وقال مهنّا: "سألت أحمد عن حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال أحمد: كان كتاب الأزواعي عن يحيى بن أبي كثير قد ضاع منه، فكان يحدّث عن يحيى بن أبي كثير حفظاً" (١).
وقال يعقوب بن شيبة: "قال أحمد بن حنبل: حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب" (٢).
وكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير لا يعني تضعيفه في يحيى، ولا يعني إلحاقه بسائر من ذهبت كتبه عن شيخه فضعِّف بسببه عن ذلك الشيخ، بل كلام الإمام أحمد كان لبيان أن له أحاديث عن يحيى ابن أبي كثير أخطأ فيها بسبب ذهاب كتبه، وهو أمر غير مستغرب، لأن الأوزاعي كان من المكثرين عن يحيى بن أبي كثير، فلا يستغرب أن تقع بعض الأخطأ في حديثه عنه (٣). والدليل على ما ذكرت أن الإمام الأوزاعي كان يحفظ، وذهاب كتب الراوي عن شيخ معين إنما يؤثر على حديثه عن ذلك الشيخ إذا كان ممن لا يحفظ وكان جلّ اعتماده عليها قبل ذهابها أو أصبح بعد ذهابها يقبل التلقين، وكلا الأمرين منفي عن الأوزاعي. قال ابن عدي عن الإمام أحمد ـ وذَكر أصحابَ يحيى بن أبي كثير ـ فقال: "هشام يرجع إلى كتاب، والأوزاعي حافظ" (٤). وقد
стр. 457
قال الوليد بن مسلم: "احترقتْ كتبُ الأوزاعي فقيل له: يا أبا عمرو، نسختُها عند ابن الأسود؟ فقال: نتحدّث بما حفِظنا منها" (١).
وإذا كان الأمر كذلك فكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير محمول على ما عرف من منهجه من تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر كما سيأتي، ومن أجل ذلك جعل أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير هشام الدستوائي وأخّر الأوزاعي، فقال كما روى أبو داود: "ليس أحدٌ أثبت في يحيى ابن أبي كثير من هشام الدَّستوائي" (٢). وقال أبو زرعة الدمشقي: "سألت أحمد ابن حنبل عن أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام، قلت: ثم من؟ قال: ثم أبان، قلت: ثم من؟ فذكر آخر، قلت: له فالأوزاعي؟ قال: الأوزاعي إمام" (٣). وقال صالح: قال أحمد: "وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي" (٤). وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "شيبان أحب إلي من الأوزاعي في يحيى بن أبي كثير وهو صاحب كتاب صحيح، حديثه صالح" (٥).
وعلى هذا فيجتنب تلك المواضع التي أخطأ فيها الأوزاعي في حديث يحيى بن أبي كثير، وإذا خالفه غيره ممن هو أثبت منه في يحيى فإنه يُقدم عليه (٦).
وممن اتخذ مثل موقف الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير
стр. 458
الإمام أبو زرعة الرازي فقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة قلت: في حديث يحيى بن أبي كثير من أحب إليك، هشام أو الأوزاعي؟ قال: هشام أحب إليّ، لأن الأوزاعي ذهبت كتبه" (١).
ولم يتميّز من سمع من الأوزاعي حديثه عن يحيى قبل احتراق كتبه من الذين سمعوا منه بعد ذلك حتى يعامل حديثه معاملة حديث مَنْ تقدم من الرواة من هذا الصنف فيقبل حديث من سمع قبل ذهاب الكتب ويتوقف في حديث من سمع بعد ذلك، ومقتضى عدم هذا التمييز أن ينزل جميع الرواة عن الأوزاعي منزلة واحدة من حيث زمن السماع منه، وهو الذي يظهر من صنيع الإمام أحمد في إعلاله لحديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، من دون تفصيل بين حالة الراوي عنه، والله أعلم.
ما أعله الإمام أحمد من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير.
قال المرُّوذي: قلتُ له: فتعرف عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "متى كنتَ نبياًّ؟ "، قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيراً ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلّب (٢).
حديث "متى كنتَ نبياًّ" أخرجه الترمذي (٣)، وابن حبان في مقدمة كتابه الثقات (٤)، والحاكم (٥)، وأبو نعيم (٦)، والخطيب البغدادي (٧) من طرق عن
стр. 459
الوليد بن مسلم به. ولفظه كما عند الترمذي: متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" (١).
والحديث أنكره الإمام أحمد وجعله من خطأ الأوزاعي. والظاهر إنما أنكره من حديث يحيى بن أبي كثير، إذ لم يروه عنه غيره (٢)، كأنه لم يعتدّ بتفرد الأوزاعي بالحديث عن يحيى بن أبي كثير للعلة التي تقدم ذكرها من احتراق كتبه عن يحيى واعتماده على حفظه.
وأما ما ذكره الإمام أحمد من خطأ الأوزاعي في اسم أبي المهلب حيث يقول فيه: أبو المهاجر فقد وقع ذلك في عدة أحاديث. قال الإمام البخاري: "وروى الأوزاعي أيضاً أحاديث عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، ولا يصح من أبي قلابة عن أبي المهاجر شيء" (٣). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث في ترجمة أبي المهاجر في تهذيب التهذيب (٤) فقال: "أبو المهاجر عن بريدة الأسلمي حديث: "بكّروا بالصلاة في الغيم" (٥)، وعن عمرو بن أمية الضمري حديث: "انتظروا
стр. 460
الغداء" (١)، وعن عمران بن الحصين حديث الجهنية التي أقرت بالزنا (٢)، وعنه أبو قلابة الجرمي، كذا يقول الأوزاعي في هذه الأحاديث الثلاثة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة، فأما حديث بُريدة فرواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن بريدة، وهو المحفوظ، وأما حديث أبي أمية فاختلف فيه على الأوزاعي (٣)، وأما حديث عمران فرواه هشام وغير واحد عن يحيى بن أبي كثير،
стр. 461
عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران (١)، وهو المحفوظ".
وممن ذكر أن الإمام الأوزاعي أخطأ على يحيى بن أبي كثير في قوله أبي المهاجر، يحيى بنُ معين، فقال: "الذي يروي الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر إنما هو أبو المهلب، ولكن الأوزاعي قلب كنيته، والذي يروي عن أبي المهلب أثبت من الأوزاعي" (٢).
وقال النسائي: "لا نعلم أحداً تابع الأوزاعي على قوله: عن أبي المهاجر، إنما هو أبو المهلب" (٣). وقال أيضاً: "أبو المهاجر خطأ، والصواب أبو المهلب" (٤).
وقال ابن حبان: "وهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة، إذ الجواد يعثر فقال: عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب، اسمه عمرو ابن معاوية بن زيد الجرمي من ثقات التابعين وسادات أهل البصرة" (٥).
وقد أعلّ الإمام أحمد الحديث الأول من تلك الأحاديث التي قال فيها الأوزاعي عن أبي المهاجر من وجه آخر في الإسناد والمتن، والحديث هو
стр. 462
حديث بريدة السالف الذكر، حيث رواه الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: "بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله" ورواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: كنا مع بُريدة في غزوة في يوم ذي غيمٍ فقال: بكّروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: "من ترك العصر فقد حبط عمله" (١).
