← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقد ذهب جمع من الحفاظ إلى أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه وجادة، منهم: ابن معين في رواية عباس عنه قال: إذا حدّث ـ أي عمرو بن شعيب ـ عن أبيه عن جده فهو كتاب، ويقول أبي عن جدي فمن هنا جاء ضعفه أو نحو هذا القول فإذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو عن سليمان بن يسار، أو عن عروة فهو ثقة عن هؤلاء أو قريب من هذا الكلام (١). لكن روى عنه ابن أبي خيثمة أنه أثبت له السماع بدليل حديث رواه أيوب عنه (٢). ومنهم علي بن المديني: قال ابن أبي شيبة: وسألت علياً عن عمرو بن شعيب، فقال: ما روى عنه أيوب، وابن جريج فذلك كله صحيح، وما روى عمرو، عن أبيه، عن جده فذلك كتاب وجده، فهو ضعيف (٣). ومع كون روايته عن أبيه وجادة إلا أنهم ذكروا أن كتابه صحيح، وهو كتاب عبد الله بن عمرو بن العاص المسمي الصحيفة الصادقة (٤)، فقد روى الساجي عن ابن معين: "عمرو بن شعيب ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه، عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل، وجَد شعيب كتب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالاً، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها" (٥). وما نفاه من سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قد أثبته الإمام أحمد في رواية محمد بن علي الجوزجاني حيث

стр. 492

قال: أُراه سمع منه. وقد جاءت أحاديث ووقائع صريحة في أن شعيب قد سمع جده عبد الله، ذكرها الذهبي (١)، وابن حجر (٢). لكن الخلاف قائم في هل سمع منه جميع ما روى عنه أم سمع بعضه والباقي صحيفة، والوجه الثاثي هو الذي أظهره ابن حجر (٣). وممن ذكر أن كتابه صحيح علي بن المديني. قال ابن حجر: فإذا ثبت أن كتبه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة وهو أحد وجوه التحمل والله أعلم. ا. هـ (٤). ومع صحة كتبه واعتبار تحمله وجادة صحيحة فقد انحط حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده لدى الحفاظ عن ربتة مطلق الاحتجاج من أجل الوجادة، لأن الرواية بالوجادة بلا سماع يدخلها التصحيف فإن الصحف في ذلك العصر لم تكن مشكولة ولا منقوطة، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال، وقد تكون المناكير التي أشار إليها الإمام أحمد في حديثه راجعة إلى هذا أيضاً، والله أعلم. ولم أقف على حديث لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أعله الإمام أحمد من أجل الوجادة، كما لم أقف على شيء من مناكيره التي أشار إليها. مخرمة بن بكير عن أبيه: قال أبو طالب: "سألته ـ يعني أحمد بن حنبل ـ عن مخرمة بن بكير بن عبد الله ابن الأشج، قال: هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئاً، إنما روى من كتاب أبيه" (٥).

стр. 493

فروايته عن أبيه وِجادة، أو على أرفع الأحوال وصية. ولم أقف على حديث له عن أبيه أعله الإمام أحمد بأن سماعه من أبيه وجادة (١). إذا كان الشيخ يحدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه: الأصل في المحدث إذا رام أداء شيء مما تحمله بالسماع أو القراءة أو غيرهما أن يروي من أصله الذي تحمل منه أو من الفرع المقابَل المقابَلَة المتقَنَة (٢)، وأما إذا حدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه فقد اختلفوا، فروي عن أيوب أن جرير بن حازم كان يقرأ عليه كتاباً لأبي قلابة، والنسخة ليست نسخة أيوب بل هي لجرير، وكان أيوب يقول: فيه ما أحفظه وفيه ما لا أحفظه؛ ولما أخذ اللصوص كتب محمد بن بكر البرساني نسخ كتب محمد بن عمرو بن جبلة، وكذلك روي عن ابن جريج والإسماعيلي جوازه (٣). وذكر الخطيب أن عامة أصحاب الحديث يمنعون من ذلك وإن كان كتاب الغير أصلاً لشيخه لكن ليس فيه سماعه، أو كان نسخة تسكن نفسه إلى صحتها. وذهب الخطيب إلى جوازه إذا

стр. 494

عرف الراوي أن الأحاديث التي تضمنتها النسخة هي التي سمعها من الشيخ وسكنت نفسه إلى صحة النقل بها وسلامتها من دخول الوهم فيها (١). أما الإمام أحمد فقد رُوي عنه أنه قال: ينبغي للناس أن يتقوا هذا (٢). وقد أنكر على بعض الرواة تحديثهم من كتب غيرهم، من ذلك ما ذكره المروذي: "سمعت أبا عبد الله قال: ما بالكوفة مثل هنّاد بن السّري، وهو شيخهم، فقيل له: هو يحدث من كتب وراّقه. فحعل يسترجع ثم قال: إن كان هكذا لم يُكتب عن هنّاد شيء" (٣). وكذلك أنكر على عبد العزيز الدراوردي تحديثه من كتب الناس: قال أبو طالب: "سُئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي فقال: كان معروفاً بالطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهِم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلَب حديث عبد الله العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر" (٤). ويظهر أن هذا الذي وقع منه من قلب حديث عبيد الله العمري منشأه تحديثَه من كتب غيره، فإن تصحيف عبد الله بعبيد الله سهل، فهذا من الآثار السيئة للتحديث من كتب الغير. وكذلك ترك حفص بن سليمان الأسدي المقرئ، لأنه كان يستعير كتب الناس فينسخها. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حفص بن سليمان ـ يعني أبا عمرو القارئ ـ متروك الحديث (٥). وروى حنبل مثل ذلك عنه (٦). ويظهر أن دليل تركه

стр. 495

لحديثه هو ما رواه عن يحيى بن سعيد أن شعبة أخبره قال: أخذ مني حفص ين سليمان كتاباً فلم يرده، قال: وكان يأخذ كتب الناس فينسخها (١). تتمة: قد يكون الراوي موصوفاً بسوء الأخذ عن مشايخه لكن لعدم وجود المناكير في أحاديثه لا يؤثر ذلك في حديثه ولا في ضبطه فلا تعل مروياته بسبب طريقته في التحمل، وموقف الإمام أحمد من عبد الله بن وهب ومن حديثه يعتبر نموذجاً لهذا الأمر، فقد كان عبد الله بن وهب موصوفاً بسوء الأخذ، يدل على ذلك عدة أمور، منها: ١. أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم، فمن أجل ذلك تركه الإمام أحمد ولم يكتب عنه. وهذا النوع من التساهل في التحمل يجعل رواية المتصف به غير مقبولة (٢). قال عبد الله: "قال أبي: ورأيت عبد الله بن وهب بمكة رأيته رجلاً خفيفَ اللحية، قال أبي: فذكرتُ أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم فتركته. قال أبي: وبلغني أنه كان لا يدخل في مصنفه من ذاك العرض شيئاً قال أبي: ثم كتبت بعدُ عن رجل عنه" (٣). وقد روى الحميدي مثل هذا في طريقة أخذ ابن وهب عن جرير بن حازم الرازي فقال الحميدي: "رأيت ابن وهب عند جرير الرازي وجرير يحتبي نائم مثقل، وابن وهب نائم مثقل، وكاتبه الأصبغ بن فرج يقرأ على جرير ويمر مر السهم في القراءة وجرير نائم وابن وهب نائم" (٤).

