← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هذا النقل عن النووي (١)، واعتماد ابن عبد الهادي هذا النقل عن النووي يدل على عدم وقوفه على رواية عن الإمام أحمد في المسئلة من طريق أصحابه. ويؤيد أن علة الحديث هو اختلاط صالح ما ذكره أبو الحسن ابن القطان قال: "حكى الترمذي عن البخاري عن أحمد بن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيراً وروى عنه منكراً" (٢). وهذا الحديث من رواية محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، فحيث كان سماعه من صالح أخيراً تحمل نكارته على اختلاط صالح. لكن هذا النقل مخالف لما في نسخة "علل الترمذي الكبير" التي بأيدينا وما نقله البيهقي من الكتاب نفسه، وفيه: "قال قلت كيف صالح مولى التوأمة؟ قال ـ أي البخاري ـ قد اختلط في آخر أمره، من سمع منه قديماً سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديماً يروي عنه مناكير" (٣). وفي موضع آخر: قال: "قال محمد: وابن أبي ذيب سماعه منه أخيراً، يروي عنه مناكير" (٤). فالظاهر أن القائل بأن سماع ابن أبي ذيب في زمن الاختلاط هو البخاري ولم ينسبه إلى الإمام أحمد، ولذلك استغرب الحافظ ابن حجر نقل ابن القطان هذا (٥). وقد نص جمع من الأئمة على أن سماع ابن أبي ذيب من صالح مولى التوأمة قبل الاختلاط (٦)، ولم يَرِد عن الإمام أحمد شيءٌ عن سماع ابن أبي ذيب من صالح إلا هذا النقل من ابن القطان، والله أعلم.

стр. 387

فإيراد هذا الحديث مما أعله الإمام أحمد بعلة اختلاط صالح مولى التوأمة هو على الاحتمال فقط. ٢ - عطاء بن السائب ت (١٢٦) هـ: هو عطاء بن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب الكوفي. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: عطاء بن السائب ثقة ثقة رجل صالح (١). وقال المروذي: قيل له ـ أي أحمد بن حنيل: عطاء بن السائب أحب إليك أو حصين؟ فقال: كلاهما ثبتان (٢). وقال عبد الله: سألته عن عطاء بن السائب فقال: صالح، من سمع منه يعني قديماً وقد تغير فإنه ليس بذاك إنه ليرفع إلى بن عباس (٣). وقال أبو طالب: سألت أحمد يعني ابن حنبل عن عطاء بن السائب قال: من سمع منه قديماً كان صحيحاً، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء، سمع منه قديماً شعبة، وسفيان، وسمع منه حديثاً جرير، وخالد بن عبد الله، وإسماعيل يعني ابن علية، وعلي بن عاصم، فكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها، وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال: كتبتُ عن عَبيدة ثلاثين حديثاً ولم يسمع من عَبيدة شيئاً، فهذا اختلاط شديد (٤). وقال أبو داود: قلت لأحمد: عطاء بن السائب ـ أعني كيف حديثه؟ قال: من سمع منه بالبصرة فسماعه مضطرب، قلت: وُهيْب؟ قال: نعم (٥).

стр. 388

فهذه النصوص عن الإمام أحمد أثبتت الأمور التالية: ١. إن عطاء بن السائب قد تغيّر في الآخر، وأن هذا التغيّر ليس بتغيّر خفيف، بل هو اختلاط شديد، حيث إنه يزعم أنه سمع من عَبيدة ثلاثين حديثاً والواقع أنه لم يسمع منه شيئاً، وبالتالي اعتبر الإمام أحمد سماع من سمع منه في زمن التغيّر لا شيء. ٢. إن عطاءَ بن السائب قبل التغيّر ثقةٌ صالحٌ صحيحُ الحديث عند الإمام أحمد. ٣. ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده: الظاهر من رواية أبي داود عن أحمد أن ذلك يرجع إلى مكان السماع، فمن سمع منه بالكوفة فهو قبل الاختلاط، ومن سمع منه بالبصرة فهو بعد الاختلاط (١). فكأن قدومه البصرة كان في آخر حياته. ٤. ذكرُ من سمع من عطاء قبل الاختلاط ومن سمع منه بعده، فذكر ممن سمع منه قبل الاختلاط: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري. ومما يدل على صحة سماعهما ما ذكره أبو داود قال: قلت لأحمد: يُشاكل أحدٌ سفيانَ وشعبةَ في عطاء؟ قال: لا، قلما يختلف عنه سفيان وشعبة (٢). وهذا يدل على ضبط عطاء لحديثه حال الصحة حيث قل أن يختلف عنه هذان الحافظان. ومنهم أيضاً سفيان بن عيينة: قال أبو داود: سمعتُ أحمد قال: سماعُ ابن عيينة عنه مقاربٌ ـ يعني من

стр. 389

عطاء بن السائب، سمع بالكوفة (١). وذكر ممن سمع منه بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد الضبي، وخالد ابن عبد الله الطحان، وإسماعيل بن عُليّة، وعلي بن عاصم، ووُهيْب بن خالد. وذكر أن أبا عوانة ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، فقال أبو داود: سمعت أحمد قال: أبو عوانة سمع منه بالكوفة وبالبصرة جميعاً ـ يعني من عطاء (٢)، والظاهر أنه لم تتميز أحدها عن الآخر كما قال هو في نفسه أن ذلك اختلط عليه (٣). ٥. إن من مظاهر العلة في حديث عطاء بن السائب والناشئة من الاختلاط رفعه أشياء إلى ابن عباس وهي في الواقع موقوفة على سعيد بن جبير. قال أبو داود: قال أحمد: هذا الذي يروي خالد الطحّان، عن سعيد، عن ابن عباس في التفسير إنما هو عن سعيد ـ يعني خالد عن عطاء بن السائب (٤). وقال عبد الله: سئل أبي عن عطاء بن السائب وسماك قال: ما أقربَهما وسماك يرفعها عن عكرمة عن ابن عباس، وعطاء عن سعيد عن ابن عباس، ما أقربَهما (٥).

стр. 390

ما أعله الإمام أحمد من حديث عطاء بن السائب بالاختلاط: قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرَم الُمزني أن أبا عبد الله سُئل عن حديث شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، قال: [بينهن نبيٌّ كنبيكم، ونوحٌ كنوحكم، وآدمُ كآدمِكم]. قال أبو عبد الله: هذا رواه شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس لا يذكر هذا، إنما يقول: [يتنزّل العلمُ والأمرُ بَيْنهنّ] وعطاء بن السائب اختلط، وأنكر أبو عبد الله الحديث. وعن قتادة قال: [في كل سماءٍ وكل أرضٍ خلقٌ من خلقه، وأمر من أمره، وقضاءٌ من قضائه] (١). هذا الأثر رواه الحاكم (٢)، ومن طريقه البيهقي (٣)، وقد أنكره الإمام أحمد وجعل علته اختلاط عطاء بن السائب، والراوي عنه شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، ولم ينص على زمن سماعه من عطاء، وإعلال الإمام أحمد الحديث باختلاط عطاء يدل على احتمال أن يكون شريك عنده ممن سمع من عطاء بعد الاختلاط، أو ممن لم يعرف وقت سماعه منه، أو ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، إذ هذه هي حالات الإعلال بالاختلاط. وقد قوّى إعلاله للحديث بأن شعبة خالفه، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس بغير هذا اللفظ، وبما رُوي عن قتادة في تفسير الآية. وهذا التفسير عن قتادة رواه ابن جرير في التفسير (٤). ولم أقف على رواية شعبة هذه التي أعل بها الإمام أحمد رواية عطاء بن السائب،

