← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ابن عيينة: فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به فزاد: ثم لا يعود، فظننت أنهم لقّنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه أو ساء حفظه. ا. هـ (١). ورواه علي بن عاصم (٢) عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى بهذا الإسناد وقال: ثم لم يعد، قال علي: فلما قدمت الكوفة قيل لي إن يزيد حي، فأتيته فحدثني بهذا الحديث فقال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة فكبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أُذنيه فقلت له: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد قال: لا أحفظ هذا، فعاوته فقال: ما أحفظه. رواه الدارقطني (٣). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بيزيد بن أبي زياد وقال: يزيد ليس بالحافظ، يشير إلى سبب علة الحديث وهو سوء حفظ يزيد، وقلة ضبطه، وقد ظهر ذلك جلياً في روايته لهذا الحديث حيث اضطرب فيه، فكان يرويه قديماً ولا يقول: ثم لا يعود، ثم حدث به بعد وزاد: ثم لا يعود، ثم لما سئل عن الزيادة قال إنه لم يحفظها. ولم يحمل الإمام أحمد اضطرابه هذا على الاختلاط، إذ لم يرد عنه أنه نسب يزيد إلى الاختلاط كما فعله ابن عيينة (٤)، بل يزيد بن أبي زياد كان عنده في الأصل ضعيفاً

стр. 247

من أجل سوء الحفظ. قال عبد الله: قال أبي: يزيد بن أبي زياد حديثه ليس بذاك (١). وقال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: يزيد بن أبي زياد أحب إليك أو ليث هو ابن أبي سُليم؟ قال أحمد: يزيد عنه اختلاف، مرة طاووس، مرة مِقسَم، مرة مجاهد (٢). وروى ابن حبان عن أحمد أنه سئل عن يزيد بن أبي زياد فضعفه وحرك رأسه (٣). ويوافق موقفَ الإمام أحمد من يزيد موقفُ غيرِ واحدٍ من الحفاظ منهم شعبة، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة (٤). وذكر الإمام مسلم يزيد بن أبي زياد في القسم الثاني من الروة الذين لا يوصفون بالحفظ والإتقان وإن كان اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم (٥). وقد روى البيهقي عن الحاكم بإسناده عن يحيى بن محمد بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهي قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يذكر فيه: ثم لا يعود، فلما لُقن أخذه فكان يذكر فيه (٦). فأشار الإمام أحمد إلى أن يزيد لقّن هذا الحرف، وقبول التلقين لا يختص بالمختلطين.

стр. 248

ومما أنكره الإمام أحمد على يزيد بن أبي زياد حديثه في الرايات السود: قال العقيلي: حدثنا عبد الله، قال: سمعت أبي يقول: حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ليس بشيء يعني حديث يزيد بن أبي زياد، قلت لعبد الله: الرايات السود؟ قال: نعم (١). قال العقيلي: وهذا الحديث حدثناه محمد بن إسماعيل حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا خلف عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن عبد الله قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ جاءه فتيةٌ من قريْش فتغيّر لونه فقلنا: يا رسول الله إنا لا نزال نرى في وجهك الشيء تكرهه، قال: "إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيَلقَون بعدي تطريداً وتشريداً حتى يجيء قوم من ها هنا ـ وأومأ بيده نحو المشرق ـ وأصحاب رايات سود يسألون الحق ولا يُعطَونه مرتين أو ثلاثاً فيُقاتلون فيُعطَون ما سألوا فلا يقبلون حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي يملأها عدلاً كما مُلِئتْ ظلماً وجوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتها ولو حبواً على الثلج" (٢). وقد روى هذا الحديث ابن ماجه (٣)، ونعيم بن حماد (٤)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٥)، وأبو يعلى (٦)، وابن أبي عاصم (٧) والشاشي (٨)، والبزار (٩)، والطبراني (١٠)،

стр. 249

وابن عدي (١)، والحاكم (٢)، وأبو عمرو الداني (٣) كلهم من طرق عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم ـ وهو النخعي ـ عن علقمة بن قيس النخعى، عن ابن مسعود به. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث أعل الإمام أحمد هذا الحديث فقال: ليس بشيء، وهذا منه ﵀ رد للحديث من أصله، وعدم الاعتداد به، والذي يظهر أن ذلك منبي على تفرد يزيد بن أبي زياد به، ولا يحتج بما ينفرد به لسوء حفظه. وقد ذكر البزار بعد رواية الحديث من طريق الحكم عن إبراهيم، أن هذا الحديث إنما يعرف من حديث يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم (٤). وقد روي الحديث من طرق عن إبراهيم غير طريق يزيد بن أبي زياد، ذكرها الدارقطني في العلل (٥)، وهذه الطرق هي طريق الحكم، عن إبرهيم، وطريق عمارة بن القعقاع عن إبراهيم. أما طريق الحكم فرواه عنه عمرو بن قيس الملائي (٦) من رواية يزيد بن محمد الثقفي، عن حنان ابن سدير (٧) فقال: عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس وعبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود. أخرجه الحاكم (٨). وقال غيره عن حنان، عن عمرو بن قيس، عن الحكم، عن عبيدة، عن عبد الله. وقيل عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. ذكرهما الدارقطني في العلل. وقيل عن حنان،

стр. 250

عن عمرو بن قيس، عن الحسن ـ وهو البصري ـ عن عبيدة، عن عبد الله (١). ورواه داهر بن يحيى الرازي عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله. ذكره أيضاً الدارقطني. ورواه عبد الله بن داهر عن أبيه، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أخرجه البزار (٢). وعبد الله بن داهر قال عنه ابن معين: ليس بشيء ما يكتب عنه إنسان فيه خير. وقال العقيلي: رافضي خبيث (٣). وأبوه قال فيه العقيلي: رافضي يغلو في الرفض ولا يتابع على حديثه (٤). وأما طريق عمارة بن القعقاع فرواه الطبراني (٥)، والخطيب (٦) من طريقين عن محمد بن فضيل، عن المغيرة بن مقسم، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله به. قال الدارقطني بعد ذكره لهذا الطريق: هو أصحها ـ يعني حتى من طريق يزيد ابن أبي زياد (٧) ـ. وهذا واضح، فإن عمارة بن القعقاع ثقة (٨)، وأما طريق الحكم ففيه اختلاف واضح يشعر بضعفه، ثم لا يخلوا الطريق من شيعي أو رافضي، وأما طريق يزيد بن أبي زياد فمن أجله ردّ الإمام أحمد

