← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقد ردّ محمد بن عبد الله بن نمير على من استصغر قبيصة في الثوري، فقال أبو زرعة الدمشقي: "حدثني أحمد بن أبي الجواري قال: قلت للفريابي: رأيت قبيصة عند سفيان؟ قال: نعم، رأيته صغيراً. قال أبو زرعة: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير فقال: لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه" (١). وممن تكلم في حديث قبيصة عن الثوري يحيى بن معين؛ قال في رواية ابن أبي خيثمة: "قبيصة ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان، ليس بذاك القوي" (٢). وقال يعقوب بن شيبة: "كان ثقة صدوقاً فاضلاً، تكلموا في روايته عن سفيان خاصة، وكان ابن معين يضعف روايته عن سفيان" (٣). وقال صالح بن محمد الحافظ: "كان رجلاً صالحاً إلا أنهم تكلموا في سماعه من سفيان" (٤). وقد ذكر الإمام أحمد بعض ما غلط فيه قبيصة من حديثه عن الثوري، منها: قال عبد الله: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا قبيصة، قال أخبرنا سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سُويْد بن علقمة، قال سمعت عمر يقول: لو استطعت الأذان مع الخِلِّيفِي (٥) لفعلتُ. فحدثت أبي هذا الحديث، فقال: ليس هذا من حديث عمران بن مسلم إنما هو من حديث إسماعيل أو بيان عن قيس، توهمَّه قبيصة" (٦).

стр. 317

هذا الأثر رواه محمد بن فُضيل، عن بيان بن بشر، عن قيس، عن عمر؛ ورواه يزيد بن هارون، ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عمر. أخرج الطريقين ابن أبي شيبة (١). فخطّأ الإمام أحمد رواية قبيصة، حيث وهِم على الثوري فذكر الحديث من طريق عمران بن مسلم، وليس بصحيح. ومنها: قال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيل، عن مسلم البطّين، عن أبي العُبيدَين، عن عبد الله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] قال: السَّفّاكين الدماء. قال أحمد: ليس من هذا شيء، يُنكره على قبيصة" (٢). أبو العبيدين هو معاوية بن ميسرة السوائي الكوفي، سمع ابن مسعود، روى عنه مسلم البطين، ويحيى بن الجزار (٣). والأثر أخرجه البخاري في ترجمته (٤). ولم يتبين لي وجه إنكار الإمام أحمد لهذه الرواية إلا أن يكون قبيصة تفرد بها عن الثوري، وليس ممن يقبل تفرده عن الثوري. وهذا التفسير قد روي من أوجه أخرى عن مجاهد بن جبر (٥).

стр. 318

وكثرة غلط قبيصة في روايته عن الثوري أمر نسبي، وليس تضعيفاً مطلقاً لروايته عن الثوري، فقد ذكر للإمام أحمد كما في رواية ابنه عبد الله قبيصة وأبا حذيفة فقال: "قبيصة أثبت منه جداًّ ـ يعني في حديث سفيان ـ أبو حذيفة شبه لا شيء، وقد كتبتُ عنهما جميعاً" (١). فكثرة غلطه لم يوصله إلى حد التضعيف في الثوري الذي يفهم من قول أحمد في أبي حذيفة: شبه لا شيء، فيحمل ذلك على كثرة الغلط بالنسبة للحفاظ من أصحاب الثوري مثل يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وقد سمع أحمد منهم جميعاً (٢). وقد كان قبيصة من الحفاظ، قال أبو حاتم: "لم أر من المحدثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه" (٣). وقال الفضل بن سهل الأعرج: "كان قبيصة يحدث بحديث الثوري على الولاء درساً درساً حفظاً" (٤). فمن كان بهذه المثابة في تحديثه من حفظه، لا يستبعد أن يقع في بعض الأغلاط بالنسبة لغيره ممن هو أحفظ منه، لا سيما وقد كان كثير الحديث عن الثوري. فذكر الحافظ ابن حجر عن الحسن بن معاوية بن هشام أنه كان عند قبيصة عن الثوري سبعة آلاف حديث (٥).

стр. 319

وقد أخرج الشيخان لقبيصة عن الثوري، لكن قال الحافظ ابن حجر: "أخرج عنه البخاري أحاديث عن سفيان الثوري وافقه عليها غيره" (١). محمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبيري ت (٢٠٣) هـ: قال أحمد: "يأتي بما لا يرويه عامة الناس، وما به بأس" (٢). وتكلم في حديثه عن الثوري: قال حنبل بن إسحاق: "قال أبو عبد الله: أبو أحمد الزبيري كان كثير الخطأ في حديث الثوري" (٣). ومع ذلك فقد قدّمه الإمام أحمد في سفيان الثوري على معاوية بن هشام القصّار، وزيد بن الحُباب، وكل واحد منهما ثقة لكن موصوف بكثرة الخطأ (٤). وقد وثق أبا أحمد الزبيري ابن معين وقال فيه أبو زرعة وابن خراش: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس (٥)، وقد أخرج له الشيخان عن الثوري، لكن قال ابن حجر: ما أظن البخاري أخرج له شيئاً من أفراده عن سفيان (٦). ولم أقف على ما أعله الإمام أحمد من حديثه عن الثوري.

стр. 320

أبو معاوية محمد بن خازم التميمي الضرير ت (١٩٥) هـ (١): كان من شيوخ الإمام أحمد. وقال أحمد: أبو معاوية من أحفظ أصحاب الأعمش (٢). وتكلم الإمام أحمد في حديثه عن هشام بن عروة. قال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ " (٣). ومما أخطأ فيه من حديثه عن هشام بن عروة: قال عبد الله: "ذكرت لأبي حديث أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر صلاة الصبح بمكة. قال أبي: فذكرت ذلك ليحيى بن سعيد فقال: هشام قال: أخبرني أبي مرسلاً، وقال: تُوافي، لأن أبا معاوية قال: توافيه، وأخطأ فيه، فقال لي يحيى: سَل عبد الرحمن، فسألته، فحدثني، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه مرسلاً، وقال: تُوافي مثل ما قال يحيى عن هشام، وابن عيينة مثل يحيى وعبد الرحمن، وأخطأ وكيع فيه: قال: توافي بمنى، أخطأ لأن الحديث قال: توافي يوم النحر، فقال وكيع: بمنى، وأخطأ فيه" (٤). وروى الأثرم قريباً من هذا، قال: "قال لي أبو عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ﵀ حدثنا أبو معاوية، عن هِشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة أن رسول الله