فقال الإمام أحمد في رواية مهنّا عن هذا الحديث ـ كما قال ابن رجب: "هو خطأ من الأوزاعي، والصحيح حديث هشام الدستوائي، وذكر أيضاً أن أبا المهاجر لا أصل له، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأً، وذِكرُه في هذا الإسناد من أصله خطأ، فإنه ليس من روايته، إنما هو من رواية أبي المليح، كذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله" (٢).
ثم قال ابن رجب: "وقيل: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح كما رواه هشام عن يحيى. وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في "صحيحه". وقيل عن الأوزاعي، عن يحيى، عن ابن بريدة. وقيل عن الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن بُريدة بغير واسطة بينهما. وهذا كله يدل على اضطراب الأوزاعي فيه، وعدم ضبطه للحديث. وأما متنه فقال الأوزاعي فيه: إن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: "بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاةُ العصر فقد حبط عملُه". كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم. فخالف هشاماً في ذلك، فإن هشاماً
стр. 463
قال في روايته: إن أبا المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن رسول الله ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عملُه". فلم يرفع منه غير هذا القدر، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم، والذي أمر بالتبكير بصلاة العصر هو بُريدة، وهو الصحيح" (١).
وقد تابع هشام الدستوائي على ذكر أبي المليح ورفع القدر المذكور من الحديث كل من شيْبان النحوي (٢)، ومعمر (٣).
وممن ذهبت كتبه يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني الكوفي من خيار أهل زمانه من عباد أهل الشام وقرائهم (٤). قال شعيب بن حرب: ما أقدّم على يوسف بن أسباط أحداً (٥).
قال أبو داود: "قلت لأحمد: يوسف بن أسباط؟ قال: ثقة. قلت: فدفن كتبه؟ قال: قد علمت يُقال، ثم قال: ومن مثل يوسف! " (٦).
وذكر غيرُ واحد خبرَ دفنِ كتبه (٧).
وله أحاديث أخطأ فيها (٨)، وحُمل سببُ وقوع تلك الأخطاء على ذهاب كتبه. ولم أقف على كلام الإمام أحمد في حديثه بل أطلق القول بتوثيقه وأثنى عليه ثناء حسناً، وهذا الثناء راجع إلى فضله في زهده وعبادته، والله أعلم.
стр. 464
المبحث الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بشدة الغفلة وعدم التيقظ .
هذا الصنف من الرواة هم الذين كان الغالب على حديثهم المنكر والغلط، وذلك لشدة غفلتهم، فليس لهم من التيقط ما يميزون به الصواب من الخطأ. وقد عرف الحميدي الغفلة التي ترد بها حديث الرضا الذي لا يعرف بكذب فقال: "هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف ذلك تصحيفاً فاحشاً يقلب المعنى لا يعقل ذلك، فيكف عنه" (١).
وقد قال الإمام أحمد في أبي قتادة الحراني عبد الله بن واقد: "ما كان به بأس، رجل صالح يشبه أهل النسك والخير، إلا أنه ربما أخطأ"، فقيل له: إنهم يقولون: لم يكن يفصل بين سفيان ويحيى بن أبي أُنيسة. فقال: "باطل، لعله اختلط، أما هو فكان ذكياً" (٢) فنفى الإمام أحمد الغفلة لفطنته، فدل على أن الغفلة سببها قلة الفطنة.
وقد كان الإمام أحمد لا يرى الكتابة عمن هذا حاله. قال لأبي طالب أحمد بن حميد: "لا تكتب عن أبان بن أبي عياش شيئاً، فقال له: كان له هوى؟ قال: كان منكر الحديث" (٣) وأبان بن عياش كما قال أحمد في موضع آخر: "متروك الحديث، ترك الناس حديثه مُذ دهر من الدهور" (٤).
стр. 465
وقال أبو طالب: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: "الحسن بن عمارة متروك الحديث، قلت: كان له هوى؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، أحاديثه موضوعة ولا يُكتب حديثه" (١) وقوله أحاديثه موضوعة ليس بمعنى أنه كذاب، بل هو من إطلاق الموضوع على حديث المتروك لثبوت الخطأ فيه كما تقدم توضيح ذلك في مصطلحات الإمام أحمد في مبحث الإعلال بكذب الراوي (٢)، فالغالب على حديث الحسن بن عمارة مناكير، وقد قال شعبة: "أفادني الحسن بن عمارة عن الحكم ـ قال: أحسب ـ سبعين حديثاً فلم يكن لها أصل" (٣).
فأحاديث هؤلاء الرواة عند الإمام دوماً معلولة، لأن الغالب على حديثهم الخطأ والغلط، فمن أجل ذلك كان ينهى عن الرواية عنهم والتحديث بحديثهم. وقد ذكر الإمام أبو عيسى الترمذي قال: "سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجُمعة، فذكروا فيه عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم، فقلت: فيه عن النبي ﷺ حديث. فقال: عن النبي ﷺ ؟ قلت: نعم. حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا حجاج بن نُصير، حدثنا المبارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجُمعة على من آواه الليل إلى أهله". قال: فغضب أحمد بن حنبل وقال: استغفر ربَّك، استغفر ربَّك، مرتين" (٤).
قال الترمذي: "وإنما فعل هذا أحمد بن حنبل لأنه لم يصدِّق هذا عن النبي ﷺ لضعف إسناده، لأنه لم يعرفه عن النبي ﷺ . والحجاج بن نُصير يضعّف في
стр. 466
الحديث، وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان جداً" (١).
وقول أحمد في عبد الله بن سعيد هو أنه منكر الحديث، متروك الحديث (٢).
فلما كان الحديث مما تفرد به هذا الراوي، ولم يسمع به أحمد إلا بهذا الإسناد، عظُم ذلك عنده واشتد نكيره على الذي حدثه به، فدل على أن ما تفرد به الراوي الموصوف بشدة الغفلة لا يجوز الاحتجاج به ولا يجوز التحديث به.
قال الترمذي معلِّقاً على هذا الموقف من الإمام أحمد: "فكل من رُوي عنه حديث ممن يتهم، أو يضعّف لغفلته وكثرة خطئه، ولا يُعرف ذلك الحديثُ إلا من حديثه فلا يُحتج به" (٣).
стр. 467
المبحث الرابع: ما يُخل بضبط الراوي بسبب طريقته في التحمّل .
