← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أوعى له من بعض" (١). فذكر أنهم اختلفوا في الحديث، وكل واحد حدثه بجزء منه، وأنه حافظ لرواية كل واحد منهم على حدة، فلم يؤثر ذلك في الجمع بين ألفاظهم. على أنه قد انتقد على الإمام الزهري هذا الصنيع منه، كما نقله القاضي عياض قال: "انتقدوا على الزهري ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقاً عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الاخر" (٢). ويزاد على هذا شرط آخر، وهو أن يكون الشيوخ كلهم ثقات، وأما حيث كان بعضهم يُستضعف فإنه يقع احتمال اختصاص الضعيف بشيء من الحديث عن الآخرين، ولأجل هذا المحذور كان يكره الإمام أحمد أن يروي الراوي حديثاً عن رجلين أحدهم مجروح، فيسقط اسم المجروح من السند ويقتصر على حمل الحديث عن الثقة وحده، فقد روى الخطيب من طريق الخلال عن حرب الكرماني أن أبا عبد الله قيل له: "فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتاً وأترك أباناً؟ قال: لا، لعل في حديث أبان شيئاً ليس في حديث ثابت، وقال: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما" (٣). وهناك صورة أخرى لهذا الشق، وهي ما إذا كان بين أولئك الشيوخ تباين في أوجه رواية الحديث، كأن يكون عند بعضهم مرفوعاً وعند الآخرين موقوفاً، أو يكون عند بعضهم بزيادة رجل في الإسناد، ولا يكون كذلك عند الآخرين، أو غير ذلك من أوجه الاختلاف في السند، فالجمع بينهم في هذه الحالة أيضاً لا يكون مقبولاً إلا من حافظ متقن. وقد ذكر ابن رجب عن يعقوب بن شيبة أنه قال: "كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين، فيسند الكلام عن

стр. 352

أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله" (١). وحيث لم يكن لدى الراوي من الحفظ والاتقان ما يجعله يميز الألفاظ أو أوجه الرواية فجمعه للشيوخ في الإسناد يكون موضع الانتقاد لما يقع من حمل حديث بعضهم على بعض، وإدخال حديث في آخر. ومما تقدم تتلخص الصور المحذورة لجمع الشيوخ في الإسناد عند رواية الحديث الواحد في ثلاث صور: ١. أن لا يكون لدى الراوي من الحفظ والمعرفة ما يؤهله للرواية بالمعنى، في حالة روايته لحديث تتفاوت ألفاظ شيوخه فيه مع اتحاد معنى ما رووه. ٢. أن لا يكون الراوي من الحفاظ المتقنين العارفين بمواضع الاتفاق والاختلاف في مرويات شيوخه. ٣. أن يكون بعض الشيوخ ضعيفاً، فإنّ جمع الشيوخ في هذه الصورة يؤدي إلى حمل حديث الضعيف على حديث الثقة. وقد كان الإمام أحمد ينتقد على الرواة جمعهم بين الشيوخ في الأسانيد، وتكلم فيهم من أجل ذلك، والظاهر أن ذلك راجع إلى هذه المحاذير. وهذا أحد أوجه جرحه لمحمد بن عمر الواقدي وتركه لحديثه. قال إبراهيم الحربي: "سمعت أحمد ـ وذكر الواقدي ـ فقال: ليس أُنكر عليه شيئاً إلا جمعه الأسانيد ومجيئه بمتن واحد على سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا. قال إبراهيم: ولم؟ وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، وفلان، وفلان، والزهري أيضاً قد فعل هذا"، وفي رواية أخرى ذكر معهم حماد بن سلمة أيضاً (٢). وما ذكره الحربي من الاستدراك

стр. 353

بمحمد بن إسحاق وحماد بن سلمة، فقد ورد عن الإمام أحمد إنكاره عليهم بالعلة نفسها كما سيأتي، وأما الزهري فقد تقدم أنه بلغ من الحفظ والاتقان ما يسوغ له ذلك. ومن هؤلاء الرواة أيضاً محمد بن إسحاق إمام المغازي. قال المروذي: "سألته يعني الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق، كيف هو؟ قال: هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجليْن. قلت: كيف؟ قال: يحدّث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا " (١). فإذا جمع بين الرجلين فقد يكون الرجل الآخر ضعيفاً، أو يكون في نفسه ثقة لكن بين حديثه وحديث الزهري مثلاً تفاوتاً فيحمل حديث أحدهما على الآخر بلا تمييز، ويقع بسبب ذلك في الوهم والغلط. وروى الخطيب من طريق أيوب بن إسحاق بن سافري قال: "سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله! ابن إسحاق إذا انفرد بحديثه تقبله؟ قال: لا والله! إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا" (٢). وقال ابن هانئ عن الإمام أحمد أنه سمعه يقول: "إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثاً عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين رجلين، يقول: حدثني فلان وفلان، لم يحكمه" (٣). يقصد ابن إسحاق إذا جمع بين رجلين، ولا يقصد إبراهيم بن سعد، إذ لم يرد عن الإمام أحمد تضعيفه بحال. وقوله: "لم يحكمه" يدل بمفهومه على أن من يُحكم هذا الجمع لما له من مزيد الضبط والاتقان يكون ذلك منه مقبولاً. فهذه من الأمور التي اعتمدها الإمام أحمد لتقرير خفة ضبط ابن إسحاق

стр. 354

عنده، حيث لم يكن يحكم أن يميز بين ألفاظ الشيوخ إذا اشتركوا في رواية حديث واحد، فمن أجل ذلك لم يكن يحتج به إذا انفرد بالحديث، وإنما يحتج به في المغازي، ولم يكن يحتج به في السنن كما قال عبد الله (١). ولم أقف على حديث لابن إسحاق أعله من أجل جمعه للشيوخ في الإسناد. وذكر منهم أيضاً أبا بكر بن عبد الله أبي مريم الحمصي الغساني: قال عبد الله: "سئل أبي عن حريز وأبي بكر بن أبي مريم، فقال: أبو بكر ضعيف، كان يجمع فلان وفلان" (٢). قال ابن هانئ: "وسئل: أيما أحب إليك: صفوان أو أبو بكر بن أبي مريم؟ قال: صفوان أحب إليّ، وهو صالح الحديث، وأبو بكر ضعيف، كان يجمع الرجال فيقول: حدثني فلان، وفلان، وفلان" (٣). فضعفه الإمام أحمد من أجل جمعه للشيوخ لأنه ليس له من الحفظ ما يضبط هذا. وكذلك قال في حماد بن سلمة، مع أنه ثقة عنده كما تقدم، فقال كما في رواية الأثرم: "في حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي ﷺ في آنية المشركين: قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال، ثم يجعله إسناداً واحداً، وهم يختلفون" (٤). وهذا الحديث عن حماد بن سلمة رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن محمد القرشي، عن حماد، عن أيوب وقتادة به، ولفظه: "قال أبو ثعلبة الخشني:

стр. 355

[يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب فنطبخ في قُدورهم ونشرب في آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء" ثم قال: يا رسول الله! إنا بأرض صيدٍ فكيف نصنع؟ قال: "إذا أرسلتَ كلبَك المُكلَّب وذكرت اسم الله فقتل فكُلْ، وإن كان غير مُكلّب فذُكِّي فكُلْ، وإذا رميت بسهمك وذكرتَ اسم الله فقتل فكُل"، وقال الترمذي: حسن صحيح (١). ورواه الطبراني (٢)، والدارقطني في العلل (٣). ورواه حماد بن سلمة عن أيوب وحده، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة به. أخرجه أحمد (٤)، وابن أبي عاصم (٥)، والحاكم (٦). ولم أر من تابع حماداً عن قتادة إلا ما ذكره الدارقطني في العلل تعليقاً أن أبا حنيفة رواه عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة ـ ليس بينهما أبو أسماء (٧). وقد خولف حماد بن سلمة عن أيوب: خالفه شعبة (٨)، ومعمر (٩)، وحماد ابن زيد (١٠)، وسعيد بن أبي عروبة (١١)، وابن جريج (١٢)، وعبد الوهاب الثقفي (١٣)،

стр. 356

وابن عيينة (١)، فكلهم رووه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، لم يذكروا فيه أبا أسماء. وتابع هشيمٌ حمادَ بن سلمة في ذكر أبي أسماء، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة. أخرج حديثه الحاكم، والبيهقي (٢). ولكن الثوري خالفه، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، كرواية الجماعة عن أيوب. أخرجه الطبراني (٣)، والحاكم (٤). ورجح الدارقطني قول من أرسل الحديث عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة بدون ذكر أبي أسماء. ووجه إعلال الإمام أحمد للحديث هو من حيث جمع حماد بن سلمة للإسنادين، الأول عن أيوب، والثاني عن قتادة، فجعلهما إسناداً واحداً وحمل أحدهما على الآخر، والواقع أنهما مختلفان، فإسناد حديث أيوب وقع عنده بذكر أبي أسماء، وأما إسناد قتادة فتدل رواية أبي حنيفة أنه بدون ذكر أبي أسماء، فحيث جعل الإسنادين واحداً وقع في الغلط فحمل إسناد قتادة على إسناد أيوب والواقع أن بينهما اختلافاً، فلذلك قال أحمد: "كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال ثم يجعله إسناداً واحداً وهم يختلفون"، كما تقدم. وهذا يدل على أن الجمع بين الرواة في الأسانيد لا يقبله الإمام أحمد من كل أحد، حتى ولو كان ثقة. وقد ذكر الخليلي أن سبب تجنب البخاري لحديث حماد بن سلمة هو من

стр. 357

أجل هذه العلة ـ أعني جمعه للرجال في إسناد واحد. قال الخليلي: "ذاكرتُ يوماً بعضَ الحفاظ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح، وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك! فقلت: أليس ابنُ وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد فيقول: حدثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم (١)؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه، وأحفظ له" (٢). وحتى كبار الحفاظ البارزين في الحفظ والاتقان قد يقعون في الخطأ والغلط من جراء هذا الصنيع، ومن ذلك ما ذكره الترمذي عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، وشعبة ـ غير مرة ـ عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه" (٣). فحكم الحفاظ على يحيى القطان بالوهم في هذا الحديث. قال ابن عدي: "وذِكرُ سعد بن عبيدة في هذا الإسناد عن الثوري غيرُ محفوظ، وإنما يُذكر هذا عن يحيى القطان، جمع بين الثوري وشعبة فذكر عنهما جميعاً في الإسناد في هذا الحديث: سعد بن عبيدة، وسعد إنما يذكره شعبة،

стр. 358

والثوري لا يذكره، فحمل يحيى حديث شعبة على حديث الثوري، فذكر عنهما جميعاً سعداً، ويقال: لا يُعرف ليحيى بن سعيد خطأ غيره" (١).

стр. 359

المطلب السادس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي حين يروي بالمعنى . درج كثير من رواة الآثار من لدن عهد الصحابة على رواية الأحاديث بالمعنى، ولم يروا ضرورة الالتزام باللفظ المسموع في الرواية إذا كان المعنى المؤدّى صحيحاً، قال الإمام الشافعي: "وقد قال بعض التابعين: لقيت أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ فاجتمعوا في المعنى، واختلفوا عليّ في اللفظ، فقلت لبعضهم ذلك، فقال: لا بأس ما لم يُحيل المعنى" (١)، أي يُعدله عن وجهه. وعن ابن سيرين بإسناد صحيح قال: "كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد واللفظ مختلف" (٢). وذهب معظم أهل العلم إلى جواز ذلك، لكن اشترطوا في الذي يروي بالمعنى أن يكون عالماً بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، وما يحيل معناها (٣). قال الإمام الشافعي في بيان من تقوم بخبره الحجة: "إذا حدّث به أي الحديث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام" (٤). وكان الإمام أحمد ممن ذهب إلى جواز الرواية بالمعنى، ويستدل لذلك بفعل السلف، قال: "ما زال الحفاظ يحدّثون بالمعنى، وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب، بصير بالمعاني، عالم بما يحيل المعنى وما لا يحيله" (٥). ومما يدل على تقريره للرواية بالمعنى إذا لم تحصل الإحالة في المعنى ما ذكره أبو داود في مسائله قال: "سمعت أحمد بن محمد بن حنبل قال: قال عبد الرحمن: سألت سفيان عنه ـ يعني عن حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "للفارس

стр. 360

ثلاثة أسهم" فقال: خالفوني فيه. قال أحمد: وإنما قالوا: للفرس سهمان، أي بأنه ليس اختلاف، لأن للفرس سهمين، ولفارسه سهم فذلك ثلاثة أسهم" (١). فلم ير هناك اختلافاً بين من روى الحديث بلفظ: [أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً] (٢)، وباللفظ الذي رواه سفيان والذي وقع السؤال عليه، لأن المعنى واحد. وكذلك قال لما سأله الأثرم عن حديث ابن أبي زائدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ "بادروا الصبح بالوِتر" (٣)، قال: "هذا أُراه اختصره من حديث "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" (٤)، وهو بمعناه. قال: فقلت له: رواه أحد غيره؟ قال: لا" (٥). ومع تجويزه للرواية بالمعنى فقد كان يفضل اتباع اللفظ والتقيد به، ويقدم رواية من كان يلتزم اللفظ على رواية من كان يروي بالمعنى، لأن احتمال دخول الخطأ والغلط في الرواية بالمعنى أقوى منه من الرواية باللفظ إذا قورنت بها. وهذا الاعتبار كان أحد أوجه تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر عند الإمام

стр. 361

أحمد كما سيأتي في موضعه إن شاء الله، فإن الاعتماد على الكتاب في التحمل والأداء من أفضل أسباب التزام الراوي باللفظ دون المعنى عند الرواية، ومن ثمّ يقل أوجه احتمال دخول الخلل عليه في مروياته. ومن أجل هذا أيضاً كان ﵀ يقدّم عبد الرحمن بن مهدي على وكيع عند اختلافهما. قال صالح بن أحمد: "قلت لأبي: عبد الرحمن أثبت عندك أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطاً من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثاً من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها … " (١). قال حنبل بن إسحاق: قال أبو عبد الله: "إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فعبد الرحمن أثبت، لأنه أقرب عهدٍ بالكتاب" (٢). وقال الأثرم: "قيل لأبي عبد لله: كان عبد الرحمن حافظاً؟ فقال: كان حافظاً، وكان يتوقى كثيراً، وكان يحب أن يحدث بالألفاظ" (٣). وأما وكيع فلم يكن صاحب كتاب حتى قال الإمام أحمد: "ما رأيت مع وكيع كتاباً قط ولا رقعة" (٤). وقال أيضاً: "من حدّث من كتاب لا يكاد يكون سقط كثير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (٥). وقد كان الإمام أحمد حريصاً على التزام باللفظ في خاصة نفسه عند الرواية حتى إنه ليميز اختلاف الرواة في حرف من متن الحديث وإن كان لا

