عمرة، عن عائشة: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فأنكره، وقال: من رواه؟ قلت جرير بن حازم، فقال: جرير كان يحدث بالتوهم (١).
هذا الحديث رواه النسائي (٢)، والطحاوي (٣)، وابن حبان (٤)، والطبراني (٥) من طرق عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين، فأُهديَتْ لنا هديةٌ، فأكلناها فدخل علينا رسول الله ﷺ قالت عائشة: فبدرتني حفصة ـ وكانت بنتَ أبيها ـ فسألتْ رسول الله ﷺ فقال: "لا عليكما، صُوما يوماً مكانَه" وهذا لفظ الطبراني، وهو عند الباقين بأخصر منه. وقال الطبراني: لم ير هذا الحديث عن يحيى ابن سعيد إلا جريرُ بن حازم، تفرد به ابن وهب. ا. هـ (٦).
وأنكره الإمام أحمد على جرير بن حازم لتفرده به عن يحيى بن سعيد من هذا الوجه، وعلّل ذلك بأنه كان يحدث بالتوهم. وقد ذكر الذهبي هذه القصة عن الأثرم فزاد: قلت القائل الأثرم: أكان يحدثهم بالتوهم بمصر خاصة أو غيرها؟ قال: في غيرها وفيها. وقال أبو عبد الله: أشياء يسندها عن قتادة باطل. ا. هـ (٧). فظاهر هذه الرواية أن أوهام جرير عند أحمد تعم حديثه بمصر وبغيرها، فإن ثبتت هذه الزيادة في رواية الأثرم فلا اختصاص لرواية أهل مصر
стр. 562
عن جرير بوقوع الأوهام فيها، ويكون وجه علة هذا الحديث مطلق وهم جرير.
ومما يدل على وهم جرير في هذا الحديث مخالفة حماد بن زيد له فيه، حيث رواه عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عائشة ليس فيه عمرة، وجعله منقطعاً بين الزهري وعائشة (١). أخرجه من هذا الوجه الطحاوي (٢)، والبيهقي (٣) من طريق الرمادي عن علي بن المديني، عن حماد بن زيد. وقد اعتمد علي بن المديني هذه الرواية في إنكار رواية جرير، قال الرمادي: "قلت لعلي بن المديني: يا أبا الحسن، تحفظ عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: قلت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فقال لي: من روى هذا الحديث؟ قلت ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، قال: فضحك، فقال: مثلك يقول مثل هذا! حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين" (٤).
وأما الإمام مسلم فأنكره على جرير من وجه آخر، وهو عدم ضبطه لحديث يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الإمام مسلم: "وأما حديث يحيى ابن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فلم يسنده عن يحيى إلا جرير بن حازم، وجرير لم يُعنَ في الرواية عن يحيى، إنما روى من حديثه نزر، ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة، وقد يكون من ثقات المحدثين من يضعف روايته عن بعض رجاله الذي حمل عنهم للتثبت يكون له في وقت … " (٥).
وممن وافق الإمام أحمد في توهيم رواية جرير بمصر الإمام النسائي، قال
стр. 563
الحافظ ابن حجر في الاختلاف على حديث علي بن أبي طالب: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستقيظ" بالرفع والوقف، بعد ذكر رواية الرفع من طريق جرير بن حازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها. ا. هـ (١).
وذكر الذهبي أن أوهام جرير بن حازم اغتفرت له في سعة ما روى (٢)، وقد روى له من كبار المصريين غير ابن وهب يزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب الغافقي، وعبد الله بن لهيعة، ولم يخرج الشيخان من حديث أهل مصر عنه إلا من طريق ابن وهب عنه (٣).
٥. الوليد بن مسلم:
قال أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشامين من إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم (٤). وقال ابن رجب: طاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء (٥)، ثم ذكر ما رواه أبو داود عن أحمد:
سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "عليكم بالباءة" قال: هذا من الوليد، نخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحِمص، ليس هو عند أهل دمشق (٦).
стр. 564
ولم أقف على هذا الحديث.
وذكر ابن رجب عن أحمد أيضاً أنه تكلم فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة (١).
стр. 565
المبحث الثامن: من لم يضبط أهل إقليم حديثه .
المقصود بهم الرواة الذين روى عنهم أهل بلد أو إقليم فلم يقيموا حديثهم. وهؤلاء الرواة أمرهم قريب من أمر الرواة الذين حدّثوا في مكان لم تكن معهم كتبهم فوقعوا في الأوهام، والفرق بينهم أن أولئك عرف في أمرهم مصدر الخطأ، وهو كون كتبهم لم تكن معهم، وأما هؤلاء فقد يكون الخطأ غير راجع إليهم بل إلى تلاميذهم حيث لم يضبطوا عنهم.
فمن هؤلاء الرواة زهير بن محمد الخراساني.
وثقه الإمام أحمد ووصفه بأنه مستقيم الحديث (١).
وتكلم في رواية أهل الشام عنه. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله وذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروون عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمُستقيمة: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التِّنِّيسيّ فتلك بواطيل موضوعة أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله" (٢).
وهنا يستفهم الإمام أحمد استفهام تعجب: هل هذا الذي يروي عنه أهل الشام هو زهير بن محمد الذي روى عنه ابن مهدي وغيره؟ وقد روى البخاري مثل هذا عن أحمد، قال: قال أحمد: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقُلب اسمُهُ. ا. هـ (٣). وقال الترمذي: قال ابن حنبل: "كأن زهير بن محمد الذي
стр. 566
وقع بالشام ليس هو الذي يُروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني لما يروون عنه من المناكير" (١).
