← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أبي المليح عن أبيه أن رجلاً أعتق شِقصاً قال فيه أحد: عن أبيه فقال: قاله السهمي وما أُراه محفوظاً، روى عدةٌ منهم إسماعيل وغيره ليس فيه عن أبيه، وأظن هذا من حفظ سعيد، وأثنى أبو عبد الله على السهمي خيراً، قيل لأبي عبد الله: أين سماعُه عندك من سماع محمد بن بكر عن سعيد؟ فقال أبو عبد الله: هو عندي فوق هؤلاء كلِّهم، قلت لأبي عبد الله: السهمي فوق هؤلاء؟ فقال: نعم، قال أبو عبد الله: قال السهمي: سمعتُ من سعيد سنة اثنتين أو إحدى وأربعين (١). هذا الحديث الذي وقع عليه سؤال الأثرم أخرجه الإمام أحمد (٢)، ومن طريقه وأبو نعيم (٣)، والمقدسي (٤) عن عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أبي المليح، عن أبيه أن رجلاً من قومه أعتَقَ شَقيصاً له من مملوكٍ فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ فجعل خَلاصَه عليه في ماله وقال: [ليس لله شريكٌ]. وأعلّ الإمام أحمد هذه الروايةَ بأنها غيرُ محفوطة، واعتلّ برواية من روى الحديث مرسلاً، منهم إسماعيل بن عليّة وغيره، فرووه عن سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ ، ليس فيه: عن أبيه. ورواية إسماعيل بن عليّة أخرجها النسائي (٥)، والطحاوي (٦). وتابعه عباد بن العوّام عن سعيد، أخرج روايته ابن أبي شيبة (٧)، والبيهقي (٨).

стр. 422

وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: حكم الإمام أحمد على رواية السهمي عن سعيد الموصولة بأنها خطأ، وأن الصحيح رواية ابن علية وغيره عن سعيد المرسلة، وجعل هذا الخطأ من حفظ سعيد وليس من السهمي، بمعنى أن سعيداً لما كان يعتمد على حفظه ولم يكن له كتاب يسهل عليه أن يقع في الخطأ، ووجه ذلك أن كلاً من ابن علية وعبد الله بن بكر السهمي ممن سمع من سعيد في الصحة، فانتفى أن يكون الخطأ راجعاً إلى اختلاط سعيد، وكلاً منهما ثقة، فإذا اختلافا توجه أن يكون الخطأ من شيخهما إذ المترجّح أن كلاً منهما حافظٌ لما رواه لثقته فتعين أن يكون من حدّثهما هو المخطئ، وإن ترجّح أن الخطأ من سعيد فرواية السهمي ليست بأولى بالخطأ من رواية ابن علية، فما وجه ترجيح رواية ابن علية إذاً؟ أشار الإمام أحمد إلى ذلك بأن غير ابن علية روى الحديث بالإرسال وأنهم عدةٌ، والظاهر أنه لا يقصد عباد بن العوام الذي روى الحديث عن سعيد، فإن روايته لا تؤثر في الترجيح لكونها عن سعيد نفسه، وإنما عنا بذلك رواية هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ ، ورواية بهز بن أسد، ومحمد بن كثير كلاهما عن همام، عن قتادة به مرسلاً أيضاً. فرواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي من طريق أبي عامر العقدي عنه (١)، ورواية بهز بن أسد عن همام أخرجها الإمام أحمد في المسند (٢)، وأخرج أبو داود (٣) رواية محمد بن كثير عن همام. فهتان الروايتان عن قتادة ترجحان رواية سعيد الموافقة لهما. وقد وافق الإمامَ أحمد على ترجيح رواية الإرسال الإمامُ النسائي (٤).

стр. 423

فالشاهد أن عبد الله بن بكر السهمي لو كان ممن سمع من سعيد بعد الاختلاط لكان المتبادر إلى الذهن أن الخطأ راجع إلى سماعه من سعيد بعد الاختلاط، وأما حيث إنه ممن سمع قبل الاختلاط توجه أن يكون الخطأ راجعاً إلى سبب آخر غير اختلاط شيخه، وذلك السبب هو حفظ شيخه، وقد قيل للإمام أحمد: روى الكوفيون عن سعيد غيرَ شيءٍ خلافِ ما روى عنه البصريون، فقال: هذا من حفظ سعيد، كان يحدّث من حفظه (١). مثال آخر: قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال كنا عند عُتبة بن فَرقَد فذكروا شهرَ رمضانَ فقال: ما سمعتم رسول الله ﷺ يقول: "تفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبوابُ النار وتُغلُّ فيه الشياطيُن ويُنادِي منادٍ: يا باغيَ الخير هلمَّ، ويا باغيَ الشر أَقصِر". سمعت أبي يقول: كان سفيان يخطئ في هذا الحديث لم يسمعه عُتبة من النبي ﷺ ، رجل حدّث عتبة عن النبي ﷺ (٢). هذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رواه النسائي (٣)، وعبد الرزاق (٤)، ومن طريقه الطبراني (٥). والرواية التي أشار أنها هي الصحيحة رواها النسائي أيضاً: أخبرنا محمد بن بشّار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال: كنتُ في بيتٍ فيه عُتبة بن فَرقَد فأردتُّ أن أحدّث بحديث وكان

стр. 424

رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ كأنه أولى بالحديث مني، فحدّث الرجلُ عن النبي ﷺ قال في رمضان: تُفتح فيه أبوابُ السماء وتُغلق فيه أبوابُ النار ويُصفّد فيه كلُّ شيطانٍ مَريدٍ ويُنادي منادٍ كلَّ ليلة: يا طالبَ الخير هلمَّ، ويا طالبَ الشر أَمسك (١). ورواه في الكبرى أيضاً (٢)، ورواه أحمد (٣)، وابن أبي شيبة (٤) وتابع شعبة على رواية الحديث من هذا الوجه: ١. إسماعيل بن علية فقال: أخبرنا عطاء، عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (٥). ٢. حماد بن سلمة، رواه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنا عند عتبة بن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان إذ دخل علينا رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦). ٣. محمد بن فضيل، أخرج حديثه ابن أبي شيبة (٧) وابن أبي عاصم (٨). ٤. إبراهيم بن طهمان، أخرج حديثه الحارث في مسنده (٩). ٥. عبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنت عند عتبة بن فرقد وهو يحدّثنا عن فضل رمضان فدخل علينا رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ فسكت

стр. 425

عتبة وكأنه هابه … الحديث. أخرجه أحمد (١). وتابع ابن عيينة على روايته عبد السلام بن حرب، وهو وإن وُثق إلا أنه له ما ينكر. قال أحمد: كنا ننكر من عبد السلام شيئاً (٢) أخرج حديثه الطبراني (٣). وجه علة الحديث: حكم الإمام أحمد على رواية سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب بأنها خطأ، حيث جعل الحديث من مسند عتبة بن فرقد، وإنما هو من رواية رجلٌ من الصحابة حدّث به في مجلس فيه عتبة بن فرقد، وقد خالف ابن عيينة جمعاً من الرواة عن عطاء بن السائب ومن بينهم من كان حديثه عن عطاء مقدماً على حديث غيره، وهما شعبة، وحماد بن سلمة (٤)، والعدد أولى بالحفظ من واحد، ثم إن ابن عيينة بروايته الحديث على الوجه الذي رواه قد سلك الجادة ـ وهي رواية الصحابي عن النبي ﷺ وفي رواية غيره زيادة علم يدلّ على ضبطهم للحديث. ولما كان سماع ابن عيننة من عطاء في زمن الصحة (٥) لم يحمّل الإمام أحمد الخطأ على اختلاط عطاء وإنما حمّله ابنَ عيينة، وهو الأمر المطلوب الاستشهاد له في ذكر هذا المثال.