стр. 496

٢. أنه كان يروي بالإجازة بدون إحضار الكتاب المجاز وبدون اطلاع المجيز على المجاز. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: بلغني أن ابن وهب جاء إلى ابن عيينة فقال: يا أبا محمد! ما عرض عليك ابن أختي أول من أمس هو لي سماع" (١). ومثله للمروذي: قال أحمد: "وأخبرني بعض أصحابنا أنه رأى ابن وهب عند ابن عيينة فقال له: الكتب التي عرضها عليك ابن أخي أرويها عنك؟ " (٢). والذي أخبر الإمام أحمد هو يحيى بن معين، فقد ذكر أنه حضر القصة (٣)، وذكر ابن أبي يحيى أنه سمع رجلاً يقول ليحيى بن معين: إن أحمد حدث عنك أنك رأيت ابن عيينة أتاه ابن وهب بكتب فقال: أحدث بها عنك؟ فقال برأسه أي نعم ولم يتكلم. وفي رواية: قال له: يا أبا محمد الذي عرض عليك أمس فلان أجزها لي قال: نعم. وفي رواية أخرى أن ابن معين قال: يا شيخ هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه. ا. هـ (٤). ٣. أنه كان يأخذ الكتاب مما لم يسمعه، قاله المروذي عن أحمد (٥). وهذه إذا كان هناك إذن بالرواية فهي إجازة وإلا فهي وجادة. فهذه الروايات عن أحمد وغيره تدل على نماذج من طريقة ابن وهب في التحمل والتي عيبت عليه، والتساهل واضح في مثل هذا التحمل، وهذا الذي أدّى الإمام أحمد إلى عدم الرواية عن ابن وهب، ثم لما تبين له أمره واستقامة حديثه، وأنه في هذا التساهل كان ماشياً على مذهب أهل بلده في تجويزهم قول:

стр. 497

ثنا من غير صحة السماع (١) روى عن رجل عنه. وقال أحمد في رواية أبي طالب الفضل بن زياد: "عبد الله بن وهب صحيح الكتب عن مشايخه الذين روى عنهم، يفصل السماع من العرض، ما أصح حديثه وأثبته! قيل له: أليس كان يسيء الأخذ؟ قال: كان سيءَ الأخذ الحق، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحاً" (٢). فهذا يدل على أن طريقته في التحمل لم تؤثر في حديثه حيث لم توجد مناكير عنه، ولعل ذلك راجع إلى كونه لم يُدخل في مصنفه من العرض السيئ شيئاً كما ذكره أحمد بلاغاً، قال عبد الله: "قال أبي: وبلغني أنه كان لا يدخل في مصنفه من ذاك العرض شيئاً" (٣). وأيضاً كان يقول فيما لم يسمعه: قال حيوة، قال فلان (٤)، فيميزه من السماع. وفي هذا المعنى يقول الحافظ الذهبي في ترجمة ابن وهب: "وقد تمَعقَل بعضُ الأئمة على ابن وهب في أخذه للحديث، وأنه كان يترخص في الأخذ، وسواء ترخص ورأى ذلك سائغاً، أو تشدّد، فمن يروي مئة ألف حديث ويَندُر المنكرُ في سعة ما روى فإليه المتنهى في الإتقان" (٥). وذلك أن أبا زرعة قال: نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر فلا أعلم أني رأيت حديثاً له لا أصل له (٦). وقال ابن عدي: لا أعلم له حديثاً منكراً إذا حدث عنه ثقة من الثقات (٧).

стр. 498

المبحث الخامس: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه لكتابه . المطلب الأول: أهمية حفظ الكتاب وتقديمه على حفظ الصدر عند الإمام أحمد . حرص رواة الحديث على كتابة مروياتهم وعولوا على تدوينها في الصحف خشية ضياعها ونسيانها خاصة بعد أن انتشرت الروايات وطالت الأسانيد، وكثرت أسماء الرجال وكناهم وأنسابهم، واختلفت ألفاظ الروايات، فاشتدت حاجتهم إلى تقييد هذه الأمور لصعوبة حفظها على القلوب (١)، فشاعت لديهم الكتابة، وشجعوا تلاميذهم على تقييد المرويات وتدوينها، وحثوهم على ضبط ما دونوه وتحقيقه بما يُؤمَن معه اللبس وحثوها على صيانته من أن يدخله تغيير، كل هذا عناية بالسنن والآثار وحرصاً على حفظها من الضياع أو التبديل. ولحفظ المرويات في الكتاب أهمية أخرى، وهي أنه يتمكن معه صاحبه من معاهدة محفوظه بمطالعة الكتاب والنظر فيه، كما يمنعه من الوقوع في الوهم والغلط عند التحديث إذا كان يحدث منه ويعتمده وقت التحديث. ولهذا الاعتبار كان من منهج الإمام أحمد تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر، سواء في حالة التحمل أو الأداء، فالرواة الذين يضبطون مسموعاتهم في الكتاب وقت التحمل مقدمون عنده على الذين يعتمدون على حفظ صدورهم. قال محمد بن مسلم بن وارة: "قلت لأحمد بن حنبل: أبو الوليد أحب إليك في شعبة أو أبو النضر؟ قال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة فأبو الوليد" (٢). فلم يقدم الإمام أحمد أبا الوليد على أبي النضر إلا بشريطة أن يكون ممن يكتب عند شعبة

стр. 499

مع أنه قد قال في أبي الوليد: إنه أتقن حديث شعبة (١)، لأن أبا النضر كان قد كتب عن شعبة إملاءً كما قال الإمام أحمد (٢)، فلا يتقدم عليه أبو الوليد مع مزيد إتقانه إلا إذا كان يضبط ما تحمله عن شعبة في كتاب كما كان يفعله أبو النضر، فحيث استويا في الوصفين يحق لأبي الوليد التقدم لما له من مزيد الإتقان، وأما حيث كانت المسئلة الإتقان في مقابل حفظ الكتاب فلا يحق في هذه الحالة تقديم الإتقان على حفظ الكتاب. وقال حنبل: قال أبو عبد الله: "إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فعبد الرحمن أثبت، لأنه أقرب عهد بالكتاب" (٣). فكلٌ من وكيع وعبد الرحمن من الحفاظ المتقنين، بل إن وكيعاً أحفظ من عبد الرحمن عند الإمام أحمد، فقد قال في وكيع: ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع (٤)، لكنه قدم عليه عبد الرحمن بن مهدي لأنه كان يتعاهد كتابه، لأنه صاحب كتاب. ووجه تقديم الإمام أحمد لحفظ الكتاب على حفظ الصدر أن صاحب الكتاب أسلم من الوقوع في الغلط والوهم من الذي يعتمد على حفظه مهما بلغ في الحفظ. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله يقول: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئاً قليلاً، وربما وهم في الشيء" (٥)، فكأنه يجعل علة وهمه اعتماده على الحفظ وكونه لم يكتب من حديثه إلا شيئاً قليلاً. وكان يرُجع سبب أوهام بعض الرواة إلى كونهم لم يكونون يكتبون عند