وهذا الذي قاله الإمام أحمد من أن زهير بن محمد قد يكون رجلاً آخر انقلب اسمه على أهل الشام له ما يشهد له، فروى ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث رواه معاذ بن خالد العسقلاني، عن زهير بن محمد، عن شرحبيل بن سعد، عن جبار ابن صخر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنا نُهينا أن تُرى عوراتنا" قال أبي: هذا الحديث بعينه حدثنا معاذ بن حسّان قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن شرحبيل عن جبار بن صخر. ا. هـ (٢). ومعاذ بن خالد العسقلاني قال فيه أبو حاتم: شيخ تُشبه أحاديثه عن زهير بن محمد أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى (٣).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: سمعت أبي وحدثنا عن محمد بن علي بن عمر العسقلاني، عن معاذ بن خالد، عن زهير بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن خشيم بن جبير، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم، وتستسقوا فلا تُسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا" قال أبي: أخاف أن يكون أراد إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى بدل زهير بن محمد. ا. هـ (٤).
فهذا أحد الرواة الشاميين يرى أبو حاتم أنه ربما قلب عليه إبراهيم بن أبي يحيى فجعله زهير بن محمد، فلا يبعد أن ما يخافه الإمام أحمد من هذا القبيل.
فهذا أحد الاحتمالات في سبب وقوع المناكير في حديث الشاميين عن زهير ـ أي أنه رجل آخر رووا عنه فقلبوا اسمه وجعلوه زهير بن محمد. والاحتمال الآخر
стр. 567
هو ما ذكره أبو حاتم أن العلة من زهير نفسه، فإنه وصفه بسوء الحفظ وجعله سبب نكارة حديث بالشام وقال: ما حدث من كتبه فهو صالح، وما حدث من حفظه ففيه أغاليط (١). فهذا يلحقه بالنوع الذي تقدم وهو: من حدث في مكان لم تكن معه كتبه فوهم. وهناك احتمال ثالث ذكره ابن عدي، وهو أن أهل الشام لما رووا عنه أخطأوا عليه (٢)، فجعل الخطأ من الرواة عنه، وهذا يحتمل أن يكون خطؤهم في قلبهم رجلاً آخر به كما قاله أحمد على الاحتمال، ويحتمل أن يكون خطؤهم أنهم لم يحفظوا حديثه، لكن يبعد أن يتطابق أهل إقليم أجمع على عدم الضبط لحديث راوٍ معين، والعلم عند الله.
وممن ذهب إلى إنكار أحاديث أهل الشام عن زهير بن محمد وتصحيح أحاديث أهل العراق عنه الإمام البخاري. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: "أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة" (٣). وعن البخاري أيضاً: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. ا. هـ (٤).
ولما قال أحمد للأثرم: أحاديث التنيسي عن زهير بواطيل، ذكر له الحديث رواه في التسليمة الواحدة فقال: مثل هذا (٥)، أي في كونه من بواطيل فهذا منه إنكار للحديث. والحديث هو ما أخرجه الترمذي (٦) من طريق عمرو بن أبي سلمة التِّنِّيسيّ، عن زُهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
стр. 568
"أن رسول الله ﷺ كان يُسلِّم في الصلاة تسليمة واحدة تِلقاءَ وجهه يَميل إلى الشق الأيمن شيئاً" (١)، وتابعه عبد الملك بن محمد الصنعاني، رواه ابن ماجه (٢)، وابن عدي (٣). وخالفهما الوليد بن مسلم، فرواه عن زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة موقوفاً رواه العقيلي (٤)، وقال الوليد: فقلت لزهير بن محمد: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة. ا. هـ.
وله أصل عن عائشة موقوفاً، رواه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة ﵂ أنها كانت تسلّم في الصلاة تسليمة واحدة قِبَل وجهها: "السلام عليكم" (٥).
ورجح الحفاظ رواية الوقف منهم أبو حاتم، قال: "هذا حديث منكر، هو عن عائشة موقوف" (٦). وقال العقيلي: رواية الوليد ـ أي الموقوفة ـ أولى (٧). وقال الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم (٨). وقال الطحاوي: "هذا حديث أصله موقوف على عائشة ﵂، هكذا رواه الحفاظ، وزهير بن محمد وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعّف جداً" (٩).
стр. 569
وكون رواية الوليد بن مسلم لهذا الحديث عن زهير هي المحفوظة، والوليد شامي لا يدل على أن المناكير لا تقع إلا في رواية بعض أهل الشام عن زهير، بل المناكير تقع في رواية الوليد بن مسلم عنه كما تقع في رواية غيره من أهل الشام. قال البخاري: "روى عن زهير بن محمد الوليدُ بن مسلم، وعمرُو بن أبي سلمة مناكير عن ابن المنكدر، وهشام بن عروة، وأبي حازم" (١).
ولزهير بن محمد غير هذا الحديث من رواية أهل الشام أنكره عليه الحفاظ (٢)
стр. 570
الباب الثالث: إعلال الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها
стр. 571
الفصل الأول: ما يثبت به الاتصال
стр. 572
تمهيد
الاتصال في اللغة مصدر اتّصل الشيءُ بالشيء بمعنى لم ينقطع (١) وأما في الاصطلاح فقال الخطيب: "واتصال الإسناد في الحديث أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى آخره، وإن لم يبين السماع بل اقتصر على العنعنة" (٢)، ويقال للحديث الموصوف به: متصلاً وكذا مؤتصلاً وموتصلاً كما عزاه السخاوي للشافعي (٣)، وهذا الأخير لغة لقريش "حيث لا تدغم مثل هذه الواو وأشباهها في التاء، فتقول: موتصل، موتفق، وموتعد ونحو ذلك، وغيرهم يُدغم فيقول: متّصل، متّفق، متّعد" (٤).
قال ابن عبد البر: وإنما سمي متصلاً لأن بعضهم صحت مجالسته ولقاؤه لمن بعده في الإسناد وصح سماعه منه (٥).