أرفع أقسام طرق نقل الحديث السماع من لفظ الشيخ، وهو أن يملي الشيخ أو يحدث من غير إملاء سواء من حفظه أو من كتابه، وتليه القراءة على الشيخ وهو المسمى عرضاً، وهذا بناء على ما صححه ابن الصلاح من تقديم السماع على العرض (١). وكل ما عدا هذين الطريقين من طرق التحمل ـ من إجازة، ومناولة، ومكاتبة، وإعلام، ووصية، ووِجادة ـ لا تخلو من دخول الخلل على مرويات من اعتمدها في الرواية، وكلام من تكلم من الأئمة في بعض الرواة بسبب طرق تحملهم عائد إلى ذلك الخلل. قال الذهبي: "ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه الخلل، ولا سيما في ذلك العصر حيثُ لم يكن بعدُ نقطٌ ولا شكلٌ فتتصحَّف الكلمة بما يُحيلُ المعنى، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال" (٢). وقد تكلم الإمام أحمد في بعض الرواة بسبب طريقة نقلهم لأحاديث بعض شيوخهم أذكرهم على اختلاف طرق تحملهم:
من روى عن شيخه بالإجازة:
الإجازة إذن في الرواية لفظاً أو كتابة تفيد الإخبار الإجمالي في العرف (٣)، وأرفعها أن يجيز لمعين في معين، كأن يقول: أجزت لك الكتاب الفلاني، وهذا في الإجازة المجردة عن المناولة، ومع كونها دون السماع والعرض لأنهما أبعد منها عن التصحيف والتحريف (٤)، يتوقف الاحتجاج بها على ثقة المجيز وإتقانه
стр. 468
وتثبته، وضبط الكتاب المجاز وإتقانه، وثقة الراوي المجاز له (١). وقد تكلم الإمام أحمد في بعض الرواة رووا عن شيوخهم بالإجازة واحتج بروايتهم لبعض الاعتبارات. فمن ذلك:
من روى عن شيخه بالإجازة ولم يكن من أهل الحديث ، ومنهم:
بشر بن شعيب عن أبيه:
تقدم أن الإمام أحمد روى عن بشر بن شعيب نحواً من سبعين حديثاً مع أنه لم يكن بصاحب حديث، ولا كان سماعه من أبيه أمراً محَقّقاً لدى الإمام أحمد، والمنقول عن الإمام أحمد أن روايته عن أبيه كانت بالإجازة.
قال أبو حاتم الرازي: ذُكر لي أن أحمد بن حنبل سأله ـ يعني بشر ابن شعيب ـ سمعت من أبيك شيئاً؟ قال: لا، قال فقرئ عليه وأنت حاضر؟ قال: لا، قال: فقرأت عليه؟ قال: لا، قال: فأجاز لك؟ قال نعم. وكتب عنه على معنى الاعتبار ولم يحدث عنه" (٢). هكذا ذكرها أبو حاتم بصيغة التمريض. فهذه الرواية تفيد أن بشر بن شعيب أخذ عن أبيه إجازة، وأن رواية الإمام أحمد عنه كان للاعتبار به ولم يكن يحدث عنه. لكن قال الذهبي: هذه القصة ليست بصحيحة، فإن أبا حاتم رواها بلا سماع من أحمد بل قال: ذُكر لي أن أحمد سأله. ا. هـ (٣). وتعقب الحافظ ابن حجر قول أبي حاتم أن الإمام أحمد لم يحدث عنه وإنما كتب عنه على معنى الاعتبار بأن حديثه عنه ثابت في المسند (٤).
стр. 469
وقال أبو زرعة الرازي: قال لي محمد بن عوف الحمصي (١): "قال لي أحمد ابن حنبل عند ما قدم علينا: تأتي بشر بن شعيب فتسأله أن يخرج إلي كتب أبيه، فأتيته فعرفته مكان أحمد، وعظّمت مكانه عنده فقلت له: إنه يسألك أن تخرج إليه كتب أبيك للنظر فيها. فقال لي: أنا لم أسمع من أبي شيئاً، فأتيت أحمد فأخبرته فردّني إليه وقال: هؤلاء يرون الإجازة سماعاً ويروونه، فأنا أرى احتماله والسماع منه. فأتيت بشراً فسألته أن يخرج ذلك إليه وأعلمته أني قد أعلمته أنك لم تسمع من أبيك شيئاً. فقال لي بشر: فليس الرجل إذاً كما وصفت، ولو كان كما وصفت لم ير الكتابة عني لأني لم أسمع من أبي شيئاً، فأعلمته ما احتج به أحمد وذهبت إليه حتى نظر في كتبه وسمع منه" (٢).
فالإمام أحمد تبين عنده أن تحمل بشر من أبيه كان بالإجازة ومع ذلك اعتمدها، وذلك بناء على أمرين:
الأول: ما ذكره في رواية أبي زرعة هذه من أن عادة أهل الشام أنهم يرون الإجازة سماعاً فلا يتهاونون بها.
الثاني: ما ذكره الإمام أحمد في رواية أبي داود: "كتبت عنه قدر سبعين حديثاً، ولم يكن صاحب حديث ولكن كتب أبيه كانت عنده" (٣)، فذكر علة روايته عنه، وهي كون كتب أبيه كانت عنده، وما دام المقصود من الرواية العلم بصحة نسبة المروي إلى المروي عنه فبأي صفة من صفات الأداء حصل هذا العلم حصل المطلوب، وكتب شعيب كانت معروفة ومضبوطة وكانت عند بشر كما قال الإمام أحمد: نظرت في كتب شعيب، كان ابنه يخرجها إليّ .... ا. هـ (٤).
стр. 470
وموقف الإمام أحمد هذا من أن رواية بشر عن أبيه كانت بالإجازة موافق لما قاله يحيى بن معين (١)، وأبو زرعة الرازي. وقال أبو زرعة: سماع بشر بن شعيب بن أبي حمزة كسماع أبي اليمان إنما كان إجازة (٢).
وأما ما ذكره أبو اليمان، من أن بشر بن شعيب قد سمع من أبيه كتبه، وذلك بشهادة أبيه كما رواه أبو زرعة الدمشقي: "أخبرني الحكم بن نافع قال: كان شعيب بن أبي حمزة عسراً في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة قال: هذه كتبي قد صححتها فمن أراد أن يأخذها فليأخذها، ومن أراد أن يعرض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فليسمعها فقد سمعها مني" (٣)، وقريب منه ما رواه الفسوي عن أبي اليمان أيضاً (٤)، فيمكن أن يجاب عنه بما ذكره الإمام أحمد من أن أهل الشام كانوا يرون الإجازة سماعاً، فتعبير شعيب عن تحمل ابنه بأنه سماع محمول على هذا جمعاً بينه وبين ما تقدم عن الإمام أحمد عن سماع بشر من أبيه.
من روى عن شيخه بالإجازة مع عدم إحضار الكتاب المجاز، منهم:
أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي وروايته عن شعيب بن أبي حمزة:
قال أحمد عن أبي اليمان: صالح، وقد أكثر عنه (٥). واختلفت أقوال الإمام أحمد في طريقة تحمله عن شيخه شعيب بن أبي حمزة، وهي راجعة إلى ثلاث روايات:
стр. 471
الأولى: قال المروذي: "قال أبو عبد الله: شعيب بن أبي حمزة كان لا يكاد يحدث، فلما حضرته الوفاة قال: اجمعوا لي فلاناً وفلاناً، فاجتمع بقية، ويقولون أبو اليمان، وقد ذكروا علي بن عياش، فلا أدري كان أم لا؟ فقال: هذه كتبي ارووها عني، فكان أبو اليمان يقول: حدثني شعيب، ولا أدري كان معهم أم لا؟ " (١).
ومثل هذا رواية ابنه عبد الله (٢). وفي رواية أخرى لعبد الله: "قلت كيف سماع أبي اليمان منه؟ قال: كان يقول: أخبرنا شعيب. قلت: فسماع ابنه؟ قال: كان يقول: حدثني أبي. قلت سماع بقية؟ قال شيء يسير … " (٣).
