← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عنده شيء من صحيح حديثه، وقد استطاع الأئمة أن يتعرفوا على بعض التلاميذ عن شيوخ ضعفاء حديثهم عنهم صحيح، فإذا جاء الحديث من رواية أمثالهم قُبل ولم يعلّ بسوء حفظ الشيخ. فمن ذلك: موسى بن عُبيدة الرَّبذي ورواية شعبة عنه. قد تقدم كلام الإمام أحمد في موسى بن عُبيدة، وأنه ضعفه بكثرة المناكير التي يرويها عن شيوخه، لكن روى الفضل بن زِياد أنه قيل للإمام أحمد: إن شعبة روى عن موسى بن عبيدة الربذي فيقول عن أبي عبد العزيز الربذي فقال: "نعم، لم يرو عنه شعبة حديثاً منكراً" (١). فهذا يفيد أن حديث شعبة عن موسى بن عبيدة ليس فيه منكر، فهو من صحيح حديثه. ومن ذلك أيضاً: شهر بن حوشب ورواية عبد الحميد بن بهرام عنه وشهر بن حوشب ممن تُكلّم فيه، وإن كان كثير من الأئمة قد وثقوه (٢). فقال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: "عبد الحميد بن بَهرام حديثه عن شهر مقارِب، كان يحفظها كأنه سورة من القرآن، وهى سبعون حديثاً طوال" (٣). وشاهد ذلك أن الإمام أحمد، والطبراني رويا من حديث قتادة، عن شهر ابن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري أنه صلى بهم صلاة رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب يُسمع من يليه ـ وذكر الحديث (٤). ورواه عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب وذكر في حديثه: فقرأ

стр. 282

بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، وذكر حديثاً طويلاً. أخرجه الإمام أحمد من طريقه (١). قال ابن رجب: وهو أصح، وعبد الحميد أحفظ لحديث شهر بن حوشب بخصوصه من غيره. ا. هـ (٢). الحالة الثالثة: أن يروي الراوي السيء الحفظ عن شيخ عُرف بضبطه لحديثه . وهذه الحالة الثالثة التي لا يعلّ فيها رواية الراوي الموصوف بسوء الحفظ، وذلك إذا روى عن شيخ عُرف بأنه ضابط لحديثه، فلا يؤثر حينئذ سوء حفظه في عدم صحة حديثه عن ذلك الشيخ. فمن ذلك: سلمة بن صالح الأحمر في حديثه عن أبي إسحاق السبيعي وسلمة بن الأحمر ممن أطلقوا الضعف عليه. قال الإمام أحمد في رواية عبد الله: ليس بشيء (٣). وكذلك قال فيه يحيى بن معين (٤). وقال في رواية أخرى: ليس بثقة (٥). وقال النسائي: متروك الحديث (٦). وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، لم أر له متناً منكراً، إنما أرى ربما يهم في بعض الأسانيد (٧). وقال حنبل بن إسحاق: "سمعت أبا عبد الله يقول: سلمة الأحمر يحدث عن أبي إسحاق أحاديث صحاح، إلا أنه عن حماد مختلط الحديث" (٨).

стр. 283

فذكر أن أحاديثه عن أبي إسحاق صحاح، وهذا مع ضعفه البين، وما ذلك إلا لأنه ضبط حديث أبي إسحاق، فضعفه لم يؤثر في روايته عنه، والله أعلم. ومن أمثلة ذلك أيضاً: يحيى بن سُليم الطائفي في روايته عن عبد الله بن عثمان بن خثيم. قال الإمام أحمد في يحيى بن سُليم: "كذا وكذا، والله إن حديثه يعني فيه شيء وكأنه لم يحمده" (١). وقوله في الراوي: كذا وكذا عبارة تليين (٢). وقال في رواية أبي داود: "يحيى بن سُليم مضطرب الحديث" (٣). وقال في رواية المرُّوذي: "كان يُكثر الخطأ" (٤). ومع ذلك فقد روى عبد الله عنه أنه قال: "كان قد أتقن حديث ابن خُثيم، كانت عنده في كتاب، فقلنا له أعطِنا كتابك، فقال: أعطوني مصحفاً رهناً. قلنا: مِن أَين لنا مصحفٌ ونحن غُرباء" (٥). فهذا يفيد أنه في حالة رواية يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم يخرج عن الأصل الذي هو إعلال ما تفرد به من حديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه. الحالة الرابعة: أن يكون في الحديث قصة ويذكرها الراوي في سياقه لروايته . ذكر هذا الضابط الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه قال: "إذا كان في

стр. 284

الحديث قصة دل على أن راويه حفظه" (١). والظاهر أنه لم يفصل بين أن يكون الراوي من الحفاظ أو لا، فتعمم الحالة حتى في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ، ويدل على صحة هذا الضابط أن تذكُّر الراوي للقصة وسبب ورود الحديث يدل على ضبطه له، والله أعلم.

стр. 285

المطلب الثالث: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن بعض شيوخه والإعلال به عند الإمام أحمد . هناك صنف من الرواة هم في أنفسهم ثقات إلا أن أحاديثهم عن بعض شيوخهم ضُعِّفت لكونهم لم يضبطوها كما ضبطوا غيرها، وأخطؤوا فيها أخطاء بينة، فوصفوا بسوء الحفظ أو الضعف أو الاضطراب في أولئك الشيوخ، فإذا روى واحد من هؤلاء الرواة الثقات الموصوفين بهذا الوصف حديثاً فلا يحكم عليه بالصحة والاستقامة إلا بعد النظر في شيخه في الإسناد، فإن كان ممن ضعِّف فيه أو وصف بالاضطراب أو سوء الحفظ لحديثه فلا يصحح له، ومعرفة هذا من دقائق علم العلل الذي اختص به الأئمة النقاد، ولأهميته أشاد الإمام مسلم بدور أئمة الحديث (١)، حيث أدركوا هذا النوع من العلل الخفية، وأثبت أن كل من نابذهم وخالفهم في المذهب فلا سبيل له إلى معرفة الحديث ورجاله. ومما يدل على أهمية هذا النوع من العلل أن الجهل به أو الغفلة عنه أوقع كثيراً من الناس في الغلط حيث حكموا على أحاديث بعض الرواة بأنها على شرط الشيخين لمجرد كون الشيخين قد احتجا بكل واحد من رجال الإسناد، وفات إدراكهم أنه لا يستقيم الحكم على الإسناد بأنه على شرطهما إلا إذا احتجا بكل واحد من رجال الإسناد على صورة الاجتماع، بخلاف ما لو كان احتجاجهما بهم على صورة الانفراد كسفيان بن حسين، عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما على الانفراد، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري لضعف سماعه من الزهري دون بقية مشايخه (٢).