стр. 251

الحديث. يبقى النظر في رواية عمارة بن القعقاع عن إبراهيم، وذلك أن عمارة ليس مشهوراً بالراوية عن إبراهيم حيث لم يذكره المزي من تلاميذه وإن ورد عن الترمذي ما يدل على سماعه منه (١)، وكذلك الراوي عن محمد بن فضيل ـ وهو عبد الرحمن بن عمرو الحراني ـ لا يحتمل تفرده بمثل هذا الحديث، وقد خالفه نعيم بن حماد الخزاعي (٢)، وموسى بن داود (٣) فرويا الحديث عن محمد بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد كما رواه الثقات عن يزيد، وهما أشهر بطلب العلم من عبد الرحمن الحراني، وكل هذا يدل على عدم الاعتداد برواية عمارة بن القعقاع، والله أعلم. فقد عاد الأمر إلى تفرد يزيد بن أبي زياد بهذا الحديث، وهو ممن لا يحتج أحمد بما تفرد به فاتضح أن الحديث غير معتدّ به عنده. وقد أبدى أبو أسامة ـ وهو من شيوخ الإمام أحمد ـ وجهاً آخر لرد الحديث فقال أبو قدامة كما رواه العقيلي: "سمعت أبا أسامة يقول في حديث يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله في الرايات السود فقال: لو حلف عندي خمسين يميناً قسامة ما صدقته، أهذا مذهب إبراهيم! أهذا مذهب علقمة! أهذا مذهب عبد الله! " (٤). فنقد الحديث من جهة متنه، وهو مخالفته للمعروف من هدي إبراهيم، وعلقمة، وعبد الله بن مسعود إذ كانوا يمنعون

стр. 252

الخروج على من استبدّ بالأمر. قال الذهبي ـ معلقاً على كلام أبي أسامة ـ: "معذور والله أبو أسامة، وأنا قائل كذلك، فإن من قبله ومن بعده أئمة أثبات، فالآفة منه عمداً أو خطأ" (١). وقال في تلخيص المستدرك إنه حديث موضوع (٢). وقد ورد ما يشهد لبعض ألفاظ الحديث من حديث ثوبان ﵁، أخرجه الإمام أحمد عن وكيع، عن شريك، عن علي بن زيد ـ وهو ابن جدعان ـ عن أبي قلابة عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قِبل خُراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي" (٣). وعدّه البيهقي والذهبي من منكرات علي بن زيد (٤). وقد خالفه خالد الحذاء عن أبي قلابة (٥)، إلا أنه اختلف عليه بالرفع والوقف. وذكر الإمام أحمد أنه قيل لابن علية في هذا الحديث فقال: كان خالد يرويه فلم يلتفت إليه، ضعف ابن علية أمره، قال عبد الله: يعني حديث خالد عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان عن النبي ﷺ في الرايات (٦). فالظاهر أن الإمام أحمد لم يعتد بهذا الشاهد أيضاً (٧).

стр. 253

وورد أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "يخرج من خراسان راياتٌ سودٌ لا يردُّها شيء حتى تُنصب بإيلياء" رواه الترمذي (١)، وأحمد (٢)، والطبراني (٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤). تفرد به رشدين بن سعد، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن قبيصة، عن أبي هريرة به. ورشدين بن سعد قال فيه ابن معين: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه غير واحد (٥). وقال الجوزجاني: عنده مناكير كثيرة (٦). فتفرد هذا بحديث من حديث الزهري لا يروى إلا من طريقه مما لا يحتمل. وقد رواه البيهقي عن كعب الأحبار قوله، وفي سنده جهالة ومع ذلك رجحه على المرفوع (٧). فهذا أيضاً لا يصلح شاهداً. وورد أيضاً من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مرفوعاً: "يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي ـ يعني سلطانه" أخرجه ابن ماجه (٨)، والطبراني (٩). وفي سنده عمرو بن جابر وهو الحضرمي، قال أحمد: بلغني أنه كان

стр. 254

يكذب (١). وقال ابن حبان: كان سحابياً ـ يزعم أن علياً في السحاب (٢). وقال ابن عدي: كان الناس برمونه من وجهين جميعاً: من قوله في علي ومن ضعفه في رواياته (٣). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن جابر وهو كذاب. ا. هـ (٤). فهذا أيضاً لا يصلح أن يستشهد به. هذا وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: سألت عبد الرحمن بن مهدي: أي حديث أصح في المهدي؟ قال: أصح شيء فيه عندي حديث أبي معبد عن ابن عباس (٥). وهذا يتضمن عدم تصحيحه لما سواه من الحديث. يحيى بن أيوب الغافقي: قال عبد الله: سئل أبي وأنا أسمع: عن حيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب فقال: حيوة أعلى القوم، ثقة … وكان يحيى بن أيوب سيء الحفظ وهو دون هؤلاء (٦). ونقل الساجي عن أحمد أنه كان يخطئ خطأً كثيراً (٧). قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يحي بن أيوب المصري، فقال:

стр. 255

كان يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر الحديث، فقال: ها، من يحتمل هذا، وقال مرة: كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا، وأنكر حديث يحيى خاصة (١). هذا الحديث رواه الطحاوي (٢)، والعقيلي (٣)، وابن حبان (٤)، وابن عدي (٥)، والدارقطني (٦)، والحاكم (٧)، والبيهقي (٨) من طرق عن يحيى بن أيوب المصري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة به، ولفظه: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الركعتين اللتين كان يوتر بعدهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ويقرأ في التي في الوتر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام بتفرد يحيى بن أيوب المصري برواية هذا الحديث من حديث عائشة، وجعل هذا شاهداً على سوء حفظه، فقال: "ها، من يحتمل هذا" وتوضيح ذلك أن كل من فوقه من المكثرين في الرواية، فيبعد أن يكون الحديث عندهم ولا يعرفه ألصق الناس بهم وأعرفهم بمروياتهم، فتفرده عنهم وعدم