стр. 391

وصحة الإعلال باختلاط عطاء متوقف على ثبوت تلك الرواية عن شعبة. وقد روى ابن جرير من طريق غندر، والحاكم من طريق آدم بن أبي إياس، كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله : ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: [في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق]. وقال ابن المثنى عن غندر: في كل سماء إبراهيم (١). فهذا اللفظ ظاهره نحو لفظ عطاء بن السائب، مما يدل على أنه توبع من قبل شعبة، وقد صحح البيهقي الإسناد إلى ابن عباس وقال: إلا أنه شاذ بمرة ولا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً والله أعلم اه (٢) والظاهر من صنيع البيهقي أنه لا يرى أن العلة فيه اختلاط عطاء بن السائب لمتابعة شعبة له، كأنه لم يقف على رواية شعبة التي ذكرها الإمام أحمد المخالفة لروايةِ عطاء والمخالفة لروايةِ غندر وآدم بن أبي إياس عن شعبة التي ذكرت آنفاً. ٣ - أبو إسحاق السَّبِيعي ت (١٢٦) هـ: وهو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، أبو إسحاق السَّبِيعي. قال أحمد: أبو إسحق رجل ثقة صالح، لكن هؤلاء الذين حملوا عنه بأخرة (٣). فهذه إشارة إلى أن أبا إسحاق تغير بأخرة. وأصرح من ذلك ما رواه الميموني:

стр. 392

قال: قلت: لأبي عبد الله: وكان أبو إسحاق قد تأخّر؟ قال: إي والله، هؤلاء الصغار زهير وإسرائل يزيدون في الإسناد وفي الكلام (١). فذكر من آثار هذا التغيرّ الزيادة في الإسناد، وذلك برفع الموقوف، ووصل المرسل، وزيادة رجل في الإسناد، وبمثل هذا ينحط الثقة عن رتبة الاحتجاج به كما قال الذهبي (٢). إلا أن هذا الصنيع ليس من قبل هؤلاء الرواة عن أبي إسحاق، بل كان من قبل أبي إسحاق نفسه، وهو دليل على اختلاطه. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: زهير، وزكريا، وإسرائيل ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أراه إلا من أبي إسحاق، هو السَّبيعي. قال: قلت لأحمد: شريك منهم؟ قال: شريك سمع قديماً (٣). وقال صالح عن أحمد: زهير، وإسرائيل، وزكريا في حديثهم عن أبي إسحاق لين، سمعوا منه بأخرة، وشريك كان أثبت في أبي إسحاق منهم، سمع قديماً. وزهير فيما روى عن المشايخ ثبت بخ بخ (٤). وقال أبو داود أيضاً: قلت لأحمد: إسرائيل أحب إليك أو زهير في أبي إسحاق؟ قال: ما فيهما بحمد الله إلا يُخطئ، وما أراه إلا من أبي إسحاق (٥). وقال في رواية عبد الله: وفي حديث إسرائيل اختلاف عن أبي إسحاق، أحسب ذاك من أبي إسحاق (٦).

стр. 393

فنصّ ﵀ في هذه الروايات على أن ما في حديث هؤلاء الحفاظ عن أبي إسحاق ـ وهم زهير بن معاوية الجعفي، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل ابن يونس بن أبي إسحاق ـ من الخطأ والاختلاف إنما هو من قبل أبي إسحاق وليس من قبلهم، وأن ذلك راجع إلى كونهم سمعوا منه بأخرة. وقدّم شريكاً عليهم في أبي إسحاق مع أنه دونهم في الحفظ والإتقان، لأنه أقدم سماعاً منهم. وقد أنكر الذهبي أن أبا إسحاق اختلط، وقال: كبر وتغيَّر حفظُه تغيُّرَّ السن، ولم يختلط (١). ومما يدل على أن أبا إسحاق اختلط ما رواه أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبيد الله بن عمرو قال: جئت محمد بن سوقة معي شفيعاً عند أبي إسحاق فقلت لإسرائيل: استأذن لنا الشيخ، فقال لنا: صلى بنا الشيخ البارحةَ فاختلط قال: فدخلنا عليه، فسلمنا وخرجنا (٢). وقال الفسوي: قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو إسحاق في مسجده، ليس معنا ثالث. فقال بعض أهل العلم: كان قد اختلط فإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه (٣). وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن زهير بن معاوية فقال: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط (٤). وقال الذهبي: ما اختلط أبو إسحاق أبداً، وحمل كلام أبي زرعة هذا على التغيُّر ونقص الحفظ (٥). وقد تقدم من كلام الإمام أحمد أن تغير أبي إسحاق كان

стр. 394

من آثاره أن وقعت أخطاء في مرويات من روى عنه بأخرة من زيادة في الأسانيد والمتون، والتغير إذا تضمن مثل هذا فلا يقال فيه إنه تغير يسير، بل الظاهر أنه من الاختلاط. وقد تقدم مثل هذا عن عطاء بن السائب أن من آثار اختلاطه أنه كان يرفع إلى ابن عباس ما كان موقوفاً على سعيد بن جبير (١). وذكر ابن حبان عن عبد الله بن عبد العزيز الليثي أنه كان ممن اختلط بأخرة حتى كان يقلب الأسانيد وهو لا يعلم، ويرفع المراسيل من حيث لا يفهم (٢). وإذا ثبت أن أبا إسحاق اختلط، فقد سمع منه قبل الاختلاط على ما ذكره أحمد: سفيان، وشعبة، وشريك. قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري، وشعبة أقدم سماعاً من سفيان (٣). وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: قال شريك عن أبي إسحاق فقال: كان ثبتاً فيه (٤). وقد تقدم أنه قال إنه قديم السماع من أبي إسحاق. وذكر الإمام أحمد أربعة ممن سمع من أبي إسحاق بأخرة، وهم: زهير، وزكريا، وإسرائيل، وزائدة بن قدامة. قال في حديث زائدة عن أبي إسحاق: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق (٥). ولم يرد عن الإمام أحمد ضابط التمييز بين السماع القديم والسماع المتأخر.

стр. 395

ما أعله من حديث أبي إسحاق بالاختلاط: قال أبو داود: قلت لأحمد: كُدير الضبي له صحبة؟ فقال: لا، قلت: زهير يقول: إنه أتى النبيَّ ﷺ أو إن أعرابياًّ أتى النبيَّ ﷺ ، أعني في حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن كدير الضبي؟ فقال: زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة (١). هذا الحديث سيأتي في مسئلة ما يقدح في ثبوت الصحية، وسيأتي هناك أن رواية زهير عن أبي إسحاق، عن كُدير الضبي أنه أتى النبيَّ ﷺ فأتاه أعرابي فقال: [يا رسول الله، ألا تحدّثني عما يُقربّني من الجنة ويُباعدني من النار؟ قال: "تقول العدلَ، وتُعطي الفضلَ" … ] الحديث. أخرجه أبو القاسم البغوي (٢)، وعنه ابن قانع (٣). وظاهر هذه الرواية أن لكُدير الضبي وفادةً على النبي ﷺ فتَثبُتُ له صحبة، وأنكر الإمام أحمد أن تكون له صحبة، لأن الرواية التي تفيد ذلك جاءت من طريق زهير بن معاوية الجعفي، عن أبي إسحاق، وسماعه من أبي إسحاق كان بأخرة، فرد الرواية من أجل هذا. وقد روى الحديث القدماء من أصحاب أبي إسحاق مخالفاً لرواية زهير، فروى شعبة عن أبي إسحاق، سمعت كدير الضبي منذ خمسين سنة قال: أتى النبيَّ ﷺ أعرابي فذكر الحديث. أخرجه أبو داود الطيالسي (٤). وهذه الرواية لا تقتضي أن لكدير الضبي صحبةً. وتابع شعبةَ الثوري، والأعمش، ومعمر، وفطر ابن خليفة، وإسرائيل، وزيد بن أبي أنيسة كلهم عن أبي إسحاق كما سيأتي. ومخالفة زهير لهؤلاء ليست من أجل عدم ضبطه لحديث أبي إسحاق فإنه كان ثقة ثبتاً متقناً،

