← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الحديث عنده عن سفيان، وسماع أحمد من عبد الرزاق كان قبل ذهاب بصره، فليست العلة من أجل قبوله التلقين، وإنما دخل الوهم عليه لأنه كان يضطرب في بعض أحاديثه عن الثوري، وهي التي سمعها بمكة، قال أحمد في رواية الأثرم: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جداً" (١)، فلذلك روي عنه هذا الحديث عن الثوري من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذكره أحمد، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب؛ والثاني ما رواه الطبراني عنه عن الثوري، عن عاصم، عن سالم عن أبيه؛ والثالث: أشار إليه ابن حبان بعد روايته للحديث من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، قال: قال عبد الرزاق: وزاد فيه الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد: "ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة" (٢). فهذا التلون في رواية الحديث الواحد يدل على الاضطراب مما يقوي الظن بأنه من سماع مكة، والله أعلم. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار هذا الحديث على عبد الرزاق من كلا الطريقين عدد من الحفاظ، فيما يلي أقوالهم: قال الإمام البخاري: وكلا الحديثين لا شيء، ورجح أن حديث أبي الأشهب من رواية أبي نعيم عن الثوري هو أصح مع إرساله. قال الإمام أبو حاتم: هذا حديث ليس له أصل من حديث الزهري، ولم يرض عبد الرزاق حتى أتبع هذا بشيء أنكر من هذا فقال: حدثنا الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله، وليس لشيء من هذين أصل … وإنما هو معمر عن الزهري مرسل أن النبي ﷺ (٣).

стр. 527

وقال الإمام النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى بن سعيد القطان على عبد الرزاق، لم يروه عن معمر غير عبد الرزاق … (١). وقال حمزة الكناني: لا أعلم أحداً رواه عن معمر، وما أحسبه بالصحيح (٢). ٢. ومما ذكره الإمام أحمد من الأحاديث التي حدث بها عبد الرزاق من حفظه خارج كتابه فوهم فيها: قال أبو داود: سمعت أحمد قال: حديث عُكافٍ (٣): كان عند عبد الرزاق، عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، قال: قال عبد الرزاق ـ من حفظه ـ قال: ثنا مَكحول، يعني عن سليمان بن موسى قال: ثنا مكحول، فلما أخرج ـ يعني الكتاب ـ لم يكن فيه: "حدثنا" قال: عن مكحول، عن رجل، عن أبي ذر (٤). هذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه، وهو من رواية الدبري عنه (٥)، عن محمد بن راشد: قال سمعت مكحولاً يحدث عن رجل، عن أبي ذر قال: [دخل على رسول الله ﷺ رجلٌ يقال له عكاف بن بشر التميمي فقال له النبي ﷺ : "هل لك من زوجة؟ " قال: لا، قال: "ولا جارية؟ " قال: ولا جارية، قال: "وأنت موسرٌ بخير؟ " قال: وأنا موسر بخير، قال: "أنت إذا من أخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، وشراركم عزّابكم، وأراذل موتاكم

стр. 528

عزّابكم، بالشياطين تتمرسون؟ ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجين، أوليك المطهّرون المبرّؤون من الخَنا، ويحك، ياعكاف! إنهن صواحب أيّوب، وداود، وكُرسف، ويوسف". فقال له بشر بن عطية: ومن كُرسف يا رسول الله؟ قال: "رجل كان يعبد الله من سواحل البحر ثلاث مئة عام، يصوم النهار ويقوم الليل، ثم إنه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من عبادة ربه، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف، تزوج! وإلا أنت من المذبذبين، " قال: زوجني يا رسول الله، قال: "فزوجه كريمة ابنةَ كُلثوم الحميري" (١). فوقع في الإسناد التصريح بالسماع بين محمد بن راشد ومكحول كما ذكر أبو داود في سؤاله هذا للإمام أحمد، وورواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق بالعنعنة بين محمد بن راشد ومكحول (٢). وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن مندة رواه من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق، لكن لم يسق الإسناد حتى تتبين صيغة التحمل فيه، وفيه التصريح بأن الرجل المبهم في الإسناد هو غضيف بن الحارث (٣). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بأن ذكر السماع في الإسناد بين محمد بن راشد ومكحول لم يكن في كتاب عبد الرزاق، وإنما حدث به من حفظه فوهم، ولذلك لما روى الإمام

стр. 529

أحمد الحديث من طريق عبد الرزاق رواه على الوجه كما هو في أصل عبد الرزاق، لأنه كان لا يأخذ عنه إلا ما كان في أصل كتابه، فهذا يمثل ما كان عليه عبد الرزاق من الوقوع في الوهم إذا حدث من حفظه. وهذا الحديث رواه أهل الشام من طرق أخرى، وقال الحافظ ابن حجر عن طرق هذا الحديث: كلها لا تخلو من ضعف واضطراب (١). ٤. عبد العزيز بن محمد الدراوردي: قال أبو طالب: "سئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي؟ فقال: كان معروفاً بالحديث والطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس أوهم، وكان يقرأ على الناس من كتبهم فكان يخطئ، وربما قلب حديث عبد الله العمرى يرويه عن عبيد الله بن عمر، قيل له: لعل قد رواها عبيد الله؟ قال: عبيد الله كان أثبت من ذلك، وإذا قرأ في كتبه كان صحيحاً" (٢). ذكر الإمام أحمد في هذه الرواية صحة حديث الدراوردي إذا روى من كتابه، وأنه معروف بطلب الحديث، وذكر وجهين آخرين يدخل الضعف في حديثه منهما، وهما: تحديثه من كتب الناس، وأن أحاديثه عن عبيد الله بن عمر مقلوبة. وأما يتعلق بما حدّث به الدراوردي من حفظه فقال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر الدراوردي فقال: كتابه أصح من حفظه" (٣). وعن أحمد قال: "كان الدراوردي إذا حدّث من حفظه يهم، ليس هو

стр. 530

بشيء، وإذا حدث من كتابه فنعم" (١). ومما أعله الإمام أحمد من حديث الدراوردي لكونه حدّث به من حفظه وليس في كتابه: قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر حديث الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يُستعذب له الماءَ من بيوت السُّقيا؟ فقال: هذا أُواه ريح، وسمعت أحمد ذكر هذا الحديث فقال: ليس هذا ـ يعني هذا الحديث ـ في كتاب الدراوردي، وكان يحدّثه حفظاً، فقال أحمد: كتابُه أصح من حفظه (٢). هذا الحديث رواه أبو داود (٣)، وابن سعد (٤)، وأحمد (٥)، وإسحاق ابن راهويه (٦)، وعمر بن شبة (٧)، وابن حبان (٨)، وأبو الشيخ (٩)، والحاكم (١٠)، وأبو نعيم (١١)، والبيهقي (١٢)، والخطيب (١٣)، والبغوي (١٤) كلهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.

