بالكذب . تقدم أن الإمام أحمد أمر بالضرب على أحاديث عبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي، لأنها كذب أو موضوعة (١). وتقدم النقل عن عبد الله بن الإمام أحمد أن الإمام أبا عبد الله ضرب على حديث عمرو بن خالد ولم يحدث به (٢)، وذلك لأن عمراً عنده كذّاب. وروى عبد الله حديثاً آخر في زياداته على المسند (٣)، وهو حديث علي عن النبي ﷺ : أتاني جبريل ﵇ فلم يدخلْ عليّ فقال له النبي ﷺ : "ما منعك أن تدخل"؟ قال: إنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا بول"، وفي رواية أخرى "ولا كلب" (٤)، وقال عبد الله بعد رواية الحديث: وكان أبي لا يحدّث عن عمرو بن خالد، يعني كان حديثه لا يسوى عنده شيئاً. ا. هـ. وتقدم أيضاً أنه قال في يعقوب بن الوليد: كتبت عنه وخرقنا حديثه منذ دهر، وكان من الكذّابين وكان يضع الحديث (٥). وقال في إسماعيل بن أبان: كتبتُ عنه ثم حدّثَ بأحايث موضوعة فتركناه (٦). وتقدم أيضاً أنه ترك حديث عبد العزيز بن أبان كما نقله عبد الله: وقال عبد الله في موضع آخر: "سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان، قال: لم أخرج عنه في المسند شيئاً، وقد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، لما حدّث بحديث المواقيت

стр. 206

حديث سفيان عن علقمة بن مرثد تركته" (١) يشير بهذا إلى أنه المتَّهم به. وقال حنبل كما في المسألة التي رواها الخلال: أخبرني موسى بن حمدون، نا حنبل، حدثني أبو عبد الله، ثنا يزيد بن هارون، أخبرني أبو أمية بن يعلى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى تواضع أبي ذر" قال لي أبو عبد الله: اضرب على حديث أبي ذر. قال: تركتُ حديثه لأنه منكر الحديث، فضربت عليه (٢). فذكر الإمام أحمد أنه ترك حديث أبي أمية بن يعلى لأنه منكر الحديث عنده. وأبو أمية بن يعلى هو إسماعيل بن يعلى أبو أمية الثقفي البصري. قال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة (٣). وقال البخاري: سكتوا عنه (٤). وقال النسائي والدارقطني: متروك (٥). وروى ابن عدي بإسناده عن شعبة أنه قال: اكتبوا عن أبي أمية بن يعلى فإنه شريف لا يكذب (٦). ونقل الحافظ ابن حجر عن أبي داود أنه كذّب هذه الحكاية عن شعبة (٧)، فهذا الراوي متروك، وبه يتبين أن وصف الإمام أحمد لهذا الراوي بأنه منكر الحديث وصف له بأن حديثه يستحق الترك.

стр. 207

فهؤلاء الرواة ما بين من رمي بالكذب والوضع، وبين المتّهم بالكذب، ومن تُرك حديثه لكثرة المناكير التي يرويها، ومن خلال ما نقلت عن الإمام أحمد يتبيّن أن موقفه من الرواية عنهم هو ترك الرواية عنهم وعدم الاعتداد بحديثهم. وقد ذكر بعض الحفاظ مثل هذا عن الإمام أحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما من عُرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا شيئاً، وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره، لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب، لكن يروي عمن عرف منه الغلط للاعتبار والاعتضاد. ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب ويقول: إنه يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه، ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن الكلبي وينهى عن الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف … " (١). وقال الحافظ ابن رجب: "وأحمد خرق حديث خلق ممن كتب حديثهم، ولم يحدث به، وأسقط من المسند حديث خلق من المتروكين لم يخرجه فيه مثل فائد أبي الورقاء، وكثير بن عبد الله المزني، وأبان بن أبي عياش وغيرهم، وكان يحدث عمن دونهم في الضعف … والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف مثل من في حفظه شيء ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه" (٢). وقد استدل الإمام مسلم على عدم جواز الرواية عن أهل التهم بحديث الذي رواه المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "من حدَّث عني بحديثٍ يُرى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذِبِين" (٣)، ويُرى مضبوطة بضم الياء بمعنى يظن (٤).