стр. 256

مشاركة بعض الرواة له في رواية الحديث يقضي بخطئه ويدل على خفة ضبطه لما تحمله عن شيوخه. ومما يؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد ما رواه الخلال في العلل بإسناده عن ابن أبي مريم قال: "أخبرني عثمان بن الحكم (١) ـ وكان من أفضل من بمصر ـ قال: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث فقال: لا أعرفه ـ يعني حديث الوتر" (٢). ورواه ابن عدي من طريق آخر عن ابن أبي مريم وفيه: "فلم يعرفه وأنكره" (٣). فإنكار يحيى بن سعيد الأنصاري للحديث ـ وهو شيخ يحيى بن أيوب في إسناد الحديث ـ علة يعل بها روايته، ويستدل بها على سوء حفظه، وهو ما أشار إليه الإمام أحمد. وقد رُوي الحديث من وجهين آخرين عن عائشة: الأول: رواه محمد بن سلمة، عن خُصيف، عن عبد العزيز بن جُريج، قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان يُوتِر رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان يقرأُ في الركعة الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعوِّذتين. رواه أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وابن ماجه (٦)، والحاكم (٧)، ومن طريقه البيهقي (٨). وفي الإسناد

стр. 257

خُصيف، هو ابن عبد الرحمن الجزري. قال عنه أحمد: ليس بحجة ولا قوي في الحديث. وعنه: ضعيف الحديث. ووثقه ابن سعد وأبو زرعة وغيره. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يعتبر به يهم (١). وعبد العزيز بن جريج هو والد ابن جريج. قال البخاري: لا يتابع في حديثه (٢). ولم يلق عائشة، قاله أحمد (٣)، وقال ابن حبان: روى عن عائشة ولم يسمع منها (٤). وقد وقع التصريح في هذا الحديث بسماعه من عائشة، قال الترمذي: سماع عبد العزيز من عائشة خطأ (٥). وكذلك العلائي لم يعتمد هذا التصريح (٦). ولعل هذا ما جعل ابن جريج يرسل الحديث عن عائشة، فرواه عبد الرزاق عنه قال: أُخبرتُ عن عائشة فذكره (٧). وقد قال الدارقطني: يترك هذا الحديث (٨). الثاني: رواه حيوة بن شريح، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، ذكره العقيلي بإسناده في ترجمة سليمان بن حسان المصري وأعله به، وقال: لا يتابع على حديثه (٩). وذكر الحافظ ابن حجر أنه رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل (١٠). وسليمان بن حسان قال عنه أبو حاتم: صحيح

стр. 258

الحديث (١)، وذكره ابن حبان في الثقات (٢). لكن يبقى النظر هل يحتمل تفرد هذا عن عروة بن الزبير، وهو الأمر الذي أشار إليه العقيلي بقوله: لا يتابع على حديثه. قال العقيلي: وقد روي عن ابن عباس، وأبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وإسناديهما كذا أصلح من هذين، على أن في حديث أبي بن كعب اختلاف كذا، وحديث ابن عباس صالح الإسناد. ا. هـ (٣). وممن أنكر زيادة المعوذتبين غير الإمام أحمد الإمام يحيى بن معين، قاله ابن الجوزي (٤). حديث آخر ليحيى بن أيوب: قال الخلال: أخبرنا زكريا بن يحيى: نا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن حديث ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: نهى النبي ﷺ عن شرى المُغنِّيَّات؟ قال: يحيى بن أيوب ضعيف، كان يخطئ كثيراً (٥). أخرج هذا الحديث الطبراني من طريق سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب به مرفوعاً بلفظ: "لا يحل شِرى المُغَنيَّات ولا بيعُهن ولا تجارةٌ فيهن وثَمنُهن حرامٌ" وتلا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ

стр. 259

عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] الآية (١). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله بيحيى بن أيوب لضعفه الراجع إلى سوء حفظه، أعله به مع أنه لم يتفرد بالحديث، وفي السند من هو أضعف منه. فأما من روى الحديث متابعاً ليحيى بن أيوب فهم جماعة: وهم: خلاد الصفار (٢)، ومطرّح بن يزيد (٣)، وبكر بن مضر (٤)، وليث ابن أبي سليم (٥). ورواه فرج بن فضالة عن علي بن يزيد به (٦) فتابع عبيد الله بن زحر، وهي متابعة قاصرة ليحيى بن أيوب. وكذلك توبع عن القاسم أيضاً: حيث

стр. 260

رواه يحيى بن الحارث عن القاسم (١)، وهي رواية غير صالحة للاعتبار بها لعدم صحة الإسناد إلى يحيى بن الحارث (٢). أما وفي الإسناد من هو أضعف من يحيى فيظهر ذلك بالرجوع إلى من فوقه: وهو عبيد الله بن زحر (٣)، عن علي بن يزيد (٤)، عن القاسم بن عبد الرحمن (٥)، وهذه سلسلة روي بها أحاديث مناكير تكلم عليها الإمام أحمد وجعل ذلك من قبل القاسم. قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: القاسم أبو عبد الرحمن، هو ابن عبد الرحمن، هو مولى لعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية. قال: يُروى له أحاديث مناكير، كان جعفر بن الزبير أولاً رواها بالبصرة، فترك الناس حديثه، ثم جاء بشر بن نُمير فروى بعض تلك الأحاديث، فترك أهل البصرة حديثه … يجيئنا بعد من عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد" (٦).

стр. 261

وقال عبد الله: "سمعت أبي يقول: وذكر القاسم أبا عبد الرحمن، فقال: قال بعض الناس: هذه الأحاديث المناكير التي يرويها عنه جعفر بن زبير، وبشر بن نمير، ومطرح قال أبي: علي بن يزيد من أهل دمشق حدّث عنه مطرح، ولكن يقولون هذه من قبل القاسم، في حديث القاسم مناكير مما يرويها الثقات يقولون من قبل القاسم" (١). وقال الأثرم: سمعت أحمد حمل على القاسم وقال: "يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكلم فيها، وقال: ما أرى هذا إلا من قبل القاسم" (٢). وقال جعفر بن أبان: سمعت أحمد بن حنبل وذُكر القاسم مولى يزيد بن معاوية فقال: منكر الحديث، ما أرى البلاء إلا من قبل القاسم. ا. هـ (٣). وتكلم ابن حبان على هذه السلسلة أيضاً، قال: "وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على الأحوال أوْلى" (٤). وبعد هذا يتضح أن ما ذكره الإمام أحمد في هذه المسألة من إعلال الحديث بيحيى بن أيوب الغافقي مع وجود هذه السلسلة التي قد تكلم عليها وجعل الحمل فيها على القاسم بن عبد الرحمن يدل على أنه لم يستحضر كلامه عليه حين سئل عن الحديث، وأما الإمام البخاري فجعل الحمل على الراوي عن القاسم وهو علي ابن يزيد الألهاني، لأنه وثق كلاً من عبيد الله بن زحر، والقاسم بن عبد الرحمن،