فهتان الروايتان تفيدان أن شعيباً أجاز للجماعة الحاضرين رواية كتبه الحاضرة وقت الإجازة، وهذه أعلى أنواع الإجازة المجردة من المناولة ـ أي إجازة لمعين في معين (٤) ـ إلا أن الإمام أحمد نفى علمه بكون أبي اليمان مع هؤلاء الجماعة أم لا، كأنه لم يثبت عنده نقل الذين ذكروا أن أبا اليمان حضر ذلك المجلس. واختلف عنه في الصيغة التي يذكرها أبو اليمان عند الرواية عن شعيب: هل هي حدثنا أو أخبرنا؟
الثانية: قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أبا عبد الله وسُئل عن أبي اليمان، وكان الذي سأله قد سمع منه، فقال له: أي شيء تنبش على نفسك؟ ثم قال أبو عبد الله: هو يقول أخبرنا شعيب، واستحل ذلك بشيء عجيب. قال أبو عبد الله: كان أمر شعيب في الحديث عسراً جداًّ، وكان علي بن عيّاش سمع منه، وذكر
стр. 472
قصة لأهل حمص أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا ترووا هذه الأحاديث عني. قال أبو عبد الله: ثم كلموه وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا تلك الأحاديث عني. قلت لأبي عبد الله: مناولة؟ فقال: لو كان مناولة، لم يعطهم كتباً ولا شيئاً، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كتب شعيب مني بعد، وهو يقول: أخبرنا، فكأنه استحل ذلك بأن سمع شعيباً يقول لقوم ارووه عني" (١).
فهذه الرواية تفيد أن أهل حمص كلموا شعيباً في أن يأذن لهم أن يرووا عنه كتبه في مجلسين، وحضور أبي اليمان كان في المجلس الثاني، حيث أذن لهم، وليس هناك مناولة للكتب وإنما أحال على كتبه التي سألوه في المجلس الأول الذي لم يحضره أبو اليمان، لكن لما كانت الكتب معروفة أخذها أبو اليمان من بشر بن شعيب فكان يرويها بالإجازة، وهذه الإجازة ظاهرها أنها في غير معين في حق أبي اليمان، وهذا وجه إنكار الإمام أحمد على أبي اليمان، فإن قوله: واستحل ذلك بشيء عجيب قاله على وجه الإنكار كما قال ابن رجب (٢).
الثالثة: قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت القاسم بن أبي صالح يقول: سمعت إبراهيم بن الحسين ـ وهو ابن ديزيل ـ يقول: "سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع يقول: قال لي أحمد بن حنبل كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه عليّ، وبعضه أجازه لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله: أخبرنا شعيب" (٣).
стр. 473
فهذه الرواية تفيد أن الإمام أحمد شافه أبا اليمان بالسؤال عن كيفية سماعه لكتب شعيب، فذكر أنه سماع، وعرض، وإجازة، ومناولة. ويؤيدها ما رواه أبو زرعة الدمشقي قال: "أخبرني الحكم بن نافع قال: كان شعيب بن أبي حمزة عسراً في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة قال: هذه كتبي قد صححتها فمن أراد أن يأخذها فليأخذها، ومن أراد أن يعرض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فليسمعها فقد سمعها مني" (١).
وهذه الرواية تقضي على بقية الروايات لأنها من صاحب القصة، وغيرها أخذها الإمام أحمد بواسطة عن صاحب القصة، ثم إنها في الظاهر هي المتأخرة بدليل أنه لا يستقيم من الإمام أحمد سؤاله لأبي اليمان عن كيفية سماعه من شعيب إلا وقد تقدم منه عدم علمه بذلك، وقد كان يقول لا يدري هل كان أبو اليمان حاضراً في مجلس إجازة شعيب أم لا؟ كما في الرواية الأولى فناسب أن تتأخر هذه ـ أي الثالثة ـ عنها. وكذلك ما ورد عنه في الرواية الثانية من إنكاره لأبي اليمان قوله: أخبرنا فيما تحمله من شعيب بإجازة مع عدم حضور الكتب المجازة، وكونه ما أخذ الكتب إلا من بشر بن شعيب، إنما جاء ذلك قَبل مشافهته أبا اليمان بالسؤال عن كيفية سماعه من شعيب أيضاً.
فاتضح أن إنكار الإمام أحمد حين أنكر على أبي اليمان موجه إلى روايته عن شعيب بالإجازة التي لم يصحبها إحضار الكتاب المجاز، ثم تبين له بعدُ أن أبا اليمان قد كان بعض تحمله من شعيب سماعاً، وبعضه عرضاً إلخ كما تقدم.
وأما الحافظ ابن رجب فأجاب بأن حديث شعيب كان معروفاً عندهم، وأذن لهم في روايته عنه، فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته، وحديث أبي اليمان عن
стр. 474
شعيب متفق على تخريجه في الصحيحين (١)، فظاهر ما ذهب إليه ابن رجب أن أبا اليمان لم يسمع من شعيب، كأنه لم يعتبر ما رواه ابن ديزيل عن أحمد من أن أبا اليمان قد سمع بعض حديث شعيب منه سماعاً وبعضه عرضاً، ويؤيد كونه سمع منه تصريح أبي اليمان بالتحديث في بعض ما يرويه عن شعيب (٢).
من روى عن شيخه مكاتبة:
والمكاتبة من أقسام التحمل، وهي أن يكتب الشيخ حديثه بخطه أو يأذن لمن يثق به بكتبه ويرسله بعد تحريره إلى الطالب أو يكتب له ذلك وهو حاضر، وقد تكون مقرونة بالإجازة وقد تكون مجردة عنها، وأما الأولى فتشبه المناولة المقرونة بالإجازة ـ أي لا يتقدمها من صفات التحمل إلا السماع والعرض، وأما الثانية فقد أجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين والقول بالجواز هو المشهور عند أهل الحديث (٣). وهذه الصفة في التحمل يدخلها الخلل من الجهة التي يدخل على سائر صفات التحمل ما عدا السماع والعرض، وهو كثرة وقوع التصحيف بها، لأن الكتب كانت في الأولى غير منقوطة ولا مشكولة. ثم هي وإن قيل فيها إنها تشبة المناولة إلا أنها دونها في الحقيقة لأن اليقين غير حاصل في المكتابة بكون الكتاب كتاب المحدث، فقد يكون الخط غير خط المحدث ولا خط من كتبه بحضرته، لأن الخطوط تتشابه، فكلما قوي اليقين بكون الخط خطَ المحدث قوي اعتمادها، وكلما ضعُف هذا اليقين ضعُف الاعتماد. ومن ثم اشترط لصحة الرواية بها معرفة المكتوب إليه أن هذا كتاب فلان بمعرفة خط الكاتب تحقيقاً أو
стр. 475
على الظن الراجح (١).
وقد روى الإمام أحمد بالمكاتبة خارج المسند (٢)، أما في المسند فلم أقف عليه واحتج أصحاب أحمد لصحة الرواية بها بأن أبا مسهر وأبا توبة كتبا إليه بأحاديث وحدث بها (٣). وقد أشار إلى بعض الرواة بأن سماعهم من شيوخهم بالمكاتبة من غير سماع، وجعل هذا سبب وقوع المنكرات في مرويات بعض هؤلاء.
وممن ذكر الإمام أحمد أنه روى عن شيخه بالمكاتبة بلا سماع:
١. يزيد بن أبي حبيب عن الزهري:
قال عبد الله: قال أبي: ولم يسمع يزيد بن أبي حبيب من الزهري، إنما كتب إليه بكتاب، وكان يقول: كَتَب إليّ الزهري (٤). وقال أحمد أيضاً: يزيد بن أبي حبيب عن الزهري كتاب، إلا ما سمى بينه وبين الزهري (٥) أي إلا ما رواه عنه بواسطة.
