← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكذلك أنكره في رواية ابن زياد: قال يحيى بن أحمد بن زياد (١): سألت يحيى بن معين عن حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العلم" فأنكره جداً (٢)، وفي رواية محمد بن عبد الله بن خميرويه (٣) عن ابن زياد: سألته عن حديث أبي معاوية الذي رواه عبد السلام الهروي عنه عن الأعمش، فذكره (٤). وقال عبد الخالق بن منصور: "سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت فقال: ما أعرفه، قلت له: إنه يروي حديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: أنا مدينة العلم وعلي بابها فقال: ما هذا بشيء" (٥). فهذه الروايات عن يحيى كلها تفيد إنكاره للحديث. وفي رواية القاسم بن عبد الرحمن الأنباري قال يحيى عن هذا الحديث: هو صحيح. قال الخطيب: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه (٦). وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت ـ أو قيل له ـ: إنه حدّث عن أبي معاوية، عن الأعمش: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" فقال: ما تريدون من هذا المسكين؟ أليس قد حدّث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية، هذا أو نحوه (٧)،

стр. 212

وزاد الحاكم في روايته: قال يحيى: وهو ـ أي محمد بن جعفر الفيدي ـ ثقة مأمون (١)، ولم يذكر الخطيب هذا التوثيق وقد روى الكلام من طريق الحاكم، عن أبي العباس الأصم، عن الدوري. وفي رواية أبي علي صالح بن محمد جزرة أنه سئل عن أبي الصلت فقال: دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلم عليه، فلما خرج تبعته فقلت له: ما تقول رحمك الله في أبي الصلت؟ فقال: هو صدوق، فقلت له إنه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتي بابه"! فقال: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما راه أبو الصلت (٢). وقال ابن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي فقال: "ليس ممن يكذب، فقيل له في حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير قال: حدّث به أبو معاوية قديماً ثم كفّ عنه، وكان أبو الصلت رجلاً موسراً يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ وكانوا يحدثونه بها" (٣). قال الخطيب محاوِلاً الجمع بين هذه الأقوال عن ابن معين: أحسب عبد الخالق سأل يحيى بن معين عن حال أبي الصلت ولم يكن يحيى إذ ذاك يعرفه، ثم عرفه بعدُ فأجاب إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن حاله، وأما حديث الأعمش فإن أبا الصلت كان يرويه عن أبي معاوية عنه، فأنكره أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن

стр. 213

أبي معاوية. ا. هـ (١). والملاحظ أن يحيى بن معين لم يصحح الحديث مطلقاً، إنما صححه من حديث أبي معاوية، وكذلك ما ذكره من المتابعة لأبي الصلت إنما ذكرها لينفي التهمة عن أبي الصلت. واعتبر ابن معين محمد بن جعفر الفيدي متابعاً لا سارقاً بقرينة الحكاية التي ذكرها عن ابن نمير أن أبا الصلت كان رجلاً موسراً فكان يتتبع هذه الأحاديث عند الشيوخ ويكرمهم فيحدثونه بها، والتي تدل على أن الحديث حديث أبي معاوية وقد كان حدّث أبا الصلت به. وعلى نفي التهمة بالكذب يحمل ما ورد عنه من توثيق أبي الصلت، فقد كان هذا منهجاً عنده. قال المعلمي: ابن معين ربما يطلق كلمة "ثقة" لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب. ا. هـ (٢). وقد يقال: إذا كان يحيى ينفي التهمة عن أبي الصلت بناء على وجود من تابعه في الحديث عن أبي معاوية مما يدل على أن أبا معاوية قد حدّث بالحديث لماذا اتهمّ عمر بن إسماعيل بن مجالد؟ والجواب أن عمر بن إسماعيل إنما سمع من أبي معاوية ببغداد حيث سمع منه يحيى بن معين، وأبو معاوية لم يحدث بهذا الحديث ببغداد، إنما حدّث به قبل ذلك ثم كفّ عنه كما أفادته رواية ابن معين عن ابن نمير، فهذا وجه اتهامه لعمر بن إسماعيل، بخلاف أبي الصلت الذي سمع الحديث من أبي معاوية قديماً. فهذا تحرير موقف ابن معين من هذا الحديث ومن أبي الصلت راويه. وبقي الآن النظر في موقف الإمامين أحمد وابن معين والموازنة بينهما. فالإمام أحمد حكم على الحديث بالنكارة بناء على أنه لا يُعرف عن أبي معاوية، والأمر الثاني

стр. 214

أن الذي تفرد به عن أبي معاوية معروف برواية أحاديث منكرة عن عبد الرزاق، فيحمل هذا الحديث على أنه من مناكيره. وقد وافق الإمامَ أحمد على جرح أبي الصلت غيرُ واحد من الأئمة: فأبو حاتم قال عنه: "لم يكن عندي بصدوق، وهو ضعيف ولم يحدث عنه" وأمر أبو زرعة أن يُضرب على حديث أبي الصلت وقال: "لا أحدّث عنه ولا أرضاه" (١). وقال أحمد بن سيار المروزي الحافظ: "كان يعرف بكلام الشيعة وناظرته في ذلك لأستخرج مما عنده فلم أره يُفرط، ورأيته يقدم أبا بكر وعمر ويترحم على علي وعثمان، ولا يذكر أصحاب النبي ﷺ إلا بالجميل، وسمعته يقول: هذا مذهبي الذي أدين الله به، إلا أن ثم أحاديث يرويها في المثالب" (٢). وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الساجي: يحدث بمناكير، هو عندهم ضعيف. وقال الدارقطني: "كان رافضياً خبيثاً. روى عن جعفر عن آبائه عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان إقرار بالقلب وعمل بالجوارح … " الحديث، وهو متهم بوضعه لم يحدث به إلا من سرقه منه فهو الابتداء في هذا الحديث" (٣). وقال ابن حبان: "يروي عن حماد بن زيد وأهل العراق العجائب في فضائل علي وأهل بيته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد" (٤). وقال ابن عدي: "ولعبد السلام هذا عن عبد الرزاق أحاديث مناكير في فضائل علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وهو متهم في هذه الأحاديث" (٥). وذكر ابن حبان أحاديث منكرة لعلي بن موسى الرِّضا فقال الحافظ ابن حجر: هي من رواية أبي الصلت هي وغيرها (٦).