стр. 262

وجرّح علي بن يزيد فتعين أن الحمل عليه، وكلام أبي حاتم يحتمل ذلك أيضاً (١). محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: قال عبد الله: "سألته ـ أي أحمد ـ عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فقال: مضطرب الحديث. قال أبي: فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مضطرب الحديث سيء الحفظ" (٣). وعن أحمد بن أصرم المزني (٤): "سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن أبي ليلى مضطرب الحديث جداً" (٥). وقال أحمد بن حفص السعدي عن أحمد بن حنبل: "ابن أبي ليلى ضعيف، وعن عطاء أكثر خطأ" (٦). قال العقيلي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي، قال: سمعت أحمد بن حنبل احتج بحديث ابن أبي ليلى؟ فقال: لا، قال: وسألته عن حديث ابن أبي ليلى حديث البراء أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم

стр. 263

لا يعود، فقال: ليس هذا بشيء، قد رواه وكيع عن ابن ليلى، فيكون مثل هذا عن الحكم ولا يرويه الناس عن الحكم! (١). هذا الحديث قد سبق وأن أشار إليه الإمام أحمد في كلامه على يزيد بن أبي زياد المتقدم، وقال: روى وكيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى ابن أبي ليلى، والحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء فذكره، وقد رواه من هذا الوجه أبو داود (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، وأبو يعلى (٤)، والطحاوي (٥)، وذكره البخاري تعليقاً في "جزء رفع اليدين" (٦). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بسوء حفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال ابن أبي ليلى سيء الحفظ (٧). وبيّن خطأه من وجهين: الأول: ذكر الإمام أحمد أن محمد بن عبد الله بن نمير قد رأى كتاب محمد

стр. 264

ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ورأى أنه يروي الحديث عن يزيد بن أبي زياد لا عن عيسى والحكم، يعنى أنه حدّث بالحديث من حفظه فحدّث به مخالفاً لما في أصل كتابه لسوء حفظه. قال البخاري: وإنما روى ابن أبي ليلى هذا من حفظه، فأما من حدّث عن ابن أبي ليلى من كتابه فإنه عن ابن أبي ليلى عن يزيد فرجع الحديث إلى تلقين يزيد (١). وهذا الوجه هو الذي ورد ذكره في رواية عبد الله المتقدمة. الثاني: أن الحديث لو كان عند الحكم بن عتيبة لرواه الناس عنه، فلا يحتمل تفرد محمد بن أبي ليلى عنه لسوء حفظه. وذكر هذا الوجه العقيلي عن الحسن بن علي عن أحمد كما في هذه المسألة. وفائدة هذا الإعلال أن رواية ابن أبي ليلى هذه لا تصلح للاعتبار بها، فلا يقال إن عيسى بن أبي ليلى، والحكم بن عتيبة قد تابعا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حتى يتقوى الحديث بذلك، لأن الخطأ فيها متحقق. عطاء بن مسلم الخفاف: قال المرُّوذي: قلت تعرف عن عطاء بن مسلم الخفاف عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "يحشر المتكبرون في صور الذُّر يطأهم الناس"، فأنكره وقال: ما أعرفه، عطاء بن مسلم مضطرب الحديث (٢). هذا الحديث أخرجه البزار قال: حدثنا محمد بن عثمان العقيلي، حدثنا محمد بن راشد، عن محمد بن عمر كذا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. وقال البزار: لم أسمعه إلا من العقيلي عن محمد بن راشد (٣). قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه (٤).

стр. 265

وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد على ما ذكره المباركفوري (١). وينظر في سنده. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بالنكارة، لأنه من رواية عطاء بن مسلم الذي وصفه بأنه مضطرب الحديث، وهذا أمر ناشئ من سوء الحفظ، وفي قوله في الجواب: ما أعرفه، إشارة إلى تفرد عطاء بن مسلم بالحديث، لأنه نفى معرفته بالحديث من غير طريقه، وكونه مع سوء حفظه يتفرد بحديث من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ولا يعرف إلا من طريقه، مع شهرة هذا الإسناد وكثرة دواعي الناس إلى روايته دليل على نكارة الحديث، فأنكره الإمام أحمد من أجل هذا، والله أعلم. وعطاء بن مسلم وثقه ابن معين في رواية الدارمي (٢)، وقال في رواية معاوية بن صالح: ليس به بأس، وأحاديثه منكرات (٣). وقال أبو حاتم: كان شيخاً صالحاً، وكان دفن كتبه وليس بقوي فلا يثبت حديثه. وقال أبو زرعة: دفن كتبه ثم روى من حفظه فيهم فيه، وكان رجلاً صالحاً (٤). وقال أبو داود: ضعيف. وقال الطبراني: تفرد بأحاديث (٥). وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به (٦). وقال ابن حبان: كان شيخاً صالحاً، دفن كتبه ثم جعل يحدث، فكان يأتي بالشيء على التوهم فيخطيء، فكثر المناكير في أخباره وبطل

стр. 266

الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات (١). من نهى عن الكتابة عنهم وأمر بالضرب على حديثهم: فمنهم: موسى بن عُبيدة الربذي: قال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا يكتب حديث موسى بن عُبيدة، ولم أخرج عنه شيئاً، حديثه منكر (٢). وقال البخاري: قال أحمد بن حنيل: هو منكر الحديث (٣). وقال أبو داود: سمعت أحمد غير مرة يقول: موسى بن عُبيدة ليس بشيء (٤). وقال عباس الدوري سمعت أحمد يقول: أما موسى بن عُبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدّث بأحاديث منكرة عن عبد الله بن دينار … أما إذا جاء الحلال أردنا قوماً هكذا، فضمّ عباس على أصابع يديه الأربع من كل يدٍ ولم يضمّ الإبهام (٥). وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: موسى بن عبيدة لا يُشتغل به، وذلك أنه يروي عن عبد الله بن دينار شيئاً لا يرويه الناس (٦). وقال أبو طالب أحمد بن حميد: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل لما مر حديث موسى بن عُبيدة عن محمد بن كعب عن ابن عباس، قال: هذا متاع موسى بن عُبيدة وضمَّ فمَه وعوَّجه ونفض يدَه وقال: كان لا يحفظ الحديث (٧).