стр. 396

بل ذلك راجع إلى اختلاط أبي إسحاق، فسمع هذا الحديث منه على الوجه الخطأ. فقد ظهر من هذا المثال أن لسماع زهير من أبي إسحاق أثراً في وقوع الخطأ في روايته عن أبي إسحاق، وذلك الخطأ تضمن وصل حديث مرسل، واقتضى ذلك اعتبارَ منْ ليس بصحابي صحابياًّ، وهذا مما يقوي أن إبا إسحاق كان قد اختلط، ولم يكن ما أصابه من قبل التغير اليسير، وأن الاختلاط من أسباب ردّ رواية الراوي. ٤ - سعيد بن أبي عروبة ت (١٥٦) هـ: هو سعيد بن أبي عروبة ـ واسمه مهران ـ العدوي مولاهم البصري، يكنى أبا النضر. قال أحمد: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتب (١)، إنما كان يحفظ ذلك كله (٢)، وذكر عن سعيد أنه كان يقول: دقَّك بالمنحاز حبَّ الفُلْفُل، وذلك لما قدم الكوفة، قال أحمد: يعني بذلك شدة الحفظ (٣). وأثبت الإمام أحمد أن سعيد اختلط. قال عبد الله: قلت لأبي: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم (٤) وكذلك روى المروذي عنه (٥).

стр. 397

وأما حالته قبل الاختلاط فعلى ما ذكر من قوة حفظه. ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط: وأما ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط فقد كان الإمام أحمد يحدد ذلك بالهزيمة، ويعني بها هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي خرج على أبي جعفر، وكانت سنة خمس وأربعين ومائة. قال عبد الله: قال أبي: كانت الهزيمة في سنة خمس وأربعين ومائة، قال: ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة كان أبي ضعّفهم (١). وكان هذا مذهب يحيى بن سعيد القطان أيضاً قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد يوقِّت فيمن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه صالح، والهزيمة كانت سنة خمس وأربعين ومائة. قال: قال أبي: وهذه هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن الذي كان خرج على أبي جعفر (٢). وقال المروذي: قال أحمد: أما يحيى فكان يقول: من سمع قبل سنة خمس وأربعين (٣). ولعل الإمام أحمد أخذ هذا الضابط عن يحيى بن سعيد فإنه كان شيخَه وكان قد لقي ابن أبي عروبة. من سمع من ابن عروبة قبل الاختلاط: ذكر الإمام أحمد أن من سمع من سعيد بالكوفة فسماعه جيد.

стр. 398

قال المروذي: قلت: سعيد بن أبي عروبة حين قدم الكوفة سمعوا منه وهو مختلط؟ قال: لا، سماعهم جيد، لم يكن مختلطاً (١). قال عبد الله: قال أبي: من سمع منه ـ يعني سعيد بن أبي عروبة ـ بالكوفة مثل محمد بن بشر وعبْدَة فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة (٢). وقال المروذي: قد كان ابن بشر جيد الكتاب عن سعيد، سماعهم متقدم (٣). فذكر ممن سمع منه بالكوفة محمد بن بشر العبدي أبو عبد الله الكوفي (٤)، وعبدة بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي (٥). وذكر منهم أيضاً أسباط بن محمد القرشي مولاهم أبو محمد الكوفي (٦). قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أسباط بن محمد أحب إليك في سعيد أو الخفاف (٧)؟ فقال: أسباط أحب إليّ، لأنه سمع منه بالكوفة (٨). وذكر منهم أيضاً عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي (٩). قال أبو داود: قلت لأحمد: سماع عيسى من ابن أبي عروبة؟ قال: سماعه جيد بالكوفة (١٠).

стр. 399

ومن أهل البصرة يحيى بن سعيد، وهذا ظاهر لاعتماد الإمام أحمد على ما ذكره من ضابط التمييز بين السماع الصحيح من السماع بعد الاختلاط، فلو لم يكن يحيى سمع منه قبل الاختلاط لما أدرك هذا الضابط. ومنهم يزيد بن زريع. قال أبو طالب عن أحمد بن حنيل: كل شيء رواه يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة فلا تُبال أن لا تسمعه من أحدٍ، سماعُه من سعيد قديم، وكان يأخذ الحديث بنية (١). وقال ابن رجب عن الإمام أحمد: قد أكثر الأئمة السماع منه ـ يعني سعيد بن أبي عروبة ـ قبل الاختلاط منهم يزيد بن زريع (٢). ومنهم محمد بن بكر البرساني البصري (٣). قال عبد الله: قال أبي: قلت لمحمد بن بكر البرساني: متى سمعتَ من سعيد بن أبي عروبة؟ قال: قبل الهزيمة (٤). ومنهم إسماعيل بن عليّة. قال عبد الله: حدثني أبي قال: قلت لإسماعيل ابن علية: متى جالستَ سعيداً؟ أو سمعت من سعيد قبل الطاعون وبعده؟ قال: نعم. قلت: وقبل الهزيمة؟ قال: نعم، قلت: وبعد الهزيمة؟ ثم قال: لا أدري لا أدري، إلا أني كنت آتيه أنا وأصحاب لي فيُملي علينا أو عليّ، وكان لا يفعل ذلك بكل أحد. قال أبي: "والطاعون قبل الهزيمة بأربع عشرة سنة، فسماع ابن علية من سعيد قديم" (٥).

стр. 400

ومنهم عبد الله بن بكر بن حبيب السَّهمي البصري (١). قال عبد الله: حدثني أبي: قال: قلت للسَّهمي: متى جالستَ سعيد بن أبي عروبة؟ قال: قبل الهزيمة بسنتين أو ثلاث (٢). وذكر ابن رجب عن الإمام أحمد أنه قال: السهمي فوق هؤلاء، يعني فوق محمد بن بكر وغيره في سماعه من سعيد (٣). ومنهم روح بن عبادة. قال عبد الله: وجدتُ في كتاب أبي بخط يده قال: قلت لروح بن عبادة: متى سمعت التفسير من سعيد، قبل الهزيمة؟ قال: إي والله (٤). وقال ابن رجب عن الإمام أحمد قال: وروح حديثه عنه صالح (٥). ومنهم محمد بن سواء السدوسي، فقد سأل عبد الله الإمام أحمد عن محمد ابن سواء وروح بن عبادة في سعيد بن أبي عروبة فقال: ما أقربهما (٦)، مما يدل على أن سماعه من ابن عروبة قريب من سماع روح بن عبادة عنه، أي كان ذلك قبل الهزيمة. فهؤلاء الذين وقفت على تنصيص الإمام أحمد على سماعهم من سعيد قبل الاختلاط. من سمع من ابن عروبة بعد الاختلاط: فمنهم شعيب بن إسحاق البصري ثم الدمشقي (٧). قال أبو داود:

стр. 401

ذكرت لأحمد عن شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، قال: شعيب سمع منه بآخر رمق (١). ومنهم محمد بن أبي عدي وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أبو عمرو البصري (٢). قال عبد الله: قال أبي: كان يحيى بن سعيد يقول: جاء ابن أبي عدي إلى سعيد بن أبي عروبة ـ يعني وهو مختلط (٣). من سمع من ابن عروبة في الحالتين أو توقف الإمام أحمد في زمن سماعه منه: فمنهم يزيد بن هارون الواسطي، قال عبد الله: قال أبي: سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي عروبة في الصحة إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة (٤) وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي عروبة فضعفه وقال: كذا وكذا حديث خطأ (٥). والظاهر أن عبد الوهاب بن عطاء الخفّاف (٦) ممن سمع قبل الاختلاط عند

стр. 402

الإمام أحمد. سئل أبو داود عن السهمي والخفاف في حديث ابن أبي عروبة فقال: عبد الوهاب أقدم، فقيل له عبد الوهاب سمع في زمن الاختلاط فقال: من قال هذا؟ سمعت أحمد بن حنيل سئل عن عبد الوهاب في سعيد بن أبي عروبة فقال: عبد الوهاب أقدم (١). فظاهر هذا أنه سمع قبل الاختلاط. وأما ما ورد عنه أنه سُئل عن الموازنة بين أسباط بن محمد والخفاف في سعيد بن أبي عروبة فقال: أسباط أحب إليّ، لأنه سمع منه بالكوفة (٢) حيث قدم أسباطاً لأن سماعه بالكوفة ينفي احتمال كونه سمع من سعيد في حال الاختلاط بخلاف الخفاف الذي كان سماعه بالبصرة، فإنه يحتمل أن يكون سمع في الصحة والاختلاط، فلو تمحض سماع الخفاف قبل الاختلاط لما قدّم الإمام أحمد أسباطاً عليه، وخاصة أنه كان يقول في الخفاف: كان من أعلم الناس بحديث سعيد بن أبي عروبة (٣)، فهذا يقوّي احتمال كون الخفاف سمع من سعيد في الصحة والاختلاط عند الإمام أحمد، ويتعارض مع الرواية الصريحة المتقدمة والتي تنفي سماعه في الاختلاط. وهناك احتمال آخر للجمع بين القولين، وهو أقوى الاحتمالين، وهو أن تقديم الإمام أحمد لأسباط بن محمد في سعيد على الخفاف مبنى على مطلق قدم سماعه من سعيد، فإن قدم سماع الراوي من شيخه من عوامل تقديم الرواة بعضهم على بعض عند الأئمة، فهذا يجمع بين القولين وهو أولى من ترجيح الرواية الثانية على الرواية الأولى الصريحة في نفي الإمام أحمد لسماع الخفاف من ابن أبي عروبة في الاختلاط، والله أعلم. وتوقف الإمام أحمد في سماع خالد بن الحارث أبي عثمان البصري (٤). فروى

стр. 403

ابن رجب: قيل لأحمد: يقولون سماع خالد منه بعد الاختلاط قال: لا أدري (١). وكذلك توقف في سماع عباد بن العوام الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي (٢). قال أبو داود عن أحمد قال: عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخرة أم لا؟ (٣). ما أعله الإمام أحمد من حديث سعيد بن أبي عروبة بالاختلاط: قال أبو داود: سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنّا نمسح ونحن مع نبينا؟ قال: أسأل الله العافية. فقلت: شعيب بن إسحاق؟ قال: شعيب سمع بآخر رمق. قال الحسين: يعني أن شعيب بن إسحاق سمع من سعيد بن أبي عروبة هذا الحديث بآخر رمق (٤). لم أقف على رواية شعيب بن إسحاق هذه، وقد روى ابن ماجه (٥)، وابن خزيمة (٦)، كلاهما من طريق محمد بن سواء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه [رأى سعد بن مالك وهو يمسح على الخُفين فقال: إنكم لتفعلون ذلك؟ فاجتمعا عند عمر فقال سعدٌ لعمر: أفتِ ابن أخي في المسح على الخفيْن فقال عمر: كنا ونحن مع رسول الله ﷺ نمسح على خِفافنا لا نرى بذلك بأساً، فقال ابن عمر: وإن جاء من الغائط؟ قال نعم]. ورواه أحمد عن عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وعنده:

стр. 404

[فقال ابن عمر: وإن جاء من الغائط والبول؟ قال عمر: نعم، وإن جاء من الغائط والبول. قال نافع: فكان ابن عمر بعد ذلك يمسح عليهما ما لم يَخلعْهما، وما يوقِّت لذلك وقتاً. قال عبد الرزاق: فحدثتُ به معمراً فقال: حدثنيه أيوب عن نافع مثله" (١). وهو في مصنف عبد الرزاق (٢). فهذه متابعة قاصرة لمحمد بن سواء. ورواه مالك عن نافع وعبد الله بن دينار أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص وهو أميرها فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله فنسي أن يسأل عمرَ عن ذلك حتى قدم سعد، فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الحفين وهما طاهرتان فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال عمر: نعم، وإن جاء أحدكم من الغائط (٣). هكذا رواه غير مرفوع عند عمر. وقول الإمام أحمد في سؤال أبي داود: "أسأل الله العافية" نوع إنكار منه للحديث، ووجه ذلك أن رواية شعيب بن إسحاق جعلت الحديث من مسند ابن عمر، فأنكر الإمام أحمد ذلك، إذ كيف يكون عند ابن عمر علم بأنهم كانوا يمسحون مع النبي ﷺ ثم ينكر المسح على سعد كما جاءت بذلك بقية الروايات؟ ثم علّل ذلك ﵀ بأن شعيب بن إسحاق سمع من ابن عروبة في آخر حياته ـ يعني في حال اختلاطه، وهو مظان أن يروي الخطأ منْ تحمّل عن شيخه في تلك الحالة، ومما يؤكد أن شعيب بن إسحاق روى الخطأ أنه قد خولف عن شيخه سعيد بن أبي عروبة:

стр. 405

خالفه محمد بن سواء بن عنبر السدوسي. قال فيه الإمام أحمد: هو أحلى من الخفاف ـ يعني عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ـ إلا أن الخفاف أقدم سماعاً (١)، وسأله عبد الله عن محمد بن سواء وروح بن عبادة في سعيد بن أبي عروبة، فقال: ما أقربهما (٢). وقد تقدم عن الإمام أحمد أن روح كتب التفسير عن ابن أبي عروبة قبل الهزيمة، أي قبل الاختلاط، وأن حديثه عن سعيد صالح، فهذا يدل على أن سماع محمد بن سواء أيضاً قبل الهزيمة، فروايته عن سعيد مقدمة على رواية شعيب ابن إسحاق. ثم إنه قد توبع محمد بن سواء متابعة قاصرة كما تقدم: تابعه عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، وعن معمر، عن نافع، كما تابعه مالك عن نافع. ففي هذه المسألة إعلال الإمام أحمد الحديث بسماع الراوي عن المختلط في حال اختلاطه. حديث آخر: قال أبو داود: ذكرتُ لأحمدَ حديثَ عباد بن العواّم، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: [أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه] فلم يعرفْه، وقال: عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخرة أم لا؟ يعني عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قصة أم سليم، وإنما هي في كتب سعيد، عن عكرمة، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة. ويحدث عكرمة، عن الفضل بن عباس (٣)، وذكر شيئاً، وإنما هو في كتب سعيد: عن رجل، عن الحكم (٤).