стр. 286

وقد تكلم الإمام أحمد في أحاديث بعض الرواة الثقات عن بعض شيوخهم، وفيما يلي نماذج من ذلك: إسحاق بن يوسف الأزرق "ت (١٩٥) هـ ": قال أبو داود: قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ قال: إي والله، ثقة (١). وكان إسحاق الأزرق من شيوخ الإما م أحمد. وتكلم في روايته عن سفيان الثوري. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: ما كان بمحمد بن يزيد الواسطي بأس، كتبه صحاح، وأصله شامي، روى عن النعمان بن المنذر، وداود بن عمرو. ومحمد بن يزيد (٢) أثبت من إسحاق الأزرق، الأزرق كثير الخطأ عن سفيان، وكان الأزرق حافظاً، إلا أنه كان يخطئ (٣). ولم يرد عنه ما يوضح نسبة هذه الكثرة، وهل ألحقته بالضعفاء عن الثوري مثل أبي حذيفة أم لا؟ وقد روى الشيخان لإسحاق الأزرق حديثه عن الثوري (٤)، مما يدل على أنهما انتقيا حديثه وتجنبا أخطاءه. ولذلك لما أخرج البخاري حديثه عن الثوري، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أنس أنه سأله: أخبرني بشيء علِقتَه عن النبي ﷺ ، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى … الحديث (٥)، وهو حديث فرد تفرد

стр. 287

به إسحاق عن الثوري كما قال الترمذي (١)، فأردفه بطريق أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز، وهي متابعة قوية لطريق إسحاق كما قال الحافظ ابن حجر (٢). ما ذكره الإمام أحمد مما أخطأ فيه الأزرق في حديثه عن الثوري: ١. قال عبد الله: سألت أبي عن حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً قط أشدَّ تعجيلاً لصلاة الظهر من رسول الله ﷺ ، فقال: الحديث حديث حكيم بن جبير، ليس هذا من حديث منصور، وحدثناه الأزرق عن سفيان، عن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أخطأ لنا فيه، وقال مرة: الأزرق، عن سفيان عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وأنكر أبي أن يكون هذا من حديث منصور (٣). هذا الحديث رواه أصحاب الثوري، عنه عن حكيم بن جُبير، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. هكذا رواه وكيع (٤)، وعبد الرزاق (٥)، والحسين بن حفص (٦)، ويحيى القطان (٧)، وأبو حذيفة، ومؤمل بن إسماعيل (٨).

стр. 288

فخالفهم إسحاق الأزرق فرواه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم به كما ذكره عبد الله في هذا السؤال، ورواه البيهقي من هذا الطريق (١)، فوهم فيه ومن أجل ذلك أنكره الإمام أحمد، وأيضاً نفى أن يكون من حديث منصور، بمعنى أنه لم يرد من وجه معتبر عن منصور. وذكر أيضاً أن الأزرق اضطرب في رواية هذا الحديث، فمرة رواه مثل رواية الجماعة (٢)، ومرة رواه من حديث منصور كما تقدم، ومرة رواه عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، وتابعه الفريابي على هذا الوجه الأخير، وهو مما أخطأ فيه الفريابي عن الثوري (٣). فهذا المثال يوضح ما ذكره الإمام أحمد من خطأ الأزرق عن الثوري. وقد ذكر البخاري أن الحديث فيه اضطراب (٤)، والظاهر أن الاضطراب منفي عن هذا الحديث، لأن الوجوه الأخرى التي رويت منها الحديث تبين خطؤها فانتفت علة الاضطراب، ولذلك لم يعلّه الإمام أحمد بهذه العلة. والحديث في سنده حكيم بن جبير، وقد قال فيه الإمام أحمد: ضعيف الحديث مضطرب (٥). ٢. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن منصور، عن هلال، عن وهب بن الأجدع، عن علي، عن النبي ﷺ : "لا تُصلُّوا بعد العصر إلا أن تصلُّوا والشمس مرتفعة" (٦)، ثم قال:

стр. 289

وحدثناه إسحاق بن يوسف، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة" قال سفيان: فما أدري بمكة يعني أو بغيرها؟ (١). والظاهر من هذا التصرف من الإمام أحمد الإشارة إلى خطأ الأزرق ـ وإن لم يصرح بذلك ـ حيث خالف عبد الرحمن بن مهدي، وخالف رواية شعبة فجعل الحديث من رواية أبي إسحاق. ولذلك قال الدارقطني لما ذكر الحديث في كتابه العلل (٢): "حدث بهذا الحديث إسحاق الأزرق، عن الثوري بإسناد آخر: عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ولم يتابع عليه، والصحيح حديث منصور عن هلال بن يساف" (٣). جرير بن حازم: عن قتادة: قال الفسوي: حدثني الفضل، سئل ـ يعني أبا عبد الله ـ عن جرير بن حازم وأبي هلال … قال: إن جرير وهم في أحاديث عن قتادة (٤). وقال أحمد أيضاً: جرير كان يحدثهم بالتوهم أشياء عن قتادة يسندها بواطيل (٥). وقال أيضاً: كأن حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يسند أشياء ويوقف الناس (٦).