والاتصال من أخص خصائص الإسناد الذي هو خاصية هذه الأمة، والأصل فيه قوله ﵊ في الحديث الذي رواه ابن عباس: "تسمعون ويُسمعُ منكم ويُسمع ممن يَسمع منكم" (٦). فهذا الحديث وإن كان
стр. 573
ظاهره خبراً متضمناً معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمنّ أيضاً إخباراً من النبي ﷺ ظاهره خبراً معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمن أيضاً إخباراً من النبي ﷺ بما سيقع في أمته من اتباعهم لهذا الطريق في نقل العلم، وهو الرواية بالإسناد المتصل.
والعلة في الإعلال بعدم الاتصال هو الجهل بعدالة الراوي الساقط من الإسناد لجواز أن لا يكون عدلاً (١).
стр. 574
المبحث الأول: اشتراط ثبوت السماع بين الرواة عند الإمام أحمد لثبوت الاتصال في الإسناد المعنعن .
لا خلاف أن ألفاظ الأداء الدالة على السماع في الأسانيد صريحاً أو ظاهراً قوياً يقرب من الصريح تدل على الاتصال، لكونها صريحة في إفادة تحمل الراوي من المروي عنه بلا واسطة، ومن أمثلة هذه الألفاظ: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وقال لنا، وذكر لنا، وحضرت فلانا يقول كذا، وسألت فلانا عن كذا وما أشبه ذلك. وأرفعها كما قال الخطيب: سمعت فلاناً يقول كذا، لأنها لا تقبل التدليس، ولا تكاد تستعمل فيما كان بالإجازة أو المكاتبة، بخلاف أخبرنا وحدثنا فإن بعض أهل العلم جوزوا إطلاقها فيما كان بالإجازة (١).
وأما الأسانيد المعنعنة، وهي التي يقال فيها: "فلان عن فلان" من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع (٢)، فجمهور أهل العلم على ثبوت الاتصال بها لكن بشروط وقع بينهم فيها خلاف.
أما الإمام أحمد فمقتضى كلامه كما قال ابن رجب يدل على اشتراط ثبوت السماع بين الراويين للحكم بالاتصال (٣). وهناك شرط آخر يفهم من كلام الإمام أحمد، ألا وهو سلامة الراوي صاحب العنعنة من التدليس. يدل عليه ما رواه الأثرم قال: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذَكر معاوية بن عبد الكريم فقال: ثقة، ما أثبتَ حديثَه، ما أصحَّ حديثَه، قيل له: بعض ما روى عن عطاء لم يسمعه،
стр. 575
فأنكره وقال: هو يروي بعضَها عن قيس، وبعضها يقول: سمعتُ عطاء ـ أي فلا يُدلِّس ـ وهو أحب إليه من إسماعيل بن مسلم" (١) لما ذكر الإمام أحمد صحة حديث معاوية اعترضوا عليه بعدم سماعه لبعض ما يروي عن عطاء، ومقتضى ذلك ألا يصحح ما رواه عن عطاء بدون ذكر الإخبار، فأجاب الإمام أحمد بما حاصله أنه ليس ممن يدلس، فلا يتوقف في قبول ما رواه بغير سماع ـ أي بالعنعنة. فمفهوم هذا أنه لو كان ممن يدلس لم تقبل عنعنته، فعدم تدليس الراوي إذاً شرط لقبول عنعنته، والعلم عند الله.
стр. 576
المطلب الأول: الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم باتصال الإسناد المعنعن .
من خلال تتبع النصوص المروية عن الإمام أحمد يظهر أنه يشترط ثبوت السماع في الحكم بالاتصال ولا يكتفي بإمكان اللقاء ولا حتى بحصوله، وفيما يلي أدلة ذلك:
١. نفيه للسماع بين الراويين مع وجود اللقاء بينهما:
مما يدل على أن ثبوت السماع عند الإمام أحمد شرط للحكم بالاتصال أنه لم يحكم بالسماع بين راويين ثبت بينهما اللقاء بمجرد حصول اللقاء، فدل على أن هناك أمراً زائداً يشترطه فوق ثبوت اللقاء للحكم بالسماع، وهذه النصوص عنه توضح ذلك:
أ- قوله في عبد الله بن عون وعدم سماعه من أنس:
قال المروذي: "قلت: سمع ابن عون من أنس شيئاً؟ فقال: قد رآه، وأما سماع فلا أعلم، ثم قال: أيوب قد رآه، ولم يسمع، قلت: ويونس؟ قال: لا أدري" (١). فلم يحكم له بالسماع بمجرد الرؤية، وهي أبلغ من إمكان اللقاء، واستدل لذلك بأن أيوب السختياني قد رآى أنس بن مالك ولم يسمع منه، فكأنه يستدل بأن الرؤية لا تستلزم السماع.
ب- قوله في سماع يحي بن أبي كثير من أنس بن مالك ﵁:
قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟ قال: قد رآه، قال: رأيت أنساً، ولا أدري سمع منه أم لا؟ " (٢). ونفى أبو حاتم سماعه
стр. 577
من أنس، وقال: روى عنه مرسلاً، وقد رآه رؤية يصلي في المسجد الحرام (١). وحديثه عنه في سنن النسائي (٢).
ج- عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر:
قال حرب بن إسماعيل الكرماني: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: "عطاء ـ يعني ابن أبي رباح ـ قد رأى ابن عمر ولم يسمع منه" (٣). وكذلك قال ابن معين: لم يسمع من ابن عمر رآه رؤية (٤). وحديثه عنه في السنن الأربعة (٥).
د- عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن ابن عمر:
قال أبو طالب أحمد بن حميد: قال أحمد بن حنبل: "عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس شيئاً، وقد رأى عطاء ابنَ عمر ولم يسمع منه شيئاً" (٦). فأثبت له الرؤية لابن عمر ونفى سماعه منه.
هـ- ابن شهاب الزهري عن أبان بن عثمان بن عفان:
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: "الزهري سمع من أبان ابن عثمان؟ قال: ما أُراه سمع منه، وما أدري ـ أو نحو هذا ـ إلا أنه قد أدخل بينه وبينه: عبد الله بن أبي بكر" (٧)، لم يجزم له بالسماع منه مع أنه قد أدركه، بل
стр. 578
الزهري قد أدرك من هو أكبر من أبان بن عثمان: قال أبو حاتم: "الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئاً، لا أنه لم يُدركه، قد أدركه، وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه" (١).
و- حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير:
قال أحمد: "لم يسمع من عروة" (٢) وحبيب قد أدرك من هو أكبر من عروة، أدرك ابن عمر، وابن عباس وسمع منهما (٣). قال أبو حاتم: "حبيب ابن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة" (٤).
فكل هذه النصوص تدل على أن الإدراك لا يستلزم معه السماع بين المتداركيْن فإذا روى أحدهما عن الآخر فالظاهر أن تلك الرواية حصلت بواسطة آخرَ بينهما، وهذا هو واقع الإرسال. ونظير هذا من ثبتت له الصحبة بالرؤية للنبي ﷺ دون السماع منه، مثل عبد الرحمن بن غنم، قال عنه الإمام أحمد: قد أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه (٥)، وكذلك طارق بن شهاب البجلي، فرواية مثلهم عن النبي ﷺ مرسلة، وإنما لم يضرَّ الإرسال في هذه الصورة لأن الواسطة في الغالب صحابي، والجهل به لا يضر لعدالة الصحابة، بخلافه في الصورة الأولى. فإذا ثبت هذا فلا بد للحكم بالاتصال من ثبوت السماع، ولا
стр. 579
يُكتَفى بمجرد اللقاء فضلاً عن إمكانه.
ولهذا الاعتبار حكم الإمام أحمد بالإرسال على رواية سعيد بن السيب عن عمر، مع أنه أثبت أن سعيداً قد رأى عمر وسمع منه لكنه ما سمع منه إلا شيئاً يسيراً، فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة (١)؛ وكذلك جعل رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع مرسلة مع أنه أثبت دخوله عليه ورؤيته له، لكن أنكر سماعه له (٢)، وقال: لم يصح له منه سماع (٣).
وقد يعترض على المثال الأول، وهو ابن المسيب عن عمر بما رواه أبو طالب أحمد بن حميد أنه قال لأحمد: "سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ " (٤)، ويمكن أن يجاب عنه بأن اعتبار رواياته حجة لا يخرجها عن كونها مرسلة، لأن مراسيل ابن المسيب عند أحمد صحاح، وكان لا يرى أصح من مرسلاته (٥)، وخاصة ما أرسله عن عمر، فإنه كان يسمى راويته لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته (٦)، وهذا مما لا يخفى على الإمام أحمد.
وهناك وجه آخر لعدم الحكم بالسماع والاتصال بمجرد اللقاء، وهو أنه قد يحصل اللقاء بين راوييْن مع الرواية لكن تكون الرواية من كتاب بلا سماع
стр. 580
ولا عرض، بل ولا مناولة ولا إجازة، فإذا جاز أن يقع هذا فلا يصح أن يحكم بالاتصال بدون ثبوت السماع إذ يلزمه ذلك الحكم بالاتصال على الرواية بالوجادة، وهو خلاف الواقع. يوضح هذا ما رواه عبد الله قال: "سمعت أبي ذكر جميل بن زيد (١)، قال: قال أبو بكر بن عياش قلتُ لجميل بن زيد: هذه الأحاديث أحاديث ابن عمر؟ قال: أَمَا ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها" (٢)، فقال هذا مع أنه جاء ما يدل على رؤيته لابن عمر كما في سنن سعيد بن منصور (٣).
ومثال آخر هو خِلاس بن عمرو وروايته عن علي بن أبي طالب، قال أبو داود: "قلت لأحمد: خِلاس سمع من علي؟ قال: قد سمع من عمارٍ وكان في الشرط مع علي، فلا يكون سمع من عمار إلا وقد أدرك علياً" (٤). فظاهر هذه الرواية أنه ليس هناك ما يمنع سماعه من علي لإدراكه له. لكن روى العقيلي عن الإمام أحمد أنه قال: "خِلاس عن علي كتاب" (٥). وذكر عبد الله عن أحمد: "كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن قتادة عن خلاس عن علي شيئاً، وكان يحدث عن قتادة، عن خلاس، عن غير علي، كأنه يتوقى حديث خلاس عن علي وحده
стр. 581
ـ يعني يقول: ليس هي صحاح، أو لم يسمع منه" (١). واعتمد الإمام أحمد نفسه مثل هذا الذي رواه عن شيخه يحيى القطان، فقال المروذي: سألته ـ أي أبا عبد الله ـ عن خلاس فقال: "ما روى عن غير علي فلم ير به بأساً، وأما ما روى عن علي فليس هي عندي" (٢). فضعفه عن علي لأنه لم يثبت له السماع منه مع إدراكه له وروايته عنه، لأنه أخذ الرواية من كتاب، وقد كان خلاس يوصف بأنه صحفي (٣). وقال أبو حاتم: وقعت عنده صحف عن علي (٤).
والجدير بالذكر أن معنى نفي السماع عدم وقوف الناقد على تصريح بالسماع يصح أن يحتج به لإثبات السماع، ومن أجل هذا ورد عن النقاد التفتيش والبحث عن السماع في الأسانيد، والعناية بمرويات الذين يعتنون بذكر الإخبار وغيره من ألفاظ الأداء في الأسانيد. قال أحمد في الموازنة بين شعبة وأبي معاوية في الأعمش: "أبو معاوية في الكثرة والعلم ـ يعني علمه بالأعمش ـ شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار، أبو معاوية: عن عن" (٥). أي شعبة يعتني بذكر ألفاظ الأداء، بينما أبو معاوية يذكر الأسانيد بالعنعنة، وهذا ما سيأتي في الدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال.