وقد روى الإمام أحمد في المسند من حديث يزيد بن أبي حبيب عن الزهري، وهو حديث كعب بن مالك "أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يُسافر، لا يسافر إلا يوم الخميس" (٦)، وقد تابعه يونس عن الزهري (٧). ولم أقف على غيره.
وقد أخرج مسلم ليزيد بن أبي حبيب من حديثه عن الزهري، ولم يخرج له البخاري (٨).
стр. 476
ولم أقف عن الإمام أحمد أنه نسب يزيد بن أبي حبيب إلى رواية المناكير عن الزهري، فأثر تنصيص الإمام أحمد أنه روى عن الزهري مكاتبة يظهر عند الاختلاف بينه وبين سائر أصحاب الزهري، فرواية من روى عنه سماعاً أو عرضاً مقدمة على روايته (١).
٢. محمد بن كثير المصيصي (٢) عن معمر:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: "قال أبي: محمد بن كثير لم يكن عندي ثقة، بلغنى أنه قيل له: كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلي إنسان من اليمن" (٣).
وقال عبد الله: ذكر أبي محمد بن كثير المصيصي، فضعّفه جداًّ وقال: سمع من معمر ثم بعث إلى اليمن فأخذها فرواها، وضعف حديثه عن معمر جداًّ، وقال: هو منكر الحديث أو قال: يروى أشياء منكرة" (٤).
وأنكر الإمام البخاري له حديثاً وقال: "وكان أحمد بن حنبل يحمل على
стр. 477
محمد بن كثير، ويقول: كتب إلى اليمن حتى حُمل إليه كتاب معمر فرواه" (١).
وعن أحمد أيضاً: "ليس بشيء، يحدث بأحاديث مناكير ليس لها أصل" (٢).
فهذه الروايات عن أحمد تدل على أن المصيصي سمع من معمر، ثم اعتمد في الرواية عنه ما بعث إليه من حديث معمر مكاتبة، فالنظر فيمن كتب له كُتب معمر، وهل صُححت بعد نقلها، وهل الذي حملها إليه ثقة يعتمد عليه في عدم العبث بها بالزيادة أو التغيير؟ وحيث إنه ليس له من الحفظ ما يجعله يميز صحيح حديث معمر فقد وقعت له مناكير وروايات لا أصل لها من حديث معمر، وذلك بسبب اعتماده على المكاتبة في نقله لحديث معمر مع ضعف اعتمادها في مثل هذه الحالة بسبب عدم معرفة الناقل والواسطة، والله أعلم.
ولم أقف عن الإمام أحمد على إعلال لحديث رواه المصيصي عن معمر.
من روى عن شيخه بالوصية:
والرواية بها غير جائزة لأنها ليست بتحديث لا إجمالاً ولا تفصيلاً، ولا تتضمن الإعلام لا صريحاً ولا كناية (٣)، إلا أن يروي بها على سبيل الوِجادة ـ يقول وجدت بخط فلان ـ أو يكون تقدمت من العالم إجازة لمن صارت الكتب له بالوصية (٤). ومن الرواة الذين ذكر الإمام أحمد أنهم رووا عن بعض شيوخهم بالوصية:
стр. 478
عبد العزيز بن أبي حازم فيما رواه عن سليمان بن بلال:
وصفه الإمام أحمد بالفقه وقال: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ولم يكن يعرف بطلب الحديث إلا كتب أبيه فإنهم يقولون إنه سمعها (١)، وقال عنه: أرجو أنه لا بأس به، وقيل له: هو أحب إليك أو الدراوردي؟ فقال: لا، بل هو أحب إليّ، ولكن الدراوردي أعرف منه. ا. هـ (٢).
أما ما يتعلق بروايته بالوصية فقال أبو داود: قال أحمد: "له بلية أخرى ـ يعني ابن أبي حازم ـ لم يكن بكثير الحديث، فلما مات سليمان بن بلال أوصى إليه فدفعت كتبه إليه، فأخرج أحاديث كثيرة للناس" (٣). وقال في رواية أبي طالب: يقال إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد روى عن أقوام لم يكن يعرف أنه سمع منهم. ا. هـ (٤).
وقال العقيلي عن الأثرم: "قال سمعت أبا عبد الله يُسأل عن عبد العزيز ابن أبي حازم فقيل: كيف هو؟ قال: أما روايته فيرون أنه سمع من أبيه، وأما هذه الكتب التي عن غير أبيه فيقولون: إن كتب سليمان بن بلال صارت إليه. قلت: وكان يُدلّسها؟ قال: ما أدري أخبرك" (٥).
فتلخص من هذه الروايات أن عبد العزيز بن أبي حازم إنما عرف بالسماع من أبيه، أما غير أبيه فلم يكن يعرف بالسماع منه لأنه لم يكن معروفاً بطلب الحديث، فلما أخذ يحدث عن شيوخ لم يكن معروفاً بالسماع منهم، وكان سليمان بن بلال قد
стр. 479
أوصى إليه كتبه دلّ ذلك على أنه روى عنهم من تلك الكتب الموصاة له، والرواية بالوصية غير صحيحة، فمن هذا الوجه وصف الإمام أحمد أمره بأنه بلية. لكن مستند الإمام فيما ذكره عن ابن أبي حازم هو بلاغ، ولذلك أجاب بلا أدري لسؤال الأثرم: هل كان ابن أبي حازم يروي تلك الأحاديث على سبيل التدليس؟
والسماع الذي نفاه الإمام أحمد قد أثبته غيره، والمثبت مقدّم على النافي. فروى ابن أبي خيثمة: "قيل لمصعب الزبيري: ابن أبي حازم ضعيف إلا في حديث أبيه؟ فقال: أو قد قالوها؟ أما هو فسمع مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى إليه بكتبه، فكانت عنده فقد بال عليها الفأر، فذهب بعضها فكان يقرأ ما استبان له ويدَع ما لا يعرف منها، أما حديث أبيه فكان يحفظه" (١). فهذا مصعب الزبيري وهو بلدي ابن أبي حازم يثبت أن ابن أبي حازم سمع مع سليمان بن بلال من المشايخ، فحديثه عنهم بعد موت سليمان بن بلال مما سمع معه من هؤلاء الشيوخ لكن حفظه من كتب سليمان، فروايته لهذه الكتب ليست رواية لما لم يسمع، وحالته كحالة أيوب مع كتب أبي قلابة، فإنه أوصى بها له فجيئ بها إليه فسأل ابن سيرين: هل يرويها؟ قال له نعم، ثم قال بعد ذلك: لا آمرك ولا أنهاك (٢) قال الخطيب: إن أيوب كان قد سمع تلك الكتب غير أنه لم يحفظها فلذلك استفتى محمد بن سيرين عن التحديث منها. ا. هـ (٣).
وقد احتج الجماعة برواية ابن أبي حازم عن غير أبيه كما قال ابن حجر (٤).
стр. 480
من روى عن شيخه بالوجادة:
وهو رواية الراوي ما وجده من كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه ولم يلقه هو أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده، ولا له منه إجازة ولا نحوها. قال ابن الصلاح: وهو من باب المنقطع والمرسل غير أنه أخذ شوباً من الاتصال بقوله وجدت بخط فلان. ا. هـ (١). فالرواية بها يدخلها ما يدخل المنقطعات من الآفة، ثم قد يكون ما وجده في كتاب الشيخ بخطه ليس هو من حديثه، وإنما ذوكر به ولو أخذ منه سماعاً لتبين له هل هو من حديثه أم لا؟ وقد أنكر يحيى بن معين مرة على علي بن عاصم حديثاً، وقال: ليس هذا من حديثك، إنما ذوكرت به فوقع في قلبك فظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس هو من حديثك (٢). وقال وكيع: لا ينظر الرجل في كتاب لم يسمعه، لا يأمن أن يعلق قلبه منه (٣)، أي فيظنه من حديثه.