стр. 531

وزاد أبو داود في روايته تفسير قتيبة بن سعيد لبيوت السقيا بأنها عين بينها وبين المدينة يومان. وقال غيره إنها بئر بالمدينة (١). وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: أعله الإمام أحمد بقوله: هذا أُراه ريح، وهو إشارة إلى إنكاره للحديث وأنه ليس بشيء عنده، وجعل علة ذلك كون الحديث ليس في كتاب الدراوردي وإنما كان يحدث به من حفظه، وإذا حدث من غير كتابه فإنه ليس بشيء عنده. وقد توبع الدراوردي عن هشام بن عروة: تابعه عامر بن صالح بن عبد الله ابن عروة بن الزبير عند أبي الشيخ (٢)، وابن عدي (٣)، والبيهقي (٤). وعامر بن صالح متروك الحديث (٥)، وقال ابن عدي: هذا الحديث يعرف بعبد العزيز الدراوردي. ا. هـ. وخاصة وقد رماه ابن عدي بسرقة الحديث فلا يعتبر به. وتابعه أيضاً محمد بن المنذر (٦)، عند

стр. 532

البغوي (١)، ومحمد بن المنذر أيضاً لا يصلح للاعتبار. قال عنه الحاكم: يروي عن هشام أحاديث موضوعة (٢)، وقال أبو نعيم: روى عن هشام بن عروة أحاديث منكرة (٣). وقد روى هذا الحديث عن الدراوردي نحو أربعةَ عشرَ راوياً من غير اختلاف فيما بينهم، مما يقوي جانب حفظ الدراوردي للحديث وإن كان حدّث به من حفظه، ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر يجوّد إسناد الحديث (٤). أما الإمام أحمد فلم ير قبول تفرد الدراوردي بهذا الحديث لضعفه بسبب العلة التي ذكرها، وقد ذكر يعقوب الحموي بإسناده عن صالح جزرة عن أحمد أنه قال: "عبد العزيز بن محمد الدراوردي ضعيف الحديث، روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة … " فذكر هذا الحديث (٥). وقد كان يحيى بن معين يذهب إلى مثل ما ذهب إليه الإمام أحمد في الدراوردي، فمع أنه كان يقول فيه: لا بأس به (٦)، فقد قال في رواية أبي خالد الدقاق: الدراوردي ما روى من كتابه فهو أثبت من حفظه (٧)، وأعل الحديث الذي رواه ـ أي الدراوردي ـ عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، "عن أبي هريرة" (٨) أن النبي ﷺ قال لعمّار: "تقتلك فئة باغية"، قال ابن معين: "لم يُوجد في كتاب

стр. 533

الدراوردي، وأخبرني من سمع كتاب العلاء ـ يعني من الدراوردي ـ إنما كانت صحيفة، ليس هذا فيها، وكانت قصة واحدة قال رسول الله ﷺ … ، والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح" (١). ومن الرواة الذين يجزم بأن سماعهم من الدراوردي كان من أصل كتابه الحميدي عبد الله بن الزبير، صاحب ابن عيينة، فقد روى الفضل بن زياد عن الحميدي قال: "قدمت المدينة فبدأت بعبد العزيز بن محمد الدراوردي فجاء في جماعة من أهل المدينة يلومنني يقولون: تركت شيخنا أن تبدأ به وتأتيه. قال: تلومونني فيما فعلت، إنما أتيت الدراوردي لأسلم عليه وأكتب عنه شيئاً، ويكون اعتمادي على ابن أبي حازم إن شاء الله، وبلغ الدراوردي اجتماع من اجتمع إليّ فلما رجعتُ إليه قال: يا قرشي، قد بلغني الذي كان، وقد عزمتُ أن أُخرج إليك كتبي وأصولي لتكتبها وأقرأها عليك. قال: فأخرج إليّ أصوله، وإذا هي كتبٌ صحاح وأحاديث مستقيمة. قال: وقد كان يُؤتى بالأحاديث فتُقرأ عليه، فإن كان في حديثه الذي حملوا عنه خللاً فإنما جاء مما أعلمتكم أنه كان يقرأ من كتبه الناس، وقد كان يذاكر بالحديث مما ليس عنده فيتهاونون به ويقولون: هذا مما لم يكن في كتبه، ويذاكر بالشيء المرفوع فيقولون: هذا في أصل كتابه منقطع" (٢). فيؤخذ من هذا أن ما رواه الحيمدي عن الدراوردي فهو من صحيح حديثه. ٥. عبد الأعلى بن عبد الأعلى السَّامي: قال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: عبد الأعلى السامي؟ قال: ما كان من حفظه ففيه تخليط، وما كان من كتابه فلا بأس به، وكان يحفظ حديث يونس

стр. 534

مثل سورة من القرآن" (١). ولم أقف على حديث أعلّه الإمام أحمد من هذا الوجه يصلح بأن يكون مثالاً لما ذكره ﵀. ولعل تضعيف من ضعف عبد الأعلى نسبياً هو من هذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد، والعلم عند الله. ٦. محمد بن بشر العبدي: قال الإمام أحمد في رواية أبي داود: "محمد بن بشر كان صحيح الكتاب، وربما حدث من حفظه" (٢). فصحح حديثه إذا حدث من كتابه، وقوله: وربما حدث من حفظه، إشارة أن أنه قد يترك التحديث من الكتاب ويحدث من حفظه، وعليه فيحمل ما وقع في حديثه من الأوهام على أنه كان بسبب اعتماده على الحفظ. وقريب من هذا قول عثمان بن أبي شيبة فيه: "محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه" (٣)، فإن مفهومه أنه إذا حدث من حفظه فليس بثقة ثبت. ولا يوجد في كلام الإمام أحمد ولا في كلام عثمان بن أبي شيبة ما يدل على تضعيفه مطلقاً إذا حدث من حفظه، بل الذي يفهم من كلامهما أن هذا الراوي أوثق وأثبت حين يحدث من كتابه. وقد أشار الإمام أحمد إلى حديث حدّث به محمد بن بشر من حفظه خلافاً لما في كتابه، وهو يدل على ما ذكره أحمد عنه: قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: محمد بن بشر كان صحيحَ الكتاب، وربما حدث من حفظه، فذكرت له: أنه حُدّث عنه بحديث علي بن صالح، عن أبي بكر، أعني حديث علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جُحيْفة: قال