стр. 267

قال الفضل بن زياد: وسمعت أبا عبد الله وسأله أبو جعفر: أيما أحب إليك موسى بن عبيدة، أو محمد بن إسحاق؟ قال: لا محمد بن إسحاق، قلت له: روى شعبة عن موسى بن عبيدة؟ قال: نعم، فقال أبو جعفر: يقول شعبة عن أبي عبد العزيز الربذي، قال: نعم، لم يرو عنه شعبة حديثاً منكراً. فقال أبو جعفر: روى عنه الثوري أيضاً؟ قال: نعم (١). قال الجوزجاني: قلت لأحمد: إن موسى قد روى عنه سفيان وشعبة يقول: أبو عبد العزيز الرَّبذي، قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه (٢). فهذه الرواية تفيد أن الإمام أحمد ضعف موسى بن عبيدة وفسر هذا التضعيف بسوء الحفظ المنجلي في روايته عن الثقات الأعلام ما لا يرويه غيره، فمن ثَم وصفه بأنه منكر الحديث، وما ورد عنه أنه قال فيه: ليس به بأس فهو محمول على أنه ليس من أهل التهمة فلا يطرح حديثه، ولكن لا يروى عنه في الحلال والحرام. ومما يدل على شدة ضعفه عنده أنه لم يخرج له في المسند (٣). مما أعله من حديثه: قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تعرف عن عمار عن النبي ﷺ : "الحلال بيّن والحرام بيّن"؟ فقال: لا، من رواه؟ فقلت موسى بن عُبيدة، فقبض يده ثم قال: موسى يُحتمل؟ وحمل عليه، وقال: ليس حديثه عندي بشيء، حديثه عن عبد الله بن دينار كأنه ليس عبد الله بن دينار ذلك، وعن أبي حازم. ا. هـ (٤).

стр. 268

حديث عمّار أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده: أنبأنا يحيى بن واضح الانصاري، ثنا موسى بن عبيدة الربذي، عن عبد الله بن عبيدة وغيره، عن عمار بن ياسر، عن رسول الله ﷺ قال: "الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات فمن توقاهن كان أتقى لدينه، ومن واقعهن أوشك أن يواقع الكبائر كالمرتع إلى جنب الحمى، أوشك أن يُواقعَه، ولكل ملِكٍ حِمى، وحِمى الله حدودُه" (١)، ورواه الطبراني (٢)، وأبو نعيم (٣) كلاهما من طريق إسحاق. وقال الطبراني: لا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. وأخرجه أبو يعلى حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان، حدثنا موسى بن عبيدة قال: أخبرني سعد بن إبراهيم، عمّن أخبره، عن عمّار بن ياسر فذكره (٤). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعل الإمام أحمد هذا الحديث بموسى بن عبيدة وقال: موسى يحتمل؟ وهذا استفهام إنكار لتفرد موسى بن عبيدة بهذا الحديث، إذ الحديث معروف لنعمان بن بشير (٥)، فتفرده بالحديث عن عمّار بن ياسر يدل على عدم ضبطه إذ لا يتصور أن يكون الحديث عند عمّار ثم لا يرويه أحد في طبقة التابعين ولا طبقة أتباعهم إلا موسى بن عبيدة مع توفر الدواعي عندهم لرواية الأحاديث وجمعها

стр. 269

وتتبع طرقها، وأيضاً لا يجوز أن يقال إن حديث النعمان بن بشير يشهد له، لأن هذا مما تحقق خطؤه فلا ينجبر، ثم قد ظهر جلياً أثر سوء حفظه حيث اضطرب في رواية الحديث، ففي طريق إسحاق رواه عن عبد الله بن عبيدة وغيره عن عمار، وفي طريق أبي يعلى رواه عن سعد بن إبراهيم، عمن أخبره عن عمار. وعبد الله بن عبيدة هو الربذي أخو موسى بن عبيدة، قال أحمد في رواية صالح: موسى بن عبيدة وأخوه لا يشتغل بهما. وقال ابن معين: لم يرو أحد عنه إلا موسى بن عبيدة، وحديثهما ضعيف. ا. هـ (١). وحديث آخر: قال عباس بن محمد الدوري: سمعت أحمد بن حنبل وسُئل على باب أبي النضر هاشم بن القاسم، فقيل له: يا أبا عبد الله، ما تقول في موسى بن عُبيدة الرَّبْذي ومحمد بن إسحاق؟ فقال: أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث ـ كأنه يعني المغازي ونحوها ـ وأما موسى بن عُبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدّث بأحاديث منكرة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي ﷺ في الكالي بالكالي وأشباه هذا، وأما إذا جاء الحلال أردنا قوماً هكذا ـ فضمّ عباس على أصابع يديه الأربع من كل يد ولم يضمَّ الإِبْهام (٢). هذا الحديث رواه البزار (٣)، والطحاوي (٤)، والدارقطني (٥)، وابن عدي (٦)،

стр. 270

والعقيلي (١)، والبيهقي (٢) من طرق عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: ذكر أنه من الأحاديث المنكرة التي رواها موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار، ولسوء حفظه لا يقبل تفرده عن عبد الله بن دينار. وروى ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: "ولا يحل الرواية عن موسى بن عبيدة ولا أعرف هذا الحديث موسى؟، وليس في هذا حديث صحيح وإنما إجماع الناس على أنه لا يجوز دين بدين" (٣). ومن أجل هذا التفرد وعدم الاعتماد عليه كان الإمام أحمد يرى أن عبد الله بن دينار الذي روى عنه موسى بن عبيدة كأنه ليس عبد الله بن دينار ذلك المعروف كما سلف فيما رواه عباس الدوري عنه. ونقل ابن حجر عن الخلال في العلل أن أحمد سئل عن عبد الله بن دينار الذي روى عنه موسى بن عبيدة النهي عن بيع الكالئ بالكالئ فقال: ما هو الذي روى عنه الثوري، قيل فمن هو؟ قال: لا أدري. ا. هـ (٤). وهذا محمول على مثل ما ذكره عباس عن أحمد، وإلا فقد جزم العقيلي بأنه هو عبد الله بن دينار المعروف، وقال: روى عنه موسى بن عبيدة ونظراؤه أحاديث مناكير الحمل فيها عليهم (٥). ما حسنه من أحاديث هذا الصنف من الرواة: قد جاء عن الإمام أحمد إطلاق الحسن على بعض أحاديث هذا الصنف