وقد أعلّ الإمام أحمد حديثاً رواه راوٍ ثقة وعلته كونه أخذه الراوي من كتاب شيخه بلا سماع.
قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة؟ فقال: كتبوه من كتاب معاذ ولم يسمعوه منه. قلت: ههنا إنسان يزعم أنه قد سمعه من معاذ، فأنكر ذلك. قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغير وجهُه ونفض يدَه، وقال: كذب وزور، سبحان الله ما سمعوه منه! إنما قال فلان: كتبناه من كتابه، ولم يسمعه، سبحان الله واستعظم ذلك منه" (٤).
стр. 481
هذا الحديث رواه الطبراني (١) من طريق المعمري، والرامهرمزي (٢) من طريق سليمان بن أيوب الكحال، كلاهما عن إبراهيم بن عرعرة ثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى. وهو حديث غريب من حديث قتادة.
وقد أعله الإمام أحمد بأن الذين رووا الحديث عن معاذ بن هشام رووه وجادة من كتاب معاذ بن هشام، ولم يسمعوه، ومن هذا الوجه دخلته النكارة، واعتُرض على هذا الإعلال بأن إبراهيم بن عرعرة قد رواه عن معاذ سماعاً، كما صرّح بالتحديث في رواية الطبراني والرامهرمزي، فلم يقبل الإمام أحمد هذا الاعتراض لأن غير ابن عرعرة قد خالفه وقال: كتبناه من كتاب معاذ أي من غير سماع، ولم يسم هذا الغير ولم أقف على من رواه عن معاذ على الوجه الذي ذكره الإمام أحمد.
وقد مال علي بن المديني إلى نحو هذا الإعلال قال: "روى قتادة حديثاً غريباً لا يحفظ عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ وهو حاضر، لم أسمعه منه عن قتادة. وقال لي معاذ: هاته حتى أقرأه، قلت: دعه اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى. قال: وما رأيت أحداً واطأه عليه. قال علي بن المديني: هكذا هو في الكتاب" (٣).
فذكر أنه نسخه من كتاب معاذ وهو حاضر، ولم يسمعه، وأشار إلى غرابته، ولعل ابن المديني لم يحرص على سماعه من معاذ لأن معاذاً نفسه إنما رواه
стр. 482
عن أبيه وجادة، فإنه يقول: وجدت في كتاب أبي، ولم يذكر سماعاً.
وقد اعترض الخطيب على إنكار عدم سماع ابن عرعرة لهذا الحديث من معاذ قال: وما الذي يمنع أن يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا الحديث من معاذ مع سماعه منه غيره؟ (١). ووافقه الذهبي وقال: صدق أبو بكر، وإبراهيم من كبار طلبة الحديث المعنيين به (٢).
ويندفع هذا الاعتراض ويتأيد ما ذهب إليه الإمام أحمد بأن البيهقي قد روى عن المعمري ـ أحد من روى الحديث عن ابن عرعرة ـ من غير طريق الطبراني، فقال فيه: ثنا ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتاباً، وقال: سمعته من أبي ولم يقرأه قال: فكان فيه عن قتادة … فذكره (٣). فظهر أن ابن عرعرة لم يسمع الحديث من معاذ، وإنما أخذه من كتابه كما قال الإمام أحمد، فاستقام وجه إعلاله للحديث، والله أعلم.
وقد روي مثلُ متنِ الحديث من مرسل طاووس، رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة (٤)، وذكره البيهقي أنه في جامع الثوري عن ابن طاووس به مرسلاً أيضاً (٥). وقد رواه الطبراني من طريق عمر بن رياح، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: [كان رسول الله ﷺ يزور البيت كل ليلة من ليالي منى، ثم يطوف ويصلي ركعتين لطوافه، ويرجع إلى منى قبل أن يدركه الصبح] (٦).
стр. 483
وعمر بن رياح قال فيه الفلاس دجال، وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاووس بالبواطيل ما لا يتابعه أحد عليه (١). فالصحيح أنه مرسل.
ومثال آخر ما تقدم عن الإمام أحمد فيما رواه عنه أبو زرعة الدمشقي:
قال أبو زرعة: قلت له ـ يعني أحمد بن حنبل ـ: فحديث عطاء بن يسار، عن ميمونة ـ حدثت به أبا عبد الله ـ أعني في المسح أيضاً؟ قال: ذاك من كتاب. قلت لأبي عبد الله: أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاث ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر، وقال لي أبو عبد الله أحمد بن حنبل: حديث خُزيمة بن ثابت مما لعله أن يدل على ـ يعني حجة لهم، قوله: ولو استزدته لزادني" (٢).
وحديث عطاء بن يسار رواه أبو بكر الحنفي، عن عمر بن إسحاق بن يسار
ـ أخي محمد بن إسحاق بن يسار ـ قال: قرأت كتاباً لعطاء بن يسار مع عطاء بن يسار قال: سألت ميمونة زوج النبي ﷺ عن المسح، قالت: قلت: يا رسول الله! كل ساعة يمسح الإنسان على الخُفين ولا يخلعهما؟ قال: "نعم". أخرجه الدارقطني (٣).
وهذا الحديث لم يقبله الإمام أحمد لأنه من كتاب، أي هو وجادة، وإن كان قرئ بحضرة صاحب الكتاب، لكن ليس فيه أنه أجازه له، فقد يكون أصل الحديث أخذه مذاكرة فلم ير أن يجيز للحاضرين روايته. ففي صنيع الإمام أحمد هذا رد لما رواه الراوي بطريق الوجادة، وهو الشاهد.
стр. 484
وممن تكلم في حديثه عن شيخه بأنه كتاب بلا سماع:
١. الحكم بن عُتيبة عن مِقسم:
جعله الإمام أحمد أثبت الناس في إبراهيم (١)، وفي سماعه من مِقسم مولى ابن عباس كلام. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: "الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث ثم ذكرها. قال عبد الله: فما روى غير هذا؟ قال: الله أعلم، يقولون كتاب، أرى حجاجاً روي عنه عن مقسم عن ابن عباس نحواً من خمسين حديثاً" (٢).
وقال أبو داود: "ثنا أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: لم يسمع الحكمُ حديثَ مِقسم في الحجامة في الصيام ـ يعني حديث شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" (٣). قلت لأحمد: رواية الحكم عن مِقسم عمّن أخذه؟ قال: يقولون عن كتاب" (٤).
وقال عبد الله: "حدثني أبي قال: سمعت يحيى قال: قال شعبة: لم يسمع
стр. 485
الحكم حديث مِقسم في الحجامة في الصيام عن مِقسم" (١).
فهذا الحديث رواه الحكم عن مِقسم من كتاب، ولم يسمعه منه. وله عنه غير هذا الحديث كلها أخذها من كتاب ما عدا الأربعة التي ذكرها شعبة (٢)، وقد تقدم عن الإمام أحمد أن حجاج بن أرطاة روى عن الحكم عن مقسم نحواً من خمسين حديثاً، وخرّج عدداً منها أحمد في المسند (٣) من طريق حجاج ومن طريق غيره عن الحكم.