стр. 208

المطلب السابع: مخالفة حكمِه حكمَ غيره في آحاد المسائل في هذا الباب . إن مبنى هذا العلم كما قال الحافظ ابن حجر على غلبة الظن (١)، فقد يختلف الحفاظ في الحكم على حديث واحد بالوضع أو عدمه، لأن ذلك دائر مع القرائن التي تلوح لكل واحد منهم، وإن كان الغالب أن تتواطأ أحكامهم في هذا الباب (٢). وحيث وقع خلاف بينهم فالمرجع في ذلك إلى الترجيح بين أوجه الخلاف. وقد رأينا من خلال المطالب التي تقدمت أن الغالب أن يوافِق الإمامَ أحمد غيرُه من الأئمة في حكمه على الأحاديث بالوضع، ونادراً ما يخالفه غيره، ومن ذلك النادر ما رواه محمد بن أبي يحيى (٣) كما رواه الخلال حيث قال: أخبرنا محمد بن علي، ثنا محمد بن أبي يحيى قال: سألت أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها". فقال أحمد: قبَّح الله أبا الصلت، ذاك ذكر عن عبد الرزاق حديثاً ليس له أصل. أخبرني منصور بن الوليد، ثنا إبراهيم بن الجنيد، قال: سئل يحيى بن معين عن عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد؟ فقال: كذاب يحدث أيضاً بحديث أبي معاوية، عن الأعمش بحديث: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" وهذا حديث كذبٌ ليس له أصل. وسألته عن أبي الصلت الهروي؟ فقال: قد سمع وما أعرفه بالكذب. قلت: فحديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس؟ قال: ما سمعته قط، وما

стр. 209

بلغني إلا عنه. وقال محمد بن أبي يحيى عن يحيى بن معين أنه قال: حدثني به ثقة: محمد بن الطفيل عن أبي معاوية (١). فالظاهر من هذه المسألة وقوع خلاف بين حكم الإمام أحمد على الحديث المذكور وحكم الإمام يحيى بن معين. حكم الإمام أحمد: أما الإمام أحمد فرواية المروذي عنه تزيد حكمه على الحديث وعلى راويه أبي الصلت إيضاحاً: قال المروذي: "وسُئل أبو عبد الله عن أبي الصلت (٢) فقال: روى أحاديث مناكير، قيل له: روى حديث مجاهد عن علي (٣): "أنا مدينة العلم وعلي بابها". قال: ما سمعنا بهذا، قيل له: هذا الذي تنكر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به، وروى عن عبد الرزاق أحاديث (٤) لا نعرفها ولم نسمعها. قيل لأبي عبد الله: قد كان عند عبد الرزاق من هذه الأحاديث الرديئة؟ قال: لم أسمع منها شيئاً" (٥). وجه إعلاله للحديث: إعلال الإمام أحمد للحديث من وجهين: ١. استنكره من حديث أبي معاوية حيث قال: ما سمعنا به، وهذه العبارة تقرب من عبارة: لا أعرفه، وقد تقدم أن هذه العبارة الثانية من الحافظ المطلّع تُعتمد

стр. 210

في نفي الحديث (١)، فإذا كان يدّعي أن الحديث من حديث مجاهد، أو الأعمش، أو أبي معاوية ثم لا يعرفه الإمام أحمد وهو حافظ مطلع، دل على أن الحديث لا أصل له من حديث هؤلاء الأعلام، وأن هذا الراوي ـ أبو الصلت ـ هو المتفرد به. ٢. اعتمد على قرينة رواية أبي الصلت عن عبد الرزاق أحاديث لا أصل لها في إنكار هذا الحديث، حيث كان البلاء في تلك الروايات عن عبد الرزاق من أبي الصلت فكذلك في هذه الرواية عن أبي معاوية البلاء منه، ومن أجل ذلك قال في أبي الصلت هذا القول الشديد. حكم الإمام يحيى بن معين: اختلفت الرويات عن يحيى بن معين في حكمه على هذا الحديث، فقال هنا في رواية ابن الجنيد: هذا حديث كذب ليس له أصل، لكنه أنكره من حديث عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد عن أبي معاوية، وقال عن عمر هذا: كذاب (٢). ولما ذكر أبو زرعة الرازي له رواية عمر بن إسماعيل لهذا الحديث قال له: "قل له: يا عدو الله متى كتبتَ أنت هذا عن أبي معاوية، إنما كتبتَ أنت عن أبي معاوية ببغداد، ولم يحدث أبو معاوية هذا الحديث ببغداد" (٣). وقال عن أبي الصلت الهروي كما في رواية ابن الجنيد المذكورة آنفاً: "قد سمع وما أعرفه بالكذب"، فذكر له هذا الحديث من روايته فقال: "ما سمعته قط، وما بلغني إلا عنه"، وقال ابن الجنيد مرة أخرى: سمعت يحيى وذكر أبا الصلت الهروي فقال: "لم يكن عندنا من أهل الكذب، وهذه الأحاديث التي يرويها ما نعرفها" (٤).