стр. 426

فرع آخر: ما حدث به المختلط من كتاب لا يدخله الإعلال بالاختلاط: إن الذي يعل من حديث المختلط هو ما حدّث به المختلط حفظاً من غير كتاب، أما ما ثبت أنه في كتبه فلا يدخله الإعلال بالاختلاط، مثل ما جاء من طريق من أجاز له رواية أصوله المضبوطة (١) لأن الخلل الذي يأتي بسبب الاختلاط لا يؤثر إلا فيما حدث به المختلط حفظاً دون ما في كتابه. ويدل على ذلك أن الإمام أحمد يعتمد رواية الراوي المختلط الثابتة في كتبه، ويخطأ بها ما خالفها مما رواه عنه الراوي الثقة عنه وإن كان ممن سمع منه قبل الاختلاط، مما يدل على اعتمادها عنده. قال عبد الله: قرأت على أبي: عبدة بن سليمان الكلابي قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر قال: [عدة الأمة إذا طُلّقت حيضتان، فإن كانت لا تحيض فشهر ونصف]، قرأت على أبي: عبدة قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن علي مثله. سمعت أبي يقول: هذا خطأ، إنما هو سعيد، عن حبيب، عن عطاء، عن عمر، وحبيب، عن الحسن عن علي، في الكتب كذا هو يعني كتب سعيد بن أبي عروبة (٢). روى عبدة هذا الأثر عن ابن عمر، وعن علي، كلاهما من طريق سعيد ابن أبي عروبة، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٣)، عن عبدة، عن سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر به. فحكم الإمام أحمد بخطأ عبدة لأن أثر ابن عمر هو في كتب سعيد بن أبي عروبة عن حبيب المعلم، عن عطاء عن عمر، وليس هو عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر؛ وأثر علي هو عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن

стр. 427

علي، وليس هو عن قتادة، عن الحسن، عن علي كما رواه عبدة في الموضعين. وقد تابع سعيداً أبو إسحاق الشيباني في رواية أثر علي، فرواه الشيباني عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي: رواه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عنه (١). وخطّأ الإمام أحمد رواية عبدة بن سليمان عن سعيد مع أن سماع عبدة من سعيد كان جيداً وقبل اختلاط سعيد (٢) لمخالفته لما في كتب سعيد بن أبي عروبة. وهذا يدل على أن حديث المختلط الثابت روايته في كتابه لا يدخله الإعلال بالاختلاط.

стр. 428

المطلب الثاني: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي ـ ذهاب بصر الراوي هناك أمورٌ أخرى غيُر كبر السن تكون سبباً لطروءِ سوء الحفظ على الراوي الثقة فيقع تخليط في حديثه، فيلتحق من هذا الوجه بالمختلطين لكبر السن الذين طرأ عليهم سوء الحفظ. وهؤلاء الرواة صنفان: الصنف الأول: من عمي في آخر عمره. الصنف الثاني: من ذهبت كتبه باحتراق أو غيره. وفي هذا المطلب ستتناول الدراسة الصنف الأول، ويأتي الصنف الثاني في المطلب الذي بعده إن شاء الله. مما يطرأ على الراوي الثقة من أسباب سوء الحفظ ذهاب بصره، حيث كان قبل ذلك يعتمد على كتابه ولا يحفظ جيداً فيحدّث بعد تلك العلة من حفظه فيغلط، أو يُلقّن فيتلقّن، فمثل هذا يجري في حديثه الذي حدّث به بعد العلة مثل ما يجري في حديث المختلِط بكبر السن: يُقبل ما حدّث به قبل ذَهاب بصره، ويُتوقف عما حدّث به بعد ذلك أو أشكل أمره. فهو إذاً سبب يُعلّ به حديث المتصِّف به لاقتضائه وجود خللٍ في ضبطه. ولا يَدخل في هذا الصنف من ذهب بصرُه ولكنه كان قبل ذلك يحفظ مثل وُهيب بن خالد الباهلي مولاهم، أحد ثِقات البصريين. قال ابن سعد: كان وُهيب قد سُجن فذهب بصرُه، وكان ثقة كثير الحديث حجة، وكان يُملي حفظاً (١). وكذلك من كان له شخص أمين يعتني بمسموعاته فيلقّنه إياها من كتابه مثل يزيد بن هارون، فقد قال أبو خيثمة: كان يُعاب على يزيد حيث ذهب

стр. 429

بصره أنه ربّما سُئل عن الحديث لا يعرفه فيأمرُ جاريةً له تُحفِّظه إياه من كتابه (١). قال الذهبي: ما بهذا الفعل بأسٌ مع أمانة من يُلقِّنه، ويزيد حجّة بلا مثْنَويَّة (٢). ومن الرواة الذين تكلم الإمامُ أحمد فيهم ممن ذهب بصرُه وأعلّ حديثَهم بهذه العلة: عبد الرزاق بن همام الصنعاني: أحد أئمة الحديث المشهورين وعالم اليمن. قال إسحاق بن هاني: سألت أبا عبد الله: من سمع من عبد الرزاق سنةَ ثمانٍ؟ ـ يعني سنة ثمانٍ ومائتين ـ قال: لا يُعبأُ بحديث من سمِع منه وقد ذهب بصرُه، كان يُلقّن أحاديثَ باطلةً، وقد حدّث عن الزهري أحاديث كتبناها من أصل كتابه وهو يَنظُر جاءو بخلافها. ا. هـ (٣). وقال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن حنبل قال: "أتينا عبدَ الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ما ذهب بصرُه فهو ضعيفُ السَّماع" (٤). ونقل الحافظ ابن حجر عن الأثرم عن أحمد: "من سمع من عبد الرزاق بعد ما عمِي فليس بشيء، وما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فإنه كان يُلقّن فيَتلقَّن" (٥). وقيل لأحمد إن معمراً روى عن ابن أخي عمرو بن دينار فسأل من رواه

стр. 430

فقيل له عبد الرزاق فقال: ليس بشيء كانوا يلقنونه بعد ما ذهب بصره (١). فهذه الأقوال عن الإمام أحمد تدل على أمرين: ١. أن عبد الرزاق قد كفّ بصره وأصبح يقبل التَّلقين، وسماع من سمع منه بعد ذلك لا شيء. ٢. يتميز حديثه الصحيح من الذي فيه علة بأحد أمرين: الأول: أن يكون من رواية من سمع منه قبل ذهاب بصره، وضابطه أن يكون سماعه منه قبل سنة مائتين. الثاني: أن يكون الحديث ثابتاً في أصل كتبه (٢). ما أعله الإمام أحمد من حديثه بكونه من رواية من سمع منه بعد ما عمي قال الأثرم: سمعت أبا بعد الله يُسال عن حديث: النار جبار، فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، ثم قال: من يُحدِّث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا بعد ما عمي، كان يُلقّن فلقِّنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه، كان يُلقَّنُها بعد ما عمي (٣).