ومع رواية الحكم لها وجادة فقد قدمه الإمام أحمد على يزيد بن أبي زياد في مِقسم لثقته وإتقانه.
قال أبو داود: "قلت لأحمد: يزيد ـ يعني ابن أبي زياد أحب إليك عن مِقسم أو الحكم؟ قال: الحكم في كل شيء. قلت لأحمد: ذكرتَ أن الحكم في
стр. 486
مقسم أحب إليك منه ـ يعني من يزيد، والحكم سمع من مِقسم أحاديث؟ قال: أربعةً سمع منه. قلت: فكيف تختار الحكم عليه؟ فقال: الحكم لا يُقاس إليه، يزيد يختلف عنه جداًّ" (١).
ولعل وجه تقديم الإمام أحمد للحكم على يزيد بن أبي زياد في مقسم مع كون روايته عنه كتاب وليست بسماع أن معظم أحاديث الحكم عن مِقسم لها أصل عن ابن عباس أو غيره، وما ذلك إلا لثقته وإمامته.
ولم يخرج الشيخان شيئاً من حديث الحكم بن عتيبة عن مقسم (٢).
٢. أبو الأحوص سلاّم بن سُليم الحنفي عن أبي إسحاق السبيعي:
وأبو الأحوص وثقه الإمام أحمد، قال عبد الله: كان أبي إذا رضي عن إنسان وكان عنده ثقة حدّث عنه وهو حي، فحدثنا عن أبي الأحوص وهو حي. ا. هـ (٣). وربما قال: هو أثبت من عبد الرحمن بن مهدي في حديث شعبة (٤).
وذكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: وروى ـ أي محمد بن معاوية المكي ـ عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﷺ : "بدأ الإسلام غريباً" فتبسّم كالمتعجب، ثم قال: إنما هذا زعموا أن حفصاً رواه عن الأعمش، عن أبي إسحاق، وأرى الأعمش أخطأ فيه، وأبو الأحوص إنما هو كتاب عن أبي إسحاق، من أين يحتمل مثل هذا؟ " (٥).
هذا الحديث رواه حفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن
стр. 487
أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الجشمي، عن عبد الله بن مسعود. أخرجه الترمذي (١)، وابن ماجه (٢)، وأحمد (٣)، وابن أبي شيبة (٤)، والدارمي (٥)، وأبو يعلى (٦)، والبزار (٧)، والطبراني (٨) وغيرهم من طرق عن حفص به، ولفظه: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء"، قيل ومن الغرباء؟ قال "النزاع من القبائل".
وقال أحمد في رواية حنبل إن هذا الحديث منكر (٩)، ولم يبين وجه النكارة. والرواية المسوقة هنا عن الأثرم وضحت ذلك حيث قال: "وأُرى الأعمش أخطأ فيه"، فجعل الخطأ من الأعمش، وذلك أنه تفرد به من بين أصحاب أبي إسحاق، وليس من المعروفين بكثرة الرواية عنه، وقد قال ابن المديني: الأعمش يضطرب في حديث أبي إسحاق (١٠).
وإنما جعل الإمام أحمد الخطأ من الأعمش ولم يجعله من حفص بن غياث، لأن حفصاً قد توبع عن الأعمش: تابعه أبو خالد الأحمر (١١)، ويوسف بن خالد على ما ذكره البزار. قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي إسحاق، عن
стр. 488
أبي الأحوص مسنداً إلا الأعمش، ورواه عن الأعمش أبو خالد ويوسف بن خالد وغيرهما. ا. هـ (١).
وأما رواية أبي الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحاق فهي متابعة للأعمش، لكن أعلها الإمام أحمد بأن رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق إنما هي كتاب، فدل على أن التحمل من كتاب بدون سماع قد يعتبر علة عند الإمام أحمد. وهذا الإعلال إنما يستقيم على فرض صحة الرواية عن أبي الأحوص، فإن الراوي عنه ـ وهو محمد بن معاوية النيسابوري المكي سئل الإمام أحمد عنه فقال: "نعم الرجل يحيى بن يحيى"، يُورِّي ولا يريد التصريح بالطعن. وعن الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذُكر محمد بن معاوية النيسابوري فقال: رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة. ا. هـ (٢).
والشاهد أن الإمام أحمد نص على أن رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق إنما هي كتاب، وأن هذه قضية يمكن أن تعلّ بها الروايات التي جاءت من هذا الطريق. ولم أر هذا لغير الإمام أحمد، بل في صحيح البخاري تصريح أبي الأحوص بالتحديث من أبي إسحاق (٣).
وقد أخرج الشيخان حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق كما رمز لذلك المزي (٤).
٣. عمرو بن شعيب عن أبيه:
وقال عبد الملك بن عبد الحميد: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: عمرو
стр. 489
ابن شعيب له أشياء مناكير، إنما نكتب من حديثه نعتبره، فأما أن يكون حجة فلا" (١).
وقال البخاري: "رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه" (٢).
وقال أبو داود: "سمعت أحمد قال: ما أعلم أحداً ترك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قلت لأحمد: يُحتج بحديث عمرو بن شعيب ما كان عن غير أبيه؟ قال: لا أدري" (٣).
فنفى الإمام أحمد الاحتجاج به، ثم نقل عنه ما يفيد الاحتجاج به، وهذا يدل على تردده فيه، وقد جاء هذا التردد صريحاً في رواية الأثرم:
قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن عمرو بن شعيب فقال: أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه، ومالك يروي عن رجل عنه" (٤). فالتردد في الاحتجاج به واضح، وفي هذه الرواية تقوية الإمام أحمد لعمرو بن شعيب بدليل رواية مالك عن رجل عنه، وهو من قرائن تقوية الرواة عنده (٥).
وقال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له عمرو بن شعيب فقال: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه" (٦).
стр. 490
قال الذهبي معلقاً على هذه الرواية: هذا محمول على أنهم يترددون في الاحتجاج به، لا أنهم يفعلون ذلك على التشهي. ا. هـ (١).
وأما ما يتعلق بسماعه من أبيه فروي عن الإمام أحمد روايتين:
أولاهما: قال أبو داود: "قلت لأحمد: عمرو بن شعيب عن أبيه، يقال كتاب؟ قال: نعم" (٢). فهذه تفيد أن روايته عن أبيه وجادة.
الثانية: قال محمد بن علي الجوزجاني الورّاق: "قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئاً؟ قال: يقول: حدثني أبي. قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أُراه سمع منه" (٣). فهذه تفيد أنه قد سمع من أبيه، ولكنها لا تنفي أن بعض حديثه عن أبيه وجادة. فيجمع بين الروايتين بأن حديثه عن أبيه بعضه سماع وبعضه وِجادة، فحيث صرّح بالتحديث فهو مما سمع، وحيث روى بـ "عن" احتمل أن يكون من الصحيفة (٤).
وهذا الجمع هو ما ذهب إليه أبو زرعة الرازي حيث قال: "روى عنه الثقات مثل أيوب السخيتاني، وأبي حازم، والزهري، والحكم بن عتيبة، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده وقال: إنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وقال: ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير الذي كذا يروى عن عمرو بن شعيب إنما هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة والضعفاء" (٥).