стр. 535

أبو بكر: أراك قد شِبتَ يا رسول الله، فقال: "شيّبتْني هودٌ وأخواتُها"؟ فقال: قد كتبُه، يعني: عن ابن بشر، عن علي بن صالح، عن أبي جحيفة، وليس فيه: عن أبي بكر، وهو عندي وهمٌ، إنما هو أبو إسحاق، عن عكرمة (١). هذا الحديث رواه محمد بن بشر من الطريق الذي ذكره أبو داود ـ علي ابن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن أبي بكر ـ واختلف عليه فيه: فرواه شهاب بن عباد (٢)، ومحمد بن المهاجر القاضي (٣)، عن محمد بن بشر، فذكرا فيه: أبا بكر الصديق، ذكر روايتهما الدارقطني بإسناده في العلل (٤). ورواه الإمام أحمد من كتابه كما قال في رواية أبي داود هذه، وكذلك حميد ابن الربيع عند الدارقطني في العلل (٥)؛ ومحمد بن عبد الله بن نمير عند أبي يعلى (٦)، والطبراني (٧)، والدارقطني (٨)، وأبي نعيم (٩)، فلم يتجاوزا به أبا جحيفة ولم يذكروا أبا بكر الصديق. وذكر الإمام أحمد أنه كتب الحديث على هذا الوجه عن محمد بن بشر، فدل على أنه لما حدث به على الوجه الآخر حدّث به من حفظه

стр. 536

فأخطأ فزاد في الإسناد. وذكر الإمام أحمد أن الحديث من رواية أبي جحيفة وهم، وأن الصواب: عن أبي إسحاق، عن عكرمة مرسلاً. ٧. همام بن يحيى العَوْذي: وثقه الإمام أحمد مطلقاً، فقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: همام ثبت في كل المشايخ (١). وسأله الأثرم: أي شيء تقول في همام؟ فقال: كان عبد الرحمن بن مهدي يرضاه (٢). وكان يحيى بن سعيد القطان يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام نظروا في كتبه فوجدوه يوافق هماماً في كثير مما كان يحيى ينكره، فكف يحيى بعدُ عنه. قاله عمر بن شبة (٣). لكن أشار الإمام أحمد إلى أن هماماً كان يخطئ إذا حدّث من حفظه، وأما إذا كان قريبَ عهدٍ بكتابه فقلما كان يخطئ. وكان في آخر أمره يقرب عهده بالكتاب، فسماع من سمع منه بأخرة أجود من غيره. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: قال عفان حدثنا يوماً همام، قال: فقلت له: إن يزيد بن زريع حدثنا عن سعيد عن قتادة ذكر خلاف ذلك الحديث، قال: فذهب فنظر في الكتاب، ثم جاء فقال: يا عفان، ألا تراني أخطئ وأنا لا أعلم. قال عفان: وكان همام إذا حدثنا بقرب عهده بالكتاب فقل ما كان يخطئ. قال أبي: ومن سمع من همام بآخره فهو أجود، لأن هماماً كان في آخر عمره أصابته

стр. 537

زمانة (١) فكان يقرب عهده بالكتاب، فقل ما كان يخطئ" (٢). وذكر في رواية أبي داود بعض من سمع منه بأخرة. قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: همام يضبط ضبطاً جيداً. سمعت أحمد يقول سماع من سمع من همام بآخرة هو أصح، وذلك أنه أصابته مثل الزمانة فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان، وحبان، وبهز أجود من سماع عبد الرحمن، لأنه كان يحدثهم يعني لعبد الرحمن ـ أي أيامهم ـ من حفظٍ. سمعت أحمد قال: قال عفان: ثنا همام يوماً بحديث، فقيل له فيه، فدخل فنظر في كتابه فقال: ألا أراني أخطئ وأنا لا أدري، فكان بعد يتعاهد كتابه" (٣). وقد أخرج الجماعة لهمام من حديث عفان وحبان بن هلال عنه، وأخرج له مسلم فقط دون البخاري من حديث عبد الرحمن بن مهدي عنه (٤). وقد وافق الإمام أحمد على مثل هذا التفصيل في حديث همام بعض الحفاظ، فقال يزيد بن زريع: همام حفظه ردئ وكتابه صالح (٥). وسئل أبو حاتم عن همام وأبان العطار من يقدم منهما؟ قال: همام أحب إليّ ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط (٦). فأشارا إلى أنه إذا حدث من كتابه فهو أوثق منه إذا حدث من حفظه.

стр. 538

٨. أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي: قدّمه الإمام أحمد إذا حدّث من كتابه على جرير الرازي (١). وقال الفضل بن زياد: "سئل ـ يعني أحمد بن حنبل ـ أبو عوانة أثبت أو شريك؟ فقال: إذا حدّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدّث من غير كتابه ربما وهِم" (٢). وقال أيضاً: "أبو عوانة كتابه صحيح … وفي جميع حاله أصح حديثاً عندنا من هشيم، إلا أنه بأخرة كان يقرأ من كتب الناس فيقرأ الخطأ، فأما إذا كان من كتابه فهو ثبت" (٣). وهذا أيضاً ليس فيه تضعيف لأبي عوانة فيما حدّث به من حفظه، إنما يدل على أن ما حدث به من كتابه أصح مما حدث به من حفظه. مثال لما حدث به أبو عوانة من حفظه فأخطأ فيه: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديثُ أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجِذ. رواه أبو عوانة ـ يعني عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجذ، عن عليٍّ أنه قيل له: [بما ورِثت ابنَ عمِّك؟] قال أبو عبد الله: وهذا مما أخطأ فيه، وقال لنا موسى بن إسماعيل: هكذا حدثنا به أبو عوانة من حفظه، وأخطأ فيه، وحدثنا به من كتابه، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ميسرة الكندي، عن علي (٤).