стр. 431

وقال ابن هانئ: وسمعت أبا عبد الله يقول: حديث عبد الرزاق حديث أبي هريرة: [النار جُبار] إنما هو: [البئر جُبار] وإنما كتبنا كتبه على الوجه، وهؤلاء الذين كتبوا عنه سنة ست ومائتين، إنما ذهبوا إليه وهو أعمى فلقِّن فقبله ومرّ فيه (١). وقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق في حديث أبي هريرة: والنار جبار، ليس بشيء لم يكن في الكتب، باطل ليس هو بصحيح (٢). حديث [النار جبار] رُوي عن عبد الرزاق مِن حديث معمر، عن همام ابن مُنبِّه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وذكر الأثرم أنه حدّث به عن عبد الرزاق على هذا الوجه أحمدُ بن شبُّوَيه، وهو أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي، وثقه النسائي وغيره (٣). ولم أقف على من أخرج الحديث من طريقه من أصحاب الكتب المصنفة. ورواه غير أحمد بن شبُّوَيه من هذا الوجه عن عبد الرزاق، منهم: الحسن بن أبي الربيع الجرجاني (٤)، وأحمد بن يوسف السلمي (٥) كلاهما رواه بلفظ: "العَجْماء جُرحها جبار، والمَعْدِن جبار، والنَّار جبار، وفي الرِّكاز الُخمس". ورواه مختصراً عن عبد الرزاق أيضاً: محمد بن المتوكِّل العسقلاني (٦)،

стр. 432

وأحمد بن منصور الرمادي (١)، وأحمد بن سعيد الرباطي أبو عبد الله المروزي (٢)، وأبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري (٣)، ومحمد بن إسحاق بن شبويه (٤)، وزهير بن محمد بن قُمير المروزي (٥)، محمد بن عبيد الله الماسوراباذي (٦)، ولفظه عند هؤلاء كلهم: [النار جبار]، إلا أحمد بن سعيد المروزي وأبا الأزهر ـ عند ابن ماجه ـ فزادا: [والبئر جبار]. وفيما يلي تراجم هؤلاء الرواة العشرة: أحمد بن محمد بن شبويه، وثقه النسائي وغيره كما تقدم، وتوفي سنة (٢٢٩) هـ (٧). ونص الإمام أحمد على أنه سمع من عبد الرزاق سنة (٢٠٦) هـ يعني بعد ما عمي. الحسن بن أبي الربيع الجرجاني، سكن بغداد، قال عنه أبو حاتم: شيخ، وقال ابنه: صدوق. وتوفي سنة (٢٦٣) هـ. وقد بلغ ثلاثاً وثمانين سنة (٨). أحمد بن يوسف السلمي أبو الحسن النيسابوري، وثقه مسلم، وأخرج حديثه عن عبد الرزاق، وكذلك وثقه الدارقطني، وقال عنه النسائي: ليس به بأس. وتوفي سنة (٢٦٤) هـ، وقيل (٢٦٣) هـ. وقد جاوز الثمانين (٩). وهو راوية

стр. 433

صحيفة همام بن منبه المطبوعة، والحديث في الصحيفة بهذا اللفظ (١). محمد بن المتوكل العسقلاني، هو ابن أبي السري. وثقه ابن معين (٢). وقال عنه أبو حاتم: لين الحديث (٣). وقال ابن عدي: كثير الغلط (٤)، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة (٢٣٨) هـ (٥). وقال الذهبي: له أحاديث تستنكر (٦). أحمد بن منصور الرَّمادي، هو أحمد بن منصور بن سيار البغدادي، كان أبو حاتم يوثقه (٧)، وكذلك وثقه الدارقطني. وقال ابن حبان: مستقيم الأمر في الحديث. وتوفي سنة (٢٦٥) هـ، وقد استكمل (٨٣) سنة (٨). وذكر الرمادي في تاريخه أنه سمع من عبد الرزاق سنة (٢٠٤) هـ (٩). أحمد بن سعيد الرباطي أبو عبد الله المروزي: وثقه النسائي، وابن خراش، والخطيب. مات سنة (٢٤٣) هـ (١٠). أبو الأزهر أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري، قال عنه أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي والدارقطني: لا بأس به، وتوفي سنة (٢٦١) هـ. وقيل بعد ذلك (١١). وفي ترجمة عبد الرزاق في "سير أعلام النبلاء" (١٢) حكاية تدلّ على أن أبا الأزهر ٤٤٦ الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه

стр. 434

أدركه وهو بصير. محمد بن إسحاق بن شبويه السجزي. قال ابن أبي حاتم: صدوق من العُبَّاد (١). قال ابن عدي: ضعيف، يُقلِّب الأحاديث ويَسرقها، وذكر له أحاديث عن عبد الرزاق، عن معمر والثوري وقال: كلها غير محفوظة (٢). وذكر ابن حجر أنه روى صحيفة همّام بن مُنبّه (٣). زهير بن محمد بن قُمير المروزي، وثقه السرّاج، والخطيب، وقال ابن أبي حاتم: كان صدوقاً، مات سنة (٢٥٠) هـ (٤). محمد بن عبيد الله الماسوراباذي، له ترجمة في تاريخ جرجان (٥) ولم أقف على حاله من حيث الجرحُ والتعديلُ. وقد خالف هؤلاء كلَّهم الإمامُ أحمدُ بن حنبل فرواه عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام بن منبِّه، عن أبي هريرة ـ وهو آخر حديث في صحيفة همام بن منبه كما رواها الإمام أحمد عن عبد الرزاق ـ بلفظ: "العجماء جُرحها جُبار، والمعدن جُبار، والبئر جُبار، وفي الرِّكاز الخمس" (٦)، ليس فيه ذكر: [النار جبار]. وجه علة الحديث: أعل الإمام أحمد هذا الحديث من وجهين: الأول: أن الذين رووه عن عبد الرزاق إنما سمعوا منه سنة (٢٠٦) هـ بعد ما عمي فلقّنوه وقبل ومرّ في الحديث. وقد بيّن ﵀ كيف وقع التلقين، فروى

стр. 435

الدارقطني عن محمد بن مخلد، عن إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون النار: النير، ويكتبون البير يعني مثل ذلك، وإنما لقن عبد الرزاق النار جبار (١). قال البيهقي: يعني فهو تصحيف (٢). الثاني: أن الحديث ليس في أصل كتب عبد الرزاق، ودليل ذلك أن الإمام أحمد كتب كتب عبد الرزاق على الوجه وهو بصير، فحيث جاء شيءٌ مخالفٌ لما عنده فلا بد أن يكون مما أُدخل على عبد الرزاق وليس هو من حديثه. ويؤيد ذلك أن الحديث لا يوجد في مصنفه المطبوع، فالدبري ـ وهو راوية كتابه المصنف ـ روى الحديث من طريق آخر عن عبد الرزاق، عن معمر وابن جريج، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "العجماءُ جبار والبئر جبار، والمعدن جرحه جبار، وفي الرِّكاز الخمس" (٣). وتابعه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن عبد الرزاق، عن معمر وحده، عن الزهري، به (٤) وليس فيه "النار جبار". وإسحاق بن إبراهيم ـ وهو ابن راهويه ـ ممن سمع من عبد الرزاق قبل الاختلاط (٥). وأولئك الرواة الذين رووا هذا الحديث عن عبد الرزاق منهم من لا يعتد بروايته لضعفه، كمحمد بن المتوكل الذي كان يغلط وله من الحديث ما يستنكر، وكمحمد بن إسحاق بن شبويه الذي وصفه ابن عدي بأنه يسرق الحديث وأن

стр. 436

أحاديثه عن عبد الرزاق غير محفوظة؛ ومنهم من ثبت أن سماعه من عبد الرزاق كان بعد ذهاب بصره كأحمد بن شبويه، وأحمد بن منصور الرمادي؛ والباقون لم يتبيّن زمنُ تحمّلهم من عبد الرزاق فيتوقف فيما رووه، إلا أن كون الحديث ليس في أصول عبد الرزاق مما يُرجِّح جانبَ الردّ، فردَّه الإمامُ أحمد وقال: هو باطل وليس بصحيح. وقد يُقال إن عبد الرزاق قد تُوبع عن معمر في رواية هذا اللفظ. قال الخطابي: "لم أزل أسمعُ أصحابَ الحديث يقولون غلِط فيه عبدُ الرزاق: إنما هو البئر جبار حتى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدل على أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق" (١)، يشير إلى رواية أبي داود للحديث عن زيد ابن المبارك، حدثنا عبد الملك الصنعاني ـ مقروناً بعبد الرزاق ـ عن معمر به بلفظ: النار جبار (٢). وعبد الملك الصنعاني هو عبد الملك بن محمد الصنعاني الحميري من صنعاء الشام. قال عنه أبو حاتم: يُكتب حديثه (٣). وقال ابن حبان: كان يُجيب فيما يُسأل عنه ينفرد بالموضوعات لا يجوز الاحتجاج بروايته (٤). وقال الأزدي: ليس بالمرضي في حديثه (٥). وقال الذهبي: ليس بحجة (٦). وقال ابن حجر: ضعيف (٧). فهذا الراوي ممن يصح الاعتبارُ به، فيستفاد من ذلك أن الخطأ وقع ممن فوق عبد الرزاق. ولعل هذا مستند ابن معين حيث قال: إن الذي صحّف هذا الحرف

стр. 437

هو معمر. نقله ابن عبد البر عنه (١). لكن قد بيّن معمر أن هذا الحرف وهم، فروى الدارقطني (٢) من طريق أحمد بن منصور الرمادي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همّام بن منبِّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "النار جبار". قال الرمادي: قال عبد الرزاق: قال معمر: لا أراه إلا وهماً. فهذا يدل على أمرين: ١. إن صح هذا فنسبة التصحيف إلى معمر ضعيف. ٢. فيه تأييد لما قاله الإمام أحمد أن عبد الرزاق لُقَّن هذا الحرف، وإلا فكيف يرويه وعنده علم بأنه وهم! وهذا ما يبين وجه عدم وجود الحديث في أصول عبد الرزاق كما رواها الإمام أحمد. إذا ثبت هذا فيقال في الجواب على الاعتراض برواية عبد الملك بن محمد الذي تابع عبد الرزاق: إن معمراً قد حدث بالحديث لكنه نصّ على أنه يراه وهماً، وحفظ ذلك عبد الرزاق، فلم يذكر الحديث في كتبه كما رواها القدماء من أصحابه، ولم يحفظه عبد الملك بن محمد إما لضعفه أو لقلة ملازمته لمعمر. فمن روى الحديث عن عبد الرزاق على أنه من حديثه من دون بيان أنه وهم كما فعله الرمادي يتعين أنه أخطأ، والله أعلم. حديث آخر: جاء في حديث محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق: أنا ابنُ جُريْج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلعَ الفجرُ فقد ذهب كلُّ صلاةِ الليل والوِترُ، فأَوتِروا قبل طلوعِ الفجر" (٣): فقال المرّوذي عن أحمد أنه قال: لم يسمعه ابن جريج من سليمانَ بن موسى

стр. 438

إنما قال: "قال سليمان" قيل له: إن عبد الرزاق قد قال: عن ابن جريج: أنا سلميان؟ فأنكره وقال: نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق، ولم يكن بها، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة (١). الحديث أخرجه الترمذي من هذا الوجه، وهو في المصنف لعبد الرزاق (٢)، ورواه ابن حزم (٣) من طريق الدبري عن عبد الرزاق، ورواه أيضاً ابن عدي من طريق محمد بن مسعود العجمي عن عبد الرزاق به (٤). وجه علة الحديث: أنكر الإمام أحمد رواية من روى هذا الحديث بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وشيخه سليمان بن موسى، واعتلّ لذلك بأن تلك الرواية لم تكن في كتب عبد الرزاق، والذين رووها عن عبد الرزاق من هذا الوجه إنما كتبوا عنه بأخرة، يعني في زمن الاختلاط بعد ذهاب بصره. ولم أقف على هؤلاء الرواة الذين أشار إليهم الإمام أحمد، فرواية الترمذي جاءت بالعنعنة، وكذلك الرواية التي في المطبوع من مصنف عبد الرزاق، وفي المحلى من طريق الدبري عن عبد الرزاق، وفي الكامل لابن عدي كما تقدم، فلعلّ الإمامَ أحمد يشير إلى غير هؤلاء ممن روى عن عبد الرزاق أيضاً بأخرة. وقد جاءت رواية عن عبد الرزاق فيها التصريح بالتحديث بين ابن جريج وسليمان بن موسى، لكنّ لفظها مغاير للفظ هذا الحديث. فروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق وابن بكر ـ وهو محمد بن بكر البرساني ـ قالا: أخبرنا ابن جريج،