стр. 406

ذكر في هذه المسألة ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: حديث أنس أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه. هذه رواية عباد بن العوام، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس. رواه النسائي (١)، والترمذي في الشمائل (٢)، وأبو يعلى (٣)، وأبو الشيخ (٤) من طريق محمد بن عيسى بن الطباع، عن عباد به. ورواه ابن عبد البر (٥) من طريق موسى بن داود، عن عباد به، وزاد: [ونقشه: محمد رسول الله]. وقد رُوي عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن سعيد بن أبي عروبة به مثله. رواه عنه ابنه محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، أخرجه ابن عدي (٦). وقال: هذا إنما يعرف من رواية عباد بن العوام، عن سعيد، ويرويه عن عباد موسى بن داود، وأما عن خالد، عن سعيد فمنكر، لا يرويه عن خالد غيرُ محمد ابنه هذا. ا. هـ (٧)، ومحمد بن خالد بن عبد الله الواسطي قال عنه ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه، عن ابن أبي عروبة، والأعمش (٨). وقال أبو حاتم: هو على يديْ عدلٍ، أي قريب من الهلاك (٩).

стр. 407

وجه علة الحديث: ذكر الإمام أحمد أنه لم يعرف الحديث، وهذه إشارة إلى تفرد عباد بن العوام بالحديث عن سعيد، ثم ذكر أن عند عباد عن سعيد غيرَ حديث خطأ، وهي إشارة منه إلى خطأ هذه الرواية، وهذا الخطأ يرجع عند الإمام إلى عدم معرفة هل كان سماع عباد بن العوام من سعيد بآخرة أم لا؟ وهذا أحد أوجه عدم قبول رواية الراوي عن المختلط. وبالرجوع إلى رواية سائر الرواة عن سعيد لهذا الحديث يتبين وجه الخطأ بوضوح. فقد روى الحديث جمعٌ من الرواة عن سعيد، منهم من سمع منه قديماً قبل الاختلاط، ومنهم من سمع في الحالتين. فممن رواه وكان سماعه من سعيد قبل الاختلاط: ١. يزيد بن زريع: أخرج روايته البخاري في الصحيح (١). وقد نص الإمام أحمد كما تقدم (٢) على أن سماع يزيد بن زريع من سعيد قديم وقبل الاختلاط. ٢. عيسى بن يونس بن أبي إسحاق: أخرج روايته أبو داود (٣)، وابن حبان (٤). وقال الإمام أحمد: سماع عيسى بن يونس من سعيد جيد بالكوفة (٥). ٣. محمد بن بشر العبدي: أخرج روايته أحمد (٦). وتقدم أن الإمام أحمد قال: سماع محمد بن بشر من سعيد متقدم (٧).

стр. 408

٤. محمد بن بكر البرساني: أخرج روايته أحمد (١). تقدم أيضاً عن الإمام أحمد أنه سمع من سعيد قبل الهزيمة (٢). ورواه ممن سمع من سعيد في الحالتين، أو لا يعرف وقت سماعه جمعٌ أيضاً، منهم: ١. عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: أخرج روايته ابن سعد (٣)، والطحاوي (٤)، وابن عبد البر (٥). وسماع عبد الوهاب الخفاف من سعيد في الحالتين كما تقدم عن الإمام أحمد (٦). ٢. خالد بن الحارث: أخرج روايته أبو يعلى (٧). وقد تقدم أن الإمام أحمد ذكر أنه لا يدري عن وقت سماعه من سعيد (٨). وذكر غيره أنه سمع منه في الصحة (٩). ٣. محمد بن عبد الله الأنصاري: أخرج روايته ابن سعد (١٠) لم أجد التنصيص على وقت سماعه من سعيد. ٤. محمد بن جعفر غندر: أخرج روايته أحمد (١١). لم أجد عن الإمام أحمد التنصيص على وقت سماعه من سعيد. وقد ذكر ابن مهدي أن سماعه منه بعد

стр. 409

الاختلاط، وأنكر ذلك الفلاس (١). ٥. خالد بن عبد الله الطحان الواسطي: أخرج روايته أبو داود (٢). ولم أجد من نص على وقت سماعه. ٦. عبد الرحمن بن حماد (٣): أخرج روايته ابن عبد البر (٤). فهؤلاء ـ وعددهم عشرة، منهم أربعة سمعوا من سعيد قبل الاختلاط ـ كلهم رووا الحديث بلفظ: [أن رسول الله ﷺ أراد أن يكتب إلى ناس من الأعاجم فقيل: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم، فاتخذ رسول الله ﷺ خاتَماً من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله. فكأني أنظر إلى بصيصه أو وبيصه في يد رسول الله ﷺ ]. هكذا رووه بدون تعيين اليد التي فيها الخاتم. وتابعهم شعبة وهشام الدستوائي، عن قتادة به. رواه البخاري (٥) ومسلم (٦) من حديث شعبة، ومسلم (٧) من حديث هشام الدستوائي. ولفظ حديث شعبة كما رواه البخاري: [لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لن يقرءوا كتابك إذا لم يكن مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة ونقشه: محمد رسول الله. فكأنما أنظر إلى بياضه في يده]. ولفظ حديث هشام: [أن نبي الله ﷺ

стр. 410

كان أراد أن يكتب إلى العجم، فقيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم، فاصطنع خاتماً من فضة. قال: كأني أنظر إلى بياضه في يده]. وهؤلاء الثلاثة ـ سعيد، وشعبة، وهشام ـ هم الحفاظ من أصحاب قتادة. قال البرديجي: إذا أردت أن تعلم صحيح حديث قتادة فانظر إلى رواية شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، فإذا اتفقوا فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة إلخ (١). فرواية شعبة، وهشام، وكذلك رواية الجماعة عن سعيد بن أبي عروبة ليس فيها ذكر موضع الخاتم من يده، هل كان في يده اليسرى أو اليمني كما أفادت رواية عباد بن العوام عن سعيد بن أبي عروبة، وتفرده عنهم يقضي بخطئه، ولو جوزنا أن يكون ممن يحتمل منه التفرد عن الحافظيْن المكثريْن ـ أعني ابن عروبة، وقتادة ـ إلا أن عدم ثبوت كون سماعه من سعيد في حال الصحة يقضي بعدم صحة روايته. ولا يعترض على هذا بأنه روي عن شعبة أيضاً بتعيين اليد، فتكون متابعة قاصرة لعباد، لأن تلك الرواية خطأ. قال ابن عدي: "وقد روي عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، يرويه عن شعبة سلم بن قتيبة، وعن سلم الحسن بن عيسى البسطامي، وقد اختلف على الحسين بن عيسى، عن سلم بن قتيبة في هذا الحديث، فرواه عنه الجرجانيون فحدثناه عنه أبو زرعة محمد بن عبد الوهاب فقال فيه: [فكأني أنظر إلى بياض خاتمه في يده اليسرى]، وثناه عبد الرحمن بن سليمان بن عدي

стр. 411

الجرجاني بمكة عن الحسين بن عيسى فلم يقل فيه يسار ولا يمين، وهو الصواب، وقال الجرجاني علي بن أحمد رواه عن الحسين بن عيسى فقال: [كان النبي ﷺ بتختم في يمينه] (١) فنص ابن عدي على أن الصواب عدم تعيين اليد كما رواه غير واحد عن سعيد، وشعبة، وهشام، وغيرهم عن قتادة". الحديث الثاني: قصة أم سليم، وقد روى المروذي المسألة بأصرح من هذا: قال المروذي: وذكرتُ حديثَ عباد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس أن صفية حاضت بعد ما طافت، فقال: أخطأ فيه عباد، إنما هو عن قتادة، عن عكرمة (٢). هذا الحديث رواه أبو يعلى (٣) من هذا الوجه، قال: حدثنا زهير، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أم سُليم أنها حاضت بعد ما أفاضتْ يومَ النحر، فأمرها النبي ﷺ أن تنفر. رواه الطحاوي عن ابن أبي داود، عن سعيد بن سليمان به (٤). وجه علة الحديث: قال الإمام أحمد في رواية المروذي: أخطأ فيه عبّاد، إنما هو عن قتادة، عن عكرمة. وقال في رواية أبي داود: إنما هو في كتب سعيد، عن عكرمة، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة. أي إن الرواية الصحيحة عن سعيد كما هي في أحاديثه المحفوظة في كتب أصحابه: عن قتادة، عن عكرمة، وليس عن قتادة عن أنس. هكذا رواه روح بن عبادة ـ وهو ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط كما