стр. 362

يتغير به المعنى، وما ذكر عن الإمامين مسلم وأبي داود من عنايتهما باللفظ والتزامهما به فعن الإمام أحمد أخذا ذلك، فإنه كان شيخهما، ومن أمثلة ذلك ما ذكره السخاوي (١) من صنيعه ﵀ في المسند أنه قال: حدثنا يزيد، وعباد بن عباد، قالا: أخبرنا هشام بن أبي هشام ـ قال: عباد: ابن زياد ـ عن أمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة، فيذكرها، وإن طال عهدُها ـ قال: عباد: قدُم عهدُها ـ فيُحدث لذلك استرجاعاً، إلا جدّد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها" (٢). فلا فرق في المعنى بين: "طال عهدُها"، و"قدُم عهدُها"، لكنه ﵀ اعتنى بذكر الاختلاف بين اللفظين اتباعاً للفظ، ولم يكتف بالإشارة بناءً على حصول التوافق في المعنى. والرواية بالمعنى أحد أسباب دخول الخلل في أحاديث الثقات، خاصة في متونها، ويكون ذلك من أحد وجهين: الأول: أن يقع الخطأ عند الرواية بالمعنى بسبب حمل ألفاظ الأحاديث على آراء فقهية للراوي، وهذا في الغالب يقع من الفقهاء المعتنين بالرأي، فإنهم يروون الأحاديث بالمعنى ويخالفون في ألفاظه حتى يغلب على الظن أنهم يحملون ألفاظ الأحاديث على الألفاظ الفقهية المتداولة بينهم. الثاني: أن يتصرف الراوي في اللفظ فيخطئ المعنى، وهذا غالباً ما يقع بسبب نوع من الخفاء في المعنى ولا يهتدي إليه الراوي ـ كما سيأتي من خلال

стр. 363

الأمثلة التي ذكرها الإمام أحمد ـ وكثيراً ما يقع من الرواة الذين لم يشتهروا بالفقه وإن كانوا حفاظاً عندما يتركون الرواية باللفظ إلى المعنى. فالوجه الأول: هو الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب ﵀ في القاعدة التي ذكرها ضمن قواعده في العلل حيث قال: "الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم" (١). وأشار إليه ابن حبان من قبل في الجنس الخامس من أجناس أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها، لكن قصر وجه رد الأحاديث في أخطائهم في الأسماء والأسانيد فقال: "الفقيه إذا حدث من حفظه وهو ثقة في روايته لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد … فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحّف الأسماء، وقلب الأسانيد، ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب، أو يوافق الثقات في الأسانيد" (٢). فاستدرك عليه ابن رجب فقال: "هذا إن كان الفقيه حافظاً للمتن، فأما من لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، وإنما يروي الحديث بالمعنى فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون، إلا بما يوافق الثقات في المتون، أو يحدث به من كتاب موثوق به" (٣).

стр. 364

فهذه القاعدة التي ذكرها ابن رجب تقتضي أن الراوي الفقيه الذي لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها وإنما يروي بالمعنى فإنه يوصف بسوء الحفظ في حالة روايته بالمعنى، فيتوقف عن الاحتجاج بما يرويه من المتون حتى يوجد له موافق أو يثبت أنه حدّث من كتاب لا من حفظ. ولم أجد من كلام الإمام أحمد سواء في الرجال أو في الأحاديث ما يصلح أن يستنبط له منهجاً في هذا. وموقفه من معلى بن منصور أبي يعلى الرازي قد يصلح أن يكون من أدلة هذه القاعدة، فإنه قال عنه: "كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطئ في حديثين أو ثلاثة" (١). وكان معلى فقيهاً من أصحاب الرأي، وكان من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن (٢)، فأشار الإمام أحمد إلى أنه كان يحمل الأحاديث على ما يوافق رأيه في الفقه، وهذا إنما يحصل بسبب الرواية بالمعنى. وموقف الإمام أحمد من سائر أصحاب الرأي من عدم الرواية عنهم، يحتمل أن يكون ناتجاً عن هذا السبب، فيكون دليلاً آخر على هذه القاعدة وبالتالي يعتبر مقتضى تلك القاعدة منهجاً للإمام أحمد، لكن ذكر ابن هاني عن أحمد أنه قال: "تركنا أصحاب الرأي، وكان عندهم حديث كثير، فلم نكتب عنهم، لأنهم معاندون للحديث … " (٣)، فهذا يدل على أن تركه لأحاديث أهل الرأي هو من أجل معاندتهم للحديث عنده، أي مخالفتهم له. وحمله القاضي أبو يعلى على أهل الرأي من المتكلمين كالقدرية وغيرهم، ورده أبو المحاسن والد شيخ الإسلام

стр. 365

ابن تيمية فذكر أنه نوع من الهجر، بدليل أنه قد صرّح بتوثيق بعض من ترك الرواية عنه ـ يعني من أصحاب الرأي ـ كأبي يوسف ونحوه (١)، يعني إن ترك الإمام أحمد لأحاديث أهل الرأي كان من أجل هجرة المخالف للسنة، وليس من أجل ضعف حديثهم، وعليه فلا يؤخذ من موقفه هذا دليل على سوء حفظ أهل الاختصاص بالفقه والرأي (٢). وأما من حيث الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بهذا الوجه من وجهي دخول الخطأ من أجل الرواية بالمعنى، فلم أقف إلا على حديث واحد ذكره ابن رجب في شرحه على صحيح البخاري (٣) عند الكلام على حديث هشام ابن عروة، عن أبيه عن عائشة في حديثها عن حجها وفيه: قالت عائشة: وكنت أنا ممن أهلّ بعمرةٍ، فأدركني يومُ عرفةَ وأنا حائضٌ فشكوتُ إلى النبي ﷺ فقال: "دعي عمرتَك وانقُضي رأسَك وامتَشِطي وأهلِّي بحَجٍّ" (٤) فقال أحمد: "من رواه [انقُضي عمرتَك] فقد أخطأ، ورواه بالمعنى الذي فهمه". ولم أقف على تلك الرواية التي أشار إليها الإمام أحمد، لكن الظاهر أنه من بعض من يرى رأي أهل الكوفة. قال ابن رجب: وذلك أن قول أبي حنيفة