стр. 290

وقال المروذي: سألته عن جرير بن حازم فقال: في بعض حديثه شيء وليس به بأس (١). وقال أيضاً: وذكر جرير بن حازم فقال: كان حافظاً، وقال مرة: في حديثه شيء (٢). وقال ابن رجب: روايات جرير عن قتادةَ خاصة فيها منكراتٌ كثيرة، لا يُتابع عليها، ذكر ذلك أئمة الحفاظ منهم أحمد، وابن معين وغيرهما (٣). مثال لما أعله من حديث جرير عن قتادة: وقال عبد الله: سمعت أبي يقول قال عفان جاء أبو جُزيْ ـ واسمه نصر بن طريف ـ إلى جرير بن حازم يشفع لرجل يحدثه جرير، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة، قال: فقال أبو جُزي كذَب والله، ما حدثنا قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن، قال: أبي وهو قول أبي جُزي ـ يعني أصاب ـ وأخطأ جرير (٤). هذا الحديث رواه أبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والدارمي (٧)، والبيهقي (٨) كلهم من حديث جرير، عن قتادة، عن أنس. ورواه النسائي (٩)، وابن سعد (١٠)

стр. 291

من طريق عمرو بن عاصم، عن جرير وهمام، عن قتادة عن أنس به، فهذه متابعة لجرير من همام، لكن عمرو بن عاصم، وهو الكلابي، تكلم فيه من قبل حفظه (١)، وقال النسائي: ما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم (٢). ا. هـ. فلا يحمل منه هذا التفرد عن همام. وقد خولف جرير في رواية هذا الحديث كما أشار الإمام أحمد، خالفه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، فرواه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً. أخرجه أبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن أبي شيبة (٥)، والبيهقي (٦). وذكر العقيلي أن شعبة رواه أيضاً هكذا مرسلاً عن سعيد (٧). وكذلك أبو جزي ـ واسمه نصر بن طريف الباهلي (٨) ـ كما في هذه الحكاية عن أحمد. وأبو جزي متكلم فيه، بل هو متهم بالوضع (٩). لكن صوّبه الإمام أحمد وخطّأ جريرَ بن حازم، لأنه

стр. 292

حفظ الوجه الصحيح في هذه الرواية عن قتادة، لأنه وافق هشاماً. وجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث: أعل الإمام أحمد رواية جرير المسندة وحكم للرواية المرسلة التي ذكرها أبو جزي، وهذا الحديث يمثل ما ذكره الإمام أحمد من أن جرير بن حازم يروي عن قتادة أشياء مسندة، ويخالفه الناس ويوقفونها. والذين خالفوا جريراً في هذا الحديث هم: هشام الدستوائي، وشعبة، وأبو جزي، وهذا الأخير وإن كان ممن لا يكتب حديثه عند الإمام أحمد إلا أنه حفظ الوجه الصحيح، بدليل رواية هشام وشعبة، أما متابعة همام لجرير فلم يرد ما يدل على اعتداده بها، ولعل ذلك راجع إلى تفرد عمرو بن عاصم بها عن همام. وقد تابع جريراً أيضاً أبو عوانة فرواه الطحاوي (١) من طريق هلال بن يحيى الرأي، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس. وذكره أيضاً ابن حبان في ترجمة هلال في المجروحين (٢)، وقال في هلال بن يحيى: كان يخطئ كثيراً على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. ا. هـ. فالذي يخطئ كثيراً على قلة روايته يكون متروكاً كما قال الذهبي (٣)، فلا يعتد بهذه المتابعة. وقد وافق الإمام أحمد على إعلال حديث جرير هذا جمع من الحفاظ منهم: الدارمي، قال ـ بعد ذكر رواية جرير ـ هشام الدستوائي خالفه، فقال: قتادة عن سعيد بن أبي الحسن، عن النبي ﷺ ، وزعم الناس أنه هو المحفوظ. ا. هـ (٤). ووافقه النسائي أيضاً قال: هذا حديث منكر، والصواب

стр. 293

قتادة عن سعيد ابن أبي الحسن. ا. هـ (١). ووافقه أيضاً أبو داود، فقال ـ بعد أن ساق حديث جرير، ثم رواية سعيد بن أبي الحسن، ورواية أخرى عن أنس ـ قال: "أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبي الحسن، والباقية ضعاف" (٢). وقد أخرج الشيخان لجرير بن حازم عن قتادة، لكن قال الحافظ ابن حجر: ما أخرج له البخاري إلا أحاديث يسيرة توبع عليها (٣). ٢ - أيوب: قال ابن رجب: قال الأثرم: قال أحمد: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب (٤). وهذا يفيد وجود ما يستنكر في حديثه عن أيوب. واعتمده الأثرم فأنكر حديثاً لجرير عن أيوب عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. قال الأثرم: هذا حديث مرسل (٥)، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جريرُ بن حازِم يروي عن أيوب عجائب. ا. هـ. ذكره ابن رجب عنه (٦). وهذا الحديث الذي ذكره أخرجه البزار في مسنده (٧).

стр. 294

ورواه ابن أبي شيبة (١) عن يونس بن محمد، عن جرير، عن أيوب، عن أنس به، وليس فيه ذكر أبي بكر وعمر. جعفر بن بُرقان ت (١٥٤) هـ: ومن هؤلاء الرواة جعفر بن بُرقان الكلابي أبو عبد الله الرَّقِّي. قال عبد الله: "سألت أبي عن جعفر بن برقان، فقال: إذا حدّث عن غير الزهري فلا بأس، ثم قال: في حديثه عن الزهري يخطئ" (٢). وقال الميموني: "قال أبو عبد الله: جعفر بن بُرقان ثقة ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصمّ، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه" (٣). قال البرقاني: "قلت لأبي الحسن الدارقطني وأبو الحسين بن المظفر حاضر: جعفر بن بُرقان؟ فقالا جميعاً: قال أحمد بن حنبل: يؤخذ من حديثه ما كان عن غير الزهري، فأما عنه فلا. قلت: لقد لقيه، فما بلاؤه؟ قال الدارقطني: ربما حدّث الثقة عن ابن بُرقان، عن الزهري، ويحدّث الآخر عن ابن بُرقان، عن رجل، عن الزهري، أو يقول: بلغني عن الزهري، فأما حديثه عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصم فثابت صحيح" (٤). وقد ضعفه عن الزهري غير واحد من الحفاظ، منهم يحيى بن معين (٥)، وابن نمير (٦)، ومسلم (٧)، والنسائي (٨)،. . . . . . . . . . .

стр. 295

والعقيلي (١)، وابن عدي (٢). ولم أقف على حديث لجعفر بن برقان عن الزهري ضعفه الإمام أحمد به، وقد ذكر أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، والعقيلي، والدارقطني بعض ما أخطأ فيه من حديثه عن الزهري (٣). حماد بن سلمة ت (١٦٧) هـ: قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن حماد بن سلمة فقال: حماد بن سلمة من خيار عباد الله الصالحين، ومن جمع من السنة ما جمع! وقال أيوب: هاتوا مثل فتانا حماد (٤). وقال أيضاً: سمعت أبا عبد الله يقول: قال رجل يوماً: العلم عند شعبة، وسفيان، وحماد، فأنكرت عليه حماد أن يكون مثل شعبة وسفيان، ولم أكن بحديثه عالماً، فلما كتبت حديثه علمت أنه قد صدق، فإن حماداً عالم (٥). قال ابن عدي: ثنا أحمد بن حفص سئل أحمد بن حنبل يعني وهو حاضر عن حديث لأبي سعيد الخدري فقال: قد رواه حماد بن سلمة، وجعل يُثبته ويَقنع به (٦). فهذا يدل على أن حماداً عنده حجة.