стр. 539

هذا الحديث رواه النسائي (١)، وأحمد (٢)، وابن جرير (٣)، والمقدسي (٤)، والمزي (٥) كلاهما من طريق أحمد كلهم من طريق عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، أن رجلاً قال لعلي: يا أمير المؤمنين لم ورثتَ ابنَ عمك دون عمِّك، قال: [جمع رسول الله ﷺ أو قال: دعا رسول الله ﷺ بني عبد المطلب فصنع لهم مداًّ من طعام، قال: فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمسّ، ثم دعا بغُمَرٍ فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يُمسّ أولم يُشرب، فقال: "يا بني عبد المطلب! إني بُعِثتُ إليكم بخاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما قد رأيتم، فأيُّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي"، فلم يَقُم إليه أحدٌ، فقمتُ إليه وكنتُ أصغرَ القومِ، فقال: "اجلِس"، ثم قال: ثلاثَ مراتٍ كلَّ ذلك أقوم إليه، فيقول: "اجلس" حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي، ثم قال: "أنت أخي وصاحبي ووارثي ووزيري"، فبذلك ورثت ابنَ عمي دون عمي] وهذا لفظ النسائي وابن جرير. وليس عند أحمد: ووارثي، ولا قوله: لم ورثت ابن عمك دون عمك، وانتهى الحديث عنده بقوله: ضرب بيده على يدي. وفي هذا الإسناد ربيعة بن ناجذ، قال عنه الذهبي: لا يكاد يعرف (٦)، ووثقه العجلي، وابن حجر، وذكره ابن حبان (٧)، وليس له راوٍ سوى

стр. 540

أبي صادق (١)، واسم أبي صادق مسلم بن يزيد الأزدي، وثقه يعقوب بن شيبة، وقال عنه أبو حاتم: مستقيم الحديث (٢). وأما الإسناد الذي ذكره الإمام أحمد أن موسى بن إسماعيل حدث به عن أبي عوانة من كتابه، فلم أقف عليه. وميسرة الكندي في هذا الإسناد هو ميسرة أبو صالح مولى كندة، روى عن علي وشهد معه قتل الخوارج بالنهروان (٣)، وذكره ابن حبان في الثقات (٤). وقد قال الذهبي عن حديث ربيعة بن ناجذ هذا إنه منكر (٥)، وقول علي بن المديني: روى عثمان بن المغيرة أحاديث نكرة من حديث أبي عوانة (٦) لعله يشير إلى هذا الحديث. والشاهد أن أبا عوانة حدث بالحديث من حفظه خلافاً لما في كتابه وأخطأ. ٩. يونس بن يزيد الأيلي: وثقه الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد، وذكر كثرة حديثه عن الزهري. قال أحمد: يونس أكثر حديثاً عن الزهري من عُقيل، وهما ثقتان (٧). وقال أحمد في رواية أبي داود: عُقيل ويونس يُؤديان الألفاظ (٨). وهذا ثناء عليهما في حسن الأداء.

стр. 541

لكن ذكر ابن رجب عن أحمد أن يونس إذا حدث من حفظه يخطئ (١)، ومفهوم ذلك أنه إذا حدث من كتاب فهو أصح. وقد نص على ذلك اثنان من شيوخ الإمام أحمد، وهما ابن المبارك وابن مهدي. قال ابن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس بن يزيد الأيلي فقال: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، قال ابن مهدي: وأقول أنا: كتابه صحيح. ا. هـ (٢)، وذكر ابن رجب عن ابن مهدي أنه قال: لم يكتب حديث يونس بن يزيد إلا عن ابن المبارك، فإنه أخبرني أنه كتبها عنه من كتابه (٣). وأعلّ الإمام أحمد حديثاً ليونس، وجعل سبب علته احتمال كونه حدّث به من حفظه. قال أبو داود: سمعت أحمد ذُكر له حديثُ محمد بن بكر البرساني، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة"؟ فقال: هذا ـ يعني الوهم ـ من يونس، لعله حدثه حفظاً (٤). هذا الحديث رواه الترمذي (٥) من طريق محمد بن بكر البرساني، ورواه ابن ماجه (٦)، وأبو يعلى (٧)، والطحاوي (٨) كذلك. وأعله الإمام أحمد بأن يونس وهم فيه، وذلك حيث جعله من حديث أنس، وإنما هو من حديث الزهري

стр. 542

مرسلاً. رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم أن عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنائز، قال: وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وأبو بكر وعمر وعثمان بن عفان. أخرجه الطحاوي (١)، وتابعه شبيب بن سعيد من طريق ابنه أحمد بن شبيب، عن يونس به عند الخطيب (٢). والقائل كان رسول الله ﷺ … هو الزهري، وقد بين ذلك الإمام أحمد في رواية عبد الله كما ذكره عنه الطبراني (٣) قال: هذا الحديث أن رسول الله ﷺ إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر .... ا. هـ. وهكذا رواه الثقات من أصحاب الزهري ـ مالك، ومعمر، وعقيل، وغيرهم. وفيه اختلاف آخر على الزهري في الحديث سيأتي بحثه إن شاء الله في الكلام على الإدراج. فذِكر أنس في هذا الحديث وهم، وجعل الإمام أحمد الوهم من يونس، وأرجع السبب إلى احتمال كونه حدّث به من حفظه، بدليل أن ابن وهب، وشبيب رواياه عنه على الوجه الصحيح. أما الإمام البخاري فجعل الواهم في هذا الحديث محمد بن بكر البرساني الراوي عن يونس. قال الترمذي ـ بعد روايته للحديث ـ سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري، أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. قال الزهري: وأخبرني سالم: أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: هذا أصح" (٤).

стр. 543

والصواب ما ذهب إليه الإمام أحمد من أن الواهم هو يونس بن يزيد، بدليل أن البرساني قد توبع على هذه الرواية عن يونس: تابعه أبو رزعة وهب الله بن راشد المؤذن (١)، وبكر بن مضر (٢)، وأيوب بن سويد (٣). فانتفى أن يكون الواهم هو البرساني لمتابعة غيره له عن يونس، وتعين أن يكون يونس هو الواهم. ١٠. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: كان الإمام أحمد يقول: كان ابن جريج من أوعية العلم (٤)، لكن تكلم فيما حدث به من حفظه. قال محمد بن موسى بن مشيش: قال أحمد بن حنبل: "كان ابن جريج الذي يحدث من كتاب أصح، وكان في بعض حفظه إذا حدّث حفظاً شيء" (٥). وقريب من هذا قول يحيى بن سعيد القطان: "لم يكن أحد أثبت في نافع من ابن جريج فيما كتب" (٦). فجعله أثبت الناس في نافع لكن مقيداً بما تحمله كتابة لا حفظاً. وقال يحيى القطان أيضاً: "وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم ينتفع به" (٧).

стр. 544

ووافق قول الإمام أحمد فيه ما نقله ابن أبي مريم عن ابن معين: "ابن جريج ثقة في كل ما روي عنه من الكتاب" (١). ولم أقف على حديث يصلح أن يكون مثالاً لما ذكره الإمام أحمد عن ابن جريج.