стр. 211

وكذلك أنكره في رواية ابن زياد: قال يحيى بن أحمد بن زياد (١): سألت يحيى بن معين عن حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العلم" فأنكره جداً (٢)، وفي رواية محمد بن عبد الله بن خميرويه (٣) عن ابن زياد: سألته عن حديث أبي معاوية الذي رواه عبد السلام الهروي عنه عن الأعمش، فذكره (٤). وقال عبد الخالق بن منصور: "سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت فقال: ما أعرفه، قلت له: إنه يروي حديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: أنا مدينة العلم وعلي بابها فقال: ما هذا بشيء" (٥). فهذه الروايات عن يحيى كلها تفيد إنكاره للحديث. وفي رواية القاسم بن عبد الرحمن الأنباري قال يحيى عن هذا الحديث: هو صحيح. قال الخطيب: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه (٦). وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت ـ أو قيل له ـ: إنه حدّث عن أبي معاوية، عن الأعمش: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" فقال: ما تريدون من هذا المسكين؟ أليس قد حدّث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية، هذا أو نحوه (٧)،

стр. 212

وزاد الحاكم في روايته: قال يحيى: وهو ـ أي محمد بن جعفر الفيدي ـ ثقة مأمون (١)، ولم يذكر الخطيب هذا التوثيق وقد روى الكلام من طريق الحاكم، عن أبي العباس الأصم، عن الدوري. وفي رواية أبي علي صالح بن محمد جزرة أنه سئل عن أبي الصلت فقال: دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلم عليه، فلما خرج تبعته فقلت له: ما تقول رحمك الله في أبي الصلت؟ فقال: هو صدوق، فقلت له إنه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتي بابه"! فقال: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما راه أبو الصلت (٢). وقال ابن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي فقال: "ليس ممن يكذب، فقيل له في حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير قال: حدّث به أبو معاوية قديماً ثم كفّ عنه، وكان أبو الصلت رجلاً موسراً يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ وكانوا يحدثونه بها" (٣). قال الخطيب محاوِلاً الجمع بين هذه الأقوال عن ابن معين: أحسب عبد الخالق سأل يحيى بن معين عن حال أبي الصلت ولم يكن يحيى إذ ذاك يعرفه، ثم عرفه بعدُ فأجاب إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن حاله، وأما حديث الأعمش فإن أبا الصلت كان يرويه عن أبي معاوية عنه، فأنكره أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن

стр. 213

أبي معاوية. ا. هـ (١). والملاحظ أن يحيى بن معين لم يصحح الحديث مطلقاً، إنما صححه من حديث أبي معاوية، وكذلك ما ذكره من المتابعة لأبي الصلت إنما ذكرها لينفي التهمة عن أبي الصلت. واعتبر ابن معين محمد بن جعفر الفيدي متابعاً لا سارقاً بقرينة الحكاية التي ذكرها عن ابن نمير أن أبا الصلت كان رجلاً موسراً فكان يتتبع هذه الأحاديث عند الشيوخ ويكرمهم فيحدثونه بها، والتي تدل على أن الحديث حديث أبي معاوية وقد كان حدّث أبا الصلت به. وعلى نفي التهمة بالكذب يحمل ما ورد عنه من توثيق أبي الصلت، فقد كان هذا منهجاً عنده. قال المعلمي: ابن معين ربما يطلق كلمة "ثقة" لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب. ا. هـ (٢). وقد يقال: إذا كان يحيى ينفي التهمة عن أبي الصلت بناء على وجود من تابعه في الحديث عن أبي معاوية مما يدل على أن أبا معاوية قد حدّث بالحديث لماذا اتهمّ عمر بن إسماعيل بن مجالد؟ والجواب أن عمر بن إسماعيل إنما سمع من أبي معاوية ببغداد حيث سمع منه يحيى بن معين، وأبو معاوية لم يحدث بهذا الحديث ببغداد، إنما حدّث به قبل ذلك ثم كفّ عنه كما أفادته رواية ابن معين عن ابن نمير، فهذا وجه اتهامه لعمر بن إسماعيل، بخلاف أبي الصلت الذي سمع الحديث من أبي معاوية قديماً. فهذا تحرير موقف ابن معين من هذا الحديث ومن أبي الصلت راويه. وبقي الآن النظر في موقف الإمامين أحمد وابن معين والموازنة بينهما. فالإمام أحمد حكم على الحديث بالنكارة بناء على أنه لا يُعرف عن أبي معاوية، والأمر الثاني