стр. 412

تقدم عن الإمام أحمد ـ وكذلك محمد بن جعفر غندر ـ وهو ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط عند الفلاس. أخرج حديثهما الإمام أحمد قال: حدثنا محمد بن جعفر، وورح المعنى قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة أنه كان بين ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة تحيض بعدما تطوف يومَ النحر مقاولةٌ في ذلك، فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخرُ عهدِها بالبيت، وقال ابن عباس: إذا طافت يوم النحر وحلّت لزوجها نفرَتْ إن شاءت، ولا تنتظر. فقالت الأنصار: يا ابنَ عباس إنك إذا خالفت زيداً لم نتابعك فقال ابن عباس: سلُوا أم سليم، فسألوها عن ذلك فأخبرت أن صفية بنت حُييّ ابن أخطب أصابها ذلك فقالت عائشة: الخيبة لك حبستنا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تنفر، وأخبرت أم سليم أنها لقيت ذلك فأمرها رسول الله ﷺ أن تنفر (١) ورواه البيهقي من حديث روح وحده (٢). وتابعهما عبدة بن سليمان عن سعيد عند إسحاق بن راهويه (٣). وسماع عبدة بن سليمان من سعيد كان جيداً، سمع منه بالكوفة (٤) وذكر الحافظ ابن حجر أن عبد الأعلى ـ وهو بن عبد الأعلى السامي ـ أيضاً رواه عن سعيد بن أبي عروبة هكذا، وهو في كتاب المناسك من طريق محمد بن يحيى القطعي (٥). وقد تابعهم هشام الدستوائي متابعة قاصرة عن قتادة، عن عكرمة بمثله. رواه أحمد (٦)، والطحاوي (٧). كما تابعهم أيوب، وخالد الحذاء عن عكرمة به.

стр. 413

رواه البخاري (١) وغيره. وقد نسب الإمام أحمد عباد بن العوام إلى الخطأ في روايته لهذا الحديث مخالفاً لما ثبت في كتب سعيد، وهذا من القرائن الدالة على قوة احتمال كون سماعه من سعيد بآخرة. وتردد الإمام أبو حاتم الرازي فقال لما سأله ابنه: الخطأ ممن هو؟ قال: لا أدري من عباد هو أو من سعيد (٢). وحكم على خطأ الرواية بناء على رواية هشام، ولعله لو استحضر ﵀ رواية من رواه عن سعيد بمثل رواية هشام كما فعل الإمام أحمد لما تردد في نسبة الخطأ إلى عباد، والله أعلم. الحديث الثالث: حديث عكرمة عن الفضل بن عباس، وقال: وإنما هو في كتب سعيد: عن رجل، عن الحكم. لم أهتد إلى هذا الحديث، ولم أقف على رواية لسعيد عن عكرمة، عن الفضل بن العباس، ولعل سقطاً وقع هنا عند قوله: وذكر شيئاً. وقد اختلف على سعيد في حديث رواه عن رجل عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي: "أردتُ أن أفرّق بين امرأة وولدها ـ وفي لفظ: أن أبيع غلامين أخوين ـ فنهاني رسول الله ﷺ عن ذلك". أورده الدارقطني، إلا أنه لم يذكر لعباد بن العوام رواية لهذا الحديث عن سعيد (٣)، لعل الإمام أحمد عنى هذا الحديث، وأن عباد بن العوام كان ممن رواه عن سعيد، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى بدون واسطة، وهو مخالف لما في كتب سعيد، لأن عبد الوهاب الخفاف ـ وكان راوية لكتب سعيد بن أبي عروبة ـ رواه عن سعيد، عن رجل، عن الحكم به. أخرجه أحمد في المسند (٤).

стр. 414

وهذه الأخطاء ـ وغيرها ـ من عباد بن العوام في حديثه عن سعيد ابن أبي عروبة هي التي جعلت الإمام أحمد يقول في رواية الأثرم: عباد بن العوام مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة (١). وهذا يوحي في ظاهره أن عباد كان ضعيفاً في سعيد بن أبي عروبة لعدم ضبطه لحديثه فيكون الاضطراب من قبله هو لا من قبل سعيد وهو أمر محتمل، لكن رواية أبي داود المتقدمة التي ذكر فيها الإمام أحمد عدم معرفة وقت سماع عباد من سعيد تقوي احتمال كون ذلك الضعف راجعاً إلى عدم معرفة هل كان سماعه من سعيد في الصحة أو في الاختلاط. ولم يخرج الشيخان شيئاً من رواية عباد بن العوام عن سعيد بن أبي عروبة (٢). ٥ - عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي (١٦٠) هـ: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أبي عُميس (٣) والمسعودي أيهما أحب إليك؟ قال: كلاهما ثقة، المسعودي عبد الرحمن أكثرهما حديثاً (٤). قال الميموني: قال أبو عبدالله: المسعودي صالح الحديث ومن أخذ عنه أولُ فصالح الأخذ (٥). وقال الميموني أيضاً عن أبي عبد الله أنه قال: والمسعودي من سمع منه بأخرة يُطعن في سماعهم منه (٦). فهذا إشارة منه ﵀ إلى أن المسعودي اختلط.

стр. 415

وأما ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط فعن الإمام أحمد كما رواه عبد الله قال: سمعت أبي يقول: كل من سمع المسعودي بالكوفة فهو جيد، مثل وكيع وأبي نعيم، وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد وهو في الاختلاط إلا من سمع منه بالكوفة (١). وقال عبد الله أيضاً: سمعت أبي يقول: سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديماً، وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد (٢). فهذا يدل على أن سماع من سمع منه ببغداد كان بعد الاختلاط، وأما من سمع قبل ذلك بالكوفة أو بالبصرة فهو قبل الاختلاط. وقد قدِم المسعودي بغداد في آخر حياته وبها كانت وفاته (٣). ونصّ الإمام أحمد على أن وكيعاً وأبا نعيم سمعا منه قبل الاختلاط، وأن يزيد بن هارون، وحجاج بن محمد المصيصي سمعا منه بعد الاختلاط. وسمع منه بعد الاختلاط أيضاً عاصم بن علي، وأبو النضر هاشم بن القاسم البغدادي. قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول سماع أبي النضر وعاصم وهؤلاء من المسعودي بعد ما اختلط إلا أنهم احتملوا السماع منه فسمعوا (٤).