стр. 545

المبحث السابع: من حدّث في مكان لم تكن معه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط . من أسباب دخول الأوهام على أحاديث الرواة الذين ضبطوا مروياتهم في الكتب عدم اصطحابهم لكتبهم أو فقدانهم لها في بعض رحلاتهم، فيضطرون للتحديث اعتماداً على الذاكرة، فيقع الوهم بسبب ذلك في مرويات من سمع منهم في تلك الأماكن، والحفاظ لا يحتجون بهذا الضرب من الأحاديث إلا ما توبع رواتها عليها، والفرق بين هذا الصنف من الرواة والذين تقدموا في المطلب السابق ـ وهم من لا يحدث من كتابه فيَهم في حديثه ـ أن هذا الصنف يمكن تحديد الذين سمعوا منهم في الأماكن التي ضعِّف حديثهم فيها بضابط، بخلاف الصنف الآخر الذي لا يمكن الوقوف عليهم إلا بتنصيص من إمام مطلع على من أخذ عن الراوي من حفظه دون كتابه، أو بقرينة أخرى تدل على ذلك. وقد نبه الإمام أحمد على عدد من الرواة هم أهل حفظ وإتقان لكن حدثوا في بعض البلدان من حفظهم دون كتاب فوقعوا في أوهام، فمنهم: ١. معمر بن راشد الأزدي: وكان أصله بصرياً ونزل اليمن، وأقام بها عشرين سنة (١). قال أحمد في رواية الميموني: "لا تضم إلى معمر أحداً إلا وجدته يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم" (٢). وسأله المروذي عن معمر، كيف هو في الحديث؟ فقال: "هو ثبت إلا أن

стр. 546

في بعض حديثه شيئاً" (١). ومن ذلك ما حدث به بالبصرة، فقد جاء في رواية أبي داود قال: "قلت لأحمد: ما حدّث معمرٌ بالبصرة؟ قال: أخطأ بالبصرة في أحاديث" (٢). والسبب في ذلك أن كتبه لم تكن معه بالبصرة كما ذكر الأثرم عن الإمام أحمد: "حديث عبد الرزاق عن معمر أحبّ إليّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة" (٣). وذلك أنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه. قال عبد الله: حدثني أبي قال: "قلت لإسماعيل بن علية: كان معمر يحدثكم من حفظه؟ قال: كان يحدثنا بحفظه" (٤). وكان إسماعيل بن علية بصرياً. وذكر الذهبي السبب في ذلك وهو أنه قدم البصرة لزيارة أمه بعد أن استقر باليمن، فلم تكن معه كتبه فحدث من حفظه فوقع للبصريين عنه أغاليط (٥). وقد ذكر الإمام أحمد أن البصريين الذين سمعوا من معمر بالبصرة هم الغرباء الذين استوطنوها. قال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله قيل له: عبد الله ـ يعني ابن المبارك ـ سمع من معمر؟ قال: سمع منه بمكة. قيل له: فلم يسمع منه بالبصرة شيئاً؟ قال: لا، لم يكتب عن معمر بالبصرة إلا الغرباء، مثل إسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع" (٦).

стр. 547

فذكر إسماعيل بن علية وكان كوفي الأصل (١)، ويزيد بن زريع وكان أبوه والياً على الأبلة (٢)، فلعله نشأ بها ثم استوطن البصرة. ووافق الإمام أحمد على إعلال حديث معمر بالبصرة عددٌ من الحفاظ: قال يعقوب بن شيبة: "سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه" (٣). وقال أبو حاتم: "ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط" (٤). قال الذهبي: "ومع كون معمر ثقة ثبتاً فله أوهام، لا سيما لما قدم البصرة لزيارة أمه، فإنه لم يكن معه كتبه، فحدّث من حفظه، فوقع للبصريين عنه أغاليط، وحديث هشام ـ يعني ابن يوسف ـ وعبد الرزاق عنه أصح، لأنهم أخذوا عنه من كتبه، والله أعلم" (٥). مثال لما أعله الإمام أحمد من حديث معمر بالبصرة: قال صالح بن أحمد بن حنبل: حديث غيلان: أنه أسلم وله عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : "اختر منهن أربعاً"، معمر أخطأ فيه بالبصرة في هذا الإسناد، ورجع باليمن جعله منقطعاً (٦). هذا الحديث رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة

стр. 548

الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : "اختر منهنّ أربعاً". هكذا حدث به معمر بالبصرة، ورواه عنه جماعة من أهل البصرة منهم: سعيد بن أبي عروبة (١)، وإسماعيل بن علية (٢)، ومحمد بن جعفر غندر (٣)، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي (٤)، ويزيد بن زريع (٥). وكذلك رواه عنه جماعة من غير أهل البصرة منهم: سفيان الثوري (٦)، وعيسى بن يونس (٧)، وعبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي (٨)، ومروان بن معاوية الفزاري (٩) وأربعتهم من أهل الكوفة؛ ويحيى ابن أبي كثير (١٠)، وهو يمامي، والفضل بن موسى (١١)، وهو خراساني. وتابع معمراً على هذه الرواية عن الزهري: بحر السقاء (١٢)، وهو

стр. 549

ضعيف، وعامة ما يرويه أسانيدها ومتونها مما لا يتابعه عليها أحد (١). وتابعه أيضاً يحيى بن سلام (٢)، عن مالك، عن الزهري (٣). قال ابن عبد البر: "أخطأ فيه يحيى بن سلام على مالك، ولم يتابع عنه على ذلك" (٤). وتابعه أيضاً سرار بن مجسّر العنزي (٥) عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر به (٦)، رواه عنه سيف بن عبيد الله الجرمي (٧). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سرار تفرد به سيف. ا. هـ. قال ابن القيم: ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته، بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرده علة (٨). ا. هـ. يشير ﵀ إلى أن التفرد عن علَم كثير الحديث مثل أيوب علة يعل الحديث بسببها. فيتلخص أن المتابعات لمعمر في هذا الحديث لا يصح منها شيء. ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلاً (٩). لكن رواه أحمد بن يوسف السلمي عن عبد الرزاق بمثل رواية أهل البصرة، أخرجه