стр. 296

وذكر ابن عدي أيضاً من طريق محمد بن مطهر المصيصي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حماد بن سلمة عندنا ثقة (١). وأما ما رواه البرذعي من طريق محمد بن يحيى النيسابوري قال: قلت لأحمد بن حنبل في علي بن عاصم ـ وذكرت له خطؤه ـ فقال أحمد: كان حماد بن سلمة يخطئ ـ وأومأ بيده ـ خطأ كثيراً، ولم ير بالرواية عنه بأساً. ا. هـ (٢)، فهذا ليس محمولاً على الكثرة المعروفة، بدليل ما تقدم من إطلاق التوثيق عليه والاحتجاج بما تفرد به، فتحمل على كثرة نسبية بالمقارنة بغيره من أهل طبقته من الحفاظ وبالمقارنة بكثرة حديثه. ومع أنه ثقة عنده إلا أنه تكلم في حديثه عن بعض الشيوخ. وقال ابن رجب: وفصل القول في رواياته أنه من أثبت الناس في بعض شيوخه الذين لزمهم كثابت البناني، وعلي بن زيد، ويضطرب في بعضهم الذين لم يكثر ملازمتهم كقتادة، وأيوب وغيرهما (٣). ومن الشيوخ الذين تكلم الإمام أحمد في حديثه عنهم: ١. أيوب بن أبي تميمة السختياني: ذكر ابن رجب أن الإمام أحمد قال في رواية حنيل: حماد بن سلمة يسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه (٤). وهذا أمر إذا كثر دلّ على اختلال في ضبط الراوي (٥).

стр. 297

وقد أنكر الإمام أحمد على حماد بن سلمة الحديث الذي رواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالاً أذّن قبل طلوع الفجر فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: "ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام". ذكره ابن رجب (١). والحديث رواه أبو داود (٢)، وعبد بن حميد (٣)، والبيهقي (٤)، والدارقطني (٥)، من طرق عن حماد بن سلمة به. وقال أبو داود: وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة (٦)، وقال أبو حاتم مثل ذلك (٧). وقد بين غير واحد من الحفاظ وجه الخطأ، قال الحافظ ابن حجر: "اتفق أئمة الحديث: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني على أن حمادا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حماداً انفرد برفعه، ومع ذلك فقد وجد له متابع، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زَرْبِىّ ـ وهو بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم ياء كياء النسب ـ فرواه عن أيوب موصولاً، لكن سعيد ضعيف، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب أيضا لكنه أعضله فلم يذكر نافعاً ولا ابن عمر … " (٨).

стр. 298

والرواية الموقوفة التي أشاروا إليها هي ما رواه أبو داود من طريق شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد، أخبرنا نافع، عن مؤذن لعمر يقال له مسروح أذن قبل الفجر فأمره عمر فذكر نحوه (١). ووجه آخر لإعلال حديث حماد هو ما ذكره الإمام أحمد قال: ثنا شعيب بن حرب، قال: قلت لمالك بن أنس: أليس قد أمر النبي ﷺ بلالاً أن يعيد الأذان فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا وشربوا" قلت: أليس قد أمره أن يعيد الأذان؟ قال: لا، لم يزل الأذان عندنا بليل. ذكره ابن الجوزي في التحقيق (٢). ومع ذلك فليس في هذا إشارة إلى تضعيف حماد بن سلمة في أيوب مطلقاً، وإنما هو تضعيف نسبي بالمقارنة بغيره من أهل الطبقة الأولى من أصحاب أيوب الذين كثرت ملازمتهم له ومعرفتهم لحديثه مثل حماد بن زيد، فقد روى الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله وقيل له: حماد بن سلمة وحماد بن زيد إذا اجتمعا في حديث أيوب أيهما أحب إليك؟ قال: ما فيهما إلا ثقة، إلا أن ابن سلمة أقدم سماعاً، كتب عن أيوب في أول أمره، وحماد بن زيد أشد له معرفة لأنه كان يكثر مجالسته، ومات أيوب وحماد بن زيد سنُّه أربع وثلاثون، وكان حماد كثير المجالسة لأيوب، وكان ألزم الناس له وأطولهم مجالسة. ا. هـ (٣). ولذلك لما روى حماد بن سلمة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (٤)، أنكروه

стр. 299

عليه، لأن حماد بن زيد، وإسماعيل بن علية روياه عن أيوب مرسلاً (١). قال الترمذي: حديث حماد بن زيد أصح من حديث حماد بن سلمة. ٢. قيس بن سعد ت (١١٩) هـ (٢): قال عبد الله: سمعته ـ يعني أبا عبد الله ـ يقول: قال يحيى بن سعيد القطان: إن كان ما يروي حماد بن سلمة عن قيس بن سعد حقاً فهو … قلت له: ماذا؟ قال: ذكر كلاماً، قلت: ما هو؟ قال: كذاب. قلت لأبي: لأي شيءٍ هذا؟ قال: لأنه روى عنه أحاديث رفعها إلى عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ . قال أبي: ضاع كتاب حماد بن سلمة عن قيس بن سعد فكان يحدثهم من حفظه فهذه قضيته (٣). قال أبو داود: قلت لأحمد: قيس بن سعد؟ قال: ثقة، ولكن زعموا أن كتابَ حماد بن سلمة عنه ضاع، فصار يروي عنه أحاديث يجعلها … وذكر أحمد: قال يحيى: إن كان ما يروي حماد بن سلمة عن قيس بن سعد قال فتكلم بكلام كأنه ينكره على حماد (٤). وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو بكر محمد بن المؤمل