стр. 271

من الرواة، وذلك أن هؤلاء الرواة قد يتردد الناقد في حديثهم أحياناً، هل هو محفوظ أو غير محفوظ، وذلك لأن الراوي الموصوف بسوء الحفظ قد يضبط ما يرويه أحياناً، فإذا جاءت ملامح ضبطه لما يرويه فقد يطلق الناقد ما يدل على قبوله لحديثه مع لين ما، وهو الذي يدل عليه مصطلح الحسن. ومصطلح الحسن مأثور عن الإمام أحمد، وإن كان هو كغيره من الأئمة المتقدمين أكثر ما كانوا يقولون في الحديث أنه صحيح، أو ضعيف، ويقولون: منكر، موضوع، وباطل (١)، وإطلاقهم الحسن على الأحاديث قليل نسبياً. وإطلاق الإمام أحمد الحسن في الأحاديث يدل على أن الحديث الحسن حديث مقبول محتج به عنده، لكن مع لينٍ ما فيه في الغالب. فقد سبق أنه قال في حديث وابصة بن معبد في الذي صلى خلف الصف وحده: إنه حسن، وقد احتج به، وإنما قال فيه: حسن لما فيه من رواية عمرو بن راشد الذي لم يشتهر بكثرة الحديث وبالثقة (٢). وكذلك قال في حديث علي بن شيبان مرفوعاً: "لا صلاة لفرد خلف الصف" (٣) إنه حسن (٤)، وهو من حديث ملازم بن عمرو، ومع توثيق الإمام أحمد له فقد قال فيه الإمام أحمد: حاله مقارب (٥)، وقدم عليه عكرمة بن عمّار العجلي (٦)،

стр. 272

وخالف شيخه القطان في تقديمه ملازماً عليه. وعكرمة عند الإمام أحمد مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة (١). وسئل الإمام أحمد في الرجل يأتي امرأته وهي حائض فقال: "ما أحسن حديث عبد الحميد فيه! قال له أبو داود: تذهب إليه؟ قال: نعم، إنما هو كفارة" (٢). وحديث عبد الحميد بن عبد الرحمن، رواه شعبة عن الحكم، عنه، عن مِقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: "يتصدق بدينار أو بنصف دينار" (٣)، وهو حديث اختلف في رفعه ووقفه. ورواه أحمد عن يحيى القطان، وعن غندر كلاهما عن شعبة مرفوعاً ثم قال: ولم يرفعه عبد الرحمن، ولا بهز (٤). فذهب الإمام أحمد إلى القول به لأنه في الكفارة، وليس فيه تحليل ولا تحريم. ومع ذلك في قبوله للحديث بعض اللين للعلة التي أشار إليها، فلذلك حسنه ولم يصححه. ومن إطلاق الحسن على ما هو صحيح ثابت قوله في حديث حنظلة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنت نساؤكم بالليل إلى المسجد فأدنوا لهن"، وهو حديث متفق عليه (٥)، رجاله كلهم ثقات عند الإمام أحمد، وقال الإمام أحمد في الحديث: إسناده حسن (٦).

стр. 273

وقال في حديث أم حبيبة في مس الذكر (١) هو حسن الإسناد، وذلك في رواية أبي زرعة الدمشقي (٢)، وذكر ابن عبد الهادي أن الإمام أحمد قال: حديث أم حبيبة حديث صحيح (٣). وذكر ابن حجر عن الخلال أنه قال: صحح أحمد حديث أم حبيبة (٤). فأطلق الحسن والصحة على الحديث، مما يدل على أنه قد يطلق الحسن بمعنى الصحة، والله أعلم. ومما حسنه من أحاديث هذا الصنف من الرواة غير من تقدم: حديث عبد الله بن محمد بن عقيل الهاشمي: قال الإمام أحمد في رواية حنبل بن إسحاق: ابن عقيل منكر الحديث (٥). وقال أبو داود: قال أحمد: علي بن زيد، وجعفر بن محمد، وعاصم بن عبيد الله، وعبد الله بن محمد بن عقيل ما أقربهم من السواء (٦). وقال أبو داود أيضاً: سمعت أحمد وقيل له: حسين بن عبيد الله صاحب عكرمة، منكر الحديث؟ فقال برأسه أي نعم، فقيل له: هو أحب إليك أو عاصم ابن عبيد الله قال: ما أقربتهما وعبد الله بن محمد بن عقيل (٧). وقال يعقوب بن شيبة: سمعت أحمد بن حنبل وذكر عاصماً ـ يعني ابن عبيد الله ـ فقال: حديثه وحديث ابن عقيل إلى الضعف ما هو (٨).

стр. 274

وقال أحمد في عاصم أيضاً: ليس بذاك (١). فقد دلت هذه الروايات عن الإمام أحمد على ضعف ابن عقيل وأنه منكر الحديث، وأن حديثه قريب إلى الضعف، وقد قرنه بعدد من الرواة كلهم ممن تكلم فيهم من قبل حفظهم ـ وهم علي بن زيد، وجعفر بن محمد، وعاصم بن عبيد الله، فعلي بن زيد هو ابن جدعان، ضعيف الحديث عند الإمام أحمد، وقد سئل الإمام أحمد: هل سمع الحسن من سراقة؟ قال: لا، هذا علي بن زيد، يعني يرويه، كأنه لم يقنع به (٢). وكذلك جعفر بن محمد ضعفه بأنه مضطرب الحديث (٣)، وقد تقدم قوله في عاصم. لكن روى الترمذي عن البخاري أنه قال: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل (٤). فمن ثم اختلف قول الإمام أحمد في الاحتجاج بحديثه، وهو الحديث الذي رواه ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جَحْش قالت: كنت أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره ـ فذكرت الحديث إلى أن قالت: قال النبي ﷺ : "إنما ذلك من الشيطان، فتَحَيَّضي ستةَ أيامٍ أو سبعة أيامٍ في علم الله ثم اغتسلي" ـ وذكر الحديث (٥).

стр. 275

فذكر أبو داود أنه سمع أحمد ﵀ يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء (١). وعنه أيضاً: سمعت أحمد قال: يروى في الحيض حديث ثالث، حديث عبد الله ابن محمد بن عقيل، في نفسي منه شيء (٢). وقال ابن هانئ: قيل لأحمد: حديث حمنة عندك قوي؟ قال: ليس هو عندي بذلك، حديث فاطمة أقوى عندي وأصح إسناداً منه (٣). يشير إلى حديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي رواه الشيخان وغيرهما (٤).

стр. 276

وقال ابن رجب: المعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به (١)، وقال أيضاً: نقل عنه أكثر أصحابه أنه ضعفه (٢). وذكر الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: هو حديث حسن صحيح (٣). وذكر ابن رجب أن حرب بن إسماعيل الكرماني نقل عن الإمام أحمد أنه قال: نذهب إليه، ما أحسنه من حديث (٤). واحتج بالحديث كما في مسائله برواية ابنه عبد الله (٥). وقال في رواية ابن هانئ: "الحيض عندنا على ثلاثة أحاديث: حديث حمنة قالت: إني أثجّ ثجاًّ، وأنها استُحِيضتْ حيضةً منكرة قال: "تحيّضي في علم الله ستاً أو سبعاً" (٦). وقال ابن رجب: ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة وتقويته والأخذ به، والله أعلم (٧). فهذه الرواية إن ثبتت فإنها تدل على القول الفصل عن الإمام أحمد وتقضي على الاختلاف الوارد عنه. والذي يظهر أن احتجاج الإمام أحمد بهذا الحديث عن ابن عقيل لا يدل على إطلاق الاحتجاج بحديثه عموماً، وذلك لأنه قد يكون هذا الحديث

стр. 277

احتف بقرائن ترجح لدى الإمام أحمد جانب القبول فيه وإن لم يفصح هو عن تلك القرائن، ومما يلوح للناظر في أسانيد الحديث من القرائن التي قد تدل على ترجيح جانب القبول على جانب الرد أن الرواة عن ابن عقيل ـ وأغلبهم ثقات كما تقدم ـ لم يختلفوا في الحديث، وهذا يدل على ضبط ابن عقيل للحديث، وما نقم عليه من سوء الحفظ كان يرجع إلى أن الرواة كانوا يختلفون عليه في الأسانيد (١)، اللهم إلا ما كان من ابن جريج ـ أحد الرواة عنه ـ حيث خالف بقية الرواة في اسم ابن عقيل واسم راوية الحديث. فروى عبد الله قال: "قال أبي في حديث حبيبة بنت جحش، قال: ابن جريج حدّث عن ابن عقيل محمد ابن عبد الله بن عقيل، وهو خطأ، وقال: إنما هو عبد الله بن محمد بن عقيل، وقال عن حبيبة بنت جحش، خالف الناس" (٢). قال ابن رجب: يشير إلى أنها حمنة ليست حبيبة (٣). والشاهد من هذا أن الإمام أحمد حمّل ابن جريج الخطأ في هذا الحديث، ولو لم تكن عنده قرائن تدل على ضبط ابن عقيل لروايته لكان أولى الناس بأن يحمّل الخطأ هو ابن عقيل لسوء حفظه الذي يجعله يضطرب في الرواية، لكن لما رواه عنه عدد من الثقات على نسق واحد ولم يخالف إلا ابن جريج حمله الخطأ وقوي عنده ضبط ابن عقيل للحديث فاحتج به، والله أعلم. وقد يقال إن الإمام أحمد يرى الاحتجاج بالحديث الضعيف إذا لم يكن في

стр. 278

الباب غيره كما هو معروف من منهجه (١)، فقد يكون هذا من هذا النوع فلا يلزم منه أنه حسّن الحديث ولا احتج بعبد الله بن محمد بن عقيل، والجواب أن الرواية التي ذكرت الاحتجاج صريحة في أنه حسّن الحديث مثل رواية الترمذي وكذلك رواية حرب الكرماني، فلا يصح الاعتراض.

стр. 279

المطلب الثاني: الحالات التي لا يُعلّ فيها حديث الراوي المتصف بسوء الحفظ . سبق أن الأصل عند الإمام أحمد عدم الاحتجاج بحديث الراوي المتصف بسوء الحفظ إذا انفرد به، وهناك حالات لا يعلّ فيها حديثه بل يقبل ولا يردّ، وقد جاء عن الإمام أحمد إشارة إلى بعض تلك الحالات، وهي كالتالي: الحالة الأولى: أن يكون الراوي السيء الحفظ له كتاب صحيح . وذلك أن الضبط عند المحدثين ضبطان: ضبط صدر، وضبط كتاب (١)، فمن اختل ضبط صدره لسوء حفظ فيه، لكن كان له كتاب صحيح، لم يزل موصوفاً بمطلق الضبط، فيصحح له حديثه، ولا يعلّ إذا كان تحديثه به من كتابه، فلم يؤثر سوء حفظه إلا في ضبط صدره فقط. وقد اعتبر الإمام أحمد هذه الحالة من الحالات التي لا تعل معها حديث الراوي الموصوف بسوء الحفظ، فقد قال أحمد في رواية الأثرم في حاتم بن إسماعيل المدني: "حاتم بن إسماعيل أحب إلي من الدراوردي، زعموا أنه كان فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح" (٢). فحسن حاله لأن له كتاب صالح، حتى إنه قدمه على الدراوردي مع أنه وصفه بغفلة في نفسه، وهي تدل على خفة الضبط. ولعل من أجل هذا كان العمل عند بعض الأئمة على توثيق حاتم بن إسماعيل. فقال يحيى بن معين في رواية إسحاق بن منصور: ثقة (٣). وقال في رواية عباس الدوري: ثقة يحدث بالمناكير (٤).

стр. 280

وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً كثير الحديث (١). ويحمل كلام من تكلم فيه على ما حدث به من حفظه. فتقدم أن ابن معين قال: يحدث بالمناكير. وكذلك قال ابن المديني: روى عن جعفر، عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها (٢). وقال الإمام أحمد في الدراوردي، وقد كان ممن يحدث من حفظه فيقع في أوهام لأن في حفظه شيئاً، فقال فيه: "إذا حدث من كتابه فهو صحيح" (٣). وقال في رواية الفضل بن زياد: "كان الدراوردي كتابه أصح من حفظه" (٤). وقال الإمام أحمد في أبي عبيدة عبد الواحد بن واصل الحداد: "لم يكن صاحب حفظ، إلا أن أبا عبيدة كان كتابه صحيحاً" (٥). وقد عبّر الإمام الشافعي عن هذا الأصل حيث قال: "ومن كثُر غلطُه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم تقبل شهادته" (٦). الحالة الثانية: أن تأتي الرواية عن طريق من عُرف بصحة روايته عنه . إذا كان الراوي موصوفاً بسوء الحفظ، فليس معنى ذلك أنه لا يصيب أبداً في الرواية، فقد يصيب ويخطئ، وإن كان الخطأ منه كثيراً فقد تكون له ولا بد حالات يصيب الوجه الصحيح في روايته، فمن سمع منه في تلك الحالة يكون