стр. 439

حدثني سليمان بن موسى، حدثنا نافع أن ابن عمر كان يقول: من صلى بالليل فليجعل آخرَ صلاته وِتراً، فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، فإذا كان الفجرُ فقد ذهبتْ كلُّ صلاة لليل والوترُ، فإن رسول الله ﷺ قال: "أَوْتِروا قبلَ الفجر" (١). وتابعه محمد بن رافع عن عبد الرزاق وحده عند ابن خزيمة (٢). ومحمد بن رافع هو النيسابوري، وثقه مسلم والنسائي وغيرهم، (٣) وقال أبو رزعة: كان رَحَلَ مع أحمد ابن حنيل. ا. هـ (٤). يعني إلى عبد الرزاق فقد كان هو وأحمد، وإسحاق بن راهويه عند عبد الرزاق في وقت واحد (٥). ورواه عن ابن جريج على هذا الوجه حجاج بن محمد المصيصي، وهو عند أبي عوانة في مسنده (٦)، وابن الجارود في المنتقى (٧)، والحاكم (٨)، والبيهقي (٩) كلهم من طرق عن حجاج قال: قال ابن جريج: حدثني سليمان بن موسى: نا نافع به بمثل هذا اللفظ. فهذه الرواية تفيد أن قوله: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر" قول ابن عمر، وليس بمرفوع، وأما قوله: "أوتروا قبل الفجر" فمرفوع إلى النبي ﷺ . فرواية ابن جريج عن سليمان بن موسى بالعنعنة أدخلت الموقوف في

стр. 440

المرفوع، بينما هذه الرواية التي فيها التصريح بالتحديث بينهما قد ميّزتْ بين اللفظيْن: الموقوف والمرفوع، فهي أولى لأمور: ١. من رواها عن عبد الرزاق كان من قدماء الرواة عنه. ٢. تابع عبدَ الرزاق حجاجُ بن محمد المصيصي، وكان يقال إنه أثبت أصحاب ابن جريج (١). ٣. التمييز بين الموقوف والمرفوع يشعر بزيادة علم راويها وحفظه. فبالنظر في هاتين الروايتين وكلام الإمام أحمد يظهر أن الرواية التي جاءت بالعنعنة والتي فيها إدخال الموقوف في الموفوع مدلّسة ـ لأن ابن جريج معروف بالتّدليس عن المجهولين ـ ومن أجل ذلك أنكر الإمام أحمد على من روى الحديث من هذا الوجه بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وسليمان بن موسى، فإن مقتضى ذلك أن يلتصق الخطأ بسليمان دون الواسطة ـ المُسقَطة بالتَّدليس ـ بينه وبين ابن جريج، والرواية التي ميّزت بين الموقوف والمرفوع، قد برّأت ساحة سليمان بن موسى من الخطأ (٢)، لأن ابن جريج قد صرح بالتحديث من سليمان.

стр. 441

فالشاهد من هذا أن الإمام أحمد أنكر على من روى هذا الحديث ـ في الرواية التي جعلت قول ابن عمر مرفوعاً ـ بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وشيخه سليمان بن موسى بناء على كون سماعهم من عبد الرزاق بأخرة بعد ما عمي، وبناء على عدم وجود تلك الرواية في كتب عبد الرزاق كما رواها من رواها عنه إذ كان بصيراً، وهذا مما يدل على أن الأخطاء وقعت في المرويات التي رُويت عن عبد الرزاق وهي ليست في كتبه كما رواها القدماء من أصحابه، بل جاءت من طريق من تحمّل عنه بعد ذهاب بصره. وقد تقدم في مطلب إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي أن الإمام أحمد أنكر حديث علي الذي روي من طريق عبد الرزاق بلفظ: "إن النبي ﷺ مسح على الجبائر"، وقال: إنه باطل، وسأل عمّن حدّث به عن عبد الرزاق ـ منكِراً عليه ـ فقيل له: محمد بن يحيى الذهلي (١)، وقد قال الإمام أحمد في الذهلي: إنه قدم على عبد الرزاق مرتين: إحداهما بعدما عمي (٢). فلعل هذا مما سمعه في القدمة الثانية.

стр. 442

ومن الرواة الذين ذهب بصرهم فأثّر ذلك في ضبطهم لحديثهم: علي بن مسهر: وهو القرشي الكوفي أبو الحسن قاضي الموْصل. قال عنه الإمام أحمد: صالح الحديث صدوق (١). وروى العقيلي بإسناده عن الأثرم أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أما علي بن مسهر فلا أدري كيف أقول، ثم قال: إن علي بن مسهر قد ذهب بصره وكان يحدثهم من حفظه (٢). وذكر الحافظ ابن رجب (٣) أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: "وأنا وأنا". وقال: "إنما هو عن هشام، عن أبيه مرسل. وقال: علي بن مسهر له مفاريد". وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٤)، عن إبراهيم بن مهدي، عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ فذكره. ومن طريقه أخرجه البيهقي (٥)، وابن عبد البر (٦). ولم أقف على رواية الإرسال التي أعلّ بها الإمام أحمد روايةَ الوصل. ولم ينفرد علي بن مسهر برواية الحديث موصولاً، فقد تابعه حفص بن غياث عند ابن حبان (٧)، والحاكم (٨)، وأبي الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٩)، والقزويني (١٠). وتابعه أيضاً أبو معاوية ووكيع

стр. 443

كلاهما عند ابن أبي شيبة (١). فهؤلاء الثلاثة ثقات أثبات، إلا أبا معاوية فقد تكلّم الإمامُ أحمدُ في حديثه عن غير الأعمش، وخاصةً في أحاديثه عن هشام بن عروة فقال ـ لما سئل عنها: فيها أحاديث مضطربة يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ . ا. هـ (٢). وكلهم رووا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة موصولاً كما رواه علي بن مسهر. ولم أقف على رواية الإرسال حتى يظهر وجه إعلال الإمام أحمد للحديث بعد الموازنة بين الروايتين ـ الموصولة والمرسلة. ومن هؤلاء الرواة الذين كُف بصرهم فتأثّر ضبُطهم: أبو حمزة السكري: وهو محمد بن ميمون المرزوي. قال ابن رجب: ثقة مشهور من أهل مرو (٣). قال أبو داود: سمعت أحمد قال: من سمع من أبي حمزة السكري ـ وهو مروزي ـ قبل أن يذهب بصره فهو صالح، سمع منه علي بن الحسن قبل أن يذهب بصره، وسمع عتاب بن زياد بعد ما ذهب بصره (٤). وقال في رواية ابن هانئ: كان قد ذهب بصرُه، وكان ابنُ شقيق قد كتب عنه وهو بصير، قال: وابن شقيق أصح حديثاً ممن كتب عنه مِن غيره (٥). ولم أر له حديثاً أنكره الإمام أحمد.