стр. 500

التحمل، وإنما كانوا يحفظون. قال الميموني: سئل أحمد عن الحكم بن عطية فقال: لا أعلم إلا خيراً، فقال له رجل: حدثني فلان عنه، عن ثابت، عن أنس قال: [كان مهر أم سلمة متاعاً قيمته عشرة دراهم] (١)، فأقبل أبو عبد الله يتعجب، وقال: هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونُسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهمّ فيه (٢). وقد ذكر الأثرم هذا الحديث للإمام أحمد فقال: "هؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت، وإنما يريد الحديث الذي رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، فقلت له: نعم، وسليمان أيضاً يرويه، فقال: نعم، ولكن حماد بن سلمة أحسن له حديثاً، قلت: وأسنده حماد ولم يسنده سليمان. قال: نعم" (٣). ولم أقف على حديث ابن عمر بن أبي سلمة الذي أشار إليه أحمد. فهذا الراوي أخطأ في هذا الحديث، وروى حديثاً آخر عن ثابت أنكره الإمام

стр. 501

أحمد أيضاً (١)، وذكر أن سبب وقوع هذه المنكرات في رواياته كونه يعتمد على الحفظ ولم يكن يكتب. وهناك وجه آخر لتقديمه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر، وهو كون صاحب الكتاب يأتي بالحديث أتم، ولا يقع منه الخلل الذي يقع ممن يكون تحمل من شيوخه حفظاً ويضطر آحياناً إلى حفظ المعنى دون اللفظ أو عدم ذكر الإخبار في موضعه، وإن كان صاحب الكتاب دونه في الحفظ. قال عبد الله: "كان أبي يتبع حديث قطبة بن عبد العزيز (٢)، وسليمان بن قرم (٣)، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه (٤) وقال: هؤلاء قوم ثقات، وهم أتم حديثاً من سفيان وشعبة، هم أصحاب كتب، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم" (٥). وكان الإمام أحمد يقدم من كان يعتمد على كتابه وقت التحديث على من كان يحدث حفظاً، ولم يكن يُحمد فعل من كان يحدث من غير كتاب، والأفضل أن يكون المحدث أصله بيده أو بيد ثقة ضابط وقت التحديث وإن كان حافظاً لما

стр. 502

يحدث به، وكان الإمام أحمد قد وصّى يحيى بن معين عندما طلب منه الوصية: "لا تحدّث المسند إلا من كتاب" (١). ومن النصوص المنقولة عنه في هذا المعنى ما رواه الفضل بن زياد قال: قال أحمد بن حنبل: "ما كان أقلَّ سقطاً من ابن المبارك، كان رجلاً يحدّث من كتابه، ومن حدّث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كثير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (٢). وقال الميموني للإمام أحمد: قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل، قال: "إذاً يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث، وقال: حدثونا قوم من حفظهم، وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن" (٣). ولم يُحمد الإمام أحمد على أمية بن خالد الأزدي تحديثه من غير كتاب. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أمية بن خالد فلم يُحمده في الحديث، وقال: إنما كان يُحدث من حفظه، لا يخرج كتاباً" (٤). وإذا روى الراوي الثقة عن شيخه ما يخالف ما في كتاب الشيخ فالمرجح عند الإمام أحمد هو ما ثبت في كتاب الشيخ، وهذا وجه آخر لتقديمه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر. قال عبد الله: قرأت على أبي: عبدة بن سليمان الكلابي قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر قال: [عدة الأمة إذا طُلّقت حيضتان، فإن كانت لا تحيض فشهر ونصف]، قرأت على أبي: عبدة قال: حدثنا سعيد، عن

стр. 503

قتادة، عن الحسن، عن علي مثله. سمعت أبي يقول: هذا خطأ، إنما هو سعيد، عن حبيب، عن عطاء، عن عمر، وحبيب، عن الحسن عن علي، في الكتب كذا هو يعني كتب سعيد بن أبي عروبة (١). روى عبدة هذا الأثر عن ابن عمر، وعن علي، كلاهما من طريق سعيد ابن أبي عروبة، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٢)، عن عبدة، عن سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر به. فحكم الإمام أحمد بخطأ عبدة لأن أثر ابن عمر هو في كتب سعيد بن أبي عروبة عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن عمر، وليس هو عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر؛ وأثر علي هو عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي، وليس هو عن قتادة، عن الحسن، عن علي كما رواه عبدة في الموضعين. وقد تابع سعيداً أبو إسحاق الشيباني في رواية أثر علي، فرواه الشيباني عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي: رواه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عنه (٣). وخطّأ الإمام أحمد رواية عبدة بن سليمان عن سعيد مع أن سماع عبدة من سعيد كان جيداً وقبل اختلاط سعيد (٤) لمخالفته لما في كتب سعيد بن أبي عروبة، مما يدل على ترجيحه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر. وقد كان الإمام أحمد ينكر دفن الكتب وكان يرى عدم جدواها، قال ﵀: "لا أعلم لدفن الكتب معنى" (٥). ومع تقديم الإمام أحمد لحفظ الكتاب على حفظ الصدر، فقد كان يعل بعض

стр. 504

أحاديث الرواة أصحاب الكتب إذا وجد ما يخل بضبطهم لكتابهم، فمن ذلك: ١. أن يكون الكتاب غير منقوط ولا مشكول. ٢. أن يوقف على لحق في الكتاب. ٣. أن يترك الراوي كتابه عند الأداء ويحدث من حفظه. ٤. أن يسافر الراوي إلى بلد آخر ولا يصطحب معه كتبه فيحدث في ذلك البلد من حفظه. فهذه الأمور يأتي بحثها في المطالب الآتية.

стр. 505

المطلب الثاني: من كانت كتبه غير منقوطة ولا مشكولة . إن من تمام ضبط الراوي لكتابه عنايته بضبط ما كتبه شكلاً ونقطاً وبخاصة في الملتبس من الألفاظ والأسماء، ويتأكد ذلك في الأسماء بالذات لأنها لا تستدرك بالقياس ولا بالسياق. قال ابن الصلاح: "ثم إن على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلاً ونقطاً، يؤمن معهما الالتباس، وكثيراً ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتيُّقظه، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان مُعرَّض للنسيان، وأول ناسٍ أول الناس، وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله" (١). وصاحب الكتاب الذي لا يعتني بهذا الجانب من الضبط لا يسلم من الوقوع في الأخطاء، وأكثر الأخطاء التي تعقب مثل هذا التفريط هو التصحيف. وقد كان الإمام أحمد يقدّم الرواة أصحاب الشكل والتقييد لكتبهم على غيرهم، ويلحقهم بأهل الضبط والإتقان، كما تكلم في بعض الرواة الذين كانت كتبهم غير منقوطة ولا مشكولة، وكلامه فيهم وإن لم يقتض تضعيفاً لهم أو لمروياتهم إلا أنه جعلهم دون غيرهم من أهل الإتقان، وهذا يقتضي تأخيرهم عند الاختلاف والترجيح. فمن ذلك رفعه لأمر شعيب بن أبي حمزة كما روى أبو زرعة الدمشقي قال: "وأخبرني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب، فرأيت كتباً مضبوطة مقيّدة، ورفع من ذكره، فقلت: فأين هو من يونس بن يزيد؟ قال: فوقه، قلت، فأين هو من عقيل بن خالد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من الزَّبيدي؟ قال: مثله" (٢).