стр. 366

والكوفيين أن المرأة الحائض إذا أهلت بعمرة وخافت فوات الحج فإنها ترفُض العمرة، ثم تُحرم بالحج، ثم تقضي العمرة بعد الحج، وتأولوا حديث عائشة على ذلك. ا. هـ (١). ومثل ابن رجب لتلك الأحاديث برواية شريك القاضي لحديث أنس: [أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين من ماء]. أخرجه أبو داود (٢) ـ واللفظ له ـ والترمذي (٣)، وأحمد (٤)، وابن أبي شيبة (٥). قال ابن رجب: رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: [أنه كان يتوضأ بالمد] والمد عند أهل الكوفة رطلان (٦). يشير إلى رواية الجماعة لحديث أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، أخرجاه من حديث عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أنس (٧). الوجه الثاني: وهو الذي يقع بسبب تصرف الراوي في اللفظ وفيه نوع من الخفاء في المعنى فيروي الراوي بالمعنى الذي فهمه فيقلبه، فهذا لم يسلم منه حتى الرواة الثقات، حتى إن ابن حبان اعتبر هذا جنساً من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها، قال ﵀: "الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأن الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون … فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقيهاً

стр. 367

وحدث من حفظه، فربما قلب المتن، وغيّر المعنى حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلب إلي شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار" (١). وهذا لا يؤخذ على إطلاقه كما قال ابن رجب، وإنما يختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ الإسناد والمتن، إلا أن يوقف منه على ذلك (٢)، أي فلا يقبل منه إلا ما وافقه الثقات على لفظه أو كان تحديثه به من كتابه. والنماذج التي وقفت عليها من إعلال الإمام أحمد للأحاديث من أجل الرواية بالمعنى ترجع إلى هذا الوجه الثاني، وهي كما يلي: ١. قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عَسال قال: قال رجل من اليهود: انطلق بنا إلى هذا النبي، قال: لا تقل النبي، فإنه لو سمعها كان له أربعة أعين … وقصّ الحديث، فقالا: نشهد أنك رسول الله ﷺ . سمعت أبي يقول: خالف يحيى بن سعيد غيرُ واحدٍ، قالوا: نشهد أنك نبي. قال أبي: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحاً (٣). حديث يحيى بن سعيد هذا أخرجه أحمد في المسند (٤)، والطحاوي (٥)، عنه عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلِمة، عن صفوان بن عسَال، ولفظه

стр. 368

كما في المسند: [قال رجل من اليهود لآخر: انطلِق بنا إلى هذا النبي، قال: لا تقل هذا، فإنه لو سمعها كان له أربعة أعين، قال: فانطلقا إليه فسألاه عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال: "لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تَسرِقوا، ولا تَزنوا، ولا تَفِرُّوا من الزَّحف، ولا تسحَروا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تُدلُوا ببريءٍ إلى ذي سُلطان ليقتُلَه، وعليكم خاصة يهود أن لا تعتدوا في السَّبت"، فقال: نشهد أنك رسول الله ﷺ ]. وخالف يحيى بنَ سعيد غيرُ واحد من أصحاب شعبة، والذين وقفت عليهم هم: ١. غندر محمد بن جعفر، وحديثه عند أحمد (١)، ومن طريقه الحاكم (٢)، والمقدسي (٣)، ورواه الطبري أيضاً من طريق غندر (٤). ٢. عبد الرحمن بن مهدي، وحديثه عند الطبري في التفسير (٥). ٣. يزيد بن هارون، وحديثه عند أحمد (٦)، والترمذي (٧). ٤. أبو داود الطيالسي (٨)، وأخرج الحديث من طريقه الترمذي (٩)، والطبري (١٠)، والطحاوي (١١)، والبيهقي (١٢).

стр. 369

٥. أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وحديثه عند الترمذي (١)، وابن أبي عاصم (٢)، وابن قانع (٣)، والعقيلي (٤)، والطبراني (٥)، ومن طريقه المقدسي (٦). ٦. عبد الله بن إدريس، وحديثه عند الترمذي (٧)، والنسائي (٨). ٧. أبو أسامة حماد بن أسامة، وحديثه عند الترمذي (٩). ٨. وهب بن جرير، وحديثه عند الحاكم (١٠). ٩. آدم بن أبي إياس، وحديثه عند الحاكم أيضاً (١١). ١٠. عمرو بن مرزوق، وحديثه عند الطحاوي (١٢). ١١. حجاج بن محمد المصيصي، وحديثه عند الطحاوي أيضاً (١٣). ١٢. سهل بن يوسف، وحديثه عند الطبري (١٤). وكلهم قالوا: [نشهد أنك نبي]. وقال الطحاوي: هذا الحرف: [نشهد أنك رسول الله] لم يقله أحد من أصحاب شعبة إلا يحيى بن سعيد. ا. هـ (١٥).

стр. 370

وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بأن يحيى القطان قد أخطأ في رواية الحديث حيث رواه بالمعنى، وذلك أنه قال مكان "نبي": "رسول الله"، واللفظان يختلف مدلولهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية "النبى هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أُنبأ به فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليُبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسله هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول" (١). فأوضح الإمام أحمد بأنهم لو قالوا: [نشهد أنك رسول الله] كما قال يحيى كانا قد أسلما، لأن ذلك يتضمن شهادتهم بصدق بعثته وقبول رسالته، بخلاف ما لو قالوا: نشهد أنك نبي، فإن ذلك لا يدل إلا على شهادتهم بأنه منبَّأ ومُوحى إليه، ولا يقتضي إقرارهم برسالته، ولا يدخلون في الإسلام بمجرد ذلك. وفي الحديث أنهما لم يُسلما، لأنه ورد في رواية الجماعة: "فما يمنعكما أن تتبعاني؟ " قالا: إن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبيٌّ، وإنا نخشى إن أسلمنا أن يقتلَنا يهود (٢)، فدل على خطأ لفظة: [نشهد أنك رسول الله] التي ذكرها القطان، وهذا ما نص عليه الإمام أحمد. وفي هذا الإعلال من الإمام أحمد نكتة بديعة، وهي أن الشخص لا يحكم بدخوله في الإسلام بالإقرار بنبوته ﷺ فحسب، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك الإقرار برسالته ﵊، ولم أهتد إلى مزيد بيان حول هذه المسئلة في كتب العقيدة، وهي تحتاج إلى مزيد بحث في مسائل العقيدة. واستبدال النبي بالرسول في هذا الموضع ليس مثل ما وقع في حديث

стр. 371

البراء بن عازب في الصحيحين (١): "وبرسولك الذي أرسلت"، فرده ﵊ على البراء فقال: "لا، وبنبيك الذي أرسلت"، لأن الحكمة في رده ﵊ استبدال أحد اللفظين بالآخر هنا هي كون ألفاظ الأذكار توقيفية (٢)، وأما في حديث يحيى هذا فالرد كان من أجل اختلاف مدلول اللفظين وما يقتضي كل واحد منهما من الأحكام، فلا يسوغ معه الاستبدال والحالة هذه عند الرواية بالمعنى. وهذا الحديث قد صححه الترمذي، والحاكم، والضياء (٣). وقال النسائي: هذا حديث منكر، وذكر أنه حكي عن شعبة أنه قال: سألت عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة فقال: تعرف وتنكر. ا. هـ (٤). وقال أحمد عن عبد الله بن سلمة هذا رواية عن شعبة أنه قال: كان قد كبر، فكان يحدثنا فتعرف وتنكر (٥). وقال البخاري: عبد الله بن سلمة أبو العالية الهمداني، ولا يتابع في حديثه (٦)، وذكر