стр. 550

ابن مندة في معرفة الصحابة (١). قال الحافظ ابن حجر: استنكره أبو نعيم وقال: الأثبات رووه عن عبد الرزاق مرسلاً. ا. هـ. ويؤيده ما ذكره ابن عبد البر عن يعقوب بن شيبة عن أحمد بن شبويه، عن عبد الرزاق قال: لم يسند لنا معمر حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم وعنده عشر نسوة. ا. هـ (٢). وسماع عبد الرزاق من معمر كان باليمن. وتابع عبدَ الرزاق ابنُ عيينة عن معمر به (٣). وهكذا رواه مالك عن الزهري (٤). ورواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري: بلغني عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن النبي ﷺ قال لغيلان … الحديث (٥) وروايتهم وكذلك رواية مالك تؤيد الرواية المرسلة عن معمر. وجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث: أعل الإمام أحمد الرواية الموصولة عن معمر بأنها مما أخطأ معمر فيها بالبصرة، وحكم للرواية المرسلة لأنها هي التي رجع إليها باليمن، بدليل أن عبد الرزاق ذكر أن معمراً لم يكن يسند لهم هذا الحديث، ومعلوم أن سماعه من معمر كان باليمن. وهذا مثال لما ذكره الإمام أحمد أن معمراً كان يحدث بخطأ بالبصرة،

стр. 551

وحديثه باليمن كان أحب إليه لأنه كان يتعاهد كتبه وينظر فيها. وقد وافق الإمام أحمد على إعلال هذا الحديث بهذه العلة عدد من الحفاظ، منهم: الإمام البخاري، قال: هذا حديث غير محفوظ، إنما روى هذا معمر بالعراق، وقد روي عن معمر، عن الزهري، هذا الحديث مرسلاً، ثم ذكر رواية شعيب بن أبي حمزة المرسلة عن الزهري وقال: وهذا أصح (١). وكذلك رجح أبو زرعة وأبو حاتم الرواية المرسلة (٢). وقال الإمام مسلم فيما رواه البيهقي بإسناده عنه من كتابه "التمييز": "أهل اليمن أعرف بحديث معمر من غيرهم، فإنه حدث بهذا الحديث عن الزهري، عن سالم، عن أبيه بالبصرة، وقد تفرد بروايته عنه البصريون، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث صحيحاً، وإلا فالإرسال أولى" (٣). وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن حبان، والحاكم، والبيهقي بنوا على قول الإمام مسلم فأخرجوا الحديث من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة، وأهل خراسان، وأهل اليمامة، ثم رده بقوله: "ولا يفيد ذلك شيئاً، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها، وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدّث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدّث من حفظه بأشياء وهم فيها … " (٤).

стр. 552

مثال آخر: قال عبد الله: حدثني أبي: قال حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: "توضئوا مما غيرت النار". حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: قرأت في كتاب معمر، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة، عن زيد، عن النبي ﷺ في الوضوء مما غيرت النار (١). هذا الحديث لم يحكم فيه الإمام أحمد بشيء، وإنما أشار إلى الاختلاف على معمر بين عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي البصري، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، حيث رواه عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن خارجة بدون واسطة، ورواه عبد الرزاق من أصل كتاب معمر، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة. وبعد تتبع طرق الحديث ظهر أن عبد الأعلى قد وافقه أهل البصرة عن معمر، فرواه يزيد بن زريع (٢)، وإسماعيل بن علية (٣) كلاهما عن معمر بمثل رواية عبد الأعلى ليس فيه عبد الملك بن أبي بكر. وأما عبد الرزاق فنص الإمام أحمد على أن روايته للحديث من كتاب معمر، ومعلوم أن كتب معمر لم تكن معه في البصرة وإنما حدث بها من حظفه فرواية هي المرجحة على رواية أهل البصرة. ثم إن أصحاب الزهري رووا الحديث عن الزهري بمثل رواية عبد الرزاق عن معمر؛ فرواه عقيل بن خالد (٤)،

стр. 553

والزبيدي (١)، وشعيب بن أبي حمزة (٢)، ويونس بن يزيد الأيلي (٣)، ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (٤)، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر (٥)، والأوزاعي (٦) كلهم عن الزهري، قال: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره، أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ فذكره. واجتماع هؤلاء ـ وهم من أثبت أصحاب الزهري ـ على موافقة معمر في الوجه الذي رواه عبد الرزاق عنه يقضي بصوابه وخطأ ما يخالفه، وبخاصة أن الوجه المخالف جاء من الوجه الذي تدخل الأوهام على مرويات معمر، وهي رواية أهل البصرة عنه. وقد أخرج البخاري لمعمر من رواية جماعة من أهل البصرة منهم: عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، ومحمد بن جعفر غندر، ويزيد بن زريع، ومسلم من رواية ابن علية، وعبد الأعلى، ويزيد بن زريع (٧). قال ابن حجر: لم يخرج له ـ يعني البخاري ـ من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه عنه (٨). ٢. هشام بن عروة: وهو مدني ودخل العراق ومات ببغداد. قال وهيب: قدم علينا هشام ابن عروة، فكان فينا مثل الحسن وابن سيرين (٩).

стр. 554

قال أحمد في رواية الأثرم: كأن رواية أهل المدينة عنه أحسن، أو قال: أصح. ا. هـ (١) يعني من رواية أهل العراق عنه. وحمل ذلك ابن رجب على أن كتبه لم تكن معه في العراق فيرجع إليها (٢). وذكر ابن خراش أنه بلغه عن مالك أنه نقم على هشام حديثه لأهل العراق (٣). ولم أقف على حديث أعله الإمام أحمد مما حدث به هشام بالعراق. ومما يصلح أن يكون مثالاً لما يقع في حديث العراقيين عن هشام ما رواه أهل العراق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرِها" رواه مسلم (٤) من حديث عبد الله بن نمير، ووكيع، وعبدة بن سليمان، وأبي أسامة كلهم عن هشام. ورواه الدارمي (٥)، وأبو عوانة (٦)، والبيهقي (٧) من حديث جعفر بن عون؛ وأبو داود (٨) من حديث وهيب بن خالد؛ والطحاوي (٩) من حديث شعبة؛ وهؤلاء كلهم من أهل العراق. وخالفهم مالك، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم ينصرف، فإذا سمع النداء