стр. 416

ما أعله من حديث المسعودي بالاختلاط: قال عبد الله: سألت أبي عن حديث عمرانَ بن حُصين أن قوماً قدِموا على النبي ﷺ فقالوا: [قد بشّرتنا فأعْطِنا … ] فإن الأعمش، وسفيان جميعاً يقولان عن جامع بن شدّاد، عن صَفوان بن مُحرز، عن عمران بن حُصين، ورواه يزيد ابن هارون، عن المسعودي، عن جامع، عن ابن بُريدة بن حُصيب، عن أبيه. قلت: أيما الصواب؟ فقال: الصواب ما رواه الأعمش وسفيان، وسماع يزيد من المسعودي بأخرة. قال أبي: وقال يحيى بن معين: لم أسمعه من أبي معاوية. قال أبي: وإنما حدثناه أبو معاوية ببغداد، وكان يحيى ربما فاته الشيء (١). هذا الحديث رواه البخاري من حديث سفيان الثوري من طريق محمد ابن كثير، وأبي نعيم الفضل بن دُكين كلاهما عن الثوري، عن جامع بن شداد، عن أبي ضمرة صفوان بن مُحرِز، عن عمران بن حُصين، ولفظه: [جاء نفرٌ من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال: "يا بني تميم أبشروا"، فقالوا: بشّرتَنا فأعطنا، فتغيّر وجهُه. فجاءه أهلُ اليمن، فقال: "يا أهلَ اليَمن اقبَلوا البُشرى إذْ لم يقبلْها بنو تميم". قالوا: قبِلنا، فأخذ النبي ﷺ يحدِّث بدء الخلق والعرش، فجاء رجل فقال: يا عمران، راحلتك تفلّتتْ، ليتني لم أقم] (٢). ورواه الترمذي (٣) وأحمد (٤)، وابن حبان (٥) من طرق عن الثوري به. ورواه الإمام البخاري أيضاً من حديث الأعمش من طريق حفص بن غياث،

стр. 417

وأبي حمزة السكري كلاهما عن الأعمش، عن جامع بن شداد به (١) ورواه أحمد (٢) عن أبي معاوية، وابنُ حبان (٣) من طريق شيبان النحوي، وأبو الشيخ في العظمة (٤) عن أبي كريب، عن أبي معاوية، والطبراني من طريق أبي بكر ابن عياش (٥)، ومن طريق محمد بن عبيد (٦)، ومن طريق أبي إسحاق الفزاري (٧)، والطبري من طريق أبي معاوية (٨)، والبيهقي من طريق شيبان النحوي (٩) كلهم عن الأعمش به. ولفظه كما هو في البخاري عن عمران بن حصين: [دخلتُ على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: "اقبَلوا البشرى يا بني تميم"، قالوا: بشرتنا فأعطنا ـ مرتين ـ ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن أنْ لم يَقبلْها بنوا تميم"، قالوا: قد قبِلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال: "كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرَه وكان عرشُه على الماءِ، وكَتب في الذِّكر كلَّ شيء، وخلق السماوات والأرضَ"، فنادى منادٍ: ذهبتْ ناقتُك يا ابن الحُصين، فانطلقتُ فإذا هي يقطع دونها السرابُ، فوالله لَوَدِدتُ أني كنتُ تركتُها].

стр. 418

وجه علة الحديث: ذكر عبد الله بن الإمام أحمد في هذه المسألة أن يزيد بن هارون روى الحديث عن المسعودي، عن ابن بريدة بن حصيب، عن أبيه. رواه أبو الشيخ من هذا الوجه (١). فأعل الإمام أحمد هذه الرواية بأنها خطأ، وأنها مما روى المسعودي بعد الاختلاط، وذلك أن راويها عنه ـ وهو يزيد بن هارون ـ كان سماعه منه بأخرة كما تقدم. ومما يؤيد أن علة هذا الإسناد هو اختلاط المسعودي أن القدماء من أصحاب المسعودي رووا الحديث عنه بمثل رواية سفيان والأعمش التي حكم عليها الإمام أحمد بأنها الصواب. وهذا يدل إلى أن المسعودي كان يُحدِّث بالحديث في الصحة على الصواب، وإنما حدّث بالخطأ لما أصابته علة الاختلاط. فروى خالد بن الحارث البصري، عن المسعودي، عن جامع بن شدّاد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين ـ بمثل رواية الثوري والأعمش. أخرج حديثه النسائي (٢) من طريق محمد بن عبد الأعلى عنه به. وكذلك رواه النضر بن شُميل البصري، عن المسعودي بمثل رواية خالد بن الحارث. أخرج حديثَه الطبري في التفسير (٣) عن خلاد بن أسلم عنه به. وقد نصّ الإمام أحمد فيما تقدم على أن من سمع من المسعودي بالبصرة والكوفة فسماعُه جيد، وكلٌّ من خالد بن الحارث، والنضر بن شميل بصري، ولم يُذكر لهما ترجمةٌ في تاريخ بغداد، مما يدل على عدم دخولهما مدينة السلام حيث طرأ الاختلاط على المسعودي، فيكون احتمال سماعهما منه بالبصرة قوياًّ جداً، وقد ذكرهما الأبناسي

стр. 419

من الذين سمعوا من المسعودي بالبصرة (١). وقد روى الحديث بمثل رواية يزيد بن هارون ـ التي حُكم بخطئها ـ عبد الله بن يزيد المقرئ، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن رجل، عن بريدة ابن الحصيب، فذكره، فقال في موضع "ابن بريدة الأسلمي": "رجل". أخرج روايته أبو الشيخ (٢). ورواه روح بن عبادة، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز عن بريدة الأسلمي. أخرج روايته ابن خزيمة (٣) والحاكم (٤). وكل من عبد الله بن يزيد المقرئ، وروح بن عبادة لم يتميز وقتُ سماعهما من المسعودي، ويغلب على الظن أن سماعهما بعد الاختلاط، أما روح بن عبادة فهو من أهل البصرة، وقدم بغداد وحدث بها مدة طويلة، ثم انصرف إلى البصرة ومات بها كما قال الخطيب (٥). وأما المقرئ فأصله بصري ثم انتقل إلى مكة. ولم يذكرهما ابن الكيال في الكواكب النيرات، وروايتهما لهذا الحديث على الوجه المعلول قرينة على احتمال كون تحملهما من المسعودي بعد الاختلاط، إذ لو كان الاضطراب من المسعودي في وقت الصحة لما رواه القدماء من أصحابه على الصواب كما تقدم في رواية خالد بن الحارث والنضر بن شميل، والله أعلم.

стр. 420

٦ ـ أبان بن صمعة البصري ت (١٥٣) هـ ـ: قال عبد الله: سألته ـ أي أبا عبد الله ـ عن أبان بن صمعة فقال: صالح، فقلت له: أليس تغير بأخرة؟ قال نعم (١). فهذا يدل على أن الإمام أحمد يرى أن أبان بن صمعة كان قد تغيّر، ولم يرد عنه تحديد زمن اختلاطه (٢)، ولا ضابط التمييز بين السماع الصحيح من السماع بعد الاختلاط، وقد أخرج حديثه في المسند من رواية وكيع، ويحيى بن سعيد القطان، وروح بن عبادة عنه (٣). ويحتمل أن يكون اختلاط أبان بن صمعة لم يؤثر في روايته، وهو وجه يحتمله سؤال عبد الله للإمام أحمد وردّه له، فكأنه يقول: أبان بن صمعة وإن تغيّر بآخره فهو مع ذلك صالح الحديث. ويؤيد هذا الوجه ما ذكره ابن عدي من أن أحاديث أبان، وهي قليلة، كلها مستقيمة غير منكرة (٤)، وكذلك لم أقف على إعلال من الإمام أحمد لشيء من حديثه. وهذا الوجه إن ثبت يدل على أن الراوي قد يختلط ثم لا يؤثر ذلك في شيء من روايته. وهناك أمر متعلق بالإعلال بالاختلاط وهو فرع لهذا المطلب: فرع: إذا كان الراوي صحيحَ السماع من المختلط ووجد الخطأ في روايته عنه كان وجهُ الخطأ سبباً آخر غير الاختلاط . يدل على هذا الضابط ما رواه أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد: قال أبو بكر الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله أجد في حديث سعيد عن قتادة عن