стр. 506

وقال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: نظرت في كتب شعيب، أخرجها إليّ ابنه، فإذا بها من الحسن والصحة والشكل ونحو هذا" (١). وقال أبو زرعة: "حدثني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب بن أبي حمزة كتباً مقيدة مضبوطة، ورفع من ذكره" (٢). فقد جعل الإمام أحمد شعيب بن أبي حمزة مع أهل الإتقان من أصحاب الزهري، وهو محمد بن الوليد الزبيدي، وقدمه على يونس وعقيل، وكلاهما من أهل المعرفة بحديث الزهري، وما ذلك إلا لصحة كتبه وجودتها. ومن أجل صحة كتب شعيب وإتقانها صحح المحققون الرواية عنه بالإجازة. قال الذهبي: "ومن روى شيئاً من العلم بالإجازة عن مثل شعيب بن أبي حمزة في إتقان كتبه وضبطه فذلك حجة عند المحققين، مع اشتراط أن يكون الراوي بالإجازة ثقة ثبتاً أيضاً، فمتى فُقد ضبطُ الكتاب المُجاز وإتقانُه وتحريره، أو إتقان المجيز أو المجاز له، انحط المروي عن رتبة الاحتجاج به، ومتى فقدت الصفات كلُّها لم تصح الرواية عند الجمهور" (٣). بل قال الذهبي رواية كتب شعيب بالوجادة كافٍ في الحجة، لأنها بالغة في الحسن والإتقان والإعراب. وهذا وجه كتابة الإمام أحمد عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة لأحاديث أبيه مع أنه لم يكن عنده بصاحب حديث، ولا كان سماعُه من أبيه بأمر متحقّق عنده، ولكنّه كتب عنه لأن كتُبَ أبيه كانت عنده، وحسن ضبطها وجودتها كافيان في جبر هذا النقص الواقع في صفة تحمّله لها. قال أبو داود: "سألت أحمد عن بشر مرة أخرى فقال: كتبت عنه قدر سبعين حديثاً، لم يكن صاحب حديث، ولكن

стр. 507

كتب أبيه كانت عنده، وسمعت أحمد سئل عن كتب شعيب، هل سمعها بشر من أبيه؟ قال: ما يدريني؟ " (١). وقد أكثر الأمام أحمد أيضاً عن أبي اليمان كما قال لأبي داود أيضاً (٢)، وأبو اليمان اختلف في طريقة تحمّله عن شعيب هل هو بالإجازة أم مناولة. قال المروذي: "قال أبو عبد الله: شعيب بن أبي حمزة كان لا يكاد يحدث، فلما حضرته الوفاة قال: اجمعوا لي فلاناً وفلاناً، فاجتمع بقية، ويقولون أبو اليمان، وقد ذكروا علي بن عياش، فلا أدري كان أم لا؟ فقال: هذه كتبي ارووها عني، فكان أبو اليمان يقول: حدثني شعيب، ولا أدري كان معهم أم لا؟ " (٣). فقد أجاز شعيب الجماعة الحاضرين له في هذه الحادثة، فروايتهم عنه مناولة مقرونة بالإجازة، والإمام أحمد يتوقف في كون أبي اليمان معهم أم لا، ومع ذلك يروي عنه ويكثر من حديثه عن شعيب، وما ذلك إلا لجودة الكتب وإتقانها. وكذلك اعتبر جماعة من محدثي أهل البصرة في درجة أهل التثبت لأن كتبهم كانت منقوطة ومشكولة. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ يقول: "من يُفلت من التصحيف؟ كان يحيى بن سعيد يُشكل الحرف إذا كان شديداً، وغير ذاك لا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل والتقييد: عفان، وبهز، وحبان" (٤). وهؤلاء الثلاثة هم أهل التثبت عند الإمام أحمد. قال حنبل: "سألت أبا عبد الله عن عفان، فقال: عفان، وحبان، وبهز، هؤلاء المتثبِّتون … قلت له:

стр. 508

فإذا اختلفوا في الحديث يرجع إلى من منهم؟ قال: إلى قول عفان، هو في نفسي أكبر، وبهز أيضاً، إلا أن عفان أضبط للأسامي، ثم حبان" (١). وقال في بهز: "بهز بن أسد إليه المنتهى في التثبت" (٢). وقال في حبان أيضاً: "حبّان بن هلال إليه المنتهى في التثبت بالبصرة" (٣). وجعلهم الإمام أحمد من أهل التثبت لصحة كتبهم وحسن تقييدهم لها. وعلى العكس من ذلك لما قيل لأبي عبد الله: "كان أبو الوليد ثبتاً؟ قال: لا، ما كان كتابه منقوطاً ولا مشكولاً، ولكنه في حديث شعبة متقن، وقال مرة: أتقن حديث شعبة" (٤). وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، لم يجعله الإمام أحمد في طبقة أهل التثبت لأن كتبه لم تكن منقوطة ولا مشكولة، إلا في حديث شعبة الذي كان قد أتقنه لقدرته على الحفظ، ومع ذلك لم يقدمه الإمام أحمد في حديثه عن شعبة على أبي النضر الذي كان يكتب عن شعبة إملاء، إلا بشرط أن يكون ممن يكتب عند شعبة كما تقدم (٥)، وقد ثبت أن أبا الوليد لم يكن يكتب عند شعبة؛ شهد بذلك ابن وارة للإمام أحمد قال: "سمعت أبا الوليد يقول: بينا أكتب عند شعبة إذ بصُر بي فقال: وتكتب؟ فوضعت الألواح من يدي وجعلت أنظر إليه". ولعدم تشكيل كتبه وتنقيطه أُثر عن أبي الوليد تصحيف في غير شيء وبخاصة في حديثه عن شيخه أبي عوانة. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هما كثيرا الكتاب عن أبي عوانة: يحيى بن حماد، وهشام بن عبد الملك، إلا أن يحيى بن حماد كان أروى منه. قلت له: هشام كان ثبتاً؟ قال: في حديث شعبة، وقال: هشام

стр. 509

صحّف في شيء من حديث أبي عوانة" (١). وقد حدث أبو الوليد لجماعة فيهم الإمام أحمد فأخطأ أو صحّف، قال أحمد: "فرددنا عليه فرجع إلى ما قلنا له" (٢).

стр. 510

المطلب الثالث: من وُقف على لحق في كتابه . اللَّحَق ـ بفتح الحاء ـ هو تخريج الساقط في الحواشي (١). فإذا كان الإلحاق لما كان معلوماً جاز، كأن يكون في الأصل حديثٌ محفوظ معروف وقد سقط من إسناده رجل جاز أن يلحق بمكانه ويكتب في موضعه، لكن مع كلمة يعني ليشعر بالإلحاق، وعليه حُمل ما رواه الإمام أحمد عن وكيع: أنا أستعين على الحديث بـ "يعني" (٢). وكذلك يجوز إلحاق ما درس من كتابه من بعض الإسناد أو المتن من كتاب غيره إذا عرف صحته وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابه، لكن من المحدثين من لا يستجيز ذلك وإن كان ما درس معروفاً ومحفوظاً (٣). فيفهم من هذا أن المستنكر من اللحق هو إلحاق الراوي في أصله ما ليس منه مما لم يكن معروفاً ولا محفوظاً، فإن ذلك ينبئ عن إخلال الراوي بضبطه لكتابه، لأن معنى ضبط الكتاب صيانته لديه منذ سمع منه وصحّحهُ إلى أن يُؤدِّي منه (٤). والذي ورد عن الإمام أحمد من إنكاره اللحق على الراوي وتضعيفه لحديثه من أجله هو من قبيل هذا اللحق المستنكر. قال عبد الله: "سئل عن محمد بن جابر، وأيوب بن جابر فقال: محمد بن جابر يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، يقولون: رأو في كتُبهِ لحقاً، حديثه عن حماد فيه اضطراب" (٥). وقال في رواية