стр. 555

بالصبح ركع ركعتين خفيفتين] أخرجه في الموطأ (١)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤). فلم يذكر مالك الوتر بخمس ركعات لا يجلس في شيء إلا في آخرها. فذكر ابن رجب أنه قد تَكلم في حديث هشام هذا غيرُ واحد (٥). قال ابن عبد البر عن الرواية المخالفة لرواية مالك: "إنما حدث به عن هشام أهل العراق، وما حدث به هشام بالمدينة قبل خروجه إلى العراق أصح عندهم، ولقد حكى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدّث به عندنا ـ يعني بالمدينة قبل خروجه، فكأنه يصححه، وأما ما حدث به بعد خروجه من عندنا فكأنه يوهنه" (٦). ولعل تخريج الإمام البخاري لحديث هشام من طريق مالك وإعراضه عما يخالفه من رواية أهل العراق عن هشام مبني على هذا الاعتبار. لكن قد روى الحديث جماعة ممن سمع من هشام بالمدينة بمثل رواية أهل العراق، منهم الليث بن سعد، وحديثه عند أحمد (٧)، والطحاوي (٨)؛ ويحيى بن سعيد القطان، وحديثه عند أحمد (٩)، وابن خزيمة (١٠)، وكان سماعه من هشام

стр. 556

بالمدينة (١)؛ ومحمد بن إسحاق، وحديثه عند أحمد (٢)، فهؤلاء منهم من كان من أهل المدينة ـ وهو ابن إسحاق ـ ومنهم من كان من غير أهلها لكن سماعه من هشام بها. فبناء على هذا تزول العلة التي أعل بها الحديث من أنه من رواية أهل العراق عن هشام، فلم يبق إلا الترجيح برواية الأحفظ على رواية الأكثر من حيث العدد، فترجح رواية مالك لمزيد حفظه وإتقانه، على رواية العدد الكثير وخاصة أن معظمهم ممن سمع من هشام بالعراق. وأيضاً لمعارضة روايتهم لحديث ابن عمر مرفوعاً: "صلاة الليل مثنى مثنى". قال ابن عبد البر: هذا من الأحاديث التي لم يختلف في إسنادها ومتنها، وهو حديث ثابت مجمتع على صحته، وهو قاض في الباب على ما كان ظاهره خلافه. ا. هـ (٣). وأما الأثرم فأنكر الحديث من وجه آخر، وهو مخالفة هشام لما روي عن عائشة، قال الأثرم: وقد روى هذا الحديث عن عائشة غيرُ واحد، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه من سرد الخمس. ا. هـ (٤). وقد يعترض عليه بمتابعة محمد بن جعفر بن الزبير (٥) كما رواه ابن إسحاق عنه، عن عروة عن عائشة: [كان رسول الله ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتيه

стр. 557

قبل الصبح، يصلي ستاً مثنى مثنى، ويوتر بخمس لا يقعد بينهن إلا في آخرهن" (١). لكن يحتمل أن ابن إسحاق دلسه عن شيخه، وهي على كل حال علة لا تمنع من الاعتبار بالحديث. وكذلك تابعه عمر بن مصعب بن الزبير، عن عروة، عن عائشة [كان النبي ﷺ يوتر بخمس، لا يقعد بينهن] (٢). وعمر بن مصعب بن الزبير ذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً (٣)، وذكره ابن حبان في الثقات (٤)، وقال الذهبي: جاء في إسناد مظلم فيحرر أمره (٥). فمثل هذا لا بأس به في المتابعات، والله أعلم. ٣. يزيد بن هارون: قال أحمد في رواية الفضل بن زياد: "ما كان أجمع أمر يزيد! صاحب صلاة، حافظ متقن للحديث، صرامة وحسن مذهب " (٦). وقال أحمد في رواية صالح: "يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع ببغداد، لأنه كان بواسط يلقن فيرجع إلى ما في الكتب" (٧). وذلك أن يزيد بن هارون ساء حفظه لما كفّ بصره، فلذلك كان يأمر

стр. 558

جارية له فتُلقّنه من كتبه ويحفظ عنها (١)، ويفهم من كلام أحمد في رواية صالح أن كتبه لم تكن معه ببغداد حتى يحفظ منها، فمن أجل ذلك قدّم من سمع منه بواسط على من سمع منه ببغداد. ولم أقف على حديث يصلح أن يكون مثالاً لهذه العلة التي ذكرها الإمام أحمد في حديث شيخه يزيد بن هارون. ٤. جزير بن حازم: من أجلة أهل البصرة، ووثقه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (٢)، وقال في رواية ابن هانئ: كان يحفظ عن العلماء (٣). وقال في رواية المروذي: كان حافظاً، وقال مرة: كان في بعض حديثه شيء (٤). ونقل ابن حجر عن الساجي عن الأثرم عن أحمد أنه قال عن جرير: حدث بمصر أحاديث وهم فيها، ولم يكن يحفظ. ا. هـ (٥). وكان جرير قد ارتحل إلى مصر في الكهولة فسمع من المصريين وكتبوا عنه (٦)، فأوهامه بمصر محمولة على أن كتبه لم تكن معه إذ أغلب أسباب دخول الأوهام على حديث الراوي إذا حدث في غير بلده ترجع إلى عدم وجود كتبه معه.

стр. 559

مثال لما أعله الإمام أحمد من حديث جرير بمصر: ذكر الحافظ ابن حجر عن الإسماعيلي أنه قال عن أحمد في حديث عبد الله ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن سلمان بن عامر الضبي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى" قال: حديث جرير بن حازم كأنه على التوهم. فهذا الحديث أخرجه البخاري (١) من رواية جرير بن حازم تعليقاً بصيغة الجزم، ووصله الطحاوي (٢). ورواه البخاري (٣) مسنداً من طريق أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب به موقوفاً على سلمان بن عامر، ورواه أحمد (٤) عن يونس، عن حماد به موقوفاً أيضاً. فخالف جرير بن حازم حماد بن زيد في رفع الحديث عن أيوب، وهذا وجه توهيم الإمام أحمد لجرير، لأن الراوي عنه هو عبد الله بن وهب، وهو ممن سمع من جرير بمصر، قد خالف حماد بن زيد في رفع الحديث عن أيوب، وقد قال أحمد: ما عندي أحد أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد (٥). لكن قد وافق جرير غيرُه على رفع الحديث عن أيوب، فرواه حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، وهشام، وحبيب، عن ابن سيرين، عن سلمان عن النبي ﷺ . علقه البخاري (٦)، ووصله النسائي (٧)، وأحمد (٨). لكن حماد بن سلمة إذا جمع الشيوخ فإنه يضغف كما