стр. 444

المطلب الثالث: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي ـ ذهاب كتب الراوي بسبب من الأسباب هؤلاء قوم ثقات ذهبت أصولهم التي كانوا يحدثون منها، فحدثوا من حفظهم فوقعت الأخطاء في مروياتهم بسبب ذلك، أو تلقنوا ما لقّن لهم مما ليس من حديثهم، وهذا خلل طرأ عليهم في ضبطهم أُعلّ بسببه بعضُ مروياتهم. قال أبو حاتم ابن حبان تحت أنواع الجرح في الضعفاء: "ومنهم من كتب الحديث ورحَل فيه إلا أن كتبه قد ذهبت، فلما احتيج إليه صار يحدث من كتب الناس من غير أن يحفظها كلها أو يكون له سماع فيها كابن لهيعة وذويه" (١). فهؤلاء أمرهم يجري على تفصيل ما سبق في الصنف الذي قبل هذا: من سمع منهم قديماً قبل ذهاب كتبهم فحديثه صحيح، ومن سمع منهم بعد ذلك فحديثه ليس بذاك. ومن هذا الصنف من ذهبت كتبه عن جميع المشايخ، ومنهم من ذهبت كتبه عن بعض المشايخ، فذكر الإمام أحمد من الصنف الأول: عبد الله بن لهيعة، ومحمد ابن عبد الله ابن المثني الأنصاري، وعبد الله بن رجاء المكي. ومن الصنف الثاني: الإمام الأوزاعي. ١ - عبد الله بن لهيعة الغافقي المصري ت (١٧٤) هـ: أثنى عليه الإمام أحمد وقال: من كان بمصر يشبه ابن لهيعة في ضبط الحديث وكثرته وإتقانه (٢). ونقل الإمام أحمد خبر احتراق كتبه ومتى كان ذلك.

стр. 445

قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطَّبَّاع قال: أُحرقتْ كتبُ ابن لهيعة سنةَ تسعٍ وستين، قال: ولقيتُه أنا سنةَ أربع وستين يعني ابن لهيعة. قال إسحاق: ومات ابن لهيعة في سنةِ أربعٍ وسبعين أو ثلاثٍ وسبعين (١). قال أبو داود: سمعت أحمد قال: قال ابن المبارك سنةَ تسع وسبعين: من سمع ابن لهيعة منذ عشرين سنة فإن سماعه صالح. وسمعته قال: احترقتْ كتبُ ابن لهيعة ـ زعموا ـ في سنة أربع وستين (٢). فهذا اختلاف في تحديد زمن احتراق كتبه (٣). وقد اعتمد الإمام أحمد حادثة احتراق كتب ابن لهيعة (٤) فأصبح يُميّز بين حديثه القديم وحديثه بعد الاحتراق، فقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وسئل عن ابن لهيعة فقال: من كتب عنه قديماً فسماعه صحيح (٥).

стр. 446

وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن ابن لهيعة فليّن أمرَه وقال: من سمع منه متقدماً (١). وإنما ميّز الإمام أحمد بين حديث ابن لهيعة القديم من حديثه المتأخر لأنه كان بعد احتراق كتبه يقبل التلقين. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: احترقت كتب ابن لهيعة ـ زعموا ـ كان رشدين بن سعد قد سمع منه كتبه، فكانوا يأخذون كتبه، فلا يأتونه بشيء إلا قرأ (٢). وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: ابن لهيعة كانوا يقولون احترقت كتبه فكان يؤتى بكتب الناس فيقرأها (٣). وروي عن الإمام أحمد أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، عبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك (٤). وممن نصّ الإمام أحمد على صحة حديثه عن ابن لهيعة عبد الله بن يزيد المقرئ. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أصحَّ حديثه ـ يعني المقرئ ـ عن ابن لهيعة (٥). ومنهم قتيبة بن سعيد. قال جعفر بن محمد الفريابي: سمعت بعض أصحابنا يذكر أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح. قال: قلت: لأنَّا كنَّا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة (٦). وهذا الإسناد فيه جهالة الواسطة بين الفريابي وقتيبة. على أنه

стр. 447

قد ذكر الأثرم عن الإمام أحمد أن قتيبة هو آخر من سمع من ابن لهيعة (١). فإن ثبت ما نقله الفريابي دل ذلك على أن صحة حديث قتيبة عن ابن لهيعة كان من أجل اعتماده على كتاب ابن وهب فلم يتأثر باختلاط ابن لهيعة. وقد قال حنبل بن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيراً مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضُه ببعض (٢). وقال حرب بن إسماعيل الكرماني: سألت أحمد بن حنبل عن ابن لهيعة فضعفه (٣). وهذا محمول على ما جاء من طريق من سمع منه بأخرة، بدليل أنه صحح حديث بعض تلاميذ ابن لهيعة كقتيبة بن سعيد. وأيضاً لما ليّن أمر ابن لهيعة كما في رواية المروذي استثنى من سمع منه متقدماً. ومما يدل على أن حديثه في الآخر قد دخله تخليط ما رواه عبد الله عن الإمام أحمد: قال عبد الله: حدثني أبي قال حدثنا خالد بن خداش قال: قال لي ابن وهب ـ ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة ـ إني لستُ كغيري في ابن لهيعة فأكتبَها، وقال لي: حديثه عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "لو كان القرآن في إهاب ما مسَّتْه النَّارُ" ما رفعه لنا ابن لهيعة قط أوَّلَ عُمُرِهِ (٤). هذا الحديث أخرجه أحمد (٥)، والدارمي (٦)،

стр. 448

وأبو يعلى (١)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (٢) كلهم من طريق عبد الله ابن يزيد المقرئ (٣)؛ وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (٤)، ومن طريقه القزويني في أخبار قزوين (٥) عن أبي الأسود المصري (٦)، وأحمد (٧) عن أبي سعيد (٨)؛ والفريابي (٩)، ومن طريقه ابن عدي (١٠) عن قتيبة بن سعيد (١١)؛ والطبراني (١٢) من طريق يحيى بن كثير الناجي (١٣)، وسعيد بن عفير (١٤)؛

стр. 449

والروياني (١) من طريق موسى بن داود (٢)، وأبو الشيخ (٣) من طريق مجاشع ابن عمرو (٤)، كلهم عن ابن لهيعة، عن مِشْرَح بن هاعان (٥)، عن عقبة بن عامر الجهني، أن النبي ﷺ قال: فذكره. فهؤلاء الرواة ـ وعددهم ثمانية ـ كلهم رووا الحديث عن ابن لهيعة على هذا الوجه مرفوعاً. وقال ابن وهب: ما رفع ابنُ لهيعة الحديثَ قط أول عمره. فهذه علة هذا الحديث، لأن كون ابن وهب حفظ أن ابن لهيعة كان لا يرفع الحديث في أول عمره دليل على قدم سماعه من ابن لهيعة، وقد قال أحمد: من سمع منه قديماً فسماعه صحيح. وقال أحمد عن ابن وهب: كان صحيح الكتب عن مشايخه الذين روى عنهم (٦)، وكان هو وابن المبارك يتتبعان أصول ابن لهيعة