стр. 421

أبي المليح عن أبيه أن رجلاً أعتق شِقصاً قال فيه أحد: عن أبيه فقال: قاله السهمي وما أُراه محفوظاً، روى عدةٌ منهم إسماعيل وغيره ليس فيه عن أبيه، وأظن هذا من حفظ سعيد، وأثنى أبو عبد الله على السهمي خيراً، قيل لأبي عبد الله: أين سماعُه عندك من سماع محمد بن بكر عن سعيد؟ فقال أبو عبد الله: هو عندي فوق هؤلاء كلِّهم، قلت لأبي عبد الله: السهمي فوق هؤلاء؟ فقال: نعم، قال أبو عبد الله: قال السهمي: سمعتُ من سعيد سنة اثنتين أو إحدى وأربعين (١). هذا الحديث الذي وقع عليه سؤال الأثرم أخرجه الإمام أحمد (٢)، ومن طريقه وأبو نعيم (٣)، والمقدسي (٤) عن عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أبي المليح، عن أبيه أن رجلاً من قومه أعتَقَ شَقيصاً له من مملوكٍ فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ فجعل خَلاصَه عليه في ماله وقال: [ليس لله شريكٌ]. وأعلّ الإمام أحمد هذه الروايةَ بأنها غيرُ محفوطة، واعتلّ برواية من روى الحديث مرسلاً، منهم إسماعيل بن عليّة وغيره، فرووه عن سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ ، ليس فيه: عن أبيه. ورواية إسماعيل بن عليّة أخرجها النسائي (٥)، والطحاوي (٦). وتابعه عباد بن العوّام عن سعيد، أخرج روايته ابن أبي شيبة (٧)، والبيهقي (٨).

стр. 422

وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: حكم الإمام أحمد على رواية السهمي عن سعيد الموصولة بأنها خطأ، وأن الصحيح رواية ابن علية وغيره عن سعيد المرسلة، وجعل هذا الخطأ من حفظ سعيد وليس من السهمي، بمعنى أن سعيداً لما كان يعتمد على حفظه ولم يكن له كتاب يسهل عليه أن يقع في الخطأ، ووجه ذلك أن كلاً من ابن علية وعبد الله بن بكر السهمي ممن سمع من سعيد في الصحة، فانتفى أن يكون الخطأ راجعاً إلى اختلاط سعيد، وكلاً منهما ثقة، فإذا اختلافا توجه أن يكون الخطأ من شيخهما إذ المترجّح أن كلاً منهما حافظٌ لما رواه لثقته فتعين أن يكون من حدّثهما هو المخطئ، وإن ترجّح أن الخطأ من سعيد فرواية السهمي ليست بأولى بالخطأ من رواية ابن علية، فما وجه ترجيح رواية ابن علية إذاً؟ أشار الإمام أحمد إلى ذلك بأن غير ابن علية روى الحديث بالإرسال وأنهم عدةٌ، والظاهر أنه لا يقصد عباد بن العوام الذي روى الحديث عن سعيد، فإن روايته لا تؤثر في الترجيح لكونها عن سعيد نفسه، وإنما عنا بذلك رواية هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ ، ورواية بهز بن أسد، ومحمد بن كثير كلاهما عن همام، عن قتادة به مرسلاً أيضاً. فرواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي من طريق أبي عامر العقدي عنه (١)، ورواية بهز بن أسد عن همام أخرجها الإمام أحمد في المسند (٢)، وأخرج أبو داود (٣) رواية محمد بن كثير عن همام. فهتان الروايتان عن قتادة ترجحان رواية سعيد الموافقة لهما. وقد وافق الإمامَ أحمد على ترجيح رواية الإرسال الإمامُ النسائي (٤).

стр. 423

فالشاهد أن عبد الله بن بكر السهمي لو كان ممن سمع من سعيد بعد الاختلاط لكان المتبادر إلى الذهن أن الخطأ راجع إلى سماعه من سعيد بعد الاختلاط، وأما حيث إنه ممن سمع قبل الاختلاط توجه أن يكون الخطأ راجعاً إلى سبب آخر غير اختلاط شيخه، وذلك السبب هو حفظ شيخه، وقد قيل للإمام أحمد: روى الكوفيون عن سعيد غيرَ شيءٍ خلافِ ما روى عنه البصريون، فقال: هذا من حفظ سعيد، كان يحدّث من حفظه (١). مثال آخر: قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال كنا عند عُتبة بن فَرقَد فذكروا شهرَ رمضانَ فقال: ما سمعتم رسول الله ﷺ يقول: "تفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبوابُ النار وتُغلُّ فيه الشياطيُن ويُنادِي منادٍ: يا باغيَ الخير هلمَّ، ويا باغيَ الشر أَقصِر". سمعت أبي يقول: كان سفيان يخطئ في هذا الحديث لم يسمعه عُتبة من النبي ﷺ ، رجل حدّث عتبة عن النبي ﷺ (٢). هذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رواه النسائي (٣)، وعبد الرزاق (٤)، ومن طريقه الطبراني (٥). والرواية التي أشار أنها هي الصحيحة رواها النسائي أيضاً: أخبرنا محمد بن بشّار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال: كنتُ في بيتٍ فيه عُتبة بن فَرقَد فأردتُّ أن أحدّث بحديث وكان

стр. 424

رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ كأنه أولى بالحديث مني، فحدّث الرجلُ عن النبي ﷺ قال في رمضان: تُفتح فيه أبوابُ السماء وتُغلق فيه أبوابُ النار ويُصفّد فيه كلُّ شيطانٍ مَريدٍ ويُنادي منادٍ كلَّ ليلة: يا طالبَ الخير هلمَّ، ويا طالبَ الشر أَمسك (١). ورواه في الكبرى أيضاً (٢)، ورواه أحمد (٣)، وابن أبي شيبة (٤) وتابع شعبة على رواية الحديث من هذا الوجه: ١. إسماعيل بن علية فقال: أخبرنا عطاء، عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (٥). ٢. حماد بن سلمة، رواه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنا عند عتبة بن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان إذ دخل علينا رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦). ٣. محمد بن فضيل، أخرج حديثه ابن أبي شيبة (٧) وابن أبي عاصم (٨). ٤. إبراهيم بن طهمان، أخرج حديثه الحارث في مسنده (٩). ٥. عبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنت عند عتبة بن فرقد وهو يحدّثنا عن فضل رمضان فدخل علينا رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ فسكت

стр. 425

عتبة وكأنه هابه … الحديث. أخرجه أحمد (١). وتابع ابن عيينة على روايته عبد السلام بن حرب، وهو وإن وُثق إلا أنه له ما ينكر. قال أحمد: كنا ننكر من عبد السلام شيئاً (٢) أخرج حديثه الطبراني (٣). وجه علة الحديث: حكم الإمام أحمد على رواية سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب بأنها خطأ، حيث جعل الحديث من مسند عتبة بن فرقد، وإنما هو من رواية رجلٌ من الصحابة حدّث به في مجلس فيه عتبة بن فرقد، وقد خالف ابن عيينة جمعاً من الرواة عن عطاء بن السائب ومن بينهم من كان حديثه عن عطاء مقدماً على حديث غيره، وهما شعبة، وحماد بن سلمة (٤)، والعدد أولى بالحفظ من واحد، ثم إن ابن عيينة بروايته الحديث على الوجه الذي رواه قد سلك الجادة ـ وهي رواية الصحابي عن النبي ﷺ وفي رواية غيره زيادة علم يدلّ على ضبطهم للحديث. ولما كان سماع ابن عيننة من عطاء في زمن الصحة (٥) لم يحمّل الإمام أحمد الخطأ على اختلاط عطاء وإنما حمّله ابنَ عيينة، وهو الأمر المطلوب الاستشهاد له في ذكر هذا المثال.
следующие страницы →