٢. البحث عن التصريح بالسماع بين الرواة:
الدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع بين الرواة للحكم على عنعنتهم بالاتصال عند الإمام أحمد هو بحثه عما يُثبت سماع الرواة بعضهم من
стр. 582
بعض وعدم اكتفائه بالمعاصرة أو اللقاء بينهم، ولو لم يكن ذلك من أجل إثبات الاتصال لعدّ البحث عنه عبثاً أو عملاً لا طائل تحته. وفيما يلي أمثلة توضيحية:
أ- قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ: أبان بن عثمان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه! " (١). قال ابن رجب: مراده: من أين صحت الرواية بسماعه منه؟ وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد. ا. هـ (٢). ومعنى هذا: أنه حيث لم تأت رواية صحيحة فيها التصريح بسماعه من أبيه فلا يثبت له السماع. وقد ورد تصريحه بالسماع من عثمان في مسند أحمد في حديث: "أيكحل عينيه وهو محرم؟ أو بأي شيء يكحلها وهو محرم؟ فقال أبان: يضمدها بالصبر، فإني سمعت عثمان بن عفان يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ " (٣)، وفي حديث: "لا يَنكِح المحرم ولا يُنكَحُ ولا يَخطب" عند مسلم (٤)، وهو عند أحمد أيضاً بالتصريح بالسماع (٥). ولذلك أثبت البخاري له السماع من أبيه (٦). فنفيُ الإمام أحمد هنا يُحمل على ذهول منه ﵀.
ب- قال أبو داود: "قلت لأحمد: أَسمِع أبو إسحاق السبيعي من
أبي موسى الأشعري؟ فقال: من أين سمع منه؟ ـ أو كلمة نحوها، فذكرت له حديث أُنيس، عن أبي إسحاق: بعثني أبي إلى أبي موسى الأشعري فسقاني نبيذاً، فأنكر الحديث جداًّ" (٧).
стр. 583
أبو إسحاق السبيعي ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ورأى علي بن أبي طالب يخطب (١)، فسماعه من أبي موسى الأشعري ت (٤٢) هـ ممكن، لكن الإمام أحمد أنكره لأنه لم تأت رواية صحيحة مصرِّحة بذلك، ولما ذكر له حديث أنيس أنكره. وسؤاله: "من أين سمع منه؟ " يدل على بحثه عن التصريح بالسماع. ولم أقف على الأثر الذي ذكره أبو داود.
ج- قال عبد الله: "سئل عمّا روى سعيد بن جبير عن عائشة على السماع؟ قال: لا أُراه سمع منها، عن الثقة عن عائشة" (٢). قوله: عن الثقة عن عائشة يشير إلى ما رواه مالك عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده رضى أخبره أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِن امرئٍ تكونُ له صلاةٌ بليل فغلبه عليها نومٌ إلا كتب الله له أجرُ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً عليه" (٣)، مما يدل على أن روايته عنها بواسطة، فلم يحكم له بالسماع منه إذ لم تأت رواية مصرِّحة بذلك.
د- قال أبو طالب أحمد بن حميد: "سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن علي، سمع من أم سلمة شيئاً؟ قال: لا يصح أنه سمع. قلت: فسمع من عائشة؟ فقال: لا! ماتت عائشة قبل أم سلمة" (٤). فقوله: لا يصح أنه سمع، إشارة إلى عدم وجود رواية صحيحة فيها ثبوت سماعه منها.
هـ- قال حرب بن إسماعيل: "قال أحمد بن حنبل: ابن سيرين لم يجيء عنه
стр. 584
سماع من ابن عباس" (١). فهذا نفي منه لوجود الرواية بالسماع بينهما.
و- قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل: الزهري سمع من عبد الرحمن بن أزهر؟ قال: ما أُراه سمع من عبد الرحمن بن أزهر، ثم قال: إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث (٢)، كذا يقول معمر وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنعا عندي شيئاً، ما أُراه حفظ، وقد أدخل بينه وبينه طلحة بن عبد الله بن عوف" (٣). وأظن أن العبارة الصحيحة كالتالي: "إنما يقول الزهري كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث، كذا يقول معمر، وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنع عندي شيئاً، ما أُراه حفظ" لأن معمراً يروي عن الزهري: كان عبد الرحمن ابن أزهر يحدث، بينما الذي يقول عن الزهري: أخبرنا عبد الرحمن بن أزهر هو أسامة بن زيد وحده (٤)، وهو الذي عناه الإمام أحمد بقوله: ما أُراه حفظ. والشاهد أنه نفى وجود رواية صحيحة تصرح بسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وجاءت رواية تفيد أنه يحدث عنه
стр. 585
بواسطة فدل على عدم سماعه منه.
فكل هذه النصوص تدل على اهتمام الإمام أحمد بالوقوف على ما يثبت سماع الرواة بعضهم من بعض، والغرض من ذلك التوصل إلى الحكم على مروياتهم بالاتصال، مما يدل على أن ثبوت السماع هو المعتبر عنده للحكم بالاتصال في الأسانيد المعنعنة.
٣. الاحتجاج بثبوت السماع لإثبات صحة الإسناد وعدم الاكتفاء بإمكان اللقاء:
من الأدلة على اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع للحكم بالاتصال أن من يُعلّ الأسانيد بعدم السماع لا يحتج عليه بإمكان اللقاء أو حتى بإمكان السماع، بل يُحاجّه بما فيه التصريح بثبوت السماع، فمن ذلك:
قال الخلال: أخبرنا المروذي قال: "قرئ على أبي عبد الله: عفان: ثنا عبد الصمد ابن كيسان، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ ربيِّ". قلت: إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة. قال: هذا لا يدري الذي قال! وغضِب، وأخرج إليّ كتابَه فيه أحاديث مما سمع قتادةُ من عكرمةَ، فإذا هي ستة أحاديث: "سمعت عكرمة"، وقال
أبو عبد الله: قد ذهب من يُحسن هذا، وعجِب من قوم يتكلمون بغير علمٍ، وعجِب من قول من قال: لم يسمع! وقال: سبحان الله! فهو قدِم إلى البصرة فاجتَمع عليه الخلقُ. وقال يزيد بن حازم: هذا رواه حماد بن زيد: إن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة" (١).