стр. 281

عنده شيء من صحيح حديثه، وقد استطاع الأئمة أن يتعرفوا على بعض التلاميذ عن شيوخ ضعفاء حديثهم عنهم صحيح، فإذا جاء الحديث من رواية أمثالهم قُبل ولم يعلّ بسوء حفظ الشيخ. فمن ذلك: موسى بن عُبيدة الرَّبذي ورواية شعبة عنه. قد تقدم كلام الإمام أحمد في موسى بن عُبيدة، وأنه ضعفه بكثرة المناكير التي يرويها عن شيوخه، لكن روى الفضل بن زِياد أنه قيل للإمام أحمد: إن شعبة روى عن موسى بن عبيدة الربذي فيقول عن أبي عبد العزيز الربذي فقال: "نعم، لم يرو عنه شعبة حديثاً منكراً" (١). فهذا يفيد أن حديث شعبة عن موسى بن عبيدة ليس فيه منكر، فهو من صحيح حديثه. ومن ذلك أيضاً: شهر بن حوشب ورواية عبد الحميد بن بهرام عنه وشهر بن حوشب ممن تُكلّم فيه، وإن كان كثير من الأئمة قد وثقوه (٢). فقال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: "عبد الحميد بن بَهرام حديثه عن شهر مقارِب، كان يحفظها كأنه سورة من القرآن، وهى سبعون حديثاً طوال" (٣). وشاهد ذلك أن الإمام أحمد، والطبراني رويا من حديث قتادة، عن شهر ابن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري أنه صلى بهم صلاة رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب يُسمع من يليه ـ وذكر الحديث (٤). ورواه عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب وذكر في حديثه: فقرأ

стр. 282

بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، وذكر حديثاً طويلاً. أخرجه الإمام أحمد من طريقه (١). قال ابن رجب: وهو أصح، وعبد الحميد أحفظ لحديث شهر بن حوشب بخصوصه من غيره. ا. هـ (٢). الحالة الثالثة: أن يروي الراوي السيء الحفظ عن شيخ عُرف بضبطه لحديثه . وهذه الحالة الثالثة التي لا يعلّ فيها رواية الراوي الموصوف بسوء الحفظ، وذلك إذا روى عن شيخ عُرف بأنه ضابط لحديثه، فلا يؤثر حينئذ سوء حفظه في عدم صحة حديثه عن ذلك الشيخ. فمن ذلك: سلمة بن صالح الأحمر في حديثه عن أبي إسحاق السبيعي وسلمة بن الأحمر ممن أطلقوا الضعف عليه. قال الإمام أحمد في رواية عبد الله: ليس بشيء (٣). وكذلك قال فيه يحيى بن معين (٤). وقال في رواية أخرى: ليس بثقة (٥). وقال النسائي: متروك الحديث (٦). وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، لم أر له متناً منكراً، إنما أرى ربما يهم في بعض الأسانيد (٧). وقال حنبل بن إسحاق: "سمعت أبا عبد الله يقول: سلمة الأحمر يحدث عن أبي إسحاق أحاديث صحاح، إلا أنه عن حماد مختلط الحديث" (٨).

стр. 283

فذكر أن أحاديثه عن أبي إسحاق صحاح، وهذا مع ضعفه البين، وما ذلك إلا لأنه ضبط حديث أبي إسحاق، فضعفه لم يؤثر في روايته عنه، والله أعلم. ومن أمثلة ذلك أيضاً: يحيى بن سُليم الطائفي في روايته عن عبد الله بن عثمان بن خثيم. قال الإمام أحمد في يحيى بن سُليم: "كذا وكذا، والله إن حديثه يعني فيه شيء وكأنه لم يحمده" (١). وقوله في الراوي: كذا وكذا عبارة تليين (٢). وقال في رواية أبي داود: "يحيى بن سُليم مضطرب الحديث" (٣). وقال في رواية المرُّوذي: "كان يُكثر الخطأ" (٤). ومع ذلك فقد روى عبد الله عنه أنه قال: "كان قد أتقن حديث ابن خُثيم، كانت عنده في كتاب، فقلنا له أعطِنا كتابك، فقال: أعطوني مصحفاً رهناً. قلنا: مِن أَين لنا مصحفٌ ونحن غُرباء" (٥). فهذا يفيد أنه في حالة رواية يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم يخرج عن الأصل الذي هو إعلال ما تفرد به من حديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه. الحالة الرابعة: أن يكون في الحديث قصة ويذكرها الراوي في سياقه لروايته . ذكر هذا الضابط الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه قال: "إذا كان في

стр. 284

الحديث قصة دل على أن راويه حفظه" (١). والظاهر أنه لم يفصل بين أن يكون الراوي من الحفاظ أو لا، فتعمم الحالة حتى في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ، ويدل على صحة هذا الضابط أن تذكُّر الراوي للقصة وسبب ورود الحديث يدل على ضبطه له، والله أعلم.

стр. 285

المطلب الثالث: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن بعض شيوخه والإعلال به عند الإمام أحمد . هناك صنف من الرواة هم في أنفسهم ثقات إلا أن أحاديثهم عن بعض شيوخهم ضُعِّفت لكونهم لم يضبطوها كما ضبطوا غيرها، وأخطؤوا فيها أخطاء بينة، فوصفوا بسوء الحفظ أو الضعف أو الاضطراب في أولئك الشيوخ، فإذا روى واحد من هؤلاء الرواة الثقات الموصوفين بهذا الوصف حديثاً فلا يحكم عليه بالصحة والاستقامة إلا بعد النظر في شيخه في الإسناد، فإن كان ممن ضعِّف فيه أو وصف بالاضطراب أو سوء الحفظ لحديثه فلا يصحح له، ومعرفة هذا من دقائق علم العلل الذي اختص به الأئمة النقاد، ولأهميته أشاد الإمام مسلم بدور أئمة الحديث (١)، حيث أدركوا هذا النوع من العلل الخفية، وأثبت أن كل من نابذهم وخالفهم في المذهب فلا سبيل له إلى معرفة الحديث ورجاله. ومما يدل على أهمية هذا النوع من العلل أن الجهل به أو الغفلة عنه أوقع كثيراً من الناس في الغلط حيث حكموا على أحاديث بعض الرواة بأنها على شرط الشيخين لمجرد كون الشيخين قد احتجا بكل واحد من رجال الإسناد، وفات إدراكهم أنه لا يستقيم الحكم على الإسناد بأنه على شرطهما إلا إذا احتجا بكل واحد من رجال الإسناد على صورة الاجتماع، بخلاف ما لو كان احتجاجهما بهم على صورة الانفراد كسفيان بن حسين، عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما على الانفراد، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري لضعف سماعه من الزهري دون بقية مشايخه (٢).
следующие страницы →