стр. 511

ابن هانئ: "أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق" (١). ويشهد لهذا ما رواه ابن حبان بإسناده عن محمد بن عيسى بن الطباع قال: قال لي أخي إسحاق بن عيسى: "ذاكرتُ محمد بن جابر ذات يوم بحديث شريك، عن أبي إسحاق فرأيتُه في كتابه قد ألحقه بين السطرين كتاباً طرياًّ" (٢). فهذا يدل على أن إلحاقه كان لأحاديث ليست في أصوله ولا هي من حديثه. ولما أنكر الإمام أحمد حديث جرير بن عبد الله البجلي: "تبنى مدينة بين دجلة والدُّجَيل" (٣) قال له ابنه عبد الله: إن لُويناً حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: "كان محمد بن جابر ربما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه ـ يعني الحديث وقال: هذا حديث ليس بصحيح، أو قال: كذب" (٤). والظاهر أن هذا الصنيع يُسقط الراوي، ولعل هذا وجه ترك عبد الرحمن ابن مهدي لمحمد بن جابر، فقد قال الإمام أحمد: كان عبد الرحمن بن مهدي يُحدث عن محمد بن جابر ثم تركه بعدُ (٥). وفي هذا المعنى يقول الخطيب: إسحاق بن الحسن الحربي كتب الناس عنه ثم كرهوه لإلحاقات بين السطور في المراسيل ظاهرة الصنعة لطراوتها. ا. هـ (٦). ومثل هذا في الرد من غُير كتبه ولم يكن له علمٌ بذلك واستمر يحدث منها، فقد قال الإمام أحمد في الوليد بن محمد المُوقَّري (٧): ما أظنه، أي بثقة، ولم أره

стр. 512

يحمده (١). وبليته أنه غُيّر له في كتبه ولم يكن يعلم بذلك فهو يحدث بأحايث مناكير وهو لا يعلم، قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أبا عبد الله سئل عن الوليد بن محمد الموقري فقال: ما أُخبره، إلا أنهم زعموا أن العسكر لما دخل الشام أتاه قوم فأفسدوا حديثه، فهو يروي أحاديث، كأنه يريد مناكير. قلت لأبي عبد الله: المُوقّري يكتب حديثه؟ فقال: ما أدري أخبرك، إلا أنه له أحاديث مناكير وما أخبره" (٢). وقال حنبل بن إسحاق: "سألت أبا عبد الله أحمد عن المُوقري قال: ما رأيت أحداً يحدث عنه، قلت له: كيف حديثه؟ قال: لا أدري. قلت: فهو في بدنه؟ قال: لا أدري، إلا أن رجلاً قدم عليه فغير كتبه وهو لا يعلم فمن ذلك" (٣). وقال عبد الله: قلت لأبي: المُوقري يجيء عنه ـ يعني عن الزهري ـ بعجائب؟ قال: ليس ذاك بشيء. ا. هـ (٤).

стр. 513

المبحث السادس: من لا يحدّث من كتابه فيَهِم في حديثه . مما يخل بضبط الراوي لكتابه أن يدع الكتاب عند الأداء ويحدث من حفظه، وتوضيح ذلك أن الراوي عند الأداء إما أن يملي أو يحدث من حفظ أو من كتاب، أو يقرأ عليه غيرُه من حفظ أو من كتاب وهو يسمع، سواء كان حافظاً أم لا إذا كان كتابه بيده أو بيد ثقة عنده، والأرجح أن يحدث من كتاب ولا يتكل على حفظه لأن الحفظ خوّان (١)، ولذلك قال الخطيب: "الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط ويكون جديراً بالبعد من الزلل" (٢). وقال علي بن المديني: "عهدي بأصحابنا وأحفظهم أحمد بن حنبل، فلما احتاج أن يحدث لا يكاد يحدث إلا من كتاب" وقال ابن المديني أيضاً: "قال لي سيدي أحمد: لا تحدثني إلا من كتاب" (٣). وقد حدث بعض المحدثين وهم أصحاب كتب، واتكلوا على حفظهم ولم يراجعوا كتبهم فوقعوا في أوهام، ودخل الخلل في بعض مروياتهم وضُعفت بسبب ذلك تلك المرويات. وقد كشف الإمام أحمد عن هذا الجنس من الرواة وذكر بعض الأحاديث التي وهموا فيها بسبب روايتهم لها من حفظهم دون كتابهم، فمنهم: ١. إبراهيم بن سعد الزهري أبو إسحاق المدني: أحد الأعلام، وثقه أحمد في عدة روايات (٤)، وأنكر على يحيى بن سعيد

стр. 514

القطان تضعيفه له (١). لكن قال مهناّ عن أحمد: إبراهيم إنما كان يخطئ إذا حدّث من حفظه، فأما كتبه فكانت صحيحة (٢). وذكر ابن رجب عن أحمد أنه قال: كان يحدث من حفظه فيخطئ، وفي كتابه الصواب (٣). وقد أنكر عليه الإمام أحمد بعض الأحاديث وجعل سبب خطئه فيها روايته لها من حفظه دون كتابه. وفيما يلي ذكرها: ما أعله الإمام أحمد من حديثه: ١. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس عن النبي ﷺ قال: "الأئمة من قُريش" قال: ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصلٌ (٤). هذا الحديث رواه ثلاثة من الرواة عن إبراهيم بن سعد، وهم: ١. أبو داود الطيالسي، وهو في مسنده (٥)، ومن طريقه البزار (٦)، وأبو نعيم (٧). ٢. الحسنُ بن إسماعيل، رواه من طريقه أبو يعلى (٨)، وعنه الضياء المقدسي (٩). ٣. عمرو بن مرزوق، رواه من طريقه البيهقي (١٠).

стр. 515

وقد رواه البخاري تعليقاً (١) عن إبراهيم بن سعد. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد من حديث إبراهيم بن سعد، ونفى أن يكون له أصل من حديثه، واستدل لذلك بعدم وجوده في كتب إبراهيم، مما يدل على أنه ما حدث به إلا من حفظه، ومن هذا الوجه دخل الخطأ عليه، لأنه كان يحدث من حفظه فيخطئ، فما حدث به ولم يوجد له أصل في كتابه يغلب على الظن أنه مما أخطأ فيه، خاصة مع التفرد. وقد أشار البزار إلى تفرد سعد به عن أنس، قال البزار: لا نعلم أسند سعد عن أنس إلا هذا. ا. هـ (٢)، وقال أبو نعيم: لم يروه عن سعد إلا ابنه إبراهيم. ا. هـ (٣). وقد روي الحديث من وجوه أخرى عن أنس وغيره من الصحابة، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في مصنف خاص (٤)، وإنما أنكر الإمام أحمد الحديث من طريق إبراهيم بن سعد، ومعنى هذا أن الطريق لا تصلح للاعتبار بها في المتابعات والشواهد. ٢. قال صالح بن أحمد بن حنبل: حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "إن كان في الأمم محدّثون، فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب، كان يُلهم الشيء من الحق". وقوله: "السكينة تنطق على لسان عمر"، إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وابن عجلان يقول: عن سعد، عن أبي سلمة، عن عائشة فقال: هو في كتابه عن أبيه مرسل، وإنما حدّث به من حفظه، وهو عن عائشة (٥).