стр. 586
فردّ الإمامُ أحمد على من أعلّ حديث قتادة هذا بعلة عدم سماعه من عكرمة، رد عليه بتصريح قتادة بالسماع في عدة أحاديث غير هذا، وما ذكره من قدوم عكرمة البصرة واجتماع الخلق عليه، وكذا سؤاله قتادة عن شيء من التفسير إنما هي قرائن تؤيّد ما ذكره من ثبوت السماع، ولم يحتج أحمد بإمكان اللقاء، ولو كان يرى إمكان اللقاء كافياً لإثبات الاتصال لاحتج به عليه.
٤. إعلاله الأحاديث بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم:
ومن الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم على الأسانيد المعنعنة بالاتصال أنه يعتبر عدم سماع الرواة ممن رووا عنهم علة تُعَلّ بها أحاديث أولئك الرواة، فهذا يدل على أن نقيضه ـ وهو وجود السماع بين الرواة ـ شرط من شروط صحة الأسانيد عنده، ولما كان هذا الشرط ليس له علاقة بثقة الرواة أو تجريحهم تعين أن يعود إلى اتصال الإسناد. ولم يأت عنه الإعلال بعدم المعاصرة، وحتى ولو أعل بعدم الإدراك فمراده الاستدلال بعدم الإدراك على
стр. 587
عدم السماع (١).
فمن أمثلة ما أعلّه بعدم السماع:
أ- قال عبد الله: سمعت أبي يقول حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور ـ يعني ابن زاذان (٢) ـ عن نافع أن امرأةً صحِبتْ قوماً في سفرٍ. سمعت أبي يقول: لم يسمع منصور من نافع شيئا (٣).
لم أقف على هذا الأثر، والشاهد فيه أن الإمام أحمد أعله بعدم سماع منصور بن زاذان من نافع مولى ابن عمر.
ب- قال عبد الله: قلت لأبي: إن سفيان بن عيينة حدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر"، فأنكره وقال: من حدّث به؟ قلت: يحيى بن معين حدثنا عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. قال يحيى: فقال رجل لسفيان: من ذكره؟ قال وائل. قال أبي: نرى وائل لم يسمع من الزهري، إنما روى وائل عن ابنه. وأنكره أبي أشدَّ الإنكار وقال: هذا خطأ، ثم قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث (٤).
стр. 588
حديث عائشة هذا ظاهره الصحة، لكن تبينت علته لما كشف ابن عيينة عن تدليسه عن الزهري، وأنه ما رواه إلا عن وائل (١)، عن الزهري. فأعلّ الإمام أحمد رواية وائل عن الزهري بعدم سماع وائل من الزهري، وأن روايته عنه بواسطة ابنه بكر بن وائل، فلعدم السماع وقعت النكارة في هذه الرواية وجاءت مخالفة للمحفوظ عن الزهري، والمحفوظ هي الرواية التي ذكرها أحمد: معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب مرسلاً. وقد تابع معمراً إسحاقُ ابن راشد (٢) كما سبقت الإشارة إليه.
стр. 589
فاتضح من هذا المثال أن عدم ثبوت السماع علة في الإسناد، فثبوته إذاً شرط من شروط صحته.
ج- قال عبد الله: قال أبي: كنا عند سليمان بن حَرب فذكرْنا المسحَ على الخفّيْن، فذكرْنا أحاديثَ، فجعل سليمان بن حرب يقول: ذا لا يُحتمل، وذا ما أدري، قلنا: أيشٍ عندك؟ قال: خالد، عن أبي عثمان، عن عمر قال: يمسح حتى يأوي إلى فراشه (١). قلنا: خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئاً، يقول ذلك بعض الناس، ويروى عن النبي ﷺ أنه كان يُوقِّت (٢)، ويقول: خالد عن أبي عثمان! كأنه لم يرض منه بذلك (٣).
في هذه المسئلة طعَن الإمامُ أحمد ومَن معه على الأثر الذي احتجّ به شيخُهم سليمانُ بن حرب في عدم التوقيت في المسح على الخفين، طعنوا فيه بعدم سماع خالد ـ وهو ابن مهران الحذاء ـ من أبي عثمان النهدي، فدل على أن عدم السماع
стр. 590
علة تجعل الأثر غيرَ صالح للاحتجاج به، وهو الشاهد في إيراد المسئلة.
وقد روى الشيخان لخالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي (١). ولم أقف على تصريحه بالسماع من أبي عثمان إلا في حديث واحد عند الحاكم وحده (٢).
ولخالد الحذاء رواية عن أبي عثمان بواسطة عاصم الأحول (٣). وقال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: خالد ما أُرى سمع من أبي عثمان كبير شيء، إنما هي أحاديث عاصم" (٤) فكأنه يشير في هذه الرواية إلى أنه مدلس (٥)، سمع من أبي عثمان شيئاً يسيراً، ثم روى الأحاديث التي سمعها من عاصم عنه بإسقاط عاصم، وهذا هو التدليس.
والشاهد أن الإمام أحمد أعلّ الحديث بعدم سماع خالد الحذاء له من أبي عثمان، فدل على أن عدم السماع علة، فثبوت السماع إذاً شرط في الصحة.
стр. 591
د- قال عبد الله: سئل ـ أي أحمد ـ عن حديث الفريابي، عن سفيان، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عمر صلّى بهم ـ يعني بالناس ـ وهو جُنب (١). فقال أبي: سفيان لم يسمع من القاسم بن عبد الرحمن، إنما روى عن أشعث ـ يعني ابن سوّار ـ عنه (٢).