стр. 215

وقد يقال إن المناكير التي رواها أبو الصلت عن عبد الرزاق كانت من الأحاديث الرديئة التي عند عبد الرزاق والتي أشار إليها المروزي في سؤاله، فتبرأ ساحة أبي الصلت منها، وقد كان الإمام أحمد ينكر ذلك ويقول: لم أسمع منها شيئاً. أما الإمام يحيى بن معين فكان يرى أن تلك الأحاديث قد كانت عند عبد الرزاق. فروى ابن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين وقيل له: إن أحمد ابن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يُردّ حديثُه للتشيع فقال: كان والله الذي لا إله إلا هو عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مئة ضعف، ولقد سمعتُ من عبد الرزاق أضعاف أضعاف ما سمعتُ من عبيد الله (١). فيرى يحيى أن آفة هذه الأحاديث الرديئة عن عبد الرزاق منه لا من غيره، فتبرأ ساحة أبي الصلت منها كما برئت عنده من عهدة هذا الحديث عن أبي معاوية بما أثبته من تحديث أبي معاوية به. فإن سلّمنا هذا من الإمام يحيى بن معين فالسؤال هو ما الجواب عن المناكير التي رواها عن علي بن موسى الرضا؟ ومن أجل هذا قال المعلمي: من يأبي أن يكذّب أبا الصلت يلزمه أن يكذّب علي بن موسى الرضا وحاشاه. ا. هـ (٢). وهناك إشكال في المتابعة التي ذكرها يحيى بن معين، وهو هل محمد بن جعفر الفيدي الذي تابع أبا الصلت روى هذا الحديث عن أبي معاوية مباشرة أو بواسطة؟ فقد ذكر ابن محرز عن يحيى بن معين أنه قال: حدثنا محمد بن جعفر العلاف الذي كان ينزل بفيد كوفي، قال: حدثنا محمد بن الطفيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فذكره (٣). ويؤيد هذا ما رواه محمد بن أبي يحيى كما في المسألة التي ذكرها الخلال في صدر هذا المطلب أن

стр. 216

يحيى بن معين ذكر أنه حدثه به ثقة: محمد بن الطفيل عن أبي معاوية، وهذا ظاهره مغاير لهذا الإسناد الذي ذكره ابن محرز. ومحمد بن أبي يحيى لم أدر من هو، ويروي في هذه المسألة عن الإمام أحمد وابن معين، ولم يذكره أبو يعلى في طبقات الحنابلة. وروى الحاكم بإسناده عن محمد بن يحيى بن الضريس، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ فذكره (١). ويؤيد هذا رواية صالح جزرة عن ابن معين أنه قال: قد روى هذا ذاك الفيدي، عن أبي معاوية، عن الأعمش كما رواه أبو الصلت. لكن في إسناد الحاكم محمد بن يحيى بن الضريس، وهو فيدي أيضاً وكوفي، ويروي عن محمد بن الطفيل ولم يُذكر محمد بن جعفر من الذين روى عنهم (٢). ومع هذا الإشكال فالذي يعتمد في متابعة أبي الصلت هو الحكاية التي ذكرها ابن نمير أن أبا معاوية كان يحدّث بالحديث ثم كفّ عنه.

стр. 217

المبحث الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي ببدعة فيه . المطلب الأول: تعريف البدعة وأهلها . المعنى اللغوي: كل من أحدث شيئاً فقد ابتدعه، والاسم البِدْعة، والجمع البدع، ذكره في "جمهرة اللغة" (١). وقال الجوهري: "ابدعْتُ الشيء، اخترعته لا على مثال، والله تعالى بديع السموات والأرض. والبديع: المبتدِع، والبديع: المبتدَع … البدعة الحدث في الدين بعد الإكمال" (٢). المعنى الشرعي: قال ابن رجب: "المراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه" (٣). ويقال للمنتسبين والمنسوبين إلي شيء منها أهل البدع وأهل الأهواء. قال الجرجاني: "أهل الأهواء أهل القبلة الذين لا يكون معتقدُهم معتقدَ أهل السنة وهم الجبرية والقدرية والروافض والخوارج والمعطِّلة والمشبِّهة" (٤). وقال اليماني: "أهل البدع والأهواء سموا بهذا الاسم لابتداعهم لأشياء ليست من الشريعة، وهوايتهم لأمور استحسنوها فدَعَوُا الناس إلى الدُّخول فيها وهي بعيدة من الحق الأنور والشرع الأظهر" ثم ذكر أصنافهم (٥).

стр. 218

ووجه ذكر هذا المبحث في فصل الطعن في الراوي بما يخل بعدالته، أن الراوي الموصوف ببدعة إما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق (١)، وكلا الأمرين منافٍ لصفة العدالة.

стр. 219

المطلب الثاني: التمييز بين البدعة التي تردّ بها رواية الراوي المتصف بها من غيرها . اختلف أهل العلم قديماً وحديثاً في مسألة السماع من أهل البدع والأهواء والاحتجاج بمروياتهم، فمنعت طائفة من قبول روايتهم، وهو مروي عن ابن سيرين، وحكي نحوه عن الحسن البصري، ومالك، وابن عيينة، والحميدي وغيرهم (١). ومأخذ هذا المذهب هو أن أهل الأهواء إما أن يكونوا ممن يكفرون أو يفسقون، وأيضاً في الرواية عنهم ترويج لمذهبهم، والمطلوب مع أهل الأهواء هجرانهم وإخماد ذكرهم؛ ثم إن الهوى والبدعة لا يؤمن معهما الكذب، لا سيما إذا كان ظاهر الرواية تعضد مذهب المبتدع (٢)، وقد صرح بعض أهل الأهواء بعد التوبة بأنهم كانوا إذا هووا أمراً صيروه حديثاً (٣). والمذهب الثاني: قبول روايتهم إذا لم يتَّهموا بالكذب واستحلاله، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، ويحيى القطان، وعلي بن المديني. قال ابن المديني: "لو تركت أهل البصرة للقدر، وتركت أهل الكوفة للتشيع لخرِبتِ الكتب" (٤). والمذهب الثالث: التفريق بين الداعية وغيره، فيقبل رواية غير الداعية إلى بدعته، وترد رواية الداعية، وقد نسب هذا القول إلى ابن المبارك، وابن مهدي،