стр. 516

هذا الحديث اختلف على إبراهيم بن سعد فيه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة (١)، عن أبي هريرة: رواه من هذا الوجه البخاري عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي (٢)، وعن يحيى ابن قزعة (٣) كلاهما عن إبراهيم بن سعد. وتابعهما: أبو داود الطيالسي (٤)، وسليمان ابن داود الهاشمي عند النسائي (٥)، وفزارة بن عمر عند أحمد (٦)، ومحمد بن عثمان أبو مروان العثماني عند القطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (٧)، ويعقوب ابن حميد عند ابن أبي عاصم في السنة (٨)، وأبو مصعب الزهري عند العقيلي في الضعفاء (٩)، وإبراهيم بن حمزة عند البغوي (١٠)، وعباس بن الفضل البصري، ذكره الدارقطني في العلل (١١)، وعبد الله بن وهب من طريق ابن أخيه أحمد ابن عبد الرحمن بن وهب عنه، وهو عند الطحاوي (١٢)، فكل هؤلاء ـ وعددهم أحد عشر ـ رووه عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ويؤيد هذا الوجه ما رواه زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ذكره البخاري تعليقاً بصيغة الجزم (١٣)، ووصله

стр. 517

الحافظ ابن حجر من طريق أبي بكر الإسماعيلي، وأبي نعيم (١). وقد اختلف على هذا الطريق بالوصل الإرسال أيضاً (٢). الوجه الثاني: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة: رواه الإمام مسلم (٣) من هذا الوجه عن أبي الطاهر أحمد بن أبي سرح، عن عبد الله ابن وهب، عن إبراهيم بن سعد به. وتابعه: يزيد بن عبد الله بن الهاد برواية شعيب ابن الليث بن سعد عن أبيه عنه، عن إبراهيم بن سعد به، الطحاوي (٤)، والحاكم (٥). وتابعه أيضاً الحكم بن أسلَم، ذكره الدراقطني في العلل (٦). ورواه من هذا الوجه أيضاً عبد الله بن زياد بن سمعان، عن إبراهيم بن سعد، وهو عند العقيلي (٧)، لكن ابن سمعان متهم فلا يعتبر بروايته (٨). وفي هذه المتابعات استدراك لما قاله أبو مسعود: لا أعلم أحداً تابع ابن وهب في قوله: عن إبراهيم ابن سعد عن عائشة، والمشهور من رواية إبراهيم بن سعد، عن أبي هريرة. ا. هـ (٩). ويؤيد هذا الوجه ما رواه مسلم (١٠) من طريق محمد بن عجلان، عن سعد بن إبرهيم، عن أبي سلمة عن عائشة. وللحديث أصل من حديث عائشة من

стр. 518

وجه آخر عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة. أخرجه ابن أبي عاصم (١)، والقطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (٢). وفي الإسناد عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو صدوق لكن تغير حفظه لما قدم بغداد (٣)، ولا يضر هذا في الاعتبار به. الوجه الثالث: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلاً: رواه الإمام أحمد (٤) من هذا الوجه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد به. وذكر الدارقطني (٥) أن ابن الهاد، ويعقوب وسعد أبناء إبراهيم، وأبو صالح كاتب الليث وغيرهم رووه عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة قال: بلغني أن رسول الله ﷺ . ا. هـ. ولم أقف على هذه الطرق غير طريق يعقوب ابن إبراهيم بن سعد. وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: ذكر الإمام أحمد أن الحديث في كتاب إبراهيم بن سعد عن أبيه مرسل، وأن تحديثه للحديث عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة إنما كان ذلك من حفظه، وأما الوجه الأول من رواية الحديث ـ وهو إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ـ فلعله داخل أيضاً في الإعلال حيث إنه مخالف لما في كتاب إبراهيم بن سعد، فيكون قد أعل كلا الوجهين ـ الأول والثاني ـ بالإرسال، وصنيعه هذا مثل صنيع الدارقطني حيث استدرك على الشيخين اللذين رويا الحديث ـ البخاري من حديث أبي هريرة، وهو الوجه الأول، ومسلم من حديث عائشة، وهو الوجه الثاني ـ بالرواية المرسلة وقال: المشهور عن

стр. 519

إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلمة مرسلاً. والإمام أحمد تفرد بالإشارة إلى وجه هذه العلة حيث أوضح أن رواية الإرسال هي الثابتة في أصل إبراهيم، وأما رواية الوصل فهي مما حدث به من حفظه. وقد ثبت أن لرواية الوصل أصلاً من حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، ولذلك لم يتردد كل واحد من صاحبا الصحيح من إخراج إحداهما. وكلام الإمام أحمد ليس صريحاً في الإعلال، وإن كان ذكر أن إبراهيم إذا حدث من حفظه فإنه كان يخطئ، أما كتبه فهي صحيحة، فقد يحدث من حفظه ويكون صحيحاً خاصة إذا لم يخالف، وهنا لم يخالف، فقد وافقه على ذكر أبي هريرة زكريا بن أبي زائدة، ووافقه على ذكر عائشة محمد بن عجلان، كما وافقه أيضاً على رواية الإرسال اثنان من أصحاب زكريا بن أبي زائدة كما تقدم، فلعل الحديث كان يحدث به سعد أو أبو سلمة على هذه الأوجه الثلاثة، والله أعلم. ٣. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: شهدتُ إبراهيم بن سعد وذَكر عن الزهري: ﴿الْمَاعُونَ﴾: المال بلسان قريش، قيل له: إنك حدثتنا به عن الزهري، عن سعيد، قال: لا، وأنكره، إنما هو عن الزهري، قال أحمد: رواه عنه غير واحد عن سعيد، قال أحمد: ربما حدّث بالشي من حفظه (١). هذه المسئلة روى عبد الله مثلها قال: "حدثني أبي قال: سمعت إبراهيم ابن سعد يُحدث عن ابن شهاب قال: الماعون بلسان قريش المالُ، فقال له ابنُه سعدٌ: كنتَ حدّثت عن سعيد ـ يعني ابن المسيّب، فأبى وقال: لا، كأنه مِن رأي ابن شهاب. قال أبي: وهو الصواب" (٢). وهذا التفسير رواه ابن جرير الطبري في التفسير (٣) من طريق موسى

стр. 520

ابن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب. وتقدم عن الإمام أحمد أنه قال: رواه عنه غير واحد على هذا الوجه، وأن الصواب في هذا التفسير أنه من رأي الزهري، وهي الرواية التي استقر عليها بأخرة وأنكر غيرها. وقد رواه ابن أبي ذئب عن الزهري، أخرجه ابن أبي شيبة (١)، والطبري (٢) كلاهما من طريق وكيع، عن ابن أبي ذئب عن الزهري. وفي قول الإمام أحمد: إن إبراهيم ربما حدث بالشيء من حفظه، إشارة إلى وجه دخول الخطأ في روايته لهذا التفسير عن سعيد بن المسيب، أي حينما رواه عن الزهري عن ابن المسيب ربما حدث به من حفظه فوقع في الخطأ، وهو وجه إيراد الأثر في هذا المطلب. ولم أر لغير الإمام أحمد الكلام في حفظ إبراهيم بن سعد إذا حدث من حفظه دون كتابه. ٢. عبد الله بن يزيد القرشي، أبو عبد الرحمن المقرئ: أثنى الإمام أحمد على حديثه عن بعض شيوخه، فقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله يقول: كان حديث المقرئ حسناً عن سعيد بن أبي أيوب، وعن حيوة بن شُريح، ولكن كان يحدث من كتب الناس، وكان يحفظ حديث موسى ابن أيوب الغافقي، وحرملة بن عمران، وحبان، وما أصح حديثه عن ابن لهيعة" (٣). لكنه تلكم في حفظه وقال: كان حفظ المقرئ رديئاً وكنت لا أسمع منه إلا من كتاب، رواه ابنه عبد الله عنه (٤).