ذكر الإمام أحمد هذا الحديث ضمن الأحاديث التي رواها الفريابي عن الثوري وأخطأ فيها (٣)، فبيّن وجه الخطأ بأنه عدم سماع الثوري من القاسم ابن عبد الرحمن المسعودي، وأن روايته عنه بواسطة أشعث بن سواّر، وأما روايته لهذا الأثر فبواسطة جابر الجعفي كما رواه عبد الرزاق عنه. فهذا أيضاً يدل
стр. 592
على أن عدم ثبوت السماع علة يعل به الحديث.
هـ- قال محمد بن يحيى الذهلي: سمعت أحمد بن حنبل ـ وذكر أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوْبان ـ فقال: لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يلقه، وبينهما معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح (١).
نفى الإمام أحمد الصحة عن أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وجعل العلة في ذلك عدم السماع بينهما، والشاهد عنده على عدم السماع هو عدم اللقاء، وأن سماعه منه كان بواسطة معدان بن أبي طلحة، وسالم وإن كان كوفياً إلا أنه ذهب إلى الشام وحدث عن معدان (٢)، وعن أم الدرداء الصغرى (٣). وأما ثوبان وإن كان نزل الشام (٤) إلا أن رواية سالم عن ثوبان بواسطة معدان بن أبي طلحة قرينة على عدم سماعه منه.
فهذه النصوص أمثلة على إعلال الإمام أحمد للأسانيد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم، فدل على أنه يشترط ثبوت السماع لصحة الأسانيد.
стр. 593
المطلب الثاني: ما يدل على اكتفاء الإمام أحمد بالمعاصرة وإمكان السماع والجواب عنه .
بعد تقرير أن الإمام أحمد يذهب إلى اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال قد يعترض ببعض النصوص ظواهرها تدل على اكتفائه بالمعاصرة وإمكان اللقاء، فينتقض ما سبق تقريرُه، سأُورد ما وقفت عليه من تلك النصوص مع الجواب عليها إن شاء الله.
١. قال الأثرم: "سألت أحمد قلت: محمد بن سُوقة سمع من سعيد بن جُبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء" (١)
وهذا ظاهره استدلال بسماعه من الأسود بن يزيد على سماعه من سعيد ابن جبير، فإن الأسود أقدم من سعيد، مات سنة (٧٤) هـ، وقد أدرك زمن النبي ﷺ وإن كان لم يره (٢)، بينما مات سعيد بن جبير سنة (٩٥) هـ. فلا يكون محمد بن سوقة سمع من الأسود إلا وقد سمع من سعيد، لأن كلهم من أهل الكوفة. فهذا في الظاهر استدلال بإمكان السماع من غير الوقوف على التصريح به. لكن أجاب ابن رجب عن هذا الظاهر فقال: "كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قِدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيراً ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ" (٣)، وهذا تعليل واضح وصحيح، فإن التصريح بالسماع كثيراً ما يكون خطأ، ومن الأمور التي تكشف خطأه عدم إمكان السماع، ومن أمثلة ذلك إنكار
стр. 594
الإمام أحمد لسماع قتادة من خلاد الجهني الذي رواه هدبة بن خالد، عن حماد، عن قتادة فقال أحمد: "هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلاداً" (١).
ويؤيد ما ذكره ابن رجب أن محمد بن سُوقة قد ثبت لقاؤه بسعيد بن جبير كما في الأثر الذي رواه ابن أبي شيبة (٢) أنه قال: "رأى عليّ سعيد بن جُبير طيلساناً كان فيه أزرار ديباج نزعتها، فقال: لمَ نزعتَها؟ قلت له: قال لي أصحابي: أتلبس هذا وأنت محرِمٌ؟ قال: وما يضرّك! "، بل ثبت تصريحه بالسماع منه أيضاً، وذلك فيما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن محمد بن سُوقة قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: [من أمّ هذا البيت يريد دُنيا أو آخرة أُعطيتْهُ] (٣). وكذلك فيما رواه
ابن عبد البر من طريق روح بن عُبادة، حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة قال: سمعت سعيد بن جبير سئل: "ما تمام عمرة؟ فقال: أن تحرم بها من أهلك" (٤). فما ذكره الإمام أحمد من سماعه من الأسود بن يزيد ذكره قرينة يستدل بها على صحة ما ورد من تصريحه بالسماع، لا أنه اعتمد ذلك في إثبات السماع.
٢. قال ابن هانئ: "قلت: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال: نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق وقد سمع من عطاء بن أبي رباح" (٥).
وهذا المثال على عكس الذي قبله، ففيه استدلال بسماع الصغير على سماع الأكبر منه من باب أولى وأحرى، وظاهره أيضاً اعتماد إمكان السماع لا التصريح به. والجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، وهو أنه ذكره قرينةً للاستدلال به على
стр. 595
صحة ما رود من تصريح ابن إسحاق بالسماع من عطاء، فقد ورد تصريحه بالسماع من عطاء عند الإمام أحمد في حديث يعلى وسلمة ابني أمية في الرجل الذي عضّ آخر فاجتبذ يده من فيه فطرح ثنيّته وأبطل النبي ﷺ ديته (١).
٣. قال عبد الله: "قلت لأبي: قتادة سمع من عبد الله بن سرجس؟ قال: ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول" (٢).
وهذا أيضاً استدلال بإمكان السماع، وذلك أن عاصم بن سليمان الأحول أصغر من قتادة (٣)، فإذا كان قد سمع من عبد الله بن سرجس فلأن يسمع قتادة من عبد الله بن سرجس من باب أولى وأحرى، فإن الثلاثة كلهم من أهل البصرة (٤).