стр. 300

ثنا الفضل بن محمد ثنا أحمد بن حنبل ثنا عفان قال: قال حماد بن سلمة: استعار مني حجاج الأحول كتاب قيس فذهب إلى مكة فقال ضاع (١). ولم أقف على حديث لحماد بن سلمة عن قيس بن سعد أعله الإمام أحمد به. وقد نسب حماد بن سلمة إلى الخطأ في روايته لحديث صحيفة عمرو بن حزم من طريق قيس بن سعد، واعتبر البيهقي هذا الخطأ شاهداً على ضعفه في حديث قيس بن سعد، وهذا الحديث هو ما أخرجه أبو داود في المراسيل من طريق حماد بن سلمة قال: [قلت لقيس بن سعد خُذ لي كتاب محمد بن عمرو ابن حزم، فأعطاني كتاباً أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لجده فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الأبل ـ فقص الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومئة، فإذا كانت أكثر من ذلك فعُد في كل خمسين حقّة، وما فضل فإنه يُعاد إلى أول فريضة الأبل، وما كان أقل من خمسٍ وعشرين ففيه الغنم في كل خمس ذودٍ شاةٌ، ليس فيها ذكر ولا هرمةٌ ولا ذات عوار من الغنم] (٢). فقوله: [وما فضُل يعاد إلى أول فريضة الإبل] مخالف لسائر روايات صحيفة عمرو بن حزم، فإن الذي ورد فيها أن الإبل إذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقّة. هكذا رواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولم يختلف عليه إلا بالوصل والإرسال (٣). وهذا الذي ورد في كتاب أبي بكر الصديق في فريضة صدقة

стр. 301

رسول الله ﷺ (١)، وكذلك في كتاب عمر (٢)، وفي حديث أبي سعيد الخدري (٣). فذكر البيهقي من علل هذه الرواية كونها من طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، وأن الحفاظ يجتنبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله. ا. هـ (٤). ٣. حماد بن أبي سليمان ت (١٢٠) هـ (٥): قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حماد بن سلمة عنده عنه تخليط ـ يعني حماد بن أبي سليمان (٦). لكنه لم يبلغ عنده إلى حد الساقط فيه. قال الخلال بإسناده عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله قيل له: حماد ابن أبي سليمان؟ قال: أما حماد فرواية القدماء عنه مقاربة: شعبةُ، والثوري، وهشام ـ يعني الدستوائي ـ قال: وأما غيرهم فقد جاءوا عنه بأعاجيب. قلت له: حجاج، وحماد بن سلمة؟ قال: حماد على ذاك لا بأس به. قال أبو عبد الله: وقد سقط فيه غير واحد مثل محمد بن جابر، وذاك ـ وأشار بيده، فظننت أنه عنى سلمة الأحمر (٧) ـ قال الأثرم: ولعله قد عنى غيره (٨).

стр. 302

ولعل ذلك من قبل حماد بن أبي سليمان، حيث كان بأخرة غلب عليه الفقه ولم يعد يحفظ الآثار كما ينبغي. فقد قال حماد بن سلمة: "كنت أسأل حماد بن أبي سليمان عن أحاديث مسندة، وكان الناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئت قال: لا جاء الله بك" (١). وذكر أبو حاتم أنه غلب عليه الفقه، وإذا جاء الآثار شوّش (٢). ويدل على ذلك أيضاً ما ذكره موسى بن إسماعيل ـ وهو التبوذكي ـ قال: حدثنا حماد بن سلمة أنه قال لابن حماد بن أبي سليمان: كلّم أباك يحدثني. قال: فكلمه قال: فقال حماد: ما يأتيني أحد أثقل علىّ منه. قال: فكنت أقول له: قل سمعت إبراهيم. فكان يقول: إن العهد قد طال بإبراهيم (٣). وأما الذهبي فعلق على تلك الرواية بقوله: إنما التخليط فيها من سوء حفظ الراوي عنه (٤). ومهما يكن من أمر فلم يبلغ حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان مبلغ الساقط عند الإمام أحمد كما نص على ذلك، فيحمل ما ذكره من تخليطه عنه على أنه دون القدماء من أصحابه الذين حملوا عنه قديماً قبل أن يغلب عليه الفقه فيقدَّمون عليه عند الاختلاف، والله أعلم. ولم أر حديثاً لحماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أعله الإمام أحمد من أجله. وقد أعل حديثاً لحماد بن أبي سليمان، رواه عنه حماد بن سلمة، لكن الخطأ فيه من حماد بن أبي سليمان وليس من حماد بن سلمة. قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا عفّان قال: أخبرنا حماد بن سلمة

стр. 303

قال: أخبرنا عاصم بن بهدلة، وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة ابن شعبة أن رسول الله ﷺ أتى سُباطة قوم فبال قائماً. قال حماد بن أبي سليمان: ففحج رجليه. قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم" (١). وحديث حماد بن سلمة أخرجه أحمد (٢)، وعبد بن حميد (٣)، وابن خزيمة (٤)، والطبراني (٥). وقد تابعه أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان (٦). وحديث منصور والأعمش عند الشيخين، كلاهما عن أبي وائل عن حذيفة (٧). وفي قول الإمام أحمد: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم، ترجيح لروايتهما وإسناد الخطأ إلى حماد وعاصم. وقد وافق الإمام أحمد على تخطئتهما كل من الترمذي (٨)، والدارقطني (٩). فالخطأ في هذه الرواية إذاً من حماد بن أبي سليمان، وليس من حماد بن سلمة، ويؤيد ذلك متابعة أبي حنيفة له. الحسن بن بشر الهمداني الكوفي ت (٢٢١) هـ (١٠): تكلم الإمام أحمد في حديثه عن زُهير بن معاوية الجعفي.

стр. 304

أما هو في نفسه فقد تردد فيه الإمام أحمد، ثم جزم بأنه لا بأس به (١). قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الحسن بن بشر بن سالم الكوفي فقال: ما أدري أخبرك، قد روى عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر في الجنين (٢). وقال الأثرم أيضاً: سمعت أبا عبد الله سُئل عن الحسن بن بشر بن سلم الكوفي فقال: ما أرى به بأساً في نفسه، روى عن زهير أشياء مناكير (٣). ما أعله من حديثه عن زهير: أشار إليه في رواية الأثرم المتقدمة، حيث قال: قد روى عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر في الجنين، وهذا استنكار منه للحديث. وحديث الجنين هو حديث: [ذكاة الجنين ذكاة أمه]، أخرجه ابن الجعد (٤)، وابن عدي (٥)، وأبو الشيخ (٦)، والحاكم (٧)، والبيهقي (٨) من طرق عن الحسن ابن بشر، عن زهير بن معاوية، به. وقال ابن عدي: هذا حديث زهير عن أبي الزبير ليس يرويه غير الحسن. ا. هـ.