стр. 521

وذكر الإمام أحمد أثراً رواه من طريقه وعقّب عليه بأنه حدث به من حفظه خلافاً لما في كتابه. قال عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حدثنا حيوة، قال: أخبرني الحجاج بن راشد الصنعاني، أن أبا صالح سعيد ابن عبد الرحمن الغفاري أخبره أن سُليم بن عتر التجيبي كان يقصُّ على الناس وهو قائم. فقال له صلة بن الحارث الغفاري: وهو من أصحاب النبي ﷺ … قال أبي: كان عندنا فيما قرأ علينا أبو عبد الرحمن من كتابه: سليمان بن عتر، فقال من حفظه: سُليم بن عتر (١). هذا الأثر رواه البخاري في ترجمة صلة بن الحارث الغفاري (٢)، والطبراني (٣)، ومن طريقه الضياء المقدسي (٤)، وفيه ذكر تكملة قول صلة بن الحارث: [ما تركنا عهد نبينا ولا قطعنا أرحامنا حتى قمتَ أنت وأصحابك بين أظهرنا]، يشير ﵁ إلى بني أمية، فإن سُليم بن عتر كان قاضياً لأهل مصر في ولاية عمرو بن العاص (٥). وذكر الحافظ ابن حجر أن البغوي، ومحمد بن الربيع الجيزي، وابن السكن رووه أيضاً من طريق سعيد بن عبد الرحمن الغفاري (٦). وسُليم بن عتر من تابعي أهل مصر وقضاتهم، وكان من النساك، وسمع أبا الدرداء، وقد ترجم له الإمام البخاري (٧)، وابن أبي حاتم (٨)،

стр. 522

والعجلي (١)، وابن حبان (٢)، والأمير ابن ماكولا (٣)، والحافظ الذهبي (٤)، ولم يشر أحد منهم إلى أن اسمه سليمان كما ذكر الإمام أحمد أنه هو المثبت في كتاب المقرئ. وقد تابع المقرئ على تسميته سُليماً عددٌ من الرواة المصريين منهم عبد الله بن وهب، ورشدين بن سعد في أثر عند نعيم بن حماد الخزاعي في الفتن (٥)، وكذلك عبد الله ابن المبارك في كتاب الزهد له (٦). فكأن ما حدث به المُقرئ من حفظه هنا أصح مما في كتابه، ولعل هذا وجه عدم تصريح الإمام أحمد بخطأ المقرئ في قوله: سُليم، واكتفى بالإشارة إلى الاختلاف بين ما كان في كتابه وما حدث به من حفظه، والله أعلم. ولم أر لغير الإمام أحمد إشارة إلى هذه العلة في أحاديث أبي عبد الرحمن المقرئ إلا ما ذكره الخليلي أنه ثقة مخرج في الصحيح، وحديثه عن الثقات يحتج به ويتفرد بأحاديث (٧)، والتفرد إذا كثر فهو مظنة لوقوع العلل في حديث الراوي، والله أعلم. ٣. عبد الرزاق بن همام الصنعاني: تقدم في مطلب الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي أن عبد الرزاق، وكان أحد الثقات الأعلام، بعد ذهاب بصره كان يلقن فيتلقن، وأدى ذلك إلى وجود المناكير في مروياته عن طريق من سمع منه في تلك الفترة. وهناك وجه آخر لدخول المناكير في مروياته، وهو تحديثه من حفظه دون كتابه. وليس هناك عن الإمام أحمد التصريح بإطلاق التضعيف فيما حدث به عبد الرزاق من حفظه

стр. 523

دون كتابه، لكن أعل بعض أحاديثه بسبب هذه العلة، ومن تلك الأحاديث: ١. قال أبو داود: سمعتُ أحمد ذكر حديثَ عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي ﷺ رأى على عمر ثوباً جديداً قال: "لبست جديداً … "؟ فقال: كان يحدث به عبد الرزاق من حفظه، فلا أدري هو في كتابه أم لا؟ وجعل أبو عبد الله ينكره. قال أبو عبد الله: وكان حديث أبي الأشهب عنده ـ يعني عبد الرزاق ـ عن سفيان، وكان يغلط فيه يقول: عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب (١). هذا الحديث ذكر الإمام أحمد أن عبد الرزاق رواه بإسنادين، وكلاهما منكران: الأول: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ وهو في منصف عبد الرزاق (٢)، ورواه النسائي (٣)، وابن ماجه (٤)، وأحمد (٥)، وعبد ابن حميد (٦)، والبخاري (٧)، والترمذي (٨)، والبزار (٩)، وأبو يعلى (١٠)، وابن حبان (١١)، والطبراني (١٢)، وابن عبد البر (١٣)، وابن حجر (١٤) من طرق عن عبد الرزاق،

стр. 524

ولفظه كما عند أحمد: رأى النبي ﷺ على عمر ثوباً أبيض فقال: "أجديد ثوبك أم غسيل؟ " فقال: لا أدري ما رد عليه، فقال النبي ﷺ : "الْبَسْ جديداً، وعِشْ حميداً، ومُتْ شهيداً" أظنه قال: "ويرزقك الله قُرّة عينٍ في الدُّنيا والآخرة". وجه إعلال الإمام أحمد لهذا الطريق: أنكر الإمام أحمد الحديث من هذا الطريق، وعلّل ذلك بأن عبد الرزاق حدّث به من حفظه، وأنه لا يدري هل هو في كتابه أم لا؟ والذي يُجزم به أن عبد الرزاق قد حدّث به قبل ذهاب بصره بدليل رواية أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (١) للحديث عنه، وكلاهما ممن سمع منه قبل ذهاب بصره، فعلى هذا لا يكون سبب علة الحديث قبول عبد الرزاق للتّلقين والذي سبق بحثه في الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي، وتعين السبب الذي ذكره الإمام أحمد وهو تحديث عبد الرزاق بالحديث من حفظه دون كتابه، بغض النظر عن كون الحديث في أصل كتابه أو لا (٢). الثاني: عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب. هكذا ذكره الإمام أحمد عن عبد الرزاق، ولم أره لغيره، ورواه حفص بن عمر المهرقاني (٣)، وأبو مسعود الرازي (٤)، وزهير بن محمد المروزي (٥) ثلاثتهم عن

стр. 525

عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر عن النبي ﷺ به. أخرجه الطبراني (١)، وذكره الإمام البخاري تعليقاً عن عبد الرزاق (٢). أما الطريق الذي ذكره الإمام أحمد عن عبد الرزاق، فذكر أنه كان يغلط فيه، ولم يبين وجه الغلط، وأما الطريق الذي رواه الطبراني فقال: وهم فيه عبد الرزاق، وحدث به بعد أن عمي، والصحيح عن معمر، عن الزهري، ولم يحدث به عن عبد الرزاق هكذا إلا هؤلاء الثلاثة. ا. هـ (٣). والصحيح عن الثوري هو ما رواه أبو نعيم، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي الأشهب، أن النبي ﷺ رأى على عمر ثوباً جديداً مرسل. قاله البخاري (٤)، وقال: وهذا أصح بإرساله. ا. هـ (٥)، فإن أبا نعيم مقدم على عبد الرزاق في الثوري (٦)، وقد تابعه ابن سعد، عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به (٧). وجه علة هذا الطريق عند الإمام أحمد: لم يبين الإمام أحمد وجه غلط عبد الرزاق في هذا الحديث ولا وجه دخول الغلط عليه، فأما وجه الغلط فظاهر في مخالفته لأبي نعيم عن الثوري وكذلك لرواية ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، وأما دخول الغلط عليه فذكر الطبراني أنه وهم فيه لأنه حدّث به بعد ما عمي، يعني حين كان يقبل التلقين، والذي يظهر لي أن هذا ليس وجه دخول الخطأ عليه، لأن الإمام أحمد أثبت أن