стр. 560

تقدم (١). ورواه الدبري عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر عن النبي ﷺ (٢)، فخالف أصحاب أيوب في روايته عن حفصة بدل محمد، وهذا يحتمل أن يكون خطأ من الدبري، فإن سماعه من عبد الرزاق بأخرة، وهذه الرواية ليست عند أحمد، وهو ممن كتب عن عبد الرزاق على الوجه، وقد روى حديث سلمان من طريق عبد الرزاق من وجه آخر (٣). وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن جرير بن حازم تفرد بذكر التحديث بين محمد بن سيرين، وسلمان بن عامر، لأن الذين رووا الحديث رووه بالعنعنة بينهما، وهذا وجه آخر لوهم جرير بن حازم، ولم أقف على من روى الحديث عن جرير من غير أهل مصر حتى نتيقن وهم جرير في هذا الحديث. وقد ثبت رفع الحديث من طرق أخرى عن سلمان بن عامر. قال البخاري: وقال غير واحد: عن عاصم، وهشام، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر الضبي عن النبي ﷺ (٤). ثم إن الاختلاف على محمد بن سيرين بالرفع والوقف ليس يضر، لأن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيراً ولا يرفعها والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها (٥). مثال آخر: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ تحفظه عن يحيى، عن

стр. 561

عمرة، عن عائشة: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فأنكره، وقال: من رواه؟ قلت جرير بن حازم، فقال: جرير كان يحدث بالتوهم (١). هذا الحديث رواه النسائي (٢)، والطحاوي (٣)، وابن حبان (٤)، والطبراني (٥) من طرق عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين، فأُهديَتْ لنا هديةٌ، فأكلناها فدخل علينا رسول الله ﷺ قالت عائشة: فبدرتني حفصة ـ وكانت بنتَ أبيها ـ فسألتْ رسول الله ﷺ فقال: "لا عليكما، صُوما يوماً مكانَه" وهذا لفظ الطبراني، وهو عند الباقين بأخصر منه. وقال الطبراني: لم ير هذا الحديث عن يحيى ابن سعيد إلا جريرُ بن حازم، تفرد به ابن وهب. ا. هـ (٦). وأنكره الإمام أحمد على جرير بن حازم لتفرده به عن يحيى بن سعيد من هذا الوجه، وعلّل ذلك بأنه كان يحدث بالتوهم. وقد ذكر الذهبي هذه القصة عن الأثرم فزاد: قلت القائل الأثرم: أكان يحدثهم بالتوهم بمصر خاصة أو غيرها؟ قال: في غيرها وفيها. وقال أبو عبد الله: أشياء يسندها عن قتادة باطل. ا. هـ (٧). فظاهر هذه الرواية أن أوهام جرير عند أحمد تعم حديثه بمصر وبغيرها، فإن ثبتت هذه الزيادة في رواية الأثرم فلا اختصاص لرواية أهل مصر

стр. 562

عن جرير بوقوع الأوهام فيها، ويكون وجه علة هذا الحديث مطلق وهم جرير. ومما يدل على وهم جرير في هذا الحديث مخالفة حماد بن زيد له فيه، حيث رواه عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عائشة ليس فيه عمرة، وجعله منقطعاً بين الزهري وعائشة (١). أخرجه من هذا الوجه الطحاوي (٢)، والبيهقي (٣) من طريق الرمادي عن علي بن المديني، عن حماد بن زيد. وقد اعتمد علي بن المديني هذه الرواية في إنكار رواية جرير، قال الرمادي: "قلت لعلي بن المديني: يا أبا الحسن، تحفظ عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: قلت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فقال لي: من روى هذا الحديث؟ قلت ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، قال: فضحك، فقال: مثلك يقول مثل هذا! حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين" (٤). وأما الإمام مسلم فأنكره على جرير من وجه آخر، وهو عدم ضبطه لحديث يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الإمام مسلم: "وأما حديث يحيى ابن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فلم يسنده عن يحيى إلا جرير بن حازم، وجرير لم يُعنَ في الرواية عن يحيى، إنما روى من حديثه نزر، ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة، وقد يكون من ثقات المحدثين من يضعف روايته عن بعض رجاله الذي حمل عنهم للتثبت يكون له في وقت … " (٥). وممن وافق الإمام أحمد في توهيم رواية جرير بمصر الإمام النسائي، قال

стр. 563

الحافظ ابن حجر في الاختلاف على حديث علي بن أبي طالب: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستقيظ" بالرفع والوقف، بعد ذكر رواية الرفع من طريق جرير بن حازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها. ا. هـ (١). وذكر الذهبي أن أوهام جرير بن حازم اغتفرت له في سعة ما روى (٢)، وقد روى له من كبار المصريين غير ابن وهب يزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب الغافقي، وعبد الله بن لهيعة، ولم يخرج الشيخان من حديث أهل مصر عنه إلا من طريق ابن وهب عنه (٣). ٥. الوليد بن مسلم: قال أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشامين من إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم (٤). وقال ابن رجب: طاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء (٥)، ثم ذكر ما رواه أبو داود عن أحمد: سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "عليكم بالباءة" قال: هذا من الوليد، نخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحِمص، ليس هو عند أهل دمشق (٦).

стр. 564

ولم أقف على هذا الحديث. وذكر ابن رجب عن أحمد أيضاً أنه تكلم فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة (١).

стр. 565

المبحث الثامن: من لم يضبط أهل إقليم حديثه . المقصود بهم الرواة الذين روى عنهم أهل بلد أو إقليم فلم يقيموا حديثهم. وهؤلاء الرواة أمرهم قريب من أمر الرواة الذين حدّثوا في مكان لم تكن معهم كتبهم فوقعوا في الأوهام، والفرق بينهم أن أولئك عرف في أمرهم مصدر الخطأ، وهو كون كتبهم لم تكن معهم، وأما هؤلاء فقد يكون الخطأ غير راجع إليهم بل إلى تلاميذهم حيث لم يضبطوا عنهم. فمن هؤلاء الرواة زهير بن محمد الخراساني. وثقه الإمام أحمد ووصفه بأنه مستقيم الحديث (١). وتكلم في رواية أهل الشام عنه. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله وذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروون عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمُستقيمة: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التِّنِّيسيّ فتلك بواطيل موضوعة أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله" (٢). وهنا يستفهم الإمام أحمد استفهام تعجب: هل هذا الذي يروي عنه أهل الشام هو زهير بن محمد الذي روى عنه ابن مهدي وغيره؟ وقد روى البخاري مثل هذا عن أحمد، قال: قال أحمد: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقُلب اسمُهُ. ا. هـ (٣). وقال الترمذي: قال ابن حنبل: "كأن زهير بن محمد الذي
следующие страницы →