стр. 305

وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: ذكره الإمام أحمد كشاهد على المناكير التي يرويها الحسن بن بشر عن زهير، ووجه نكارته أن الحسن بن بشر تفرد به عن زهير، ولا يحتمل من مثله هذا التفرد عن حافظ مكثر مثل زهير. ورواية الراوي الذي لم يشتهر بالحفظ والإتقان عن حافظ مكثر ما لا يرويه غيره من أصحاب ذلك العَلم دليل على ضعفه. ووافق أبو داود الإمام أحمد على إنكار هذا الحديث على الحسن بن بشر (١). والحديث رُوي عن أبي الزبير من وجوه أخرى: منها عن حماد بن شعيب (٢)، أخرجه أبو يعلى (٣)، وابن عدي (٤). ومنها عن عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي (٥)، أخرجه أبو داود (٦)، والدارمي (٧)، والحاكم (٨). وذكر ابن حبان أن الحسن بن بشر سمع هذا الخبر عن حماد بن شعيب فرواه عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير ووهم فيه (٩). فإن ثبت هذا ظهر جلياً كيف جاءت النكارة في حديث الحسن بن بشر عن زهير بن معاوية.

стр. 306

ومتن الحديث معروف من وجوه أخرى منها عن أبي سعيد الخدري (١)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن جابر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة. ا. هـ (٢)، وصححه ابن حبان أيضاً. والحسن بن بشر من رجال البخاري، لكن لم يخرج له عن زهير بن معاوية، وقال الحافظ ابن حجر: لم يخرج عنه من أفراده شيئاً، ولا من أحاديثه عن زهير التي استنكرها أحمد (٣). عكرمة بن عماّر اليمامي: قال أحمد في رواية حرب: هو في غير يحيى ثبت. ذكره ابن رجب (٤). وذكر الساجي توثيقه عن الإمام أحمد (٥). وقد قدمه الإمام أحمد على ملازم بن عمرو، مع أن الأخير ثقة عنده (٦)، واحتج لذلك بأن شعبة روى عنه أحاديث (٧). وأما أبو داود فذكر أن الإمام أحمد قدم ملازم بن عمرو عليه (٨)، والظاهر أن المقصود أنه مقدم عليه في يحيى بن أبي كثير خاصة، والله أعلم.

стр. 307

وتكلم الإمام أحمد في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، ووصفه بالاضطراب فيه (١). قال عبد الله: قال أحمد: أحاديث عكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ليس بصحاح. قلت له: من عكرمة أو مِن يحيى؟ قال: لا، إلا من عكرمة. وقال في موضع آخر: أتقن حديث إياس بن سلمة (٢) ـ يعني عكرمة (٣). وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد بن حنبل يضعف رواية أيوب ابن عتبة وعكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين (٤). وقد ذكر يحيى القطان أيضاً تضعيف عكرمة بن عمار في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، وكذلك علي بن المديني، والبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي (٥). ما أعله الإمام أحمد من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير (٦):

стр. 308

١. ذكر ابن رجب أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله في استفتاح النبي ﷺ الصلاة بالليل. ا. هـ (١). والحديث لفظه: [قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: سألت عائشة أم المؤمنين بأي شء كان نبي الله ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض عالمَ الغيب والشَّهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والظاهر أنه يشير إلى تفرد عكرمة بن عمار

стр. 309

به، وهو وجه علة الحديث، إذ لم يوجد لعكرمة متابع عن يحيى. قال الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد: "هو حديث تفرد به عكرمة بن عمار عن يحيى، وهو مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، يقال: إنه ليس عنده كتاب، وحدثني أحمد بن أبي الفضل المكي: حدثنا صالح بن أحمد، ثنا علي، قال: سألت يحيى ـ يعنى القطان ـ عن أحاديث عكرمة بن عمار ـ يعني عن يحيى بن أبي كثير ـ فضعفها وقال: ليست بصحاح"، ثم ذكر ما رواه أبو زرعة الدمشقي عن أحمد في هذا المعنى (١). وكلام ابن عمار في هذا الحديث موافق لإنكار الإمام أحمد للحديث، وفيه انتقاد للإمام مسلم في تخريجه للحديث في الأصول، ولعل وجه إخراج الإمام مسلم له اجتماع عدد من الرواة ـ وهم خمسة ثلاثة منهم ثقات ـ على رواية الحديث على وجه واحد، مما يدل على عدم اضطراب عكرمة في رواية هذا الحديث وضبطه له. وكونه يضطرب عن يحيى بن أبي كثير لا يدل على عدم إصابته مطلقاً فيما رواه عنه، إنما يدل على اجتناب ما ظهر خطؤه فيه، وأما ما ظهرت فيه ملامح الإصابة فإنه مقبول، ولا مطعن له فيه. ويؤيد ذلك أن الإمام النسائي أيضاً لما أخرج الحديث سكت عليه، مما يقتضي أنه لا علة له عنده كما ذكر ذلك ابن حجر من منهجه (٢). ٢. وذكر ابن رجب أيضاً أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن يحبى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٣).

стр. 310

هذا الحديث رواه أبو حذيفة (١)، وغسان بن عبيد (٢) كلاهما عن عكرمة ابن عمار، عن يحيى به. ولم يذكر ابن رجب هنا وجه إعلال الحديث عند الإمام أحمد، وإنما ذكره في أول شرحه على الترمذي. واختلف العقيلي وابن عدي في وجه إعلال الحديث، فقال العقيلي: لا يتابع عليه عكرمة، ثم أسند من طريق سليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أبي حازم وغيرهما عن كثير بن زيد، عن وليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وقال: هذا أصلح من حديث عكرمة (٣). وحديث سليمان بن بلال وابن أبي حازم أخرجهما أبو عوانة (٤). وأما ابن عدي فأعل الحديث بأن غير اللذين رويا الحديث على هذا الوجه عن عكرمة أوقفوه على أبي هريرة (٥)، فجعل العلة ممن دون عكرمة. ولم أقف على رواية الوقف التي أشار إليها. ومتن الحديث معروف من حديث ابن عمر عند مسلم (٦)، ومن حديث أبي المليح عن أبيه عند أبي داود وغيره (٧)، وصحح ابن حجر حديث أبي المليح (٨).

стр. 311

عمر بن إبراهيم العبدي، أبو حفص البصري: وثقه أحمد في رواية حرب بن إسماعيل، وقال: ثقة، لا أعلم إلا خيراً (١). وكذلك وثقه ابن معين، وعبد الصمد بن عبد الوارث (٢). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به (٣). وقد تكلم الإمام أحمد في حديثه عن قتادة، قال العقيلي: قال أبو عبد الله: يروي عن قتادة أحاديث مناكير ويخالف (٤)، ورواه عن أحمد يعقوب بن شيبة (٥). وكذلك قال ابن عدي (٦)، وابن حبان (٧). أما يحيى بن معين فوثقه في قتادة. قال عثمان بن سعيد الدارمي: فعمر ابن إبراهيم في قتادة؟ قال: ثقة (٨). وذكر العقيلي عن الإمام أحمد أن عباد بن العوامّ روى عن عمر بن إبراهيم حديثاً منكراً. قال العقيلي: وهذا الحديث حدثناه محمد بن أيوب، وجعفر بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الفرّاء، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخِّروا المغربَ حتى تشتبك النُّجومُ" (٩).

стр. 312

والحديث رواه من هذا الوجه ابن ماجه (١)، وابن خزيمة (٢)، والطبراني (٣) والبيهقي (٤). ووجه نكارة الحديث أنه لا يرويه عن قتادة بهذا الإسناد إلا عمر بن إبراهيم. قال ابن عدي: "وهذا لا أعلم رواه عن قتادة بهذا الإسناد غير عمر ابن إبراهيم … " (٥). أما المتن فقد روي بأسانيد أصلح منه كما قال العقيلي. ومن تلك الأسانيد ما رواه أبو داود (٦)، وأحمد (٧)، وابن خزيمة (٨)، والطبراني (٩)، والحاكم (١٠)، والبيهقي (١١) من طرق عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أيوب الأنصاري بمثل هذا اللفظ. وصححه الحاكم (١٢)، والألباني (١٣). إلا أنه معلول، فقد رواه حيوة ابن شريح، وابن لهيعة، وعبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ أنه قال: "بادروا بصلاة المغرب طلوع النجوم". ذكره ابن أبي حاتم من طريق حيوة وابن لهيعة (١٤). وأخرجه

стр. 313

أحمد (١)، والطبراني (٢)، والدارقطني (٣) من طريق ابن لهيعة. وأخرجه الطبراني من طريق عبد الحميد بن جعفر، وحيوة بن شريح (٤)، لكن لفظ حديث حيوة: كنا نصلي المغرب حين تجب الشمس. قال أبو زرعة الرازي: "حديث حيوة أصح" (٥). وهذه العلة ليست قادحة، فإن غايتها إبدال راوٍ ثقة بآخر ثقة مثله، فإن كلاً من مرثد بن عبد الله اليزني الراوي عن أبي أيوب في إسناد ابن إسحاق، وأسلم أبي عمران الراوي في إسناد حيوة ومن معه، كل منهما ثقة (٦). وروي الحديث من حديث السائب بن يزيد أيضاً، أخرجه أحمد (٧)، والطبراني (٨)، والبيهقي (٩)، ولفظه: "لا نزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم". وفي سنده عبد الله بن الأسود القرشي، قال أبو حاتم: لا أعلم روى عنه غير ابن وهب (١٠)، فهو في حكم المجهول. وكلا الإسنادين أصلح من إسناد عمر بن إبراهيم العبدي عن قتادة. وذكر ابن عدي والعقيلي أحاديث أخرى لعمر بن إبراهيم عن قتادة مما لم يوافقه عليها أحد (١١).

стр. 314

عمرو بن الحارث المصري (١): أثنى عليه الإمام أحمد في رواية أبي داود. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: ليس فيهم ـ يعني أهل مصر ـ أصح حديثاً من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه" (٢). وقال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث بن سعد، لا عمرو بن الحارث ولا أحد، وقد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير" (٣). والمقصود بالمناكير هي في روايته عن قتادة. قال الأثرم: "عمرو بن الحارث حمل عليه ـ يعني الإمام أحمد ـ حملاً شديداً، قال: يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطئ" (٤). ونقل العيني عن الإسماعيلي أنه قال: "تكلم أحمد في حديث عمرو، عن قتادة، أن أنس بن مالك ﵁ حدثه "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمُحَصَّب، ثم ركب إلى البيت فطاف به" (٥). والحديث رواه البخاري (٦)، من طريق عمرو بن الحارث، عن قتادة به، ثم قال البخاري: "تابعه الليث: حدثني خالد، عن سعيد، عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثه عن النبي ﷺ "، فلم ينفرد عمرو بن الحارث به عن قتادة، فهو مما يدفع

стр. 315

الإنكار عنه في روايته له عن قتادة. قال الدكتور صالح الرفاعي: "وما تقدم عن الإمام أحمد في رواية عمرو بن الحارث عن قتادة إنما هو من قبيل التضعيف النسبي، وذلك أن الإمام أحمد كان يرى أن عمرو بن الحارث أثبت المصريين كما تقدم، ثم لما رأى له بعض الأخطاء قدّم الليث بن سعد عليه، فذكر ما تقدم في مجال تِعداد أخطاء عمرو التي جعلته يقدم الليث بن سعد عليه" (١). قبيصة بن عُقبة السُّوائي الكوفي ت (٢١٥) هـ: تلكم الإمام أحمد في حديثه عن سفيان الثوري. قال حنبل بن إسحاق: "قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم أصغر من سمع من سفيان عندنا، قال: وقال يحيى: قبيصة أصغر مني بستنين. قلت له: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: كان كثير الغلط قلت له: فغير هذا؟ قال: كان صغيراً لا يضبط. قلت له: فغير سفيان؟ قال: كان قبيصة رجلاً صالحاً ثقة، لا بأس به في بدنه، وأي شيء لم يكن عنده في الحديث، يذكر أنه كثير الحديث" (٢). فذكر وجهين لطعنه في حديثه عن الثوري: استصغاره حين سمع منه، وكثرة غلطه في حديثه عنه. والظاهر أن الإمام أحمد ذكر صغر سنه للتعليل به لكثرة غلطه في حديثه عن الثوري، وإلا فسماعه من الثوري كان بعد سن التمييز، فذكر هارون بن عبد الله الحمَّال أنه سمع قبيصة يقول: "جالست الثوري وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاثَ سنين" (٣).

стр. 316

وقد ردّ محمد بن عبد الله بن نمير على من استصغر قبيصة في الثوري، فقال أبو زرعة الدمشقي: "حدثني أحمد بن أبي الجواري قال: قلت للفريابي: رأيت قبيصة عند سفيان؟ قال: نعم، رأيته صغيراً. قال أبو زرعة: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير فقال: لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه" (١). وممن تكلم في حديث قبيصة عن الثوري يحيى بن معين؛ قال في رواية ابن أبي خيثمة: "قبيصة ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان، ليس بذاك القوي" (٢). وقال يعقوب بن شيبة: "كان ثقة صدوقاً فاضلاً، تكلموا في روايته عن سفيان خاصة، وكان ابن معين يضعف روايته عن سفيان" (٣). وقال صالح بن محمد الحافظ: "كان رجلاً صالحاً إلا أنهم تكلموا في سماعه من سفيان" (٤). وقد ذكر الإمام أحمد بعض ما غلط فيه قبيصة من حديثه عن الثوري، منها: قال عبد الله: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا قبيصة، قال أخبرنا سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سُويْد بن علقمة، قال سمعت عمر يقول: لو استطعت الأذان مع الخِلِّيفِي (٥) لفعلتُ. فحدثت أبي هذا الحديث، فقال: ليس هذا من حديث عمران بن مسلم إنما هو من حديث إسماعيل أو بيان عن قيس، توهمَّه قبيصة" (٦).

стр. 317

هذا الأثر رواه محمد بن فُضيل، عن بيان بن بشر، عن قيس، عن عمر؛ ورواه يزيد بن هارون، ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عمر. أخرج الطريقين ابن أبي شيبة (١). فخطّأ الإمام أحمد رواية قبيصة، حيث وهِم على الثوري فذكر الحديث من طريق عمران بن مسلم، وليس بصحيح. ومنها: قال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيل، عن مسلم البطّين، عن أبي العُبيدَين، عن عبد الله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] قال: السَّفّاكين الدماء. قال أحمد: ليس من هذا شيء، يُنكره على قبيصة" (٢). أبو العبيدين هو معاوية بن ميسرة السوائي الكوفي، سمع ابن مسعود، روى عنه مسلم البطين، ويحيى بن الجزار (٣). والأثر أخرجه البخاري في ترجمته (٤). ولم يتبين لي وجه إنكار الإمام أحمد لهذه الرواية إلا أن يكون قبيصة تفرد بها عن الثوري، وليس ممن يقبل تفرده عن الثوري. وهذا التفسير قد روي من أوجه أخرى عن مجاهد بن جبر (٥).

стр. 318

وكثرة غلط قبيصة في روايته عن الثوري أمر نسبي، وليس تضعيفاً مطلقاً لروايته عن الثوري، فقد ذكر للإمام أحمد كما في رواية ابنه عبد الله قبيصة وأبا حذيفة فقال: "قبيصة أثبت منه جداًّ ـ يعني في حديث سفيان ـ أبو حذيفة شبه لا شيء، وقد كتبتُ عنهما جميعاً" (١). فكثرة غلطه لم يوصله إلى حد التضعيف في الثوري الذي يفهم من قول أحمد في أبي حذيفة: شبه لا شيء، فيحمل ذلك على كثرة الغلط بالنسبة للحفاظ من أصحاب الثوري مثل يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وقد سمع أحمد منهم جميعاً (٢). وقد كان قبيصة من الحفاظ، قال أبو حاتم: "لم أر من المحدثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه" (٣). وقال الفضل بن سهل الأعرج: "كان قبيصة يحدث بحديث الثوري على الولاء درساً درساً حفظاً" (٤). فمن كان بهذه المثابة في تحديثه من حفظه، لا يستبعد أن يقع في بعض الأغلاط بالنسبة لغيره ممن هو أحفظ منه، لا سيما وقد كان كثير الحديث عن الثوري. فذكر الحافظ ابن حجر عن الحسن بن معاوية بن هشام أنه كان عند قبيصة عن الثوري سبعة آلاف حديث (٥).

стр. 319

وقد أخرج الشيخان لقبيصة عن الثوري، لكن قال الحافظ ابن حجر: "أخرج عنه البخاري أحاديث عن سفيان الثوري وافقه عليها غيره" (١). محمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبيري ت (٢٠٣) هـ: قال أحمد: "يأتي بما لا يرويه عامة الناس، وما به بأس" (٢). وتكلم في حديثه عن الثوري: قال حنبل بن إسحاق: "قال أبو عبد الله: أبو أحمد الزبيري كان كثير الخطأ في حديث الثوري" (٣). ومع ذلك فقد قدّمه الإمام أحمد في سفيان الثوري على معاوية بن هشام القصّار، وزيد بن الحُباب، وكل واحد منهما ثقة لكن موصوف بكثرة الخطأ (٤). وقد وثق أبا أحمد الزبيري ابن معين وقال فيه أبو زرعة وابن خراش: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس (٥)، وقد أخرج له الشيخان عن الثوري، لكن قال ابن حجر: ما أظن البخاري أخرج له شيئاً من أفراده عن سفيان (٦). ولم أقف على ما أعله الإمام أحمد من حديثه عن الثوري.

стр. 320

أبو معاوية محمد بن خازم التميمي الضرير ت (١٩٥) هـ (١): كان من شيوخ الإمام أحمد. وقال أحمد: أبو معاوية من أحفظ أصحاب الأعمش (٢). وتكلم الإمام أحمد في حديثه عن هشام بن عروة. قال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ " (٣). ومما أخطأ فيه من حديثه عن هشام بن عروة: قال عبد الله: "ذكرت لأبي حديث أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر صلاة الصبح بمكة. قال أبي: فذكرت ذلك ليحيى بن سعيد فقال: هشام قال: أخبرني أبي مرسلاً، وقال: تُوافي، لأن أبا معاوية قال: توافيه، وأخطأ فيه، فقال لي يحيى: سَل عبد الرحمن، فسألته، فحدثني، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه مرسلاً، وقال: تُوافي مثل ما قال يحيى عن هشام، وابن عيينة مثل يحيى وعبد الرحمن، وأخطأ وكيع فيه: قال: توافي بمنى، أخطأ لأن الحديث قال: توافي يوم النحر، فقال وكيع: بمنى، وأخطأ فيه" (٤). وروى الأثرم قريباً من هذا، قال: "قال لي أبو عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ﵀ حدثنا أبو معاوية، عن هِشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة أن رسول الله
следующие страницы →