стр. 450

فيكتبان منه كما قال أبو زرعة الرازي (١). فالصحيح في رواية الحديث أنه موقوف، وهذا يدل على اعتماد ما رواه ابن لهيعة في أول عمره وتقديمه على غيره. وإن قيل إن ممن رواه عن ابن لهيعة مرفوعاً عبد الله بن يزيد المقرئ، وقتيبة بن سعيد، وأبا الأسود المصري وقد قيل بصحة حديث كل واحد منهم عن ابن لهيعة، فالجواب أن ابن وهب حفظ وجه الحديث عند ابن لهيعة في أول عمره، وأما أولئك الرواة فيحتمل أن يكون سماعهم للحديث كان في أخر عمر ابن لهيعة خارج كتبه الأصول، فلا يترك حفظُ من حفِظ لأمر محتمل. ٢ - محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري (٢). ذكر الإمام أحمد أن كتبه ذهبت فكان بعدُ يحدِّث من كتب غلامه، وعدّ ﵀ هذا سبباً للوهم الذي وقع فيه فأدخل إسناد حديث في حديث آخر. قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاري ـ محمد ابن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك ـ عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" فضعفه وقال: كانت ذهبتْ للأنصاري كتبٌ فكان بعدُ يحدّث من كتب غلامه أبي حكيم، أُراه قال: فكان هذا من تلك (٣). هذا الحديث رواه الترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وأحمد (٦)، والطحاوي في

стр. 451

شرح معاني الآثار (١)، والطبراني (٢)، والخطيب (٣) كلهم من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري بالإسناد الذي ذُكر في السؤال. وقال الخطيب: لم يروه عن حبيب هكذا غير الأنصاري. إنما روي بهذا الإسناد حديث آخر، فأخرج أبو داود (٤)، وأحمد (٥)، والدارمي (٦)، وابن الجارود (٧)، وأبو يعلى (٨)، والطحاوي (٩)، وابن حبان (١٠)، والطبراني (١١)، والدارقطني (١٢)، والبيهقي (١٣) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلال بعد ما رجعنا من مكة". وهذا لفظ أحمد. وقد روى الأنصاري هذا الحديث أيضاً من هذا الوجه بهذا الإسناد، قاله الخطيب (١٤)، والذهبي (١٥).

стр. 452

وتابعه سفيان بن حبيب (١)، عن حبيب بن الشهيد به، إلا أنه أرسله عن يزيد بن الأصم بدون ذكر ميمونة. أخرجه النسائي في الكبرى (٢). فالأنصاري أراد أن يحدث بحديث زواج النبي ﷺ بميمونة فحدث بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ احجم وهو صائم محرم، وركب إسناد الحديث الأول له، فدخل عليه هذا في ذاك، وبيّن الإمام أحمد السبب في ذلك، وهو كون الأنصاري قد ذهبت كتبه فصار يعتمد على كتب غلامه، وليس ذلك عن سوء الحفظ. ولم يرد عن الإمام أحمد ولا عن غيره من الأئمة ما يدل على اطّراح الأنصاري بهذا السبب، والظاهر أن ذلك راجع إلى قلة ما وقع له من الخطأ بسبب هذه الآفة، فيقتصر على ردّ ما تبين أنه أخطأ فيه من الأحاديث (٣). وقد وافق الإمامَ أحمدَ غيرُه من الأئمة على إعلال هذا الحديث وإنكاره على الأنصاري وبيان أنه دخل عليه حديث في حديث، منهم معاذ بن معاذ، ويحيى القطان، فروى عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال أبي وقال أبو خيثمة أنكر معاذ ـ يعني ابن معاذ العنبري ـ ويحيى بن سعيد ـ يعني القطان ـ حديث الأنصاري ـ يعني محمد بن عبد الله ـ عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران،

стр. 453

عن بن عباس: احتجم النبي ﷺ وهو محرم وصائم (١). وقال مهنّا: وسألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم"، فقال: ليس بصحيح، قد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري (٢)، إنما كانت أحاديث ميمون ابن مهران عن ابن عباس نحو خمسة عشر حديثاً (٣). وقال يعقوب الفسوي: سُئل علي بن المديني عن حديث الأنصاري عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، قال: ليس من ذاك شيء، إنما أراد حديث حبيب عن ميمون عن يزيد بن الأصم: تزوج النبي ﷺ ميمونة محرماً. ا. هـ (٤). وقال النسائي ـ بعد روايته لحديث الأنصاري في الحجامة: هذا منكر، ولا أعلم رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة (٥). ٣ - عبد الله بن رجاء المكي (٦): قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله،

стр. 454

عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الحلال بيِّنٌ والحَراَم بيِّنٌ … "؟ فقال: هذا حديث منكر، ما أرى هذا بشيء، وقال لي أبو عبد الله: ابن رجاء هذا زعم أن كتبه كانت ذهبت فجعل يكتب من حفظه، ولعله توهَّم هذا (١). هذا الحديث أخرجه الطبراني (٢)، والعقيلي (٣)، والرامهرمزي (٤)، كلهم من طريق إبراهيم بن محمد بن الشافعي (٥)، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله ابن عمر به. وأخرجه البيهقي (٦) من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد (٧) عن عبد الله ابن رجاء به. قال الطبراني: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا عبد الله بن رجاء، وقد رواه عبد الله بن رجاء عن عبد الله بن عمر. ورواية عبد الله بن رجاء عن عبد الله ابن عمر ـ وهو العمري ـ رواها أيضاً أحمد بن شبيب بن سعيد. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي حدثنا عن أحمد بن شبيب بن سعيد، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الحلال بين والحرام بين … " الحديث. قال أبي: ثم كتب إلينا أحمد بن شبيب بن سعيد: اجعلوا هذا الحديث عن عبد الله بن عمر" (٨). وقال أبو زرعة في هذا الحديث: هكذا حدثنا أحمد من حفظه، ثم رجع أحمد بن شبيب عنه فقال: عن عبد الله بن عمر،

стр. 455

وهو الصحيح. ا. هـ (١). فعاد الحديث إلى حديث عبد الله بن عمر العمري وضعفه مشهور، وتفرده بالحديث عن حافظ مكثر مثل نافع مما يزيد الحديث ضعفاً. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أنكر الإمام أحمد هذا الحديث أن يكون من رواية عبيد الله بن عمر، وحمّل الخطأ على عبد الله بن رجاء لذهاب كتبه واعتماده على حفظه. ويؤيد هذا الإعلال رجوع أحمد بن شيبب عن ذكر عببيد الله بن عمر في الإسناد، واستبداله بعبد الله بن عمر العمري، وأن ذلك كان لأجل تحديثه بالحديث في أول الأمر من حفظه. وإنما لم يُحمَّل أحمدُ بن شيبب هذا الخطأَ لأن إبراهيم بن محمد الشافعي قد تابعه على ذكر عبيد الله بن عمر، فدل على أن عبد الله بن رجاء كان هو الذي حدث به هكذا، ثم رجع أحمد بن شيبب إلى الكتب فتبين له الخطأ فعاد إلى الصواب، وهذا يدل أيضاً على أن عبد الله بن رجاء قد حدث به سابقاً على الصواب ـ والظاهر أن الصواب كان هو المثبت في كتبه ـ ثم لما حدّث بالحديث من حفظه وقع في الخطأ، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد من أن كتبه قد ذهبت فصار يحدث من حفظه فتوهمّ. وممن ذهبت كتبه عن بعض مشائخه فتُكلِّم في حديثه عن أولئك المشايخ: ٤. عبد الرحمن بن عمروالأوزاعي الإمام ت (١٥٧) هـ: ذهبت كتبُه عن يحيى بن أبي كثير فتكلم الإمام أحمد في حديثه عنه. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: زعموا أن كتبه ـ يعني الأوزاعي ـ عن يحيى بن أبي كثير ضاعت" (٢).