стр. 526

الحديث عنده عن سفيان، وسماع أحمد من عبد الرزاق كان قبل ذهاب بصره، فليست العلة من أجل قبوله التلقين، وإنما دخل الوهم عليه لأنه كان يضطرب في بعض أحاديثه عن الثوري، وهي التي سمعها بمكة، قال أحمد في رواية الأثرم: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جداً" (١)، فلذلك روي عنه هذا الحديث عن الثوري من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذكره أحمد، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب؛ والثاني ما رواه الطبراني عنه عن الثوري، عن عاصم، عن سالم عن أبيه؛ والثالث: أشار إليه ابن حبان بعد روايته للحديث من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، قال: قال عبد الرزاق: وزاد فيه الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد: "ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة" (٢). فهذا التلون في رواية الحديث الواحد يدل على الاضطراب مما يقوي الظن بأنه من سماع مكة، والله أعلم. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار هذا الحديث على عبد الرزاق من كلا الطريقين عدد من الحفاظ، فيما يلي أقوالهم: قال الإمام البخاري: وكلا الحديثين لا شيء، ورجح أن حديث أبي الأشهب من رواية أبي نعيم عن الثوري هو أصح مع إرساله. قال الإمام أبو حاتم: هذا حديث ليس له أصل من حديث الزهري، ولم يرض عبد الرزاق حتى أتبع هذا بشيء أنكر من هذا فقال: حدثنا الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله، وليس لشيء من هذين أصل … وإنما هو معمر عن الزهري مرسل أن النبي ﷺ (٣).

стр. 527

وقال الإمام النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى بن سعيد القطان على عبد الرزاق، لم يروه عن معمر غير عبد الرزاق … (١). وقال حمزة الكناني: لا أعلم أحداً رواه عن معمر، وما أحسبه بالصحيح (٢). ٢. ومما ذكره الإمام أحمد من الأحاديث التي حدث بها عبد الرزاق من حفظه خارج كتابه فوهم فيها: قال أبو داود: سمعت أحمد قال: حديث عُكافٍ (٣): كان عند عبد الرزاق، عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، قال: قال عبد الرزاق ـ من حفظه ـ قال: ثنا مَكحول، يعني عن سليمان بن موسى قال: ثنا مكحول، فلما أخرج ـ يعني الكتاب ـ لم يكن فيه: "حدثنا" قال: عن مكحول، عن رجل، عن أبي ذر (٤). هذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه، وهو من رواية الدبري عنه (٥)، عن محمد بن راشد: قال سمعت مكحولاً يحدث عن رجل، عن أبي ذر قال: [دخل على رسول الله ﷺ رجلٌ يقال له عكاف بن بشر التميمي فقال له النبي ﷺ : "هل لك من زوجة؟ " قال: لا، قال: "ولا جارية؟ " قال: ولا جارية، قال: "وأنت موسرٌ بخير؟ " قال: وأنا موسر بخير، قال: "أنت إذا من أخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، وشراركم عزّابكم، وأراذل موتاكم

стр. 528

عزّابكم، بالشياطين تتمرسون؟ ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجين، أوليك المطهّرون المبرّؤون من الخَنا، ويحك، ياعكاف! إنهن صواحب أيّوب، وداود، وكُرسف، ويوسف". فقال له بشر بن عطية: ومن كُرسف يا رسول الله؟ قال: "رجل كان يعبد الله من سواحل البحر ثلاث مئة عام، يصوم النهار ويقوم الليل، ثم إنه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من عبادة ربه، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف، تزوج! وإلا أنت من المذبذبين، " قال: زوجني يا رسول الله، قال: "فزوجه كريمة ابنةَ كُلثوم الحميري" (١). فوقع في الإسناد التصريح بالسماع بين محمد بن راشد ومكحول كما ذكر أبو داود في سؤاله هذا للإمام أحمد، وورواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق بالعنعنة بين محمد بن راشد ومكحول (٢). وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن مندة رواه من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق، لكن لم يسق الإسناد حتى تتبين صيغة التحمل فيه، وفيه التصريح بأن الرجل المبهم في الإسناد هو غضيف بن الحارث (٣). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بأن ذكر السماع في الإسناد بين محمد بن راشد ومكحول لم يكن في كتاب عبد الرزاق، وإنما حدث به من حفظه فوهم، ولذلك لما روى الإمام

стр. 529

أحمد الحديث من طريق عبد الرزاق رواه على الوجه كما هو في أصل عبد الرزاق، لأنه كان لا يأخذ عنه إلا ما كان في أصل كتابه، فهذا يمثل ما كان عليه عبد الرزاق من الوقوع في الوهم إذا حدث من حفظه. وهذا الحديث رواه أهل الشام من طرق أخرى، وقال الحافظ ابن حجر عن طرق هذا الحديث: كلها لا تخلو من ضعف واضطراب (١). ٤. عبد العزيز بن محمد الدراوردي: قال أبو طالب: "سئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي؟ فقال: كان معروفاً بالحديث والطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس أوهم، وكان يقرأ على الناس من كتبهم فكان يخطئ، وربما قلب حديث عبد الله العمرى يرويه عن عبيد الله بن عمر، قيل له: لعل قد رواها عبيد الله؟ قال: عبيد الله كان أثبت من ذلك، وإذا قرأ في كتبه كان صحيحاً" (٢). ذكر الإمام أحمد في هذه الرواية صحة حديث الدراوردي إذا روى من كتابه، وأنه معروف بطلب الحديث، وذكر وجهين آخرين يدخل الضعف في حديثه منهما، وهما: تحديثه من كتب الناس، وأن أحاديثه عن عبيد الله بن عمر مقلوبة. وأما يتعلق بما حدّث به الدراوردي من حفظه فقال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر الدراوردي فقال: كتابه أصح من حفظه" (٣). وعن أحمد قال: "كان الدراوردي إذا حدّث من حفظه يهم، ليس هو

стр. 530

بشيء، وإذا حدث من كتابه فنعم" (١). ومما أعله الإمام أحمد من حديث الدراوردي لكونه حدّث به من حفظه وليس في كتابه: قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر حديث الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يُستعذب له الماءَ من بيوت السُّقيا؟ فقال: هذا أُواه ريح، وسمعت أحمد ذكر هذا الحديث فقال: ليس هذا ـ يعني هذا الحديث ـ في كتاب الدراوردي، وكان يحدّثه حفظاً، فقال أحمد: كتابُه أصح من حفظه (٢). هذا الحديث رواه أبو داود (٣)، وابن سعد (٤)، وأحمد (٥)، وإسحاق ابن راهويه (٦)، وعمر بن شبة (٧)، وابن حبان (٨)، وأبو الشيخ (٩)، والحاكم (١٠)، وأبو نعيم (١١)، والبيهقي (١٢)، والخطيب (١٣)، والبغوي (١٤) كلهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.
следующие страницы →