стр. 491
وقد ذهب جمع من الحفاظ إلى أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه وجادة، منهم: ابن معين في رواية عباس عنه قال: إذا حدّث ـ أي عمرو بن شعيب ـ عن أبيه عن جده فهو كتاب، ويقول أبي عن جدي فمن هنا جاء ضعفه أو نحو هذا القول فإذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو عن سليمان بن يسار، أو عن عروة فهو ثقة عن هؤلاء أو قريب من هذا الكلام (١). لكن روى عنه ابن أبي خيثمة أنه أثبت له السماع بدليل حديث رواه أيوب عنه (٢).
ومنهم علي بن المديني: قال ابن أبي شيبة: وسألت علياً عن عمرو بن شعيب، فقال: ما روى عنه أيوب، وابن جريج فذلك كله صحيح، وما روى عمرو، عن أبيه، عن جده فذلك كتاب وجده، فهو ضعيف (٣).
ومع كون روايته عن أبيه وجادة إلا أنهم ذكروا أن كتابه صحيح، وهو كتاب عبد الله بن عمرو بن العاص المسمي الصحيفة الصادقة (٤)، فقد روى الساجي عن ابن معين: "عمرو بن شعيب ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه، عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل، وجَد شعيب كتب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالاً، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها" (٥). وما نفاه من سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قد أثبته الإمام أحمد في رواية محمد بن علي الجوزجاني حيث
стр. 492
قال: أُراه سمع منه. وقد جاءت أحاديث ووقائع صريحة في أن شعيب قد سمع جده عبد الله، ذكرها الذهبي (١)، وابن حجر (٢). لكن الخلاف قائم في هل سمع منه جميع ما روى عنه أم سمع بعضه والباقي صحيفة، والوجه الثاثي هو الذي أظهره ابن حجر (٣).
وممن ذكر أن كتابه صحيح علي بن المديني. قال ابن حجر: فإذا ثبت أن كتبه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة وهو أحد وجوه التحمل والله أعلم. ا. هـ (٤).
ومع صحة كتبه واعتبار تحمله وجادة صحيحة فقد انحط حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده لدى الحفاظ عن ربتة مطلق الاحتجاج من أجل الوجادة، لأن الرواية بالوجادة بلا سماع يدخلها التصحيف فإن الصحف في ذلك العصر لم تكن مشكولة ولا منقوطة، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال، وقد تكون المناكير التي أشار إليها الإمام أحمد في حديثه راجعة إلى هذا أيضاً، والله أعلم.
ولم أقف على حديث لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أعله الإمام أحمد من أجل الوجادة، كما لم أقف على شيء من مناكيره التي أشار إليها.
مخرمة بن بكير عن أبيه:
قال أبو طالب: "سألته ـ يعني أحمد بن حنبل ـ عن مخرمة بن بكير بن عبد الله ابن الأشج، قال: هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئاً، إنما روى من كتاب أبيه" (٥).
стр. 493
فروايته عن أبيه وِجادة، أو على أرفع الأحوال وصية. ولم أقف على حديث له عن أبيه أعله الإمام أحمد بأن سماعه من أبيه وجادة (١).
إذا كان الشيخ يحدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه:
الأصل في المحدث إذا رام أداء شيء مما تحمله بالسماع أو القراءة أو غيرهما أن يروي من أصله الذي تحمل منه أو من الفرع المقابَل المقابَلَة المتقَنَة (٢)، وأما إذا حدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه فقد اختلفوا، فروي عن أيوب أن جرير بن حازم كان يقرأ عليه كتاباً لأبي قلابة، والنسخة ليست نسخة أيوب بل هي لجرير، وكان أيوب يقول: فيه ما أحفظه وفيه ما لا أحفظه؛ ولما أخذ اللصوص كتب محمد بن بكر البرساني نسخ كتب محمد بن عمرو بن جبلة، وكذلك روي عن ابن جريج والإسماعيلي جوازه (٣). وذكر الخطيب أن عامة أصحاب الحديث يمنعون من ذلك وإن كان كتاب الغير أصلاً لشيخه لكن ليس فيه سماعه، أو كان نسخة تسكن نفسه إلى صحتها. وذهب الخطيب إلى جوازه إذا
стр. 494
عرف الراوي أن الأحاديث التي تضمنتها النسخة هي التي سمعها من الشيخ وسكنت نفسه إلى صحة النقل بها وسلامتها من دخول الوهم فيها (١).
أما الإمام أحمد فقد رُوي عنه أنه قال: ينبغي للناس أن يتقوا هذا (٢).
وقد أنكر على بعض الرواة تحديثهم من كتب غيرهم، من ذلك ما ذكره المروذي: "سمعت أبا عبد الله قال: ما بالكوفة مثل هنّاد بن السّري، وهو شيخهم، فقيل له: هو يحدث من كتب وراّقه. فحعل يسترجع ثم قال: إن كان هكذا لم يُكتب عن هنّاد شيء" (٣).
وكذلك أنكر على عبد العزيز الدراوردي تحديثه من كتب الناس:
قال أبو طالب: "سُئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي فقال: كان معروفاً بالطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهِم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلَب حديث عبد الله العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر" (٤). ويظهر أن هذا الذي وقع منه من قلب حديث عبيد الله العمري منشأه تحديثَه من كتب غيره، فإن تصحيف عبد الله بعبيد الله سهل، فهذا من الآثار السيئة للتحديث من كتب الغير.
وكذلك ترك حفص بن سليمان الأسدي المقرئ، لأنه كان يستعير كتب الناس فينسخها. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حفص بن سليمان ـ يعني أبا عمرو القارئ ـ متروك الحديث (٥). وروى حنبل مثل ذلك عنه (٦). ويظهر أن دليل تركه
стр. 495
لحديثه هو ما رواه عن يحيى بن سعيد أن شعبة أخبره قال: أخذ مني حفص ين سليمان كتاباً فلم يرده، قال: وكان يأخذ كتب الناس فينسخها (١).
تتمة:
قد يكون الراوي موصوفاً بسوء الأخذ عن مشايخه لكن لعدم وجود المناكير في أحاديثه لا يؤثر ذلك في حديثه ولا في ضبطه فلا تعل مروياته بسبب طريقته في التحمل، وموقف الإمام أحمد من عبد الله بن وهب ومن حديثه يعتبر نموذجاً لهذا الأمر، فقد كان عبد الله بن وهب موصوفاً بسوء الأخذ، يدل على ذلك عدة أمور، منها:
١. أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم، فمن أجل ذلك تركه الإمام أحمد ولم يكتب عنه. وهذا النوع من التساهل في التحمل يجعل رواية المتصف به غير مقبولة (٢). قال عبد الله: "قال أبي: ورأيت عبد الله بن وهب بمكة رأيته رجلاً خفيفَ اللحية، قال أبي: فذكرتُ أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم فتركته. قال أبي: وبلغني أنه كان لا يدخل في مصنفه من ذاك العرض شيئاً قال أبي: ثم كتبت بعدُ عن رجل عنه" (٣).
وقد روى الحميدي مثل هذا في طريقة أخذ ابن وهب عن جرير بن حازم الرازي فقال الحميدي: "رأيت ابن وهب عند جرير الرازي وجرير يحتبي نائم مثقل، وابن وهب نائم مثقل، وكاتبه الأصبغ بن فرج يقرأ على جرير ويمر مر السهم في القراءة وجرير نائم وابن وهب نائم" (٤).