стр. 321

صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة، ولم يُسند ذلك، وهو خطأ، قال أحمد: وقال وكيع، عن هشام، عن أبيه مرسلاً أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة (١) أو نحو هذا، قال: وهذا أيضاً عجيب، ما يفعل النبي ﷺ يوم النحر بمكة، قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد القطان فسألته فقال: عن هشام، عن أبيه أن النبي ﷺ أمرها أن توافي ليس فيه هاء. قال أحمد: وبين هذين فرق قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن، هو ابن مهدي، فسألته فقال: هكذا عن سفيان، عن هشام، عن أبيه: توافي. ثم قال لي أبو عبد الله: رحم الله يحيى، ما كان أضبطه، وأشدّه، كان محدثاً، وأثنى عليه فأحسن الثناء عليه" (٢). رواية أبي معاوية أخرجها مسلم (٣)، وإسحاق (٤)، والطحاوي (٥)، والطبراني (٦)، والبيهقي (٧)، وذكرها البخاري تعليقاً (٨)، كلهم عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: [أمرها رسول الله ﷺ يوم النحر أن توافي معه صلاة الصبح بمكة]. وذكر الإمام أحمد أن أبا معاوية أخطأ في روايته هذه عن هشام بن عروة في موضعين: الأول في وصلها، والثاني في لفظها حيث قال: [توافيه يوم النحر صلاة الصبح

стр. 322

بمكة]. وإنما حكم الإمام أحمد على روايته بالخطأ لأن غيره ممن هو أحفظ منه في هشام قد خالفه، فرواه يحيى القطان، عن هشام عن أبيه مرسلاً، وقال في لفظه: [توافي يوم النحر صلاة الصبح بمكة]. ذكر الإمام أحمد هذه الرواية، وذكرها مسلم أيضاً تعليقاً، وذكر أنها رواية عبدة بن سليمان عن هشام (١). وكذلك روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن هشام فيما ذكره الإمام أحمد. ورواه ابن عيينة، عن هشام. أخرج روايته مسلم (٢). ورواه حماد بن سلمة (٣)، وعبد العزيز الدراوردي (٤)، وعبد الله بن جعفر الزهري (٥) كلهم عن هشام، عن أبيه قال: [دار رسول الله ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها فأحب أن توافقه]، وفي لفظ حماد بن سلمة: [فرمت جمرة العقبة وصلت الفجر بمكة]. وهناك وجه من النظر قاض بخطأ رواية أبي معاوية، وهو أن النبي ﷺ صلى الصبح في حجته يوم النحر بالمزدلفة، وتلك سنة رسول الله ﷺ ، فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وهو حينئذ يصلي بالمزدلفة؟ (٦). فهذا مثال لما أخطأ فيه أبو معاوية في حديثه عن هشام بن عروة. وحديث أبي معاوية عن هشام مخرج عند الجماعة (٧)، لكن قال ابن حجر: لأبي معاوية عند البخاري عن هشام بن عروة عدة أحاديث توبع عليها (٨).

стр. 323

والظاهر أن الإمام مسلماً أيضاً تجنب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها عن هشام، بدليل ما ذكره في "كتاب التمييز" من خطئه في حديث هشام بن عروة، والعلم عند الله. وتكلم الإمام أحمد أيضاً في حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر العمري. قال أحمد: "هو يضطرب في أحاديث عبيد الله ـ يعني ابن عمر" (١). قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: كان أبو معاوية يخطئ في غير شيء عن عبيد الله، ذكر منها في المطلقة والمتوفى عنها في العدة، قال أحمد: ليس أحد يقول المطلقة غيره" (٢). وهذا الأثر الذي ذكره الإمام أحمد لم أهتد إليه، وقد روى أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في المرأة يطلقها زوجها ثم يموت عنها قال: [عدتها من يوم طلقها، ومن يوم يموت عنها]. أخرجه ابن أبي شيبة (٣). فلعله يقصده. ولم أقف على مثال آخر عن الإمام أحمد لما أخطأ فيه أبو معاوية عن عبيد الله العمري (٤).

стр. 324

معمر بن راشد الأزدي ت (١٥٤) هـ: تكلم الإمام أحمد في حديثه عن الأعمش، قال: "أحاديث معمر عن الأعمش التي يغلط فيها، ليس هو من عبد الرزاق، إنما هو من معمر، يعني الغلط" (١). وأما غير الإمام أحمد كابن معين، والأثرم، الدارقطني، فذكروا أنه سيئ الحفظ جداًّ عن الأعمش (٢). وقد روى الفسوي ما يدل على سبب ذلك: قال: سمعت زيد بن المبارك، يذكر عن محمد بن ثور، عن معمر قال: سقطت مني صحيفة الأعمش، فإنما أتذكر حديثه، وأحدث من حفظي" (٣). فمن هذا السبب وقعت الأخطاء في روايته عن الأعمش. ولم يخرج الأئمة الستة شيئاً من حديثه عن الأعمش (٤). قال ابن حجر: لم يخرج له البخاري من روايته عن الأعمش شيئاً (٥). مُغيرة بن مِقسَم ت (١٣٦) هـ: قال عبد الله: وسمعته ـ أبا عبد الله ـ وذكر مُغيرة بن مِقسَم الضبي، فقال: كان صاحب السنة ذَكِيًّا حافظاً، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد ومن يزيد بن الوليد والحارث العكلي وعن عبيدة وعن غيره، وجعل يضعف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده (٦).

стр. 325

كان أحمد يضعف حديث مغيرة بن مِقسَم عن إبراهيم النخعي وحده (١). ونقل ابن حجر عن أحمد أنه قال: كان يدلسها كان سمعها من حماد (٢). أبو بكر بن عياش: قال أحمد: قد اختلفوا في اسمه وغلبت عليه كنيته (٣). وقد وثقه أحمد في رواية ابنه صالح فقال: صدوق ثقة صاحب قرآن وخير (٤). وقال في رواية عبد الله: ثقة ربما غلط (٥). يشير بهذا إلى أنه دون الحفاظ المتقنين، ومن أجل ذلك قال: ليس هو مثل زائدة، وزهير، وسفيان (٦) يعني من الحفاظ الكوفيين ممن هم في طبقته. وكذلك قدم عليه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. قال مهنا بن يحيى: سألت أحمد بن حنبل أيهما أحب إليك: إسرائيل أو أبو بكر ابن عياش؟ فقال: إسرائيل. قلت لم؟ قال: لأن أبا بكر كثير الخطأ جداً. قلت: كان في كتبه خطأ؟ قال: لا، كان إذا حدّث من حفظه (٧). وهذه الرواية تشير إلى أن أبا بكر بن عياش عند الإمام أحمد كان كثير الخطأ إذا حدّث من حفظه، وأما كتابه فهو صحيح، ومع ذلك فقد جعله مقارب الحديث عن بعض الشيوخ، وجعله عن البعض الآخر مضطرب الحديث،

стр. 326

فجعله مضطرب الحديث عن: ١. صغار الشيوخ دون كبارهم: قال الفسوي: حدثني الفضل ـ يعني ابن زياد ـ قال: سألت أبا عبد الله قلت: "الأسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لم تُحبس ـ أو تردّ ـ الشمسُ على أحد إلا يوشع بن نون" قال: نعم هكذا أو نحو هذا. قلت: رواه غير الأسود عن أبي بكر؟ قال: لم أسمعه إلا من الأسود. ثم قال أبو عبد الله: أبو بكر يضطرب في حديث هؤلاء الصغار، فأما حديثه عن أولئك الكبار ما أقربه، عن أبي حصين، وعاصم، وإنه يضطرب عن أبي إسحاق أو نحو ذا" (١). فذكر أن من كبار شيوخه أبي حَصين ـ عثمان بن عاصم ـ وعاصم ابن أبي النجود، ومن صغارهم هشاماً وهو ابن حسّان القردوسي البصري. وأبو حصين وعاصم من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة عند خليفة بن خياط (٢)، وفي هذه الطبقة من شيوخ أبي بكر بن عياش يوجد: حصين بن عبد الرحمن السلمي (٣)، وأبو إسحاق السبيعي (٤)، وعبد العزيز بن رُفيع (٥)، وكذلك سفيان