стр. 214

أن الذي تفرد به عن أبي معاوية معروف برواية أحاديث منكرة عن عبد الرزاق، فيحمل هذا الحديث على أنه من مناكيره. وقد وافق الإمامَ أحمد على جرح أبي الصلت غيرُ واحد من الأئمة: فأبو حاتم قال عنه: "لم يكن عندي بصدوق، وهو ضعيف ولم يحدث عنه" وأمر أبو زرعة أن يُضرب على حديث أبي الصلت وقال: "لا أحدّث عنه ولا أرضاه" (١). وقال أحمد بن سيار المروزي الحافظ: "كان يعرف بكلام الشيعة وناظرته في ذلك لأستخرج مما عنده فلم أره يُفرط، ورأيته يقدم أبا بكر وعمر ويترحم على علي وعثمان، ولا يذكر أصحاب النبي ﷺ إلا بالجميل، وسمعته يقول: هذا مذهبي الذي أدين الله به، إلا أن ثم أحاديث يرويها في المثالب" (٢). وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الساجي: يحدث بمناكير، هو عندهم ضعيف. وقال الدارقطني: "كان رافضياً خبيثاً. روى عن جعفر عن آبائه عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان إقرار بالقلب وعمل بالجوارح … " الحديث، وهو متهم بوضعه لم يحدث به إلا من سرقه منه فهو الابتداء في هذا الحديث" (٣). وقال ابن حبان: "يروي عن حماد بن زيد وأهل العراق العجائب في فضائل علي وأهل بيته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد" (٤). وقال ابن عدي: "ولعبد السلام هذا عن عبد الرزاق أحاديث مناكير في فضائل علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وهو متهم في هذه الأحاديث" (٥). وذكر ابن حبان أحاديث منكرة لعلي بن موسى الرِّضا فقال الحافظ ابن حجر: هي من رواية أبي الصلت هي وغيرها (٦).

стр. 215

وقد يقال إن المناكير التي رواها أبو الصلت عن عبد الرزاق كانت من الأحاديث الرديئة التي عند عبد الرزاق والتي أشار إليها المروزي في سؤاله، فتبرأ ساحة أبي الصلت منها، وقد كان الإمام أحمد ينكر ذلك ويقول: لم أسمع منها شيئاً. أما الإمام يحيى بن معين فكان يرى أن تلك الأحاديث قد كانت عند عبد الرزاق. فروى ابن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين وقيل له: إن أحمد ابن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يُردّ حديثُه للتشيع فقال: كان والله الذي لا إله إلا هو عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مئة ضعف، ولقد سمعتُ من عبد الرزاق أضعاف أضعاف ما سمعتُ من عبيد الله (١). فيرى يحيى أن آفة هذه الأحاديث الرديئة عن عبد الرزاق منه لا من غيره، فتبرأ ساحة أبي الصلت منها كما برئت عنده من عهدة هذا الحديث عن أبي معاوية بما أثبته من تحديث أبي معاوية به. فإن سلّمنا هذا من الإمام يحيى بن معين فالسؤال هو ما الجواب عن المناكير التي رواها عن علي بن موسى الرضا؟ ومن أجل هذا قال المعلمي: من يأبي أن يكذّب أبا الصلت يلزمه أن يكذّب علي بن موسى الرضا وحاشاه. ا. هـ (٢). وهناك إشكال في المتابعة التي ذكرها يحيى بن معين، وهو هل محمد بن جعفر الفيدي الذي تابع أبا الصلت روى هذا الحديث عن أبي معاوية مباشرة أو بواسطة؟ فقد ذكر ابن محرز عن يحيى بن معين أنه قال: حدثنا محمد بن جعفر العلاف الذي كان ينزل بفيد كوفي، قال: حدثنا محمد بن الطفيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فذكره (٣). ويؤيد هذا ما رواه محمد بن أبي يحيى كما في المسألة التي ذكرها الخلال في صدر هذا المطلب أن
следующие страницы →