стр. 372

العقيلي أنه يقصد هذا الحديث (١). وقد وثقه العجلي ويعقوب بن شيبة (٢). وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به (٣). فالحديث ضعيف لحالة عبد الله بن سلمة، فإنه وإن كان صدوقاً إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وقد تفرد بالحديث، والله أعلم. ٢. في حديث عمران بن حصين: [دخلتُ على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبَلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: بشرتنا فأعطنا ـ مرتين ـ ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن أنْ لم يَقبلْها بنوا تميم"، قالوا: قد قبِلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال: "كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرَه وكان عرشُه على الماءِ، وكَتب في الذِّكر كلَّ شيء، وخلق السماوات والأرضَ" (٤)، رواه الطبراني من طريق محمد ابن عبيد، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران ابن حصين عن النبي ﷺ ، وزاد فيه: "وخلق الذكر". قال أبو القاسم: هذا الحرف كان محمد بن عبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدث به، والصواب ما روى أبو بكر بن عياش وغيره: "وكتب الذكر". ا. هـ (٥). هذا الحديث سيأتي في مطلب الإعلال باختلاط الراوي (٦)، وكل من رواه من أصحاب الأعمش قال: "وكتب في الذكر كلَّ شيء"، وجاءت رواية محمد ابن عبيد ـ وهو الطنافسي ـ عن الأعمش فقال: "وخلق الذكر"، فأنكره عليه الإمام أحمد وكان ينهاه عنه كما نقل ذلك الطبراني، ووجه ذلك أنه رواه بالمعنى

стр. 373

وأخطأ فيه، فإن قوله: خلق الذكر، يختلف في المعنى عن: كتب الذكر، لأن الأول يقتضي أن القرآن مخلوق، لأن القرآن هو الذكر، وقد احتج بهذه الرواية على خلق القرآن بعضُ من ناظر الإمام أحمد أمام المعتصم زمن المحنة، فقال أحمد: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: "إن الله كتب الذكر". ا. هـ (١). ٣. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حُميد، عن أنس أن بني سلِمة أرادوا أن يتحولوا من ديارهم إلى قُرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجدُ، فقال: "يا بني سلِمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ " فأقاموا. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: أخطأ فيه يحيى بن سعيد، وإنما هو: أن تُعرى المدينةُ، فقال يحيى: المسجد، وضرب عليه أبي هاهنا، وقد حدثنا به في كتاب يحيى بن سعيد (٢). هذا الحديث رواه الإمام أحمد من غير حديث يحيى بن سعيد القطان، فرواه من حديث محمد بن أبي عدي (٣)، ومن حديث عبد الله بن بكر السهمي (٤)، وهو عند البخاري (٥)، وابن ماجه (٦)، وابن أبي شيبة (٧)، والبيهقي (٨)، كلهم بلفظ: "فكره أن تُعرى المدينة". وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعلّ الإمام أحمد رواية شيخه يحيى بن سعيد القطان لهذا الحديث حيث

стр. 374

قال: "فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجد" مكان: "أن تعرى المدينة"، وهذا يحتمل أن يكون الخطأ يرجع إلى الرواية بالمعنى، فإن معنى كراهية أن تعرى المدينة هو أن تُترك خالية، لأن العراء هي الفضاء من الأرض (١)، فكأنه حرص أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنها (٢). وهذا المعنى لا يوجد في "أن يعرى المسجد". ويحتمل أن يكون هذا مجرد وهم من يحيى في لفظ الحديث حيث قال: المسجد مكان: المدينة، وليس من أجل الرواية بالمعنى، والله أعلم. اختصار الحديث: وهو رواية بعض الحديث الواحد دون بعض (٣)، وهو من فروع الرواية بالمعنى، فمَن منعها أطلق المنع على الاختصار، ومن أجازها أجازه بالشرط الذي اشترطه في الرواية بالمعنى. قال الخطيب: "وإن كان النقصان من الحديث شيئاً لا يتغير به المعنى كحذف بعض الحروف والألفاظ، والراوي عالم واعٍ محصل لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان، فإن ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى دون من لم يجز ذلك" (٤). ومن أجل الإخلال بهذا الشرط يقع بعض الرواة في الخطأ عند اختصار الحديث، فيكون ذلك سبباً لإعلال حديثهم، وقد أنكر إسماعيل بن علية على شعبة اختصاره للحديث الذي رواه عنه، قال إسماعيل بن علية: "روى عني شعبة حديثاً واحداً، فأوهم فيه، حدثتُه عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أن النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل (٥)، فقال

стр. 375

شعبة: إن النبي ﷺ نهى عن التزعفر (١) " (٢)، فشعبة لماّ اختصر الحديث أوهم أن النهي فيه عام، والواقع أنه خاص بالرجال، ووقع في هذا الوهم من أجل الاختصار. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن شعبة اختصر الحديث، لكنه جوز أن يكون ابن علية اختصره لما حدّثه به (٣)، ولعله لم يستحضر إنكار ابن علية على شعبة، وهو ينفي هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ. ووجه دخول الخطأ على الاختصار هو عين وجه دخوله على الرواية بالمعنى، أي التصرف في اللفظ الذي يؤدي إلى تخطئة المعنى بسبب نوع من الخفاء فيه. قال إسحاق بن هانئٍ: وسئل عن حديث وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قصة الحيض؟ قال: هذا باطل (٤). وحديث عائشة الذي رواه وكيع أخرجه ابن ماجه في "باب الحائض كيف تغتسل" قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها، وكانت حائضاً: "انقضي شعرك واعتسلي" (٥)، وهو عند ابن أبي شيبة (٦).

стр. 376

وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: جاء توضيح ذلك في رواية المروذي كما نقلها ابن رجب، قال: "وقد ذُكر هذا الحديث للإمام أحمد، عن وكيع فأنكره، قيل له: كأنه اختصره من حديث الحج؟ قال: ويحل له أن يختصر؟ نقله عنه المروذي" (١). قال ابن رجب: هذا الحديث يوهم أنه ـ أي النبي ﷺ قال لها ذلك في غسلها من الحيض، وهذا مختصر من حديث عائشة الذي خرجه البخاري. ا. هـ (٢). وحديث عائشة في الحج أخرجه غير واحد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: [خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله ﷺ : "من أحبّ أن يُهلّ بعمرةٍ فليُهلّ، ومن أحبّ أن يُهلّ بحجةٍ فليُهلّ، فلولا أني أهديتُ أهللت بعمرة". قالت: فمنهم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهل بحجة، وكنت ممن أهلّ بعمرة، فحِضتُ قبل أن أدخل مكة، فأدركني يومُ عرفة وأنا حائضٌ، فشكوْتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "دعي عمرتَك وانقُضي رأسَك وامتشطي، وأهَلّي بالحج" ففعلتُ، فلما كانت ليلةُ الحَصبة أَرسلَ معي عبدَ الرحمن إلى التّنعِيم فأَردفها فأهلّت بعمرة مكانَ عمرتها فقضى الله حجَّها وعمرتَها ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ ولا صومٌ ولاصدقةٌ]. هكذا رواه يحيى القطان عن هشام، أملاه عليهم هشام إملاءً (٣). والحديث عند الشيخين وغيرهما من طرق عن هشام به (٤).

стр. 377

ولما اختصره وكيع أوهم أن يكون قال لها ذلك في غسلها من الحيض، بينما قال لها ذلك وهي في الحيض، ولماّ ينقطع عنها، ولكن أمرها أن تغتسل للإحرام في حال الحيض، فأخل الاختصار بمعنى أصل الحديث، واستدل به على حكم لا يدل عليه، وهو امتشاط المرأة ونقضها شعرها عند غسلها من الحيض. فالإمام أحمد أنكر مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى أويحيله، قال الخلال: "إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يُخل بالمعنى، لا أصل الاختصار" (١). والدليل على أن وكيعاً هو الذي اختصر الحديث وليس أبو بكر بن أبي شيبة الراوي عنه كما ذهب إليه أبو بكر الخلال (٢)، كون ابن أبي شيبة قد توبع عن وكيع بمثل هذا اللفظ المختصر، فتابعه علي بن محمد وهو الطنافسي عند ابن ماجه كما تقدم، وتابعه أيضاً إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في "كتاب الطهور" كما قال ابن رجب (٣). وقد رواه الإمام أحمد، وأبو كريب كلاهما عن وكيع بدون اختصار (٤). وكذلك نقل المروذي عن الإمام أحمد يدل على أن إنكاره هذا الاختصار كان موجهاً إلى وكيع. فهذا الاختصار المخل بالمعنى هو وجه بطلان الحديث عند الإمام أحمد وإنكاره على راويه، وإنما وقع فيه الراوي بتصرفه في اللفظ وحمله على المعنى الذي فهمه. فالإمام أحمد ﵀ يعتبر مثل هذا الاختصار سببا من أسباب إعلال الأحاديث. فالخلاصة أن الرواية بالمعنى أحد أسباب وقوع العلل في الروايات، وإنما

стр. 378

يقع ذلك عند وجود الاختلاف في الألفاظ، فإن لم يؤد ذلك الاختلاف إلى اختلاف في المعنى، دل على أن بعض الرواة تصرف في الألفاظ فروى بالمعنى، وأنه قد أصاب فلا وجه لإعلال ما رواه، مثل ما وقع من الاختلاف بين الثوري ومن خالفه في حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في سهم الفارس والراجل من الغنيمة كما تقدم. وإن أدى الاختلاف إلى اختلاف في المعنى كان ذلك مورداً من موارد الإعلال، فينظر في الذي ينفرد بلفظ مخالف لرواية أكثر أو أحفظ الرواة فيحكم عليه بالخطأ، ويُرجع سبب الخطأ إلى الرواية بالمعنى إن وجدت قرائن تدل عليها (١)، ثم إن كان المتفرد من الفقهاء المعتنين بالرأي فيقوى الظن بأنه حمل لفظ الحديث على رأيه الفقهي، أو كان ممن يحدث من حفظه لا سيما إذا لم يشتهر بالفقه، يقوى الظن بأنه تصرف في اللفظ فأخطأ وأحال المعنى. ولا شك أن الذي يكثر منه الوقوع في الخطأ من أجل الرواية بالمعنى تتأثر بذلك منزلته في الجرح والتعديل من حيث الضبط، وعليه يحمل ترك الإمام أحمد لمعلى بن منصور الذي كان يحدث بما يوافق الرأي ويقع في الأخطاء. وأما ما ورد عن أهل الإتقان من الخطأ بسبب الرواية بالمعنى كيحيى القطان، ووكيع فيحمل على الأوهام والأخطاء التي لا يسلم منها أحد مهما بلغ في الحفظ والإتقان إلا المعصوم، ولا يحكم عليهم بسوء الحفظ، والله أعلم.

стр. 379

المبحث الثاني: الإعلال بسوء الحفظ الطارئ على الراوي . المطلب الأول: الإعلال باختلاط الراوي لكبر سِنِّه . الاختلاط في اللغة فساد العقل. قال ابن المنظور: واختلط فلان أي فسد عقله، ورجل خِلْطٌ بيّن الخَلاطة: أحمق مخالِط العقل … وقد خُولط في عقله خِلاطاً واختلط، ويقال: خُولط الرجل فهو مخالِط، واختلط عقله فهو مختلِط إذا تغير عقله (١). وهو في عرف المحدثين سوء الحفظ الطارئ على الراوي إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه، أو عدمها بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء (٢). فالاختلاط إذاً من أسباب الطعن في رواية الراوي الراجع إلى خلل في الضبط، وعليه فلا يعلّ من روايته إلا ما تُحقّق عدم ضبطه فيه أو اشتبه الأمر فيه، فحديث المختلط لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: ما ثبت أنه حدّث به قبل الاختلاط، وله صورتان: الأولى: ما جاء من طريق مَن تحمّل عنه قبل الاختلاط فقط كقدماء أصحابه والرواة الذين لم يدركوا زمن اختلاطه، أو أدركوه ولم يرووا عنه في تلك الحالة. الثانية: ما جاء من طريق من تحمّل عنه في الحالتين ـ قبل الاختلاط وبعده ـ لكنهم ميزوا هذا من ذاك.

стр. 380

الحالة الثانية: ما ثبت أنه حدّث به بعد الاختلاط. الحالة الثالثة: ما اشتبه الأمر فيه، وهو ما رواه من طريق من لم يُعرف زمنُ تحمّله عنه، أهو قبل الاختلاط أم بعده، وكذلك مَن تحمّل عنه في الحالتين ولم يتميز هذا من ذاك. وإنما تُردّ روايةُ المختلط في الحالتين الثانية والثالثة دون الأولى، وهذا أيضاً بشرط ألا يوجد له متابع أو شاهد معتبر. قال ابن حبان: "وأما المختلطون في أواخر أعمارهم مثل الجُريري، وسعيد بن أبي عروبة وأشباههما فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا على ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى، لأن حكمهم ـ وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحُمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدّم عدالتهم ـ حكمُ الثقة إذا أخطأ أن الواجب ترك أخطائه إذا علم والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه، وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء" (١). وأما في الحالة الأولى ـ بكلا صورتيها ـ فلا وجه لردها. وقد قال يحيى ابن معين لوكيع بن الجراح: "تحدّث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ قال: رأيتَني حدّثت عنه إلا بحدث مستوٍ؟ " (٢). وقال وكيع: كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحاً طرحناه (٣).

стр. 381

فهذا يوضّح أن حديث المختلط عندهم إذا كان معروفاً ومستوياً فهو مقبول وإن حدّث به في حال الاختلاط. ولذلك قال السخاوي ـ بعد أن ذكر قول وكيع المتقدم ـ إذا حدّث في حال اختلاطه بحديث واتفق أنه كان حدّث به في حال صحته فلم يخالفه أنه يقبل، فليحمَل أطلاقهم عليه (١). ولتمييز هذه الحالات اهتمّ الأئمة الحفاظ بمعرفة زمن اختلاط المختلط بالتحديد لكي يجعلونه ضابطاً يميِّزون به بين التحمّل في الصحة والتحمّل بعد الاختلاط، فقسموا الرواة عن المختلط أقساماً: ١. من كان سماعه قبل الاختلاط. ٢. من كان سماعه بعد الاختلاط. ٣. من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده وتميّز الأول من الثاني. ٤. من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده ولم يتميّز الأول من الثاني. ٥. من لا يعرف زمن تحمله عنه. وكذلك اهتم الحفاظ في هذا الباب بأمور أخرى منها: ١. التفريق بين الاختلاط والتغيّر: قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي قال: سألتُ ابن عليّة عن الجُريري فقلت له: يا أبا بِشر أكان الجُريري اختلط؟ قال: لا، كبر الشيخ فرقّ (٢). وجاء ما يدل على اعتماد الإمام أحمد هذا فقد ذكر له علة حديث بأن سماع راويه من الجريري بعد الاختلاط فلم يجب، وقال: لا أدري (٣). وهذا يدل على أن الاختلاط والتغير أمران متباينان، فالتغير

стр. 382

هو رقة في الحفظ كما يحصل من أجل الشَّيْخُوخة وكِبَر السِّن، ولازم هذا التفريق أن الذي أصابه التغير لا يعامل معاملة المختلط، ووجه ذلك أن التغير لا يؤثِّر على مرويات الرَّاوي لقلة ما يحصل بسببه من الأوهام والأغلاط، حاله حال الثقة الذي قد يهم، فيُتَجنَّب ما تُحُقِّق أنه وهِم فيه وأخطأ، ويقبل باقي حديثه ولا يتوقف في قبولها، بخلاف الاختلاط الذي يجعل المتصف به لا يعقل ما يحدّث به، فيُجيب فيما سُئل، ويحدِّث كيف شاء فيختلط حديثه الصحيح بحديثه السقيم (١). وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: "أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكِبَر تناقَص حفظُه، ولم يختلط أبداً، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطّان من أنه وسُهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، نعم الرجلُ تغيّر قليلاً ولم يبق حفظُه كهو في حال الشَّبيبة فنسِيَ بعضَ محفوظِه أو وهم فكان ماذا؟ أهو معصوم من النسيان؟ ولما قدم العراق في آخر عمره حدّث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات، فدعْ عنك الخَبْط وذَرْ خَلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمُخلِّطين" (٢) وكأن الإمام أحمد لاحظ هذا الفرق واعتمده في الجريري فلم يهتمّ بتمييز الرواة عنه ولا بذكر ضابطٍ للسَّماع الصَّحيح من السماع المختلط كما فعل مع سائر المختلطين. ٢. قد يختلط الراوي ولا يؤثر ذلك على مروياته، وذلك لأحد أمرين: الأول: أن يكون لم يحدّث بشيء حال اختلاطه، كما حصل لعبد الوهاب الثقفي، وجرير بن حازم. قال أبو داود: "جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي تغيرا فحُجِب الناس عنهما" (٣).

стр. 383

الثاني: أن لا يُؤْثَر عنه حديثٌ منكرٌ، كما قال ابن عدي في أبان بن صمعة أنه مع اختلاطه لم يجد له حديثاً منكراً (١) وأشار الإمام أحمد إلى أن أبان بن صمعة وإن تغير بأخرة فهو صالح الحديث كما سيأتي في آخر المطلب. وسأذكر في هذا المطلب جمعاً من الرواة نص الإمام أحمد على أنهم اختلطوا، وحيث وجد أذكر ما أعلّه من حديثهم، وهم كأنموذج يتبين من خلاله أن الإمام أحمد يعتبر الاختلاط في الأحوال التي ترد بها الرواية علةً يُعتلّ بها ما يستنكر من رواية المختلطين، وأقتصر في هذا المطلب على من اختلط لكبر سنّه وذلك لكثرتهم، وأما من كان اختلاطه لأسباب أخرى كالعمى، واحتراق الكتب وغيرهما فسأفردهم بالذكر في مطلب خاص إن شاء الله. ١ - صالح مولى التوأمة ت (١٢٥) هـ : هو صالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية بن خلف أبو محمد المدني قال عنه الإمام أحمد: صالح الحديث (٢). وقد وردت عن الإمام أحمد روايات تشير إلى اختلاط صالح، منها: قال عبد الله: قلت لأبي إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالك بن أنس عن صالح مولى التوأمة فقال: ليس بثقة. قال أبي: مالك كان قد أدرك صالحاً وقد اختلط أو هو كبير، ما أعلم به بأساً من سمع قديماً وقد روى عنه أكابر أهل المدينة (٣). وقال عبد الله أيضاً: قال أبي: صالح مولى التوأمة ما أرى به بأساً من سمع

стр. 384

منه قديما (١). وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن صالح مولى التوأمة فقال: قال مالك: قد رأيته مختلِطاً، ولم يحمل عنه. ثم قال: من سمع قبل الاختلاط فكأنه (٢). وقال البخاري: كان أحمد يقول: من سمع من صالح قديما فسماعه حسن ومن سمع منه أخيراً فكأنه يضعف سماعه (٣). وقال أبو داود: قلت لأحمد: صالح مولى التَّوْأَمة؟ قال: لقيه مالك ـ زعموا ـ بعد ما كبر. قلت لأحمد: هو مُقارِب الحديث؟ قال: أما أنا فأحتمله وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع مجد فلا؟ (٤). فهذه الرويات عن الإمام أحمد أثبتت أن صالح مولى التوأمة كان قد اختلط، وذكرت التمييز بين سماع من سمع منه قديماً ومن سمع منه بأخرة، وهذا التفصيل لا يكون إلا في راوٍ مختلطٍ. ولم تبين الروايات زمن الاختلاط ولم تنص على أعيان من سمع منه قبله، ولكن نصت على أن الإمام مالكاً ممن سمع منه بعد الاختلاط. ولا يمكن أن يؤخذ من هذا ضابطاً للسماع الصحيح من السماع في حالة الاختلاط. ما أعله الإمام أحمد من حديثه: وقد ورد عن الإمام أحمد إعلال حديث رواه صالح مولى التوأمة، إلا أنه لم يتبين تماماً هل أعله بإختلاط صالح فيكون شاهداً للباب، أو أعله بأمر آخر.

стр. 385

فروى ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلّى على جنازة في المسجد فليس له شيءٌ" (١). قال عبد الله: سألت أبي عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" فقال: حديث عائشة: أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد ثم قال: حتى يثبت حديث صالح مولى التوأمة، كان عنده ليس يثبت أو ليس صحيحاً (٢). وهذه الرواية ليست صريحة في إعلال الحديث باختلاط صالح، إذ غاية ما فيها التنصيص على عدم ثبوت الحديث، ويحتمل أن يكون الحديث قد رواه قبل الاختلاط لكنه تفرد به وهو ممن لا يحتمل تفرده خاصة مع مخالفته لحديث عائشة ﵂. ويؤيد هذا الوجه ما نقله الحافظ ابن عبد البر قال: وسئل أحمد بن حنبل ـ وهو إمام أهل الحديث والمتقدم في معرفة علل النقل فيه ـ عن الصلاة على الجنازة في المسجد فقال: لا بأس بذلك، وقال بجوازه، فقيل: فحديث أبي هريرة؟ فقال: لا يثبت أو قال: حتى يثبت. ثم قال: رواه صالح مولى التوأمة، وليس بشيء فيما انفرد به. ا. هـ (٣). وذكر النووي عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف (٤). واعتمد ابن عبد الهادي

стр. 386

هذا النقل عن النووي (١)، واعتماد ابن عبد الهادي هذا النقل عن النووي يدل على عدم وقوفه على رواية عن الإمام أحمد في المسئلة من طريق أصحابه. ويؤيد أن علة الحديث هو اختلاط صالح ما ذكره أبو الحسن ابن القطان قال: "حكى الترمذي عن البخاري عن أحمد بن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيراً وروى عنه منكراً" (٢). وهذا الحديث من رواية محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، فحيث كان سماعه من صالح أخيراً تحمل نكارته على اختلاط صالح. لكن هذا النقل مخالف لما في نسخة "علل الترمذي الكبير" التي بأيدينا وما نقله البيهقي من الكتاب نفسه، وفيه: "قال قلت كيف صالح مولى التوأمة؟ قال ـ أي البخاري ـ قد اختلط في آخر أمره، من سمع منه قديماً سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديماً يروي عنه مناكير" (٣). وفي موضع آخر: قال: "قال محمد: وابن أبي ذيب سماعه منه أخيراً، يروي عنه مناكير" (٤). فالظاهر أن القائل بأن سماع ابن أبي ذيب في زمن الاختلاط هو البخاري ولم ينسبه إلى الإمام أحمد، ولذلك استغرب الحافظ ابن حجر نقل ابن القطان هذا (٥). وقد نص جمع من الأئمة على أن سماع ابن أبي ذيب من صالح مولى التوأمة قبل الاختلاط (٦)، ولم يَرِد عن الإمام أحمد شيءٌ عن سماع ابن أبي ذيب من صالح إلا هذا النقل من ابن القطان، والله أعلم.

стр. 387

فإيراد هذا الحديث مما أعله الإمام أحمد بعلة اختلاط صالح مولى التوأمة هو على الاحتمال فقط. ٢ - عطاء بن السائب ت (١٢٦) هـ: هو عطاء بن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب الكوفي. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: عطاء بن السائب ثقة ثقة رجل صالح (١). وقال المروذي: قيل له ـ أي أحمد بن حنيل: عطاء بن السائب أحب إليك أو حصين؟ فقال: كلاهما ثبتان (٢). وقال عبد الله: سألته عن عطاء بن السائب فقال: صالح، من سمع منه يعني قديماً وقد تغير فإنه ليس بذاك إنه ليرفع إلى بن عباس (٣). وقال أبو طالب: سألت أحمد يعني ابن حنبل عن عطاء بن السائب قال: من سمع منه قديماً كان صحيحاً، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء، سمع منه قديماً شعبة، وسفيان، وسمع منه حديثاً جرير، وخالد بن عبد الله، وإسماعيل يعني ابن علية، وعلي بن عاصم، فكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها، وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال: كتبتُ عن عَبيدة ثلاثين حديثاً ولم يسمع من عَبيدة شيئاً، فهذا اختلاط شديد (٤). وقال أبو داود: قلت لأحمد: عطاء بن السائب ـ أعني كيف حديثه؟ قال: من سمع منه بالبصرة فسماعه مضطرب، قلت: وُهيْب؟ قال: نعم (٥).

стр. 388

فهذه النصوص عن الإمام أحمد أثبتت الأمور التالية: ١. إن عطاء بن السائب قد تغيّر في الآخر، وأن هذا التغيّر ليس بتغيّر خفيف، بل هو اختلاط شديد، حيث إنه يزعم أنه سمع من عَبيدة ثلاثين حديثاً والواقع أنه لم يسمع منه شيئاً، وبالتالي اعتبر الإمام أحمد سماع من سمع منه في زمن التغيّر لا شيء. ٢. إن عطاءَ بن السائب قبل التغيّر ثقةٌ صالحٌ صحيحُ الحديث عند الإمام أحمد. ٣. ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده: الظاهر من رواية أبي داود عن أحمد أن ذلك يرجع إلى مكان السماع، فمن سمع منه بالكوفة فهو قبل الاختلاط، ومن سمع منه بالبصرة فهو بعد الاختلاط (١). فكأن قدومه البصرة كان في آخر حياته. ٤. ذكرُ من سمع من عطاء قبل الاختلاط ومن سمع منه بعده، فذكر ممن سمع منه قبل الاختلاط: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري. ومما يدل على صحة سماعهما ما ذكره أبو داود قال: قلت لأحمد: يُشاكل أحدٌ سفيانَ وشعبةَ في عطاء؟ قال: لا، قلما يختلف عنه سفيان وشعبة (٢). وهذا يدل على ضبط عطاء لحديثه حال الصحة حيث قل أن يختلف عنه هذان الحافظان. ومنهم أيضاً سفيان بن عيينة: قال أبو داود: سمعتُ أحمد قال: سماعُ ابن عيينة عنه مقاربٌ ـ يعني من

стр. 389

عطاء بن السائب، سمع بالكوفة (١). وذكر ممن سمع منه بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد الضبي، وخالد ابن عبد الله الطحان، وإسماعيل بن عُليّة، وعلي بن عاصم، ووُهيْب بن خالد. وذكر أن أبا عوانة ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، فقال أبو داود: سمعت أحمد قال: أبو عوانة سمع منه بالكوفة وبالبصرة جميعاً ـ يعني من عطاء (٢)، والظاهر أنه لم تتميز أحدها عن الآخر كما قال هو في نفسه أن ذلك اختلط عليه (٣). ٥. إن من مظاهر العلة في حديث عطاء بن السائب والناشئة من الاختلاط رفعه أشياء إلى ابن عباس وهي في الواقع موقوفة على سعيد بن جبير. قال أبو داود: قال أحمد: هذا الذي يروي خالد الطحّان، عن سعيد، عن ابن عباس في التفسير إنما هو عن سعيد ـ يعني خالد عن عطاء بن السائب (٤). وقال عبد الله: سئل أبي عن عطاء بن السائب وسماك قال: ما أقربَهما وسماك يرفعها عن عكرمة عن ابن عباس، وعطاء عن سعيد عن ابن عباس، ما أقربَهما (٥).

стр. 390

ما أعله الإمام أحمد من حديث عطاء بن السائب بالاختلاط: قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرَم الُمزني أن أبا عبد الله سُئل عن حديث شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، قال: [بينهن نبيٌّ كنبيكم، ونوحٌ كنوحكم، وآدمُ كآدمِكم]. قال أبو عبد الله: هذا رواه شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس لا يذكر هذا، إنما يقول: [يتنزّل العلمُ والأمرُ بَيْنهنّ] وعطاء بن السائب اختلط، وأنكر أبو عبد الله الحديث. وعن قتادة قال: [في كل سماءٍ وكل أرضٍ خلقٌ من خلقه، وأمر من أمره، وقضاءٌ من قضائه] (١). هذا الأثر رواه الحاكم (٢)، ومن طريقه البيهقي (٣)، وقد أنكره الإمام أحمد وجعل علته اختلاط عطاء بن السائب، والراوي عنه شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، ولم ينص على زمن سماعه من عطاء، وإعلال الإمام أحمد الحديث باختلاط عطاء يدل على احتمال أن يكون شريك عنده ممن سمع من عطاء بعد الاختلاط، أو ممن لم يعرف وقت سماعه منه، أو ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، إذ هذه هي حالات الإعلال بالاختلاط. وقد قوّى إعلاله للحديث بأن شعبة خالفه، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس بغير هذا اللفظ، وبما رُوي عن قتادة في تفسير الآية. وهذا التفسير عن قتادة رواه ابن جرير في التفسير (٤). ولم أقف على رواية شعبة هذه التي أعل بها الإمام أحمد رواية عطاء بن السائب،
следующие страницы →