стр. 327

ابن دينار التّمّار (١)، وغيرهم. وفي طبقة الصغار: حميد الطويل (٢)، والأعمش (٣)، وإسماعيل بن أبي خالد (٤)، وأبو إسحاق الشيباني (٥) وغيرهم. وبناء على ما ذهب إليه الإمام أحمد من تضعيف حديث أبي بكر بن عياش عن صغار شيوخه فقد أنكر بعض ما تفرد به عن هؤلاء الشيوخ أو خالف فيه غيره ممن هو أولى منه. فمما أنكره مما تفرد به عن بعض صغار شيوخه ما تقدم ذكره في رواية الفضل بن زياد عن الإمام أحمد أنه أنكر الحديث الذي رواه بلفظ: "لم تُحبس ـ أو تردّ ـ الشمسُ على أحد إلا يوشع بن نون". وهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (٦)، والطحاوي (٧)، والخطيب (٨) كلهم من طريق الأسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام بن حسان،

стр. 328

عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليُوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس". وقد أعله الإمام أحمد في هذه الرواية عن الفضل بن زياد بأنه من رواية أبي بكر بن عياش عن هشام بن حسان، وهو من صغار شيوخه وروايته عنهم فيها اضطراب. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: والذي يظهر أن ذلك راجع إلى تفرد أبي بكر بن عياش برواية الحديث من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة بهذا اللفظ الذي تضمن ذكر يوشع بن نون، فالحديث قد روي من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة بغير هذا اللفظ. أخرجه الشيخان من هذا الوجه بلفظ: "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعْني رجل ملك بُضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يَبنِ بها، ولا أحدٌ بنى بيوتاً لم يرفع سقوفها، ولا آخر اشترى غنماً أو خَلِفات وهو ينتظر وِلادَها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: إنكِ مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحُبست حتى فتح الله عليهم … " (١). وروي أيضاً من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ رواه النسائي (٢)، وأبو عوانة (٣)، وابن أبي عاصم (٤) وابن حبان (٥) كلهم من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه عن قتاة، عن سعيد به بمثل لفظ حديث همام بن منبه. فليس في الروايتين تسمية النبي الذي حبست له الشمس، وإنما ورد هذا من

стр. 329

رواية أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، وكذلك ورد في حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة لكنه من قول كعب الأحبار وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ . أخرجه الطبراني (١)، والحاكم (٢) بمثل حديث همام وابن المسيب وفيه في آخر الحديث: [فقال كعب ـ وهو عند أبي هريرة ـ: صدق الله ورسوله، هكذا في كتاب الله يا أبا هريرة، هل حدثكم نبي الله ﷺ أي نبي كان؟ قال: لا، قال كعب: يوشع بن نون، صاحب موسى، فأخبركم أي مدينة هي؟ قال: لا، قال: هي مدينة أَريحا]. فإضافة تسمية النبي صاحب القصة إلى كعب الأحبار أولى من إضافتها إلى رسول الله ﷺ ، إذ لم يرد ذلك من طريق سالم من العلة، فأبو بكر بن عياش وإن كان ثقة، فإنه يضطرب في حديثه عن صغار شيوخه مثل هشام بن حسان شيخه في هذا الحديث ولا يضطبه جيداً، فلا يقبل ما يتفرد به، وخاصة أن ما ذكره معروفٌ من وجه آخر أنه ليس من قول النبي ﷺ ، وهذا في نظري هو وجه إعلال الإمام أحمد لحديث أبي بكر بن عياش، حيث جعل ما كان أصله قولاً لكعب مرفوعاً إلى النبي ﷺ . وقد اعتمد الحافظ ابن حجر إسناد أبي بكر بن عياش هذا فقال: وقد ورد أصل تسمية هذا النبي من طريق مرفوعة صحيحة، وقال: رجال الإسناد محتج بهم في الصحيح (٣)، ومن قبله قال ابن كثير عن الإسناد: هو على شرط البخاري (٤). والحديث ليس على شرط البخاري، لأن البخاري ما أخرج لأبي بكر بن عياش عن هشام بن حسان، وليس الإسناد من شرط الصحيح، لأن

стр. 330

رجاله وإن كانوا محتجاً بهم في الصحيح لكن ليس ذلك على صورة الاجتماع. وكذلك صحح الشيخ الألباني هذا الإسناد (١)، واعتمد على التفصيل الذي ذكره ابن حبان في حالة أبي بكر بن عياش حيث قال ابن حبان: "كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، يروى عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقد روى عنه ابن المبارك وأهل العراق، وكان يحيى القطان وعلى بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر سنه ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر فلو كثر خطؤه حتى كان الغالب على صوابه لا يستحق مجانبة رواياته، فأما عند الوهم يهم أو الخطأ يخطئ لا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته وصحة سماعه … والصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم لأنه داخل في جملة أهل العدالة ومن صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بالجرح وهكذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته وتبين خطاؤه" (٢). فقوله: الاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم، يدل على قبول ما تفرد به، لكن الإمام أحمد بسبره لحديث أبي بكر بن عياش عن شيوخه قد ذكر جرحاً مفسراً، فيقدم على هذا التعديل المبهم. وكذلك لم يقبل الإمام أحمد حديثاً آخر لأبي بكر بن عياش عن بعض صغار شيوخه لتفرده به فذكر الخلال عن الفضل بن زياد: قال الفضل بن زياد: قلت: الحديث الذي رواه أبو بكر بن عيّاش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: [أن رجلاً جاء إلى بيته، فرأى ما بهم من

стр. 331

الحاجة، فخرج إلى الصحراء، فلما رأتْ ذلك امرأتُه قامتْ إلى الرّحى فوضعتها، وإلى التَّنُّور فسجرتْه، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت، وذهبت إلى التنور فوجدته مُمتلئاً، فلما جاء الزوج قال: أصبتُم بعدي شيئاً؟ قالت امرأتُه: نعم، من ربِّنا. قال: قام إلى الرحى فرفعها فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: "أما إنه لو لم يرفعها لم تزل إلى يوم القيامة". قال: ما أدري أيش هذا، أبو بكر يضطرب عن هؤلاء (١). هذا الحديث أخرجه أحمد (٢) عن الأسود بن عامر عن أبي بكر بن عياش به، وأخرجه البزار (٣)، والطبراني (٤)، والعقيلي (٥)، والبيهقي (٦) كلهم من طرق عن أحمد ين يونس، عن أبي بكر بن عياش به. قال البزار: لا نعلم رواه عن هشام إلا أبو بكر بن عياش. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا هشام بن حسّان، ولا عن هشام بن حسان إلا أبو بكر بن عياش، تفرد به: أحمد بن يونس. ا. هـ. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بقوله: ما أدري أيش هذا، أبو بكر يضطرب عن هؤلاء. ا. هـ. هذا يدل على عدم قبوله للحديث لتفرد أبي بكر بروايته عن شيخ يضطرب في حديثه، وهو هشام بن حسّان. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار هذا

стр. 332

الحديث العقيلي فقال بعد روايته للحديث: يروي أبو بكر عن البصريين، عن حميد وهشام، غير حديث منكر. ا. هـ (١). وقد أوضح العقيلي وجه علة هذا الحديث فروى عن محمد بن إسماعيل ـ هو الصائغ ـ قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة [أن رجلاً مؤمناً كانت تحته امرأة مؤمنة، وذلك في بني إسرائيل، وأنهم أصبحوا يوماً وليس عندهم طعام، فغسلت الخواز وغسلت الجفنة، وسجرت التنور وجعلت تعلل زوجها حتى نام، فقامت إلى جفنتها فوجدتها ملآة تدفق عجيناً قد اختمر، فذهبت إلى التنور فإذا فيه حنب لحم، فقال زوجها: من تصدق علينا؟ فقالت: الرب ﵎ تصدق علينا]. قال العقيلي: وهذا أولى من حديث أبي بكر بن عياش (٢). أي ليس فيه شيء مرفوع إلى النبي ﷺ . فتبين بهذا أن أصل الحديث موقوف على أبي هريرة وأنه من الإسرائيليات، وليس فيه قول النبي ﷺ ، فرواه أبو بكر بن عياش بزيادة قول النبي ﷺ في آخر الحديث، وأُسند الخطأ إليه لأنه معروف بقلة ضبطه لحديث هشام بن حسان (٣).

стр. 333

وقال الذهبي: هذا حديث منكر (١). ومن صغار شيوخ أبي بكر بن عياش الذين تكلم الإمام أحمد في أحاديثه عنهم: إسماعيل بن أبي خالد، فروى أبو داود في مسائله قال: سمعت أحمد حدّث عن أبي بكر بن عياش، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي في المفقود قال: ليس هذا من حديث إسماعيل … (٢). ولم أقف على هذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد، لكن روى سعيد بن منصور عن هشيم، نا إسماعيل بن أبي خالد، والشيباني، عن الشعبي أنه قال في امرأة المفقود: [إذا تزوجت فحملت من زوجها الآخر ثم بلغها أن زوجها الأول حي يفرق بينها وبين زوجها الآخر، فإن مات زوجها الأول فإنها تعتد من هذا الآخر بقية حملها فإذا وضعت اعتدتْ من الأول أربعة أشهر وعشراً وورثته] (٣). فرواه من قول الشعبي وليس عن علي، فلعل هذا ما يقصده الإمام أحمد في كلامه على رواية أبي بكر بن عياش، حيث جعل الحديث من قول علي، ببينما هو من قول الشعبي، والمعروف عن علي في المفقود هو ما رواه سعيد بن منصور أيضاً، عن جرير الضبي، عن منصور، عن الحكم قال: قال علي: [إذا فقدت المرأة زوجها فلا تتزوج حتى تستبين أمره] (٤). ورواه عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور به

стр. 334

نحوه (١). ورواه ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش، عن الحكم عن علي (٢) نحوه، وهذا منقطع، أبو بكر لم يلق الحكم. فالمعروف عن علي في المفقود هو رواية الحكم، وأما حديث إسماعيل بن أبي خالد فهو عن الشعبي قوله، وهذا وجه إنكار الإمام أحمد لرواية أبي بكر بن عياش، والعلم عند الله. وقد أخرج البخاري لأبي بكر بن عياش من حديثه عن صغار شيوخه حديثه عن حميد الطويل، فإنه من صغار شيوخه كما تقدم، وقد أخرج له البخاري حديثاً واحداً، وهو حديث أنس في الشفاعة مختصراً (٣)، وهو معروف لأنس من وجوه أخرى مطولاً (٤). ولم أقف على غيره. وكذلك أخرج له من حديثه عن أبي إسحاق الشيباني، وهو حديثه عن عبد الله بن أبي أوفى: "إذا رأيت الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم" (٥)، وهو متابع (٦). ولم أقف على غيره. ٢. وممن ذكره الإمام أحمد أن أبا بكر بن عياش يضطرب في حديثه أبو إسحاق السبيعي، وهو في طبقة كبار شيوخه، فقال كما تقدم في رواية الفضل ابن زياد عنه: إنه يضطرب عن أبي إسحاق (٧). ومما أنكره الإمام أحمد من حديثه عن أبي إسحاق، ونسبه إلى الوهم فيه ما ذكره عبد الله:

стр. 335

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي قال حدثنا أبو بكر بن عياش، قال حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، قال ذكر عند عبد الله امرأة فقالوا إنها تغتسل يا أبا عبد الرحمن وتتوضأ. فقال: [أما إنها لو كانت عندي لم تفعل ذلك]. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد ينكر هذا الحديث جداً. قال أبي: لم يروه عن أبي إسحاق غير أبي بكر بن عياش، نراه وهم إنما هذا يرويه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة (١). فأشار في هذه الرواية إلى وهم أبي بكر بن عياش في هذا الحديث لتفرده به عن أبي إسحاق ومخالفة الأعمش له، حيث رواه عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. فلم يقبل الإمام أحمد هذا التفرد منه بل عدّه وهماً. ومما ذكره الإمام أحمد من أوهامه في روايته عن أبي إسحاق ما رواه عبد الله أيضاً: قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعد بن إياس البجلي قال: [رأيت عبد الله يُخرج النساء من المسجد يومَ الجمعة ويقول: أخرجن، فإن هذا ليس لكُنّ. سمعت أبي يقول: سعد بن إياس هو أبو عمرو الشيباني، ولكن أبا بكر قال: البجلي كأنه يرى أنه وهم (٢). فذكر الإمام أحمد أن أبا بكر وهم في نسبة سعد بن إياس، حيث ذكر أنه بجلي بينما هو شيباني. وقد وافق الإمام أحمد أبو حاتم في نسبة أبي بكر بن عياش إلى الاضطراب عن أبي إسحاق السبيعي، فأعل حديثاً لأبي بكر عن أبي إسحاق أخطأ فيه ثم

стр. 336

قال: وسماع أبي بكر من أبي إسحاق ليس بذاك القوي (١). ولم يخرج الإمام البخاري لأبي بكر بن عياش شيئاً من حديثه عن أبي إسحاق. وهؤلاء الأعلام ذكروا على سبيل المثال لا الحصر للرواة الثقات الذين تكلم الإمام أحمد في حفظهم لحديث بعض شيوخهم واقتضى ذلك إعلال مروياتهم عن أولئك الشيوخ.

стр. 337

المطلب الرابع: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن أهل بعض البلدان، والإعلال به عند الإمام أحمد . ومن مجال غوامض علل الحديث الذي كشفه النقاد ما يقع لبعض رواة الأخبار من أوهام واضطراب في رواياتهم عن أهل بعض البلدان مع كونهم في أنفسهم ثقات، لكنهم بسبب من الأسباب لم يضبطوا أحاديث شيوخ تلك البلدان ووصفوا بسوء الحفظ فيهم، فيكون ذلك من دواعي التمييز والتمحيص فيما رووا، فلا يصحح لهم بإطلاق، بل إضافة على حالهم من حيث الجرح والتعديل ينظر إلى بلد من رووا عنه من الشيوخ، فيصحح أحاديثهم عن أهل البلدان الذين هم فيهم ضابطون ويتوقف في مروياتهم عمن وصفوا بسوء الحفظ فيهم، فلا يقبل ما تفردوا به أو ما خالفوا فيه غيرهم، وبهذا يجتنب مواطن الوهم والغلط في مروياتهم. والإمام أحمد ﵀ من النقاد الذين انبروا لكشف هذه العلة في أحاديث هذا الصنف من الرواة، فميّزهم وأعلّ بعض مروياتهم بهذه العلة، منهم: ١. إسماعيل بن عيّاش بن سُليم العنسي الحمصي: وصفه الإمام أحمد بأنه هو والوليد بن مسلم أروى الناس لحديث الشاميين (١). ولما سأل عن حفظه فأُخبر بذلك عجب من حفظه وجعله مثل وكيع في سعة الحفظ، فروى الخطيب من طريق عبد الله بن الإمام أحمد قال: "قال أبي لداود بن عمرو الضبي وأنا أسمع: يا أبا سليمان، كان يحدثكم إسماعيل بن عياش

стр. 338

هذه الأحاديث بحفظه؟ قال: نعم! ما رأيت معه كتاباً قط. فقال له: لقد كان حافظاً، كم كان يحفظ؟ قال: شيئاً كثيراً. قال له: كان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، فقال له أبي: هذا كان مثل وكيع" (١). وقد صحح الإمام أحمد أحاديث إسماعيل بن عيّاش عن الشاميين خاصة، وضعّف حديثه عن غيرهم من أهل المدينة، وأهل العراق، لأنه يغلط فيهم وله عنهم مناكير. قال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "إسماعيل بن عياش، ما روى عن الشاميين فهو صحيح، وما روى عن أهل المدينة وأهل العراق ففيه ضعف يغلط" (٢). وقال في رواية أبي طالب: "إسماعيل بن عيّاش، ما روى عن الشاميين صحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح" (٣). وقال أبو حاتم: "سألت أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن عيّاش فقال: في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز بعض الشيء، وروايته عن أهل الشام كأنه أثبت وأصح" (٤). وقال في رواية أبي داود: "ما حدّث عن مشايخهم، قلت: الشاميين؟ قال: نعم، فأما حديث غيرهم عنده مناكير" (٥). وأما في رواية المروذي فحسّن حديثه عن أهل الشام، فكأن حديثه عنهم

стр. 339

متردد بين الصحيح والحسن عنده (١). قال المروذي: "سألته يعني أبا عبد الله عن إسماعيل بن عيّاش، فحسّن روايته عن الشاميين وقال: هو فيهم أحسن حالاً مما روى عن المدنيين وغيرهم" (٢). وقد أجمع على هذا القول في إسماعيل بن عياش جمعٌ من الأئمة الحفاظ، منهم يحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو زرعة، وابن عدي، وروي أيضاً عن علي بن المديني (٣). ما أعله من حديث إسماعيل بن عياش عن غير أهل الشام: ١. قال عبد الله: سألت أبي عن حديث حدّثناه الفضل بن زياد الذي يقال له: الطسّي قال: حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "لا يقرأ الجُنْب والحائض شيئاً من القرآن" فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عيّاش، يعني أنه وهمٌ من إسماعيل بن عيّاش (٤). هذا الحديث رواه الترمذي (٥)، وابن ماجه (٦)، والطحاوي (٧)، والدارقطني (٨)، والبيهقي (٩)، من طرق عن إسماعيل بن عياش به.

стр. 340

أنكره الإمام أحمد على إسماعيل بن عيّاش، مما يدل على أنه علة الحديث، وفسر عبد الله وجه النكارة بأن الحديث وهمٌ من إسماعيل، وشيخه في هذا الحديث هو موسى بن عقبة إمام المغازي، وهو حجازي من ثقات أهل المدينة. وهذا الوهم يحتمل أحد وجهين: الأول: أن يكون ذلك راجعاً إلى تفرد إسماعيل ابن عياش عن موسى بن عقبة بهذه الرواية، وهو ممن لا يحتمل تفرده لعدم ضبطه لحديث أهل الحجاز، وهذا وجه إعلال الإمام البخاري للحديث. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: "إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به" (١). ونقل عنه أيضاً أنه قال: "لا أعرفه من حديث ابن عقبة، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق" (٢). وممن نص على تفرد إسماعيل عن موسى بن عقبة بهذه الرواية الترمذي (٣)، والبزار (٤). الوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعاً إلى ما ذكره أبو جاتم قال: "هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله" (٥)، فيكون الوهم في رفعه للحديث. ولم أقف على رواية الوقف إلا ما ذكره أبو حاتم هنا. وقد يقال إن إسماعيل بن عياش لم ينفرد بهذا عن موسى بن عقبة بدليل ما رواه الدارقطني من ثلاث طرق أخرى عن موسى بن عقبة، وعليه فلا يستقيم

стр. 341

الإعلال بالوجه الذي ذكره الإمام البخاري من توهيم إسماعيل بن عياش من أجل التفرد، وهذه الطرق هي: ١. طريق عبد الملك بن مسلمة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى ابن عقبة به (١). ٢. طريق أبي معشر، عن موسى بن عقبة به. رواه الدارقطني أيضاً من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل عنه (٢). ٣. طريق إبراهيم بن العلاء، وسعيد بن يعقوب الطالقاني كلاهماعن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، عن نافع به (٣). أما الطريق الأول ففيه عبد الملك بن مسلمة، قال ابن حبان: شيخ يروي عن أهل المدينة المناكير الكثيرة. وقال ابن يونس: منكر الحديث (٤). وأما المغيرة ابن عبد الرحمن المخزومي فقيه أهل المدينة، فوثقه ابن معين، ويعقوب بن شيبة، وقال أبو زرعة: لا بأس به (٥). واغتر به ابن سيد الناس فصحح الحديث من أجله، وذهل عن وجود عبد الملك بن مسلمة في السند، فخطّأه ابن حجر (٦). وأما الطريق الثاني ففيه رجل مبهم في السند، وفيه أيضاً أبو معشر نجيح ابن عبد الرحمن المديني، قال أحمد: كان صدوقاً، لكنه لا يقيم الإسناد، ليس بذاك (٧)

стр. 342

وقال ابن معين: ضعيف، يكتب من حديثه الرقاق، وكان رجلاً أميا، يتقى أن يروى من حديثه المسند (١). وقال البخاري: منكر الحديث (٢). فمثل هذا لا يعتبر به في غير الرقاق من المسند، والأمر الآخر هو أن الرجل المبهم يحتمل أن يكون مجروحاً جرحاً شديداً. وبهذا ينتفي صحة متابعة إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. وأما الطريق الثالث، ففيه إبراهيم بن العلاء أبو هارون الغنوي، لم يحدث عنه يحيى القطان وابن مهدي (٣)، لكن قال عنه الذهبي: بصري صدوق (٤)، إلا أن الراوي عنه، وهو محمد بن جعفر بن رزين لم أجد له ترجمة. وإبراهيم بن العلاء مقرون بسعيد بن يعقوب الطالقاني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة، والنسائي، والذهبي (٥). وهذا السند ظاهره الصحة، إلا أنه معلول، فإن الشيخ الثاني لإسماعيل ابن عيّاش، وهو عبيد الله بن عمر حجازي أيضاً فروايته عنه ضعيفة أيضاً، ولذلك قال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله (٦)، يشير إلى تفرد إسماعيل بن عيّاش به عن عبيد الله، وهو ممن لا يحتمل منه هذا التفرد. وقد ضعف الحافظ ابن حجر هذا الحديث من جميع طرقه (٧). ٢. قال أبو طالب: سألت أحمد عن حديث ابن عياّش، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: "من قاء، أو رعَف، أو أَحدث

стр. 343

في صلاته فلْيذهب فلْيتوضأ، ثم ليَبْنِ على صلاته" فقال: هكذا رواه ابن عيّاش، إنما رواه ابن جريج فقال: عن أبي، إنما هو عن أبيه، ولم يُسنده عن أبيه، ليس فيه ذكر عائشة (١). وفي رواية أبي داود: "سمعت أحمد قيل له: حديث ابن عيّاش ـ وهو إسماعيل ـ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ في البناء ـ يعنى من الحدث في الصلاة؟ قال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن جريج، عن أبيه، ولم يسمعه أيضاً من أبيه، قلت: يجمعهما ـ أعني إسماعيل بن عياش؟ قال: ليس هذا بشيء" (٢). هذا الحديث أخرجه ابن ماجة (٣)، وابن عدي (٤)، والدارقطني (٥)، والبيهقي (٦) من طرق عن ابن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به مرفوعاً. وقد رواه ابن عيّاش بإسناد آخر فقال: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ ، رواه أبو الربيع موسى بن عامر، عن الوليد بن مسلم، عن إسماعيل به (٧)،

стр. 344

وتابعه مروان بن محمد الطاطري عن إسماعيل به (١). ورواه داود بن رُشيد، عن إسماعيل، عن ابن جريج، عن أبيه، وعن عبد الله ابن أبي مليكة، عن عائشة به (٢). وقد أعلّ الإمام أحمد الإسناد الأول كما في هذه الرواية من طريق أبي طالب عنه، ووجه ذلك أن الحفاظ من أصحاب ابن جريج رووا الحديث عنه، عن أبيه مرسلاً. رواه كذلك: عبد الرزاق (٣)، وأبو عاصم النبيل، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الوهاب ابن عطاء الخفاف (٤). فهؤلاء مقدّمون على إسماعيل ابن عياش في ابن جريج وخاصة أن إسماعيل معروف بعدم ضبطه لحديث شيوخه الحجازيين، وابن جريج منهم. وقد وافق الإمام أحمد على إعلال الحديث من هذا الوجه محمد بن يحيى الذهلي ـ وقد روى الحديث بالوجهين مسنداً من طريق ابن عياش، ومرسلاً من طريق أبي عاصم النبيل ـ فقال: "هذا هو الصحيح عن ابن جريج، وهو مرسل، وأما حديث ابن جريج، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة الذي يرويه إسماعيل بن عياش فليس بشيء" (٥). وتبعهما البيهقي، قال: "وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ … " (٦).

стр. 345

وأما أبو حاتم وأبو زرعة فرجحا أيضاً رواية الإرسال لكن من وجه آخر فقالا: "الصحيح عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسل" (١). وهذه الرواية لم أقف عليها، والظاهر أنها غريبة، ومن أجل ذلك قال ابن دقيق العيد: "هذا لون آخر ينبغي أن يتتبع بالكشف" (٢). وقد يعترض على هذا الإعلال بثلاثة أمور، سأوردها مع الجواب عليها. الأول: أن إسماعيل بن عياش توبع عن ابن جريج: تابعه سليمان بن أرقم قال: حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ بهذا الحديث (٣). قال الدارقطني: "تابعه سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وأصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج، عن أبيه مرسلاً، والله أعلم" (٤)، يشير إلى أنه مع هذه المتابعة، حتى ولو صلحت، فإنها لا تقارن برواية أصحاب ابن جريج الحفاظ. الثاني: أن بعض الرواة روى الحديث عن إسماعيل بن عيّاش، عن عباد ابن كثير، وعطاء بن عجلان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بمثله مرفوعاً. رواه الدارقطني، وقال: عباد بن كثير، وعطاء بن عجلان ضعيفان (٥). وعباد بن كثير الذي يروي عنه إسماعيل بن عياش هو الثقفي البصري (٦)، وهو أسوأ حالا من الرملي، فقد قال فيه غير واحد: لا يكتب حديثه (٧)، وقال الإمام أحمد: روى

стр. 346

أحاديث كاذبة لم يسمعها (١). وأما عطاء بن عجلان فمتروك أيضاً، وأطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب (٢). فروايته ساقطة أيضاً كالتي قبلها. الثالث: أن إسماعيل بن عياش قد روى الحديث من وجهين: مرسلاً كما رواه الجماعة، ومسنداً بذكر عائشة؛ رواه عنه بالإسنادين معاً: محمد بن المبارك، ومحمد بن الصباح، والربيع بن نافع (٣). وهذا يُشعر بأنه ضابط للحديث، فتقبل روايته المسندة ولا تعلّ، وهذا الذي مال إليه ابن دقيق العيد، وتبعه ابن التركماني. قال ابن دقيق العيد: "وهذه الروايات التي جمع فيها إسماعيل بن عيّاش بين الإسنادين جميعاً ـ أعني المرسل والمسند في حالة واحدة ـ مما يبعد الخطأ على إسماعيل، فإنه لو اقتصر على رفع ما وقفه الناس لتطرّق الوهم إلى خطئه تطرقاً قريباً، فأما وقد وافق الناس في روايتهم المرسل، وزاد عليهم بالمسند، فهذا يُشعر بتحفظ وتثبت فيما زاده عليهم، وإسماعيل قد وثقه يحيى بن معين، وقال يزيد بن هارون: ما رأيب شامياً ولا عراقياً أحفظ من إسماعيل بن عيّاش" (٤). والجواب على هذا أن إسماعيل قد روى الحديث من وجه آخر عن ابن جريج غير الوجهيْن المذكوريْن، وهو: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة، ولم يتابع على هذا الوجه كما لم يتابع على الرواية المسندة من طريق ابن أبي مليكة من وجه معتبر. والذين رووا الحديث عنه من هذه الوجوه الثلاثة كلهم ثقات، واختلافهم عليه يدل على اضطرابه لا على مزيد تثبت، فالوجه الذي توبع عليه من قبل ثقات

стр. 347

أصحاب شيخه ابن جريج يكون هو المحفوظ والوجهان الآخران يكونان غير محفوظيْن، وهذا ما ذكره ابن عدي عن الوجهين المسندين (١)، والله أعلم. وقد ردّ الإمام أحمد على احتجاج أبي داود برواية إسماعيل للحديث من الوجهين ـ أعني مسنداً ومرسلاً ليدل على قبوله عنده ـ فقال: ليس هذا بشيء (٢). ٢. سفيان بن عيينة: ذكر الإمام أحمد أن حديثه عن الكوفيين فيه غلط كثير، فقال كما جاء في رواية الفضل بن زياد: "كان سفيان بن عيينة حافظاً، إلا أنه كان إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء" (٣). ولا يدل هذا في الحقيقة على سوء حفظ سفيان لحديث الكوفيين، وذلك أن كلام الإمام أحمد ورد في معرض مقارنة حفظ الثوري بابن عيينة، فالرواية كما جاءت عن الفضل بن زياد هي: "سئل أحمد بن حنبل، قيل له: سفيان الثوري كان أحفظ أو ابن عيينة؟ فقال: كان الثوري أحفظ وأقل الناس غلطاً، وأما ابن عيينة فكان حافظاً، إلا أنه إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء. قيل له: فإن فلاناً يزعم أن سفيان بن عيننة كان أحفظهما؟ فضحك ثم قال: فلان حسن الرأي في ابن عيينة فمن ثَمّ" (٤). والأمر الآخر أن هذه الرواية أشارت إلى غلط ابن عيينة في حديث الحجازيين أيضاً، وهذا أيضاً ليس على إطلاقه بدليل أن شيخ الإمام أحمد وهو

стр. 348

عبد الرحمن بن مهدي قد قال في ابن عيينة: إنه من أعلم الناس بحديث أهل الحجاز (١). فكثرة الغلط المشار إليها في رواية ابن عيينة عن الكوفيين هي بالمقارنة برواية الثوري عنهم، فالثوري أحفظ لحديث الكوفيين من ابن عيينة وأقل غلطاً، وأما بالنسبة لرواية ابن عيينة عن الحجازيين فإنما يقصد به الغلط الذي لا يسلم منه أحد حتى وإن كان ثقة، والله أعلم. ولم يجتنب أصحاب الصحاح رواية ابن عيينة عن الكوفيين كالأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر الأحمسي، وأبي إسحاق الشيباني وغيرهم (٢).

стр. 349

المطلب الخامس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا جمع الشيوخ في الإسناد، والإعلال به عند الإمام أحمد . ومن العلل التي تعلّ بها الروايات في حالة دون أخرى أن يكون الراوي ليس له من الضبط ما يقبل منه أن يروي حديثاً واحداً عن عدد من الشيوخ ثم يسوقه سياقاً واحداً، وذلك أن الحديث الواحد إذا رواه عدد من الشيوخ فلا بد أن يقع بطبيعة الحال بعض الاختلافات في ألفاظهم بين شيخٍ وآخر لتصرفهم في لفظ الحديث، فإذا جاء راوٍ وروى الحديث عنهم ولم يميز لفظ هذا من ذاك، فإن ذلك مشعر بأنه قد حمل لفظ بعضهم على بعض، وبالتالي يقع في الخطأ والوهم لا محالة، ولكن هذا ليس في جميع الرواة، ولا هو في جميع الحالات، فبعض الرواة قد يكون له من الحفظ والإتقان ما يجعله يميز الألفاظ فيقبل من مثله جمع الشيوخ، كما أن في حالة الرواية بالمعنى ممن توفرت فيه شروطها، يسوغ له أن يروي عن عدد من الشيوخ ما اتحد فيه معنى حديثهم وإن اختلفت ألفاظهم. وقد بيّن الحافظ ابن رجب هذا الوجه من الإعلال فقال: "ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره" (١). والمسئلة في الحقيقة ذات شقين: الشق الأول: أن يروي الراوي الحديث عن عدد من الشيوخ اختلفوا في

стр. 350

اللفظ لكن المعنى واحد، فيروي عنهم بلفظ واحد ولا يشير إلى اختلاف ألفاظهم اعتماداً على اتحاد المعنى، فهذا يرجع إلى مبحث الرواية بالمعنى، فيتقيد جواز هذا الصنيع بشروط الرواية بالمعنى. لكن الاتقان يقتضي من الراوي أن يبين صاحب اللفظ، وفي حالة عدم علمه بما يميز لفظ بعضهم عن البعض، يبين كذلك (١). وقد كان الإمام أحمد حريصاً على تمييز الألفاظ في السند والمتن، ومنه أخذ الإمام مسلم هذا الصنيع كما قال السخاوي (٢). فإن قيل إن هذا يقتضي حمل حديث بعض الشيوخ على البعض، يجاب بأن المحذور في هذا حيث كان بين الأحاديث اختلاف في المعنى، أو بالزيادة والنقصان، وهو خارج عن صورة المسألة. الشق الثاني: أن يكون متن الحديث مجموعه من جماعة من الشيوخ ملفقاً بأن يكون عن كل شيخ قطعة منه، فيخلط ألفاظهم ويسوق الحديث سياقاً واحداً بلا تمييز لما عند كل واحد منهم (٣)، فهذا لا يقبل إلا من حافظ متقن لحديثه عارف بمواضع الاتفاق والاختلاف بين شيوخه كما تقدمت إشارة ابن رجب لصنيع الإمام الزهري في روايته لحديث الإفك، فإنه رواه عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم عن عائشة ﵂، قال: "وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصاً، وقد وعيْتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، وإن كان بعضهم

стр. 351

أوعى له من بعض" (١). فذكر أنهم اختلفوا في الحديث، وكل واحد حدثه بجزء منه، وأنه حافظ لرواية كل واحد منهم على حدة، فلم يؤثر ذلك في الجمع بين ألفاظهم. على أنه قد انتقد على الإمام الزهري هذا الصنيع منه، كما نقله القاضي عياض قال: "انتقدوا على الزهري ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقاً عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الاخر" (٢). ويزاد على هذا شرط آخر، وهو أن يكون الشيوخ كلهم ثقات، وأما حيث كان بعضهم يُستضعف فإنه يقع احتمال اختصاص الضعيف بشيء من الحديث عن الآخرين، ولأجل هذا المحذور كان يكره الإمام أحمد أن يروي الراوي حديثاً عن رجلين أحدهم مجروح، فيسقط اسم المجروح من السند ويقتصر على حمل الحديث عن الثقة وحده، فقد روى الخطيب من طريق الخلال عن حرب الكرماني أن أبا عبد الله قيل له: "فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتاً وأترك أباناً؟ قال: لا، لعل في حديث أبان شيئاً ليس في حديث ثابت، وقال: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما" (٣). وهناك صورة أخرى لهذا الشق، وهي ما إذا كان بين أولئك الشيوخ تباين في أوجه رواية الحديث، كأن يكون عند بعضهم مرفوعاً وعند الآخرين موقوفاً، أو يكون عند بعضهم بزيادة رجل في الإسناد، ولا يكون كذلك عند الآخرين، أو غير ذلك من أوجه الاختلاف في السند، فالجمع بينهم في هذه الحالة أيضاً لا يكون مقبولاً إلا من حافظ متقن. وقد ذكر ابن رجب عن يعقوب بن شيبة أنه قال: "كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين، فيسند الكلام عن

стр. 352

أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله" (١). وحيث لم يكن لدى الراوي من الحفظ والاتقان ما يجعله يميز الألفاظ أو أوجه الرواية فجمعه للشيوخ في الإسناد يكون موضع الانتقاد لما يقع من حمل حديث بعضهم على بعض، وإدخال حديث في آخر. ومما تقدم تتلخص الصور المحذورة لجمع الشيوخ في الإسناد عند رواية الحديث الواحد في ثلاث صور: ١. أن لا يكون لدى الراوي من الحفظ والمعرفة ما يؤهله للرواية بالمعنى، في حالة روايته لحديث تتفاوت ألفاظ شيوخه فيه مع اتحاد معنى ما رووه. ٢. أن لا يكون الراوي من الحفاظ المتقنين العارفين بمواضع الاتفاق والاختلاف في مرويات شيوخه. ٣. أن يكون بعض الشيوخ ضعيفاً، فإنّ جمع الشيوخ في هذه الصورة يؤدي إلى حمل حديث الضعيف على حديث الثقة. وقد كان الإمام أحمد ينتقد على الرواة جمعهم بين الشيوخ في الأسانيد، وتكلم فيهم من أجل ذلك، والظاهر أن ذلك راجع إلى هذه المحاذير. وهذا أحد أوجه جرحه لمحمد بن عمر الواقدي وتركه لحديثه. قال إبراهيم الحربي: "سمعت أحمد ـ وذكر الواقدي ـ فقال: ليس أُنكر عليه شيئاً إلا جمعه الأسانيد ومجيئه بمتن واحد على سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا. قال إبراهيم: ولم؟ وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، وفلان، وفلان، والزهري أيضاً قد فعل هذا"، وفي رواية أخرى ذكر معهم حماد بن سلمة أيضاً (٢). وما ذكره الحربي من الاستدراك

стр. 353

بمحمد بن إسحاق وحماد بن سلمة، فقد ورد عن الإمام أحمد إنكاره عليهم بالعلة نفسها كما سيأتي، وأما الزهري فقد تقدم أنه بلغ من الحفظ والاتقان ما يسوغ له ذلك. ومن هؤلاء الرواة أيضاً محمد بن إسحاق إمام المغازي. قال المروذي: "سألته يعني الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق، كيف هو؟ قال: هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجليْن. قلت: كيف؟ قال: يحدّث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا " (١). فإذا جمع بين الرجلين فقد يكون الرجل الآخر ضعيفاً، أو يكون في نفسه ثقة لكن بين حديثه وحديث الزهري مثلاً تفاوتاً فيحمل حديث أحدهما على الآخر بلا تمييز، ويقع بسبب ذلك في الوهم والغلط. وروى الخطيب من طريق أيوب بن إسحاق بن سافري قال: "سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله! ابن إسحاق إذا انفرد بحديثه تقبله؟ قال: لا والله! إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا" (٢). وقال ابن هانئ عن الإمام أحمد أنه سمعه يقول: "إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثاً عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين رجلين، يقول: حدثني فلان وفلان، لم يحكمه" (٣). يقصد ابن إسحاق إذا جمع بين رجلين، ولا يقصد إبراهيم بن سعد، إذ لم يرد عن الإمام أحمد تضعيفه بحال. وقوله: "لم يحكمه" يدل بمفهومه على أن من يُحكم هذا الجمع لما له من مزيد الضبط والاتقان يكون ذلك منه مقبولاً. فهذه من الأمور التي اعتمدها الإمام أحمد لتقرير خفة ضبط ابن إسحاق

стр. 354

عنده، حيث لم يكن يحكم أن يميز بين ألفاظ الشيوخ إذا اشتركوا في رواية حديث واحد، فمن أجل ذلك لم يكن يحتج به إذا انفرد بالحديث، وإنما يحتج به في المغازي، ولم يكن يحتج به في السنن كما قال عبد الله (١). ولم أقف على حديث لابن إسحاق أعله من أجل جمعه للشيوخ في الإسناد. وذكر منهم أيضاً أبا بكر بن عبد الله أبي مريم الحمصي الغساني: قال عبد الله: "سئل أبي عن حريز وأبي بكر بن أبي مريم، فقال: أبو بكر ضعيف، كان يجمع فلان وفلان" (٢). قال ابن هانئ: "وسئل: أيما أحب إليك: صفوان أو أبو بكر بن أبي مريم؟ قال: صفوان أحب إليّ، وهو صالح الحديث، وأبو بكر ضعيف، كان يجمع الرجال فيقول: حدثني فلان، وفلان، وفلان" (٣). فضعفه الإمام أحمد من أجل جمعه للشيوخ لأنه ليس له من الحفظ ما يضبط هذا. وكذلك قال في حماد بن سلمة، مع أنه ثقة عنده كما تقدم، فقال كما في رواية الأثرم: "في حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي ﷺ في آنية المشركين: قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال، ثم يجعله إسناداً واحداً، وهم يختلفون" (٤). وهذا الحديث عن حماد بن سلمة رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن محمد القرشي، عن حماد، عن أيوب وقتادة به، ولفظه: "قال أبو ثعلبة الخشني:

стр. 355

[يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب فنطبخ في قُدورهم ونشرب في آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء" ثم قال: يا رسول الله! إنا بأرض صيدٍ فكيف نصنع؟ قال: "إذا أرسلتَ كلبَك المُكلَّب وذكرت اسم الله فقتل فكُلْ، وإن كان غير مُكلّب فذُكِّي فكُلْ، وإذا رميت بسهمك وذكرتَ اسم الله فقتل فكُل"، وقال الترمذي: حسن صحيح (١). ورواه الطبراني (٢)، والدارقطني في العلل (٣). ورواه حماد بن سلمة عن أيوب وحده، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة به. أخرجه أحمد (٤)، وابن أبي عاصم (٥)، والحاكم (٦). ولم أر من تابع حماداً عن قتادة إلا ما ذكره الدارقطني في العلل تعليقاً أن أبا حنيفة رواه عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة ـ ليس بينهما أبو أسماء (٧). وقد خولف حماد بن سلمة عن أيوب: خالفه شعبة (٨)، ومعمر (٩)، وحماد ابن زيد (١٠)، وسعيد بن أبي عروبة (١١)، وابن جريج (١٢)، وعبد الوهاب الثقفي (١٣)،
следующие страницы →