стр. 220

وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (١). مذهب الإمام أحمد: اختلف العلماء في التخريج على النصوص الواردة عن الإمام الإمام في هذا الموضوع: فبعضهم يخرج كلامه على التفريق بين أنواع البدع، وعلى التفريق بين الحاجة إلى الرواية وعدمها، وعلى التفريق بين الداعي والساكت، وبعضهم يقصر على أمر واحد من هذه فقط. سأورد النصوص التي وقفت عليها عن الإمام أحمد ثم تخريجات أصحابه في هذه المسئلة. التجهم: ويدل على أنها من البدع المغلظة تكفير الإمام أحمد لمن يقول بقولهم. قال الميموني: "قال سألته ـ يعني أبا عبد الله ـ فيما بيني وبينه واستفهمته واستثبته فقلت: يا أبا عبد الله، قد بُلينا بهؤلاء الجهمية، ما تقول فيمن قال: إن الله ليس على العرش؟ قال: كلامهم كلهم يدور على الكفر. قلت: ما تقول فيمن قال إن الله لم يُكلِّمْ موسى؟ قال: كافر لا شكَّ فيه. قلت: من قال إن أسماء الله مُحدَثَة؟ قال: كافر. ثم قال لي: الله من أسمائه، فمن قال إنها محدثة فقد زعم أن الله مخلوق. وأقبل يُعظِّم أمرَهم ويُكفِّرهم وقرأ: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]. وذكر آية أخرى. قلت: من قال: إن الله كان ولا علم؟ فتغيّر وجهُهُ في هذا كلُّه وكان في هذا أشدَّ تَغيراً وأكثر غَيْظاً ثم قال لي: كافر وقال في كل يوم أزداد في القوم بصيرة" (٢). وأما كلامه فيمن يقول من الرواة بقول جهم: قال عبد الله: "سألت أبي عن الحكم بن عبد الله أبي مطيع البلخي فقال: لا

стр. 221

ينبغي أن يُروى عنه، حكوا عنه أنه كان يقول: الجنة والنار خلقتا، فستفنيان، هذا كلام جهم، لا يُروى عنه شيء" (١). وقال عبد الله أيضاً: "سألت أبي عن سليم بن مسلم؟ فقال: قد رأيته بمكة ليس يسوى حديثه شيئاً، ليس بشيء قال أبي: وكان يتهم برأي جهم" (٢). فهذا جمع بين رأي جهم ونكارة الحديث، يدل عليه قوله: ليس يسوى حديثه شيئاً. فقد عمّم النهي عن الرواية عمن نسب إلى رأي جهم، ولم يقيّد بالداعية. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم أقف له على تقييد بالداعية في الجهمي" (٣). التشيّع: جاء عنه أنه ترك أحاديث قوم من المنتسبين إلى التشيع، منهم: أبو مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري الكوفي (٤). قال محمد بن عوف الحمصي: "ذكر لأحمد بن حنبل أبو مريم فقال: ليس بثقة، كان يحدث ببلايا في عثمان >، وعامة حديثه بواطيل" (٥). فتكلم فيه لهواه ومن أجل حديثه، فقال: عامة حديثه بواطيل. لكن ذكر الأثرم قال: "قلت لأبي عبد الله: أبو مريم من أين جاء ضعفه؟ من قِبل رأيه، أو من قبل حديثه؟ قال: من قِبل رأيه، ثم قال: وقد حدّث ببلايا في

стр. 222

عثمان، أحاديث سوء" (١). فجعل علة ضعفه سوء مذهبه. ومنهم: يونس بن خباب الأسيدي (٢). قال عبد الله: "سألته عن يونس بن خباب؟ فقال: كان خبيث الرأي. فقلت له: كيف هو في الحديث؟ فقال حدثنا عنه عباد" (٣). قال المرُّوذي: "وذكر ـ يعني لأبي عبد الله ـ يُونُس بن خبّاب فتكلم فيه ولم يرضه وقال: هذا كان يقع في عثمان" (٤). ومنهم عبيد الله بن موسى العبسي (٥): قال المروذي: "وسألته عن عبيد الله بن موسى، أخرجتَ عنه شيئاً؟ قال: ربما أخرجت عنه، وربما ضربت عليه، حدّث عن قوم غير ثقات، فإن كان من حديث الأعمش فعلى ذاك" (٦). وقال الميموني: "ذكر عنده عبيد الله بن موسى فرأيته كالمنكر له، قال: كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء، أخرج تلك البلايا فحدث بها. قيل له: فابن فُضيل؟ قال: لم يكن مثله، كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية" (٧).

стр. 223

فتكلم فيه الإمام أحمد في حديثه عن غير الأعمش، وأنه روى أحاديث ردية تدل على سوء مذهبه، وذكر أنه ربما أخرج حديثه وربما تركه، وهذا في خاصة نفسه، أما في غيره فقد روي عنه أنه كان ينهى عنه. قال العقيلي: "سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت أبي يقول: أردت الخروج إلى كوفة، فأتيت أحمد بن حنبل أودِّعه فقال لي: يا أبا محمد، لي إليك حاجة: لا تأت عبيد الله بن موسى، فإنه بلغني عنه غلوٌ. قال أبي: فلم آته" (١). فهؤلاء كلهم فيهم غلوٌ في التشيع، لأنهم تعرضوا لعثمان >، واعتبر الإمام أحمد هذا من الغلو في التشيع، وهكذا هو في عرف المتقدمين (٢). وقد جاء سبب آخر لتركه الرواية عن عبيد الله بن موسى، فروى ابن أبي يعلى من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "قيل لأبي: لم كتبت عن عبيد الله بن موسى ثم تركت الرواية عنه، وكتبت عن عبد الرزاق ورويت عنه، وهما على مذهب واحد؟ فقال: أما عبد الرزق فما سمعنا منه مما قيل عنه شيئاً، ولم يبلغنا أنه كان يدعو إلى مذهبه. وأما عبيد الله فإنه كان يدعو إلى مذهبه ويُجاهر به، فتركت الرواية عنه لذلك" (٣). فعلل بكونه داعية ومجاهراً بمذهبه.

стр. 224

وممن حسّن حاله ولم يتكلم فيه بجرحة في الرواية: تليد بن سليمان المحاربي (١): قال المروذي: قال أبو عبد الله: "تليد بن سليمان كان مذهبه التشيّع، ولم ير به بأساً" (٢). وقال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله، وهو أحمد بن حنبل، ذكر تليد بن سليمان فقال: كتبت عنه حديثاً كثيراً عن أبي الجحاف". ومنهم علي بن بَذِيمة السُّوائي (٣): قال عبد الله: "سألته ـ يعني أباه ـ عن علي بن بذيمة؟ فقال: صالح الحديث، ولكن كان رأساً في التشيُّع" (٤)، فذكر حسن حديثه مع تشيّعه. ولم يرد عنه ما يبين هل هو غالي أو لا؟ ومنهم فطر بن خليفة المخزومي مولاهم الكوفي (٥): قال عبد الله: "سألت أبي عن فطر بن خليفة، فقال: ثقة صالح الحديث، حديثه حديث رجل كيِّس، إلا أنه يتشيّع" (٦).

стр. 225

وقال عبد الله أيضاً: "قال أبي: كان فطر عند يحيى ثقة، ولكنه خشبي (١) مفرط" (٢). وقال أبو طالب: "وسئل أبو عبد الله عن فطر ومحل، فقال: فطر كان يغلو في التشيع، ومحل قليل الحديث، فطر أكثر حديثاً، ومحل كان مكفوفاً ثقة" (٣). فهذا قد وثقه مع غلوه في التشيع وإفراطه فيه، وصنيعه يدل على أن توثيقه من أجل استقامة حديثه، فإنه كان له حديث كثير، فيمكن سبر مروياته واستبانة أمره في الرواية، فحكم بأن حديثه حديث رجل كيّس. ومنهم عبد الرحمن بن صالح الأزدي (٤): روى الخلال عن يعقوب بن يوسف المطوعي قال: "كان عبد الرحمن ابن صالح الأزدي رافضياً، وكان يغشى أحمد بن حنبل فيقرِّبه ويُدنيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي، فقال: سبحان الله! رجلٌ أحب قوماً من أهل بيت النبي ﷺ نقول له: لا تحبهم؟ هو ثقة" (٥). ويقال في هذا لم يتبين للإمام أحمد حالته في الرفض، وإنما عرفه بصدق

стр. 226

حديثه، ومحبته لأهل بيت النبي ﷺ ، فحكم بموجب ذلك. فهؤلاء وثقهم بناء على حسن حديثهم واستقامته، مع أن في بعضهم غلواً في التشيع، مثل فطر بن خليفة، وكذا تليد. أما تليد فلم يوافق الإمام أحمد على توثيقه، ولعله ممن لم يتبين له أمره، فقد اقتصر على وصفه بالتشيع، مما يدل على أنه لم يتبين له غلوه في ذلك، وقد عرف ذلك غيره. وأما فطر بن خليفة فقد وثقه غير الإمام أحمد كما تقدم، ولم يوصف لدى أحد منهم بالغلو في التشيع، إلا ما جاء عن الإمام أحمد. والذي يظهر أن العبرة فيه استقامة حديثه بغض النظر عن رأيه، فإن ذلك دليل على صدقه وتحريه، ومن أجل ذلك قبل الإمام أحمد حديثه ووثقه ووصف حديثه بأنه حديث رجل كيّس. القدر: أما القدرية فقد وثق ثور بن يزيد الكلاعي (١) وقال: "كان يرى القدر وهو ثقة في الحديث" (٢). وقيل له: إبراهيم بن نافع (٣)؟ قال: "ثقة، وشبل (٤) ثقة … أصحاب ابن أبي نجيح (٥)، ولكن كان رأيهم القدر" (٦).

стр. 227

وقال في بُرد بن سنان (١): "ليس به بأس، ولكن كان يرى القدر، زعموا أنهم طلبوا القدرية بدمشق، ففرّ إلى البصرة فسمع البصريون منه" (٢). وقال في أبي قطن عمرو بن الهيثم البصري (٣): "ما كان به بأس"، وحدث عنه يوماً فقال له رجل: إن هذا بعد ما رجع من عندكم بالبصرة تكلم بالقدر وناظر عليه، فقال أحمد: "نحن نحدث عن القدرية، لو فتشت أهل البصرة وجدت ثلثهم قدرية" (٤). وفي رواية أخرى: قيل لأحمد بن حنبل: سمعت من أبي قطن القدري؟ قال: "لم أره داعية، ولو كان داعية لم أسمع منه" (٥). وقال أبو داود: "قلت لأحمد: يُكتب عن القدري؟ قال: إذا لم يكن داعية" (٦). فيؤخذ من هاتين الروايتين التفريق في القدرية بين الداعية وغيره. والجمع بين هاتين الروايتين وما تقدم عنه في أبي قطن من الإطلاق في

стр. 228

التحديث عن القدرية أن الحاجة إلى الرواية هي التي تقتضي التحديث عنهم في هذه الحالة، وأما ترك الرواية عن الداعية منهم فمن باب هجران المبتدع المعلن بالبدعة. الإرجاء: معنى الإرجاء هو التأخير، وهو على قسمين: تأخير القول في الحكم في تصويب إحدى الطائفتين اللذين تقاتلوا بعد عثمان، ومنهم من أراد تأخير القول في الحكم على من أتى الكبائر وترك الفرائض بالنار، لأن الإيمان عندهم الإقرار والاعتقاد، ولا يضر العمل مع ذلك (١). وذكر شيخ الإسلام أن المرجئة ثلاثة أصناف: فالصنف الأول هم القائلون بأن الإيمان مجرد ما في القلب، ومنهم من يدخل فيه أعمال القلوب كأكثر فرق المرجئة، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم بن صفوان وأتباعه. والصنف الثاني هم القائلون بأن الإيمان مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والصنف الثالث: من يقول الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهو المشهور عن أهل الفقه والعبادة من المرجئة (٢). فمن المرجئة من ترك الإمام أحمد حديثه مثل محمد بن أبان الجُعفي. قال أحمد في رواية أبي طالب: "كان يقول بالإرجاء، وكان رئيساً من رؤسائهم، فترك الناس حديثه من أجل ذلك" (٣). ومنهم من كان ينهى عنه، مثل معلّى بن منصور الرازي (٤). قال ابن هانئ:

стр. 229

"سمعت أبا عبد الله يقول: كان معلّى معانداً، كان مرجئاً، لا يحل لأحد أن يُحدِّث عن معلَّى" (١). وسئل: هل كتبت عنه شيئاً؟ فقال: "لا، ولا حرفاً" (٢). وقال عنه: "كان يحدِّث بما يُوافق الرأي" (٣)، فأشار إلى جرحه في حديثه بالإضافة إلى رأيه. ووثق طائفة أخرى، منهم سالم الأفطس (٤)، وعثمان بن غِياث الراسبي، قال فيه: "ثقة ثبت، ثبت الحديث، إلا أنه كان مرجئاً" (٥). وقال في إبراهيم بن طهمان: "هو صحيح الحديث مقارب إلا أنه كان يرى الإرجاء" (٦). وكتب عن طائفة أخرى، منهم محمد بن مُيسِّر الجعفي، قال فيه: "هو صدوق، ولكن كان مرجئاً، قيل له كتبت عنه؟ قال: نعم" (٧). وظاهر هذه الرواية أنه لا يفرق في المرجئة بين الداعية وغير الداعية، لكن ترك حديث المعاندين منهم، والرؤساء منهم. قد روى أبو داود أنه سمع أحمد يقول: "احتملوا المرجئة في الحديث" (٨). فهنا أطلق ولم يفرق بين الداعية وغيره، ولا بين الغالي وغيره. فيجمع بين هذا وما تقدم عنه من ترك حديث الغالي منهم بأن الترك من باب هجران المبتدع

стр. 230

وإخماد ذكره. لكن روى المرّوذي قال: "سألته عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، كيف هو؟ قال: كان مرجئاً، قد كتبت عنه … وكان أبو عبد الله يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية أو مخاصماً" (١). قال شيخ الإسلام: "وهذا إذا كان رواية أخرى في المرجئة، وإلا فهو إخبار عن حاله نفسه، وليس كل من لم يأخذ عنه هو نهى غيره عنه، ولا منع كون روايته حجة" (٢). ويؤيد كون ذلك رواية أخرى عن الإمام أحمد ما رواه الخطيب من طريق محمد بن عبد العزيز البيوردي قال: "سألت أحمد بن حنبل: أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعياً" (٣). فخالف رواية أبي داود. وقد قال الخلال فيه: روى عن أبي عبد الله مسائل صالحة حِساناً أغرب فيها. ا. هـ (٤). فيحتمل أن تكون هذه من غرائبه، والله أعلم. أما تخريجات أصحاب الإمام أحمد فقال الحافظ ابن رجب: "البدع الغليظة كالتجهم يرد بها الرواية مطلقاً، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء هل تقبل معها الرواية مطلقاً أو ترد عن الداعية؟ على روايتين" (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكلام أحمد يفرّق بين أنواع البدع، ويفرق بين الحاجة إلى الرواية عنهم

стр. 231

وعدمها، كما يفرق بين الداعي والساكت، مع أن نهيه لا يتقضي كون روايتهم ليست بحجة، لما ذكرته من أن العلة الهجران، ولهذا نهى عن السماع من جماعة في زمنه ممن أجاب في المحنة، وأجمع المسلمون على الاحتجاج بهم، وهو في نفسه قد روى عن بعضهم؛ لأنه كان قد سمع منهم قبل الاتبداع، ولم يطعن في صدقهم وأمانتهم، ولا أنكر الاحتجاج بروايتهم، وكذلك الخلال ترك الرواية عن أقوام لنهي المرّوذي، وروى عنهم بعد موته، وذلك أن العلة استحقاق الهَجر عند التارك، واستحقاق الهجر يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، كما ترك النبي ﷺ الصلاة على من أمر أصحابه بالصلاة عليه، وكذلك لما قدم عليه أبو سفيان بن الحارث، وابن أبي أمية أعرض عنهما، ولم يأمر بقية أصحابه بالإعراض عنهما، بل كانوا يكلمونهما، والثلاثة الذين خُلِّفوا لما أمر المسلمين بهجرهم، لم يأمرهم بفراق أزواجهم إلا بعد ذلك، وهذا باب واسع … وما علمت لأحمد كلاماً بالنهي عن جميع أنواع المبتدعة حتى المرجئة إذا لم يكونوا دُعاة، كما يقتضيه تعميم أبي الخطاب، كما أنه في الجهمي لم أقف له بعدُ على تقييد بالداعية" (١). وكلامه هذا في غاية الحسن، رحمة الله عليه. ومما يشهد لكون نهيه عن الرواية لا يقتضي كون روايتهم ليست بحجة، وأن ذلك من باب الهجران أن كثيراً ما يسأله تلاميذه إذا قال في الراوي إنه متروك الحديث: أتركته لهوى فيه؟ فيقول: لا، بل كان منكر الحديث، كما حصل ذلك في كلامه في أبان بن أبي عياش (٢)، وفي الحسن بن عمارة (٣). وعليه فلا يحمل نهيه عن الرواية عن شخص لبدعة فيه على عدم الاحتجاج بروايته إلا إذا

стр. 232

وجدت قرينة تدل على ضعف حديثه. إعلاله لأحاديث الرواة الموصوفين ببدعة فيهم: فمنها: قال مهنا: "سألت أحمد عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام. فقال: ما أغلظ أهل الكوفة على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يصحح الحديث، وقال: تكلم به رجلٌ من الشيعة" (١). لم أقف على هذا الأثر، والشاهد فيه أن الإمام أحمد لم يصححه، لأنه يرجع أصله إلى رواية رجل من الشيعة، ولا يؤتمن على ما يرويه مما يقوي به مذهبه الخبيث. قال الأثرم: "وحدثنا أبو عبد الله بحديث جسر كذا، عن رباح كذا، عن أبي أيوب أنه جاء إلى عليّ ومعه رهط من الأنصار فقالوا: السلام عليك يا مولانا فلما فرغ منه قال: الكوفيون يجيئون بالعجائب" (٢). وهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (٣) قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا حَنَش بن الحارث بن لقيط النخعي الأشجعي، عن رياح بن الحارث قال: جاء رهطٌ إلى علي بالرَّحبَة فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قومٌ عرب. قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يومَ غدير خُمٍّ يقول: "من كنتُ مولاه فإن هذا مولاه"، قال رياح: "فلما مضوا تبعتُهم فسألت: من هؤلاء؟ قالوا: نفرٌ من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري".

стр. 233

ورواه ابن أبي عاصم (١)، والطبراني (٢)، من طريق شريك، عن حنش ابن الحارث به. ورواه الطبراني من وجه آخر عن شريك، عن الحسن بن الحكم، عن رياح بن الحارث به. قال الهيثمي: ورجاله ثقات (٣). وقال الألباني: هذا إسناد جيد رجاله ثقات (٤). وأشار الإمام أحمد إلى استنكاره، فإن قوله: يجيئون بالعجائب إشارة إلى أنه منكر. وأشار إلى أن علة النكارة كونه من رواية الكوفيين وهم معروفون بالتشيّع، وهذا الحديث مما يقوي مذهبهم. ورياح بن الحارث النخعي الكوفي تابعي، سمع علياً وابنه الحسن بن علي. ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي، والذهبي، وابن حجر (٥). ومنها: قال الأثرم: وحدثنا بحديث عبد الملك، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "إني قد تركت فيكم الثقلين". فلما فرغ منه قال: أحاديث الكوفيين هذه مناكير (٦). هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد (٧) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من

стр. 234

السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، إلا أنهما لن يفترقا حتى يرِدا عليّ الحوض". وأخرجه ابن أبي عاصم (١)، وأبو يعلى (٢)، والطبراني (٣). ورواه الإمام أحمد وغيره من طرق أخرى عن عطية العوفي به (٤). وربما استدل بوجود الراوي الموصوف بالبدعة في الإسناد لرد الحديث من وجه آخر، وهو أن يكون متن الحديث يناقض مذهب الراوي، فيستدل بذلك على استبعاد أن يكون قد روى ذلك الحديث، مثال ذلك: قال الخلال: "أخبرنا محمد بن ياسين بن بشير بن أبي طاهر المديني، قال: كتب إليّ إبراهيم بن يماني، أن سل لي أحمد بن حنبل عن حديث رواه عبيد الله ابن موسى، عن الثوري، عن الأجلح، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب معاوية فقد أحبني، ومن أبغض معاوية فقد أبغضني" فكتب إلي أني سألت أحمد فقال: الأجلح يتشيع، كيف يروي مثل هذا؟ وقال: لو رواه شامي لكان، فأما أهل الكوفة فلا" (٥). لم أقف على هذا الحديث، وفي إعلال الإمام أحمد له من هذا الوجه الذي ذكره إبراز لدقة نظره، حيث استدل على براءة ساحة الأجلح من رواية هذا الخبر بأنه حديث جاء في فضل معاوية، ويُستبعد أن يروي مثل هذا راوٍ شيعي مثل الأجلح، لأن المعروف أن الرواة الشيعة يروون ما فيه مدح وفضيلة لأهل البيت عادة، وما فيه ذم ونقيصة لمعاوية وأتباعه. فهو يرى بهذا أن الحديث ليس من

стр. 235

حديث الأجلح، وإنما أخطأ فيه أحد الرواة ممن فوقه فألصقه به خطأ ووهماً. ويبدو أن ذلك ممن دون عبيد الله بن موسى العبسي، لأن عبيد الله أيضاً شيعي، بل غالٍ في التشيع كما سلف، فيبعد أن يرويه للتعليل المذكور نفسه.

стр. 236

المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من الرواية عمن أجاب في محنة خلق القرآن . قال أبو زرعة الرازي: "كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمّار (١)، ولا أبي معمر (٢)، ولا يحيى بن معين، ولا أحد ممن امتحن فأجاب" (٣). وكان الإمام أحمد قد روى عن علي بن المديني، لكنه لم يحدث عنه بعد المحنة. قال عبد الله ـ إثر حديث رواه أحمد من طريق ابن المديني ـ: "وحدثناه أبي عن علي قبل أن يُمتحن بالقرآن" (٤). وتبعه على ذلك تلميذه أبو زرعة الرازي، فذكر ابن أبي حاتم أنه ترك الرواية عن علي بن المديني بعد المحنة، وأما أبو حاتم، فكان يروي عنه لنزوعه عما كان منه. قال أبو زرعة في علي بن المديني: لا نرتاب من صدقه (٥). فهذا يدل على أن ترك الرواية عن هؤلاء ليس من باب عدم الاحتجاج بمروياتهم ولا باب الإنكار لحديثهم، وإنما هو من باب الهجران. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن نهي الإمام أحمد عن الرواية عن الذين أجابوا في محنة

стр. 237

خلق القرآن كان من باب الهجران، وليس من باب إنكار الاحتجاج بروايتهم، فقد أجمع المسلمون على الاحتجاج بهم، وهو في نفسه قد روى عن بعضهم؛ لأنه كان قد سمع منهم قبل الابتداع، ولم يطعن في صدقهم وأمانتهم (١).

стр. 238

الفصل الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بما يُخلُّ بضبطه

стр. 239

المبحث الأول: الإعلال بسوء الحفظ الملازم للراوي . إن أهل الاستقراء لمناهج أئمة هذا الشأن قد قسموا رواة الأخبار من حيث قبول مروياتهم وردها إلى أربعة أقسام (١): القسم الأول: المتهمون بالكذب، الذين لا تجوز الرواية عنهم، والمحكوم على مروياتهم بالوضع والبطلان، وقد سبق الكلام في أحاديث هذا النوع من الرواة. القسم الثاني: من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وغلب على روايته مخالفة روايات أهل الحفظ والرضا، ولا تكاد توافقها، وذلك لغفلته وشدة سوء حفظه، وسيأتي الكلام على هذا القسم في مبحث خاص (٢). القسم الثالث: أهل الصدق والحفظ، والغالب عليهم الاستقامة في الحديث والإتقان لما نقلوا، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل، فهؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وسيأتي الكلام على ما يقع في أحاديثهم من العلل الخفية في باب خاص. القسم الرابع: أهل صدق وحفظ أيضاً، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيراً، لكن ليس هو الغالب عليهم، فهذا القسم هو الذي سيكون الحديث فيهم بالأصالة في هذ المبحث.

стр. 240

وهذا القسم إنما جاء الضعف عليهم من قبل حفظهم، فهو أمر راجع إلى الإخلال بصفة الضبط المشترط توفرها لقبول الأحاديث، فقد كان يقع الاختلاف في حديثهم، فيحدثون مرة هكذا ومرة هكذا، فيضطربون في رواية الحديث الواحد، وما ذلك إلا لأن أهل العلم وحملته فيما مضى كانوا لا يكتبون، ومن كتب منهم إنما كان يكتب لهم بعد السماع، فمع كثرة المرويات وأسانيدها لا بد لمن لم يوصف بقوة الحفظ وشدة التيقظ أن تقع الأغلاط والأخطاء في مروياته، لكن العبرة بالغالب، فمن كان الغالب على حديثه السلامة والاستقامة فهو من أهل الاحتجاج المطلق، ومن كان الغالب على حديثه الغلط والخطأ كان من المتروكين، ومن كان دون ذلك فهو محل التردد. فهذه الصفة ـ أعني سوء الحفظ ـ وجودها في الراوي يعدُّ من أسباب إعلال الأحاديث. ثم هي إما لازمة للراوي أو طارئة عليه، واللازمة له إما مطلقاً، وإما مقيدة بروايته عن بعض شيوخه، أو عن أهل بعض البلدان، أو في رواية أهل بعض البلدان عنه، أو كان ذلك إذا جمع الشيوخ دون ما إذا أفردهم. والطارئ عليه هو الذي يأتي بسبب السنّ ـ وهو الاختلاط ـ أو العمى، أو ذهاب الكتب. وهذا المبحث سيتناول الإعلال بسوء الحفظ الملازم للراوي بأقسامه في مطالب، وأما سوء الحفظ الطارئ على الراوي فستكون دراسته في المبحث الثاني إن شاء الله.

стр. 241

المطلب الأول: سوء الحفظ المطلق والإعلال به عند الإمام أحمد . منهج الإمام أحمد في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ المطلق هو جواز الرواية عنهم وعدم تركهم لسوء حفظهم، لكن إذا انفرد واحد منهم بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، فيكون حديثه ذلك معلولاً غير مقبول. قال الإمام أحمد في محمد بن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا يحتج بحديثه (١). قال الترمذي: "وإنما عنى إذا تفرَّد بالشيء، وأشد ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد، أو نقص، أو غير الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى" (٢). وكذلك قال في علي بن عاصم الواسطي وقد كان يخطئ ويغلط، وكان فيه لِجاج (٣) ـ أي لا يرجع عن الخطأ ـ، ولما ذُكر له خطؤه قال: "كان حماد بن سلمة يخطئ، وأومأ أحمد بيده: خطأ كثيراً، ولم ير بالرواية عنه بأساً" (٤). فكان يقول فيه: "يُكتب حديثه، أخطأ؟ يترك خطؤه ويكتب صوابه، قد أخطأ غيرُه" (٥). وكذلك حدث عن أبي سعيد مولى بني هاشم ولم يترك حديثه، وقد قال فيه: "كان كثير الخطأ" (٦). وإنما يعرف خطأ الراوي بعدم موافقة الحفاظ له (٧)، أو أن يأتي بشيء يخالفهم (٨)، وهو الذي يقع في غالب ما تفرد به هذا الصنف من الرواة.

стр. 242

كتابة أحاديثهم للاعتبار: وربما كتب الإمام أحمد حديث هؤلاء للاعتبار، فيقوي بروايتهم رواية أهل الصدق والحفظ، ويستدل بها لإزالة التفرد عنهم. فقد أثبت الإمام أحمد رفع رواية معمر لحديث جابر في الشفعة الذي أوقفه مالك، واستدل لذلك برواية صالح بن أبي الأخضر الموافقة لرواية معمر فقيل له: "وصالحٌ يُحتج به؟ قال: يُستدل به ويُعتبر به" (١). وقد نقل المرُّوذي عن الإمام أحمد أنه لم يرض صالح بن أبي الأخضر، لأنه حدث بأحاديث ثم قال: لم أسمعها (٢)، وأكثر الأئمة على تضعيفه (٣). وقال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: أبو معشر المديني يكتب حديثه؟ فقال: عندي حديثه مضطرب، لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به" (٤). فقد ضعف الإمام أحمد أبا معشر المديني ـ وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي ـ لاضطرابه وكونه لا يقيم الإسناد، وهذه دلالة على سوء حفظه، وكتب حديثه للاعتبار. وقال أحمد في رواية ابن القاسم (٥) في عبد الله بن لهيعة: "ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أكتب حديث الرجل كأن أستدلُّ به مع حديث غيره يَشدُّه، لا أنه حجة إذا انفرد" (٦).

стр. 243

وضابطه في ذلك أن الحديث إذا لم يكن منكراً، فإنه يستفاد بروايته لأنه قد يحتاج إليه، يدل على ذلك مقولته المشهورة: قال ابن هانئ: "فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبداً منكر. قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يُحتاج إليهم في وقت، كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأساً" (١). قبول أحاديثهم في الرقائق: وجاء عن الإمام أحمد أيضاً ما يدل على أنه يقبل حديث هذا الصنف من الرواة الضعفاء بسوء الحفظ في الرقائق، حتى وإن كثر خطؤهم لسوء حفظهم وغفلتهم. فقد ضعّف الإمام أحمد رشدين بن سعد المصري، وقدّم ابن لهيعة عليه (٢)، وقد كان موصوفاً بالغفلة (٣) فقال الإمام أحمد فيه: "ليس به بأس في الأحاديث الرقاق" (٤). وفيما يلي نماذج من إعلال الإمام أحمد لأحاديث من وصفهم بسوء الحفظ لتفردهم بها: يزيد بن أبي زِياد: قال عبد الله: سألت أبي عن حديث البراء بن عازب في الرفع فقال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، قال:

стр. 244

سمعت ابن أبي ليلى يقول: سمعت البراء يحدث قوماً فيهم كعب بن عجرة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ حين فتح الصلاة رفع يديْه، قال أبي: وكان سفيان بن عيينة يقول: سمعناه من يزيد هكذا، قال سفيان: ثم قدِمتُ الكوفة قدمة فإذا هو يقول: ثم لم يَعُد. حدثني أبي عن محمد بن عبد الله بن نميْر قال: نظرت في كتاب ابن أبي ليلى فإذا هو يرويه عن يزيد بن أبي زياد قال أبي: وحدثناه وكيع سمعه من ابن أبي ليلى، عن الحكم وعيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أبي يذكر حديث الحكم وعيسى يقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد كما رآه ابن نمير في كتاب بن أبي ليلى قال أبي: ابن أبي ليلى كان سيء الحفظ ولم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ (١). وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت أحمد بن حنل عن هذا الحديث فقال: لا يصح عنه هذا الحديث (٢). حديث البراء بن عازب يرويه يزيد بن أبي زياد، وقد اضطرب فيه كما أشار إليه الإمام أحمد، فرواه شعبة كما ذكره أحمد في هذه الرواية عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ حين فتح الصلاة رفع يديه، ورواه من هذا الطريق الفسوي (٣)، والدارقطني (٤)، كلاهما من طريق شعبة بمثل هذا اللفظ. وكذلك رواه هشيم (٥)، والثوري (٦)، وأسباط

стр. 245

ابن محمد (١)، وخالد بن عبد الله (٢)، وصالح بن عمر (٣)، وحمزة الزيات (٤)، وجرير الضبي (٥)، وعبد الله بن إدريس (٦)، والجراح والد وكيع (٧) كلهم بمثل لفظ حديث شعبة. وخالفهم شريك (٨)، وإسماعيل بن زكريا (٩) كلاهما عن يزيد بن أبي زياد به وزادا: ثم لا يعود. ورواه سفيان بن عيينة عن يزيد بمثل اللفظ الأول ثم قال

стр. 246

ابن عيينة: فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به فزاد: ثم لا يعود، فظننت أنهم لقّنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه أو ساء حفظه. ا. هـ (١). ورواه علي بن عاصم (٢) عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى بهذا الإسناد وقال: ثم لم يعد، قال علي: فلما قدمت الكوفة قيل لي إن يزيد حي، فأتيته فحدثني بهذا الحديث فقال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة فكبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أُذنيه فقلت له: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد قال: لا أحفظ هذا، فعاوته فقال: ما أحفظه. رواه الدارقطني (٣). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بيزيد بن أبي زياد وقال: يزيد ليس بالحافظ، يشير إلى سبب علة الحديث وهو سوء حفظ يزيد، وقلة ضبطه، وقد ظهر ذلك جلياً في روايته لهذا الحديث حيث اضطرب فيه، فكان يرويه قديماً ولا يقول: ثم لا يعود، ثم حدث به بعد وزاد: ثم لا يعود، ثم لما سئل عن الزيادة قال إنه لم يحفظها. ولم يحمل الإمام أحمد اضطرابه هذا على الاختلاط، إذ لم يرد عنه أنه نسب يزيد إلى الاختلاط كما فعله ابن عيينة (٤)، بل يزيد بن أبي زياد كان عنده في الأصل ضعيفاً

стр. 247

من أجل سوء الحفظ. قال عبد الله: قال أبي: يزيد بن أبي زياد حديثه ليس بذاك (١). وقال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: يزيد بن أبي زياد أحب إليك أو ليث هو ابن أبي سُليم؟ قال أحمد: يزيد عنه اختلاف، مرة طاووس، مرة مِقسَم، مرة مجاهد (٢). وروى ابن حبان عن أحمد أنه سئل عن يزيد بن أبي زياد فضعفه وحرك رأسه (٣). ويوافق موقفَ الإمام أحمد من يزيد موقفُ غيرِ واحدٍ من الحفاظ منهم شعبة، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة (٤). وذكر الإمام مسلم يزيد بن أبي زياد في القسم الثاني من الروة الذين لا يوصفون بالحفظ والإتقان وإن كان اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم (٥). وقد روى البيهقي عن الحاكم بإسناده عن يحيى بن محمد بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهي قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يذكر فيه: ثم لا يعود، فلما لُقن أخذه فكان يذكر فيه (٦). فأشار الإمام أحمد إلى أن يزيد لقّن هذا الحرف، وقبول التلقين لا يختص بالمختلطين.

стр. 248

ومما أنكره الإمام أحمد على يزيد بن أبي زياد حديثه في الرايات السود: قال العقيلي: حدثنا عبد الله، قال: سمعت أبي يقول: حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ليس بشيء يعني حديث يزيد بن أبي زياد، قلت لعبد الله: الرايات السود؟ قال: نعم (١). قال العقيلي: وهذا الحديث حدثناه محمد بن إسماعيل حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا خلف عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن عبد الله قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ جاءه فتيةٌ من قريْش فتغيّر لونه فقلنا: يا رسول الله إنا لا نزال نرى في وجهك الشيء تكرهه، قال: "إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيَلقَون بعدي تطريداً وتشريداً حتى يجيء قوم من ها هنا ـ وأومأ بيده نحو المشرق ـ وأصحاب رايات سود يسألون الحق ولا يُعطَونه مرتين أو ثلاثاً فيُقاتلون فيُعطَون ما سألوا فلا يقبلون حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي يملأها عدلاً كما مُلِئتْ ظلماً وجوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتها ولو حبواً على الثلج" (٢). وقد روى هذا الحديث ابن ماجه (٣)، ونعيم بن حماد (٤)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٥)، وأبو يعلى (٦)، وابن أبي عاصم (٧) والشاشي (٨)، والبزار (٩)، والطبراني (١٠)،

стр. 249

وابن عدي (١)، والحاكم (٢)، وأبو عمرو الداني (٣) كلهم من طرق عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم ـ وهو النخعي ـ عن علقمة بن قيس النخعى، عن ابن مسعود به. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث أعل الإمام أحمد هذا الحديث فقال: ليس بشيء، وهذا منه ﵀ رد للحديث من أصله، وعدم الاعتداد به، والذي يظهر أن ذلك منبي على تفرد يزيد بن أبي زياد به، ولا يحتج بما ينفرد به لسوء حفظه. وقد ذكر البزار بعد رواية الحديث من طريق الحكم عن إبراهيم، أن هذا الحديث إنما يعرف من حديث يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم (٤). وقد روي الحديث من طرق عن إبراهيم غير طريق يزيد بن أبي زياد، ذكرها الدارقطني في العلل (٥)، وهذه الطرق هي طريق الحكم، عن إبرهيم، وطريق عمارة بن القعقاع عن إبراهيم. أما طريق الحكم فرواه عنه عمرو بن قيس الملائي (٦) من رواية يزيد بن محمد الثقفي، عن حنان ابن سدير (٧) فقال: عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس وعبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود. أخرجه الحاكم (٨). وقال غيره عن حنان، عن عمرو بن قيس، عن الحكم، عن عبيدة، عن عبد الله. وقيل عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. ذكرهما الدارقطني في العلل. وقيل عن حنان،

стр. 250

عن عمرو بن قيس، عن الحسن ـ وهو البصري ـ عن عبيدة، عن عبد الله (١). ورواه داهر بن يحيى الرازي عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله. ذكره أيضاً الدارقطني. ورواه عبد الله بن داهر عن أبيه، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أخرجه البزار (٢). وعبد الله بن داهر قال عنه ابن معين: ليس بشيء ما يكتب عنه إنسان فيه خير. وقال العقيلي: رافضي خبيث (٣). وأبوه قال فيه العقيلي: رافضي يغلو في الرفض ولا يتابع على حديثه (٤). وأما طريق عمارة بن القعقاع فرواه الطبراني (٥)، والخطيب (٦) من طريقين عن محمد بن فضيل، عن المغيرة بن مقسم، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله به. قال الدارقطني بعد ذكره لهذا الطريق: هو أصحها ـ يعني حتى من طريق يزيد ابن أبي زياد (٧) ـ. وهذا واضح، فإن عمارة بن القعقاع ثقة (٨)، وأما طريق الحكم ففيه اختلاف واضح يشعر بضعفه، ثم لا يخلوا الطريق من شيعي أو رافضي، وأما طريق يزيد بن أبي زياد فمن أجله ردّ الإمام أحمد
следующие страницы →