стр. 456

وقال مهنّا: "سألت أحمد عن حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال أحمد: كان كتاب الأزواعي عن يحيى بن أبي كثير قد ضاع منه، فكان يحدّث عن يحيى بن أبي كثير حفظاً" (١). وقال يعقوب بن شيبة: "قال أحمد بن حنبل: حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب" (٢). وكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير لا يعني تضعيفه في يحيى، ولا يعني إلحاقه بسائر من ذهبت كتبه عن شيخه فضعِّف بسببه عن ذلك الشيخ، بل كلام الإمام أحمد كان لبيان أن له أحاديث عن يحيى ابن أبي كثير أخطأ فيها بسبب ذهاب كتبه، وهو أمر غير مستغرب، لأن الأوزاعي كان من المكثرين عن يحيى بن أبي كثير، فلا يستغرب أن تقع بعض الأخطأ في حديثه عنه (٣). والدليل على ما ذكرت أن الإمام الأوزاعي كان يحفظ، وذهاب كتب الراوي عن شيخ معين إنما يؤثر على حديثه عن ذلك الشيخ إذا كان ممن لا يحفظ وكان جلّ اعتماده عليها قبل ذهابها أو أصبح بعد ذهابها يقبل التلقين، وكلا الأمرين منفي عن الأوزاعي. قال ابن عدي عن الإمام أحمد ـ وذَكر أصحابَ يحيى بن أبي كثير ـ فقال: "هشام يرجع إلى كتاب، والأوزاعي حافظ" (٤). وقد

стр. 457

قال الوليد بن مسلم: "احترقتْ كتبُ الأوزاعي فقيل له: يا أبا عمرو، نسختُها عند ابن الأسود؟ فقال: نتحدّث بما حفِظنا منها" (١). وإذا كان الأمر كذلك فكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير محمول على ما عرف من منهجه من تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر كما سيأتي، ومن أجل ذلك جعل أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير هشام الدستوائي وأخّر الأوزاعي، فقال كما روى أبو داود: "ليس أحدٌ أثبت في يحيى ابن أبي كثير من هشام الدَّستوائي" (٢). وقال أبو زرعة الدمشقي: "سألت أحمد ابن حنبل عن أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام، قلت: ثم من؟ قال: ثم أبان، قلت: ثم من؟ فذكر آخر، قلت: له فالأوزاعي؟ قال: الأوزاعي إمام" (٣). وقال صالح: قال أحمد: "وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي" (٤). وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "شيبان أحب إلي من الأوزاعي في يحيى بن أبي كثير وهو صاحب كتاب صحيح، حديثه صالح" (٥). وعلى هذا فيجتنب تلك المواضع التي أخطأ فيها الأوزاعي في حديث يحيى بن أبي كثير، وإذا خالفه غيره ممن هو أثبت منه في يحيى فإنه يُقدم عليه (٦). وممن اتخذ مثل موقف الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير

стр. 458

الإمام أبو زرعة الرازي فقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة قلت: في حديث يحيى بن أبي كثير من أحب إليك، هشام أو الأوزاعي؟ قال: هشام أحب إليّ، لأن الأوزاعي ذهبت كتبه" (١). ولم يتميّز من سمع من الأوزاعي حديثه عن يحيى قبل احتراق كتبه من الذين سمعوا منه بعد ذلك حتى يعامل حديثه معاملة حديث مَنْ تقدم من الرواة من هذا الصنف فيقبل حديث من سمع قبل ذهاب الكتب ويتوقف في حديث من سمع بعد ذلك، ومقتضى عدم هذا التمييز أن ينزل جميع الرواة عن الأوزاعي منزلة واحدة من حيث زمن السماع منه، وهو الذي يظهر من صنيع الإمام أحمد في إعلاله لحديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، من دون تفصيل بين حالة الراوي عنه، والله أعلم. ما أعله الإمام أحمد من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير. قال المرُّوذي: قلتُ له: فتعرف عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "متى كنتَ نبياًّ؟ "، قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيراً ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلّب (٢). حديث "متى كنتَ نبياًّ" أخرجه الترمذي (٣)، وابن حبان في مقدمة كتابه الثقات (٤)، والحاكم (٥)، وأبو نعيم (٦)، والخطيب البغدادي (٧) من طرق عن

стр. 459

الوليد بن مسلم به. ولفظه كما عند الترمذي: متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" (١). والحديث أنكره الإمام أحمد وجعله من خطأ الأوزاعي. والظاهر إنما أنكره من حديث يحيى بن أبي كثير، إذ لم يروه عنه غيره (٢)، كأنه لم يعتدّ بتفرد الأوزاعي بالحديث عن يحيى بن أبي كثير للعلة التي تقدم ذكرها من احتراق كتبه عن يحيى واعتماده على حفظه. وأما ما ذكره الإمام أحمد من خطأ الأوزاعي في اسم أبي المهلب حيث يقول فيه: أبو المهاجر فقد وقع ذلك في عدة أحاديث. قال الإمام البخاري: "وروى الأوزاعي أيضاً أحاديث عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، ولا يصح من أبي قلابة عن أبي المهاجر شيء" (٣). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث في ترجمة أبي المهاجر في تهذيب التهذيب (٤) فقال: "أبو المهاجر عن بريدة الأسلمي حديث: "بكّروا بالصلاة في الغيم" (٥)، وعن عمرو بن أمية الضمري حديث: "انتظروا

стр. 460

الغداء" (١)، وعن عمران بن الحصين حديث الجهنية التي أقرت بالزنا (٢)، وعنه أبو قلابة الجرمي، كذا يقول الأوزاعي في هذه الأحاديث الثلاثة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة، فأما حديث بُريدة فرواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن بريدة، وهو المحفوظ، وأما حديث أبي أمية فاختلف فيه على الأوزاعي (٣)، وأما حديث عمران فرواه هشام وغير واحد عن يحيى بن أبي كثير،
следующие страницы →