وقد روى عبد الله هذه المسئلة في موضع آخر فقال: "قيل: سمع قتادة من عبد الله بن سرجِس؟ قال: نعم، قد حدّث عنه هشام، يعني عن قتادة، عن
стр. 596
عبدالله بن سرجِس حديثاً واحداً، وقد حدّث عنه عاصم الأحول" (١)، فدل على أن الإمام أحمد احتج بسماع عاصم من ابن سرجس لإثبات أن ما رواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس (٢) محمول على السماع. وهذا استدلال بقرينة ثبوت سماع الأصغر على سماع الأكبر منه، إذا لم يكن هناك ما يدفعه كبعد البلدان، أو وجود رواية بالواسطة أو غير ذلك من الأسباب، ومع ذلك يبدو أن اعتماده على هذه القرينة هنا ليس بقويّ، لأننا رأينا فيما تقدم أنه كان يستأنس بمثل هذه القرينة في إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع، وأما في رواية قتادة عن ابن سرجس فليس ثَمّ رواية فيها هذا التصريح فيما أعلم، ولعلّ من أجل ذلك نفى الإمام أحمد سماعه منه في رواية حرب بن إسماعيل فإنه قال: قيل لأحمد في سماع قتادة من ابن سرجِس فكأنه لم يره سماعاً (٣)، والله أعلم.
وقد أثبت علي بن المديني سماع قتادة من ابن سرجس (٤). ولم يخرج الشيخان حديث قتادة عن عبد الله بن سرجس (٥).
٤. قال عبد الله: "سئل: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال قُتل سليمانُ في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدّث عنه شعبة، عن
стр. 597
عمرو، عن سليمان، وأُراه قد سمع منه" (١).
احتج الإمام أحمد لسماع عمرو بن دينار من سليمان بن قيس اليشكري (٢) بإمكان السماع لأن عمرو بن دينار قديم، فقد أدرك من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله وسمع منهم (٣)، وكلهم أكبر من عبد الله ابن الزبير، وقد حدث عنه (٤)، وكان يقول: ما رأيت مصلياً قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير (٥). فهذا يدل على أنه أدركه.
ثم إن فتنة ابن الزبير وقعت سنة (٧٣) هـ (٦)، وأما عمرو بن دينار فمات سنة (١٢٦) هـ وهو ابن ثمانين سنة (٧)، فيكون عمره زمن الفتنة (٢٧) عاماً، وكان مكياً، فإذا كان سليمان اليشكري قتل في الفتنة فسماع عمرو بن دينار منه شبه أمر ثابت، فقد ثبت رؤيته له، يدل على ذلك ما رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به عن ابن عيننة، عن عمرو: رأيت سليمان (٨).
стр. 598
فهذه القرائن ليست صريحة في إثبات السماع، ولم يحتج بها الإمام أحمد لإثباته، إنما ذكرها للاستدلال بها على إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع في رواية شعبة عن عمرو، عن سليمان التي ذكرها الإمام أحمد (١)، فقد ورد التصريح بالسماع فيما رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم عن شعبة (٢).
٥. قال أبو داود: "قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أُنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه" (٣).
فهذا مثل ما تقدم ذكره في بعض الأمثلة أنه استدلال بسماع الأصغر على إمكان سماع الأكبر، وليس فيه اعتماده لإثبات السماع، لكنه هنا احتج به لعدم إنكار السماع، وإن لم يثبته.
وسئل أحمد عما يدل على لقاء الحسن بعمران بن حصين، فلم ينكره ولم يثبته:
قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: خثيمة بن أبي خيثمة (٤) كان من أهل البصرة، سكن الكوفة وحدّث عنه الأعمش ومنصور. قلت لأحمد كيف حديثه؟
стр. 599
قال: ما أعلم إلا خيراً. قلت: يقول عن الحسن: كنت أمشي مع عمران بن الحصين؟ قال: شريك كذا يقول (١). قلت: وجرير قال هكذا؟ (٢) قال: نعم" (٣).
لكن قد جاء عن الإمام أحمد إنكار ذكر سماع الحسن من عمران بن الحصين. قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: "قال أبي: الحسن قال بعضهم: "حدثني" عمران بن الحصين! يعني إنكاراً عليه أنه لم يسمع من عمران بن حصين" (٤).
كأن الإمام أحمد يشير إلى رواية مبارك بن فضالة حيث قال فيها عن الحسن: أخبرني عمران بن حُصين (٥)، فإنه أنكره عليه.
ويؤيد ذلك أن رواية الحسن عن عمران بن حصين تأتي أحياناً بواسطة
стр. 600
هياج بن عمران البرجمي (١) كما روى بعضها الإمام أحمد (٢)، وذكر أبو داود عن أحمد أنه قال: وقتادة يدخل بينهما ـ يعني الحسن وعمران ـ هياج. ا. هـ (٣).
فالذي يتضح بعد جمع هذه النصوص عن الإمام أحمد أنه لا ينكر سماع الحسن من عمران إذا جاء التصريح به من وجه صحيح، ويكون ما ذكره من سماع ابن سيرين من عمران شاهداً له ودليلاً لقبوله، وأما حيث لم يأت ذكر السماع من وجه صحيح فلم يثبته، وأنكر على من ذكره. فليس في هذه المسئلة إذاً احتجاج الإمام أحمد بإمكان السماع كدليل على إثباته، والله أعلم.
٦. قال مهنّا: "قلت لأحمد ويحيى: فسمع زيد بن وهب من حذيفة؟ فقالا: نعم، زيد بن وهب قديم" (٤). فهذا ظاهره استدلال بإمكان اللقاء على إثبات السماع، فإنهما قالا: زيد بن وهب قديم، فيمكن سماعه من حذيفة.
وزيد بن وهب هو أبو سليمان الجهني الكوفي رحل إلى النبي ﷺ فقُبض وهو في الطريق (٥)، فلقاء مثله بحذيفة بن اليمان ممكن جداً. لكن ما ذكره أحمد ويحيى ليس من باب الاحتجاج بإمكان اللقاء على ثبوت السماع بل هو من جنس ما قبله، ذكراه قرينة لقبول ما ورد من التصريح بسماعه من حذيفة، فقد ورد ذلك في بعض حديثه عن حذيفة (٦)، كما ورد تصريحه بلقائه فيما رواه البخاري (٧): كنا عند حذيفة فقال: "ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة … "،