← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

عبدالله بن سرجِس حديثاً واحداً، وقد حدّث عنه عاصم الأحول" (١)، فدل على أن الإمام أحمد احتج بسماع عاصم من ابن سرجس لإثبات أن ما رواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس (٢) محمول على السماع. وهذا استدلال بقرينة ثبوت سماع الأصغر على سماع الأكبر منه، إذا لم يكن هناك ما يدفعه كبعد البلدان، أو وجود رواية بالواسطة أو غير ذلك من الأسباب، ومع ذلك يبدو أن اعتماده على هذه القرينة هنا ليس بقويّ، لأننا رأينا فيما تقدم أنه كان يستأنس بمثل هذه القرينة في إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع، وأما في رواية قتادة عن ابن سرجس فليس ثَمّ رواية فيها هذا التصريح فيما أعلم، ولعلّ من أجل ذلك نفى الإمام أحمد سماعه منه في رواية حرب بن إسماعيل فإنه قال: قيل لأحمد في سماع قتادة من ابن سرجِس فكأنه لم يره سماعاً (٣)، والله أعلم. وقد أثبت علي بن المديني سماع قتادة من ابن سرجس (٤). ولم يخرج الشيخان حديث قتادة عن عبد الله بن سرجس (٥). ٤. قال عبد الله: "سئل: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال قُتل سليمانُ في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدّث عنه شعبة، عن

стр. 597

عمرو، عن سليمان، وأُراه قد سمع منه" (١). احتج الإمام أحمد لسماع عمرو بن دينار من سليمان بن قيس اليشكري (٢) بإمكان السماع لأن عمرو بن دينار قديم، فقد أدرك من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله وسمع منهم (٣)، وكلهم أكبر من عبد الله ابن الزبير، وقد حدث عنه (٤)، وكان يقول: ما رأيت مصلياً قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير (٥). فهذا يدل على أنه أدركه. ثم إن فتنة ابن الزبير وقعت سنة (٧٣) هـ (٦)، وأما عمرو بن دينار فمات سنة (١٢٦) هـ وهو ابن ثمانين سنة (٧)، فيكون عمره زمن الفتنة (٢٧) عاماً، وكان مكياً، فإذا كان سليمان اليشكري قتل في الفتنة فسماع عمرو بن دينار منه شبه أمر ثابت، فقد ثبت رؤيته له، يدل على ذلك ما رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به عن ابن عيننة، عن عمرو: رأيت سليمان (٨).

стр. 598

فهذه القرائن ليست صريحة في إثبات السماع، ولم يحتج بها الإمام أحمد لإثباته، إنما ذكرها للاستدلال بها على إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع في رواية شعبة عن عمرو، عن سليمان التي ذكرها الإمام أحمد (١)، فقد ورد التصريح بالسماع فيما رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم عن شعبة (٢). ٥. قال أبو داود: "قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أُنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه" (٣). فهذا مثل ما تقدم ذكره في بعض الأمثلة أنه استدلال بسماع الأصغر على إمكان سماع الأكبر، وليس فيه اعتماده لإثبات السماع، لكنه هنا احتج به لعدم إنكار السماع، وإن لم يثبته. وسئل أحمد عما يدل على لقاء الحسن بعمران بن حصين، فلم ينكره ولم يثبته: قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: خثيمة بن أبي خيثمة (٤) كان من أهل البصرة، سكن الكوفة وحدّث عنه الأعمش ومنصور. قلت لأحمد كيف حديثه؟

стр. 599

قال: ما أعلم إلا خيراً. قلت: يقول عن الحسن: كنت أمشي مع عمران بن الحصين؟ قال: شريك كذا يقول (١). قلت: وجرير قال هكذا؟ (٢) قال: نعم" (٣). لكن قد جاء عن الإمام أحمد إنكار ذكر سماع الحسن من عمران بن الحصين. قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: "قال أبي: الحسن قال بعضهم: "حدثني" عمران بن الحصين! يعني إنكاراً عليه أنه لم يسمع من عمران بن حصين" (٤). كأن الإمام أحمد يشير إلى رواية مبارك بن فضالة حيث قال فيها عن الحسن: أخبرني عمران بن حُصين (٥)، فإنه أنكره عليه. ويؤيد ذلك أن رواية الحسن عن عمران بن حصين تأتي أحياناً بواسطة

стр. 600

هياج بن عمران البرجمي (١) كما روى بعضها الإمام أحمد (٢)، وذكر أبو داود عن أحمد أنه قال: وقتادة يدخل بينهما ـ يعني الحسن وعمران ـ هياج. ا. هـ (٣). فالذي يتضح بعد جمع هذه النصوص عن الإمام أحمد أنه لا ينكر سماع الحسن من عمران إذا جاء التصريح به من وجه صحيح، ويكون ما ذكره من سماع ابن سيرين من عمران شاهداً له ودليلاً لقبوله، وأما حيث لم يأت ذكر السماع من وجه صحيح فلم يثبته، وأنكر على من ذكره. فليس في هذه المسئلة إذاً احتجاج الإمام أحمد بإمكان السماع كدليل على إثباته، والله أعلم. ٦. قال مهنّا: "قلت لأحمد ويحيى: فسمع زيد بن وهب من حذيفة؟ فقالا: نعم، زيد بن وهب قديم" (٤). فهذا ظاهره استدلال بإمكان اللقاء على إثبات السماع، فإنهما قالا: زيد بن وهب قديم، فيمكن سماعه من حذيفة. وزيد بن وهب هو أبو سليمان الجهني الكوفي رحل إلى النبي ﷺ فقُبض وهو في الطريق (٥)، فلقاء مثله بحذيفة بن اليمان ممكن جداً. لكن ما ذكره أحمد ويحيى ليس من باب الاحتجاج بإمكان اللقاء على ثبوت السماع بل هو من جنس ما قبله، ذكراه قرينة لقبول ما ورد من التصريح بسماعه من حذيفة، فقد ورد ذلك في بعض حديثه عن حذيفة (٦)، كما ورد تصريحه بلقائه فيما رواه البخاري (٧): كنا عند حذيفة فقال: "ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة … "،

стр. 601

وفيما رواه مسلم (١): "كنت جالساً مع حذيفة وأبي موسى … ". ٧. وذكر مغلطاي عن محمد بن موسى بن مشيش أنه قال للإمام أحمد: "أبو ريحانة سمع من سفينة؟ فقال: ينبغي، وهو قديم، سمع من ابن عمر" (٢). وأبو ريحانة هو عبد الله بن مطر البصري، صحب عبد الله بن عمر (٣)، واستدل الإمام أحمد بسماعه من ابن عمر على إمكان سماعه من سفينة مولى رسول الله ﷺ . وليس في كلامه إثبات السماع، قال ابن رجب: "وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا" (٤). وقد ورد تصريحه بالسماع في الحديث الذي رواه سفينة: "كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع" عند أحمد (٥)، وابن المنذر (٦)، وابن عدي (٧)، وهو عند مسلم وغيره بالعنعنة (٨). وأثبت كلٌ من البخاري ومسلم سماعه منه (٩). فاتضح أن الإمام أحمد إنما استدل بسماع أبي ريحانة من ابن عمر على صحة قول من روى التصريح بالسماع، كأنه يقول: الواقع لا يدفع صحة سماعه من سفينة. فهذه هي النصوص التي يمكن أن يستدل بظاهرها على أن الإمام أحمد يذهب إلى الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء لإثبات الاتصال، وقد احتج بعض

стр. 602

الباحثين (١) ببعضها لتقرير هذه الدعوى وبالتالي إثبات أن ما ذكره الإمام مسلم من أنها إجماع صحيح. وقد ذكرت الجواب عنها بالتفصيل، والأمر المشترك فيها كلها هو ما ذكره ابن رجب في قضية سماع محمد بن سوقة من سعيد بن جبير، وأعيد كلامه، قال: "كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيراً ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ"، فلله درّ الحافظ ابن رجب! ما أتم استقرائه لكلام أحمد! وما أعرفه بمنهجه! وممن ذهب إلى اشتراط ثبوت السماع الإمام الشافعي، فقد ذكر في الرسالة: "لم يعرف التدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثاً، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيراً له. وكان قول الرجل: سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع، فمن عرفناه بهذه الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان، ومن عرفناه دلّس مرة فقد أبان لنا عورتَه في روايته … فقلنا: لا نقبل من مدلّسٍ حديثاً حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت" (٢). وكذلك أضاف الحافظ ابن رجب هذا القول إلى أبي حاتم وأبي زرعة (٣). وهذا المذهب أشد من مذهب البخاري وعلي بن المديني، وهو اشتراط إمكان السماع، وذلك بأحد أمرين: السماع أو اللقاء (٤).

стр. 603

والمذهب الثالث لدى المتقدمين هو مذهب الإمام مسلم الذي انتصر له وانبرى لرد ما خالفه، وهو الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء. قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والرويات قديماً وحديثاً أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤُه والسماعُ منه لكونهما جميعاً كانا في عصرِ واحدِ، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتةٌ، والحُجّة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينةٌ أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً" (١).

стр. 604

المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها . المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند. والمقصود بوسيلة إثبات السماع الأمر الذي يحتج به الناقد لإثبات سماع الراوي ممن روى عنه، ولما كان مذهب الإمام أحمد اشتراط ثبوت السماع فلا يُعتبر شيءٌ لإثبات السماع عنده دون التصريح به في السند، وذلك أيضاً يتقيد ببعض الشروط وانتفاء بعض الموانع. المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند . وذلك أن يرد في إسناد صالح للاحتجاج أن فلاناً قال: سمعت فلاناً، أو حدثني، أو قال لي، أو أخبرني، أو سألته عن كذا وما إلى ذلك، فكل هذه تدل على ثبوت السماع بين الراوي ومن روى عنه، ويحتج الإمام أحمد بذلك لحمل ما ورد بالعنعنة بين الراويين على الاتصال. فمن ذلك: ١. قال صالح: "قلت: ابن أبي ذئب سمع من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه"، وقال صالح: "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب قال: حدثني الزهري. وغير يحيى يقول: سألت الزهري، وهذا يحيى بن سعيد يقول: حدثني" (١). فاحتج الإمام أحمد بتصريح ابن أبي ذئب بقوله في الإسناد: حدثني الزهري، وبقوله: سألت الزهري. فإن كلتا العبارتين صريح في إثبات السماع. ٢. قال ابن هانئ: "سألت أبا عبد الله: قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه؟ قال: نعم، في حديث إسرائيل يقول: سمعت أبي عبد الله" (٢).

стр. 605

ومثله في رواية محمد بن علي بن شعيب: "سمعت أحمد بن حنبل وقيل له: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما لا يقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت" (١). فأثبت الإمام أحمد سماعه اعتماداً على تصريح إسرائيل بذكر سماعه من أبيه في إسناد حديث الضب، وإن خالفه الثوري وشريك في عدم ذكر السماع. ٣. وقال عبد الله: "سمعت أبي يقول: محمد بن سُوقة قد سمع من نافع بن جُبير، حدثناه ابن عيينة" (٢). أي ورد التصريح بسماعه من نافع بن جبير فيما حدثهم ابن عيينة (٣). ويبدو أن الإمام أحمد أخذ هذا المنهج عن شيخه يحيى بن سعيد القطان، فقد روى صالح ابنُه، عن علي بن المديني قال: قلت ليحيى: سمع زرارة بن أوفى من ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء: "سمعت" (٤) فمفهومه عدم إثبات السماع إذا لم يرد التصريح به في إسناد ما.

стр. 606

المطلب الثاني: شروط قبول التصريح بالسماع في السند . ليس كل ما ورد من تصريح بسماع راوٍ من شيخه في السند يكون مقبولاً، بل يتقيد ذلك ببعض الشروط. الشرط الأول: صحة السند . مما يدل على أن الإمام أحمد يشترط صحة الإسناد لقبول ما ورد فيه من تصريح بالسماع أنه يردّ ما ورد من ذلك بأسانيد غير صحيحة عنده. فمن ذلك: ١. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سئل أبي: هل سمع الحسن من سُراقة؟ قال: لا، هذا علي بن زيد يعني يرويه، كأنه لم يقنع به" (١)، فلم يقبله الإمام أحمد ولم يقنع به لأن الذي يرويه علي بن زيد بن جُدعان، وهو ممن لا تقوم الحجة بخبر مثله، فقد قال عنه الإمام أحمد: ليس بشيء (٢). وقد وافق الإمام أحمد على رد هذا الإسناد علي بن المديني قال: "وروى الحسن بن أبي الحسن أن سراقة حدّثهم في رواية علي بن زيد بن جُدعان، وهو إسناد ينبو عنه القلب أن يكون الحسن سمع من سراقة، إلا أن يكون معنى حدثهم حدث الناس، فهذا أشبه" (٣). ٢. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يُسأل: لقِي الضحاكُ ابنَ عباس؟ فقال: ما علمت. فقيل: فممن سمع التفسير؟ قال: يقولون سمعه من سعيد بن جبير. قيل له: فلقِي ابنَ عمر؟ قال: أبو سنان يروي شيئاً، ما يصح عندي. قلت: فأبو نعيم كان يقول في حكيم بن الدّيلَم عن الضحاك: سمعت ابن عمر. فقال

стр. 607

أبو عبد الله: ليس بشيء" (١). وهذا النص أيضاً صريح في أن الإسناد الذي تضمن ذكر التصريح بالسماع لا يقبل إلا إذا كان صحيحاً، فلم يقبل الإمام أحمد سماع الضحاك بن مُزاحِم من ابن عمر لأن ذلك لا يصح عنده، مع أن الذي يرويه هو أبو سنان ضرار بن مرّة الشيباني، قال عنه: ثقة ثقة (٢). وكذلك قال في رواية حكيم بن الديلم التي صرح فيها بسماع الضحاك من ابن عمر: ليس بشيء، أي لا يعتد بها لعدم صحتها، مع أنه قال في حكيم بن الديلم: شيخ صدق (٣). وقد قال البخاري في إسناد حكيم ابن الديلم: لا أعلم أحداً قال: سمعت ابن عمر إلا أبو نعيم (٤). ٣. قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله قال: "قال عبد الرحمن بن مهدي: قال وُهيب لعطاء بن السائب: سمعتَ من عَبيدة؟ قال: نعم، أراد بذلك أن عطاء لقيه وُهيبٌ وقد تغيّر، لأن عطاء لا يُعرف له سماعٌ من عَبيدة ولا لقاءٌ" (٥)، فلم يقبل تصريح عطاء بالسماع لكون كلامه هذا صدر منه بعد تغيّره فلا يحكم بصحته، ولذلك لم يُقبل. الشرط الثاني: عدم معارضته بمعارض راجح . إن التصريح بالسماع في الإسناد يعتبر زيادة من الذي ذكره بالنسبة للذي روى الإسناد بدونها، فيخضع قبولها لشروط قبول زيادات الرواة ـ وهو ألا يعارض ذلك رواية من هو أولى منه، فإن عارضه فالزيادة تعتبر شاذة أو منكرة.

стр. 608

ومن أمثلة ما جاء عن الإمام أحمد من مراعاة هذا الشرط: ١. ما تقدم من عدم قبوله لسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وقد رواه أسامة بن زيد الليثي، لكن عارضه صالح بن كيسان وكذلك معمر، فلم يذكرا السماع، فقال الإمام أحمد عن رواية أسامة: ما أُراه حفظه، وذلك لمخالفته لمن هو أوثق منه (١). ٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: قال حماد بن خالد: أخرج إليّ مخرمةُ كتبَ أبيه فقال هذه كتب أبي ولم أسمع منها شيئاً. قلت لأحمد: فقول ابن أبي أُويس؟ قال: ليس ذاك بشيء ـ يعني ما حدثنا أحمد بن صالح، عن ابن أبي أويس أنه قرأ في كتاب مالك: قلت لمخرمة: إن الناس يزعمون أنك لم تسمع من أبيك؟ فقال: ورب هذه البنية لقد سمعتها من أبي" (٢). لم يصحح الإمام أحمد سماع مخرمة من أبيه مع ورود ما يفيد ذلك في رواية ابن أبي أويس لمعارضتها لرواية حماد بن خالد، وهو أوثق عنده من ابن أبي أويس (٣). الشرط الثالث: ألا يكون مَن ذكر السماع ممن لا يرجع إلى التحقيق في ذكره ، أو يكون له اصطلاح خاص في إطلاق التحديث في غير السماع، فإذا ورد التصريح بالسماع عن طريق مَن هذا وصفُه، وإن صح الإسناد إليه، فإنه يتوقف في قبوله. فمثال ذلك: قال أبو داود: "سمعت أحمد عدّ من سمع منه الحسنُ من أصحاب النبي ﷺ

стр. 609

وعدّ منهم: أحمر. قيل لأحمد: عمرُو بن تغلِب؟ فجعل يجبُن أن يعدَّه فيمن سمع منه الحسن، وقال: ليس يقوله غيرُ جرير بن حازم ـ يعني ابن حازم عن الحسن قال: حدثني عمرو بن تغلب" (١). لم يعدّ الإمام أحمد عمرو بن تغلب فيمن سمع منه الحسن البصري لأن جرير بن حازم تفرد بذكره، وجرير له سجية في ذكر السماع من غير تحقيق. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: كان سجيةً في جرير بن حازم يقول: حدثنا الحسن، قال حدثنا: عمرو بن تغلب، وأبو الأشهب يقول: عن الحسن قال: بلغني أن النبي ﷺ قال لعمرو بن تغلب" (٢). قال ابن رجب: "يريد أن قول جرير بن حازم: نا الحسن، نا عمرو بن تغلب كانت عادة له لا يرجع فيها إلى تحقيق" (٣). ولم أقف على رواية أبي الأشهب ـ وهو جعفر بن حيان ـ التي أشار إليها الإمام أحمد. وقد جاء عن الإمام أحمد من طريق ابنه صالح أن الحسن سمع من عمرو بن تغلب أحاديث (٤). وهذا محمول على تردده لتفرد جرير بن حازم بذكر السماع. وممن ذكره الإمام أحمد أنه كان يتساهل في إطلاق السماع مبارك بن فضالة.

стр. 610

قال أحمد: "مبارك بن فضالة يرفع حديثاً كثيراً ويقول في غير حديث عن الحسن قال: نا عمران، قال: نا ابن مغفل، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك" (١). وقد ذكر ابن رجب أن من الروة الذين يصرحون بالتحديث من غير حصول السماع: أصحاب بقية بن الوليد كما ذكره أبو حاتم عنهم، وكذلك فطر بن خليفة فيما ذكر القطان عنه. وكان القطان يهتم بهذا ولعله منه أخذ الإمام أحمد. فقد روى يحيى بن معين أنه قال ليحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة: "فتعمد على قوله: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان موصول؟ قال: لا، قلت: كانت منه سجية؟ قال: نعم" (٢). وذكر ابن رجب عن الإسماعيلي أن أهل الشام ومصر يتسامحون في قولهم: ثنا من غير صحة السماع (٣). ويلحق بهم من كان يطلق لفظ السماع على ضرب من التأويل كقول الحسن البصري أن سراقة حدثهم، أي حدث الناس (٤).

стр. 611

المطلب الثالث: قرائن تمنع من الحكم بثبوت السماع . قد يرد ذكر سماع راوٍ من آخر في سند إلا أنه قد تكون هناك بعض القرائن تمنع الناقد من الحكم بثبوت السماع بينهما، وتصرف الإمام أحمد في هذا الباب يدل على مراعاة ما يلي من القرائن: ١. تصريح الراوي بأنه لم يسمع ممن روى عنه: تقدم أن الإمام أحمد روى أن جميل بن زيد الطائي قال: ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها (١)، مع أنه قد روى عن ابن عمر مصرّحاً بالتحديث (٢). وقد تقدم قول مخرمة بن بكير أنه لم يسمع من أبيه شيئاً، واعتمده الإمام أحمد في نفي سماعه من أبيه. ٢. الرواية بصيغة تدل على عدم السماع: وذلك كأن يقول: نُبئت، أو حُدّثتُ ـ بالبناء للمجهول ـ أو بلغني، فإن ذلك يدل على أنه لم يسمع ما رواه ممن روى عنه. ومثال ذلك ما رواه صالح بن أحمد بن حنبل قال: "قال أبي: محمد بن سيرين سمع من أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، ولم يسمع من ابن عباس شيئاً، كلها يقول: نُبَّئت عن ابن عباس، وقد سمع من عمران بن حُصين" (٣). ونقل عبد الله عنه مثل ذلك (٤).

стр. 612

وقال حرب بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: "ابن سيرين لم يجيء عنه سماع من ابن عباس" (١). وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: "مكحول لم يسمع من زيد شيئاً، إنما هو بلغه" (٢) ـ يعني زيد بن ثابت. وهذا قريب من تصريح الراوي بنفيه للسماع ممن روى عنه. وإنما يحكم بعدم السماع جملة بين الراويين في مثل هذه الحالة إذا كان لم يرد تصريح بالسماع بينهما، فإن ورد ذلك في بعض الحالات يحمل ما قال من البلاغ على أنه لم يسمع تلك الأحاديث بعينها منه، ولا يحكم بعدم سماعه منه جملة. ولذلك لما حكم الإمام أحمد على عدم سماع ابن سيرين من ابن عباس قال: "كلها يقول: نُبئت"، فمفهومه لو قال في بعضها: سمعتُ أو حدّثنا، يقصر عدم السماع على ما قال فيه: نُبئت، ولا يحكم عليه بعدم السماع جملة من ذلك الشيخ. ٣. ذكر الوسائط بين راويين لم يثبت التقاؤهما: قال ابن رجب: "فإن كان الثقة يروي عمّن عاصره أحياناً ولم يثبت لقيه له، ثم يُدخل أحيانا بينه وبينه واسطة فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه" (٣)، والنصوص الواردة عن الإمام أحمد في هذا كثيرة جداً، منها: أ. قال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: عبد الله بن البَهِيّ (٤) سمع

стр. 613

عائشة! ما أرى في هذا شيئاً، إنما يروي عن عروة. وقال في حديث زائدة، عن السدي، عن البهي قال: حدثتني عائشة في حديث الخمرة (١)، وكان عبد الرحمن قد سمعه من زائدة، فكان يدع فيه: حدثتني عائشة، وينكره" (٢)، فلم يُثبت للبَهيّ السماع من عائشة لأنه يروي عنها بواسطة، وذكر أن شيخه عبد الرحمن ابن مهدي الذي روى تصريحه بالسماع كان ينكر ذلك. وقال أبو داود لأحمد: "سمع البهي من عائشة؟ قال: لا، وقد قال قوم ذاك، وما أدري فيه شيء، البهي إنما يحدّث عن عروة" (٣). وقد أثبت البخاري التقاؤهما (٤)، وصحح له حديثاً تفرد به (٥). ومن أجل ذلك نص على سماعه من عائشة (٦). وأما أبو حاتم فضعف حديث البهي هذا وقال: "البهي يدخل بينه وبين عائشة عروة، وربما قال: حدثتني عائشة، ونفس البهي لا يحتج بحديثه وهو

стр. 614

مضطرب الحديث" (١). وفيه إشارة إلى رده لقوله: حدثتني عائشة. ولهذا الدليل نفسه يقوى القول برد ما ورد مما يدل على لقيه بعائشة. ب. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "حولوا مقعدي إلى القبلة"، فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂! فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضاً: عن حماد بن سلمة، ليس فيه "سمعت"" (٢). وعراك بن مالك قد عاصر عائشة فقد سمع من أبي هريرة (٣)، وكان بالمدينة حتى نفاه عنها يزيد بن عبد الملك المرواني بعد استخلافه في سنة إحدى ومئة (٤)، وذلك بعد موت عائشة قطعاً، فلا يبعد التقاؤه بها وإن لم يرد شيءٌ يُثبته، ولكن الإمام أحمد نفى سماعه منها لأن المألوف عنه أنه يروي عنها بواسطة عروة. وقد أخرج له مسلم عن عائشة (٥)، وذلك على قاعدته في حمل إمكان

стр. 615

اللقاء على الاتصال. ج. قال أبو داود: "سئل أحمد: سمع قتادة من أبي رافع (١)؟ قال: لا يشبه، لأنه يدخل ببينهما رجلين: الحسن وخلاس" (٢). وجاءت هذه الرواية عند عبد الله، قال: "سمعت أبي يقول: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئاً. قال أبي: أدخل بينه وبين أبي رافع خلاساً والحسن. قال أبي: وقد سمع قتادة من خلاس، قال شعبة عن قتادة: سمعت خِلاساً، وقال أبان عن قتادة: حدثنا خِلاس، وهمام عن قتادة قال: حدثني خِلاس" (٣). فذكر أحمد أن رواية قتادة عن أبي رافع بواسطة تدل على صحة ما ذكره شعبة من أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، بل روى الميموني عن أحمد أن شعبة قال: لم يلق قتادة أبا رافع، إنما كتب عن خِلاس عنه (٤). وما ورد من تصريحه بالسماع (٥) محمول على عدم صحته عند الإمام أحمد لهذا المانع الذي ذكر هنا.

стр. 616

د. قال ابن هانئ: "قلت لأحمد: فأبو البختري سمع من على؟ قال: لا بينهما عَبيدة" (١). فنفى سماعه من علي لوجود رواية عنه بالواسطة. وأبو البَختَري هو سعيد بن فيروز الطائي (٢)، وذكر شعبة أنه لم يدرك علياً ولم يره (٣). روى أحمد حديثه من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السنّ … " (٤)، فرواه شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت أبا البختري الطائي قال: أخبرني من سمع علياً فذكره (٥). هـ. وسُئل الإمام أحمد عن سماع حُميد بن هِلال (٦) من هشام بن عامر (٧) فقال:

стр. 617

"ما أُراه سمع منه، وذاك أنه يُدخَل بينهما رجلٌ، وبعضهم يقول: أبو الدّهماء (١) " (٢). روى ابن سعد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن حُميد بن هلال أن هشام بن عامر قال: "إنكم تجاوزوني إلى رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ما كانوا بألزم لرسول الله ﷺ مني ولا أحفظ مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم والقيامة فتنة أعظم من الدجّال" (٣). فرواه الإمام مسلم (٤) من طريق عبد العزيز بن المختار، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رهط منهم أبو الدهماء، وأبو قتادة قالوا: كنا نمرّ على هشام بن عامر نأتي عمرانَ بنَ حُصين فقال ذاتَ يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال". وفي رواية: "أمرٌ أكبر من الدجال". واستدل الإمام أحمد بروايته عن هشام بالواسطة على عدم سماعه منه. والرويات عن الإمام أحمد في هذا المعنى كثيرة. وقد جاء عن الإمام أحمد التوقف في سماع قتادة من يحيى بن يعمر، فقال لما سئل عن سماعه منه: "لا أدري، قد روى عنه، وقد روى عن رجل عنه" (٥). ومقتضى ما ذكر من الدليل هنا أن ينفي الإمام أحمد سماعه منه، لوجود الواسطة

стр. 618

في الرواية بينهما، وقد روى الفضل بن زياد عن أحمد عدم سماعه منه (١)، ويؤيد ذلك أن قتادة يدلس (٢)، فروايته بواسطة عمن يروي عنه أحياناً بدون واسطة تدل على احتمال إرساله عنه احتمالاً قوياً. وأما توقفه عن نفي السماع، فقد يرجع إلى قوة احتمال اللقاء بينهما، الأمر الذي يُقوي احتمالَ السماع، وذلك أن يحيى بن يعمر بصري وإنما خرج منها لما نفاه الحجاج بن يوسف إلى خراسان (٣)، وأغلب الظن أن يكون ذلك بعد سنة (٧٨) هـ وهي السنة التي أضاف عبد الملك بن مروان إمرة خراسان إلى الحجاج (٤)، فأقل ما يكون عمر قتادة إذ ذاك (١٨) سنة (٥)، فاحتمال لقائه بيحيى بن يعمر قبل خروجه إلى خراسان قوي. والشاهد من هذا النص أن العمل بهذه القرينة قد يضعف إذا ثبت اللقاء بين الراويين أو قوي احتمال وقوعه.

стр. 619

ومثله توقفه في أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب حيث قال: "ما أدري كيف هي؟ قد أدخل بينه وبين سعيد نحواً من عشرة رجال لا يُعرفون" (١)، ولقاء قتادة بسعيد بن المسيب ثابت عند الإمام أحمد (٢)، فلم يجزم بالحكم على هذه الروايات عن قتادة عن سعيد بالإرسال بمقتضى قرينة وجود الواسطة بينهما، والعلم عند الله. ٤. عدم إمكان اللقاء بين الراويين: إذا ثبت أن الراوي لا يمكن أن يدرك شيخه الذي روى عنه ـ كأن يكون الشيخ مات قبل ولادته، أو كان الراوي صغير السن عند وفاة الشيخ ـ فإن ذلك دليل واضح على عدم سماعه منه. وقد استخدم الإمام أحمد هذا الدليل لنفي سماع بعض الرواة عمن رووا عنهم، فمن أمثلة ذلك مما يرجع إلى قدم طبقة الشيخ: أ- قال أحمد في رواية هدبة، عن حماد، عن قتادة ثنا خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلاداً (٣).

стр. 620

أنكر الإمام أحمد ذكر سماع قتادة من خلاد، ودليله أن خلاداً قديم، أي فلا يمكن لقتادة إدراكه، ولا يعارض هذا التعليل بأن الزهري قد روى عن خلاد (١) وقتادة والزهري قرينان، لأن الزهري وخلاد الجهني كلاهما مدني فلا يستبعد لقاؤه بخلاد بخلاف قتادة، والله أعلم. ب- قال أبو بكر الأثرم: قال أحمد بن حنبل: "قتادة لم يسمع من عبد الله ابن الحارث الهاشمي شيئاً، لأنه قديم، سمع منه عوف" (٢). نفى الإمام أحمد سماع قتادة من عبد الله بن الحارث الهاشمي الملقب: بَبّة، وعلل ذلك بأنه قديم، فلا يمكن له لقاؤه، وذلك أن عبد الله بن الحارث ولد في عهد النبي ﷺ ثم تحول إلى البصرة، ولما خرج عنها عبيد الله بن زياد بايعه أهلها، وذلك في سنة أربع وستين، وأقره عبد الله بن الزبير عليها، ثم عزله بعد سنة، وذلك في سنة خمس وستين، فخرج إلى عمان فمات بها (٣)، ومولد قتادة كان في

стр. 621

سنة ستين كما تقدم، فلا يمكن له إدراكه. وفي رواية أخرى لابن سعد أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (١): خرج عبد الله بن الحارث إلى عمان هارباً من الحجاج ومات بها سنة (٨٤) هـ (٢) عند انقضاء فتنة عبد الرحمن بن الأشعث. والرواية الأولى هي التي ذكرها ابن سعد في النسخة المطبوعة بأيدينا. وعلى الرواية الثانية يمكن لقتادة إدراك عبد الله بن الحارث والسماع منه، وذلك أن إمرة البصرة أضيفت إلى الحجاج سنة (٧٨) هـ تقريباً كما تقدم (٣)، فأقدم ما يكون خروج عبد الله بن الحارث في تلك السنة، وكان عمر قتادة إذ ذاك (١٨) سنة. وقد ذكر أحمد أن قتادة يروي عن ابنه إسحاق بن عبد الله بن الحارث (٤)، وكذلك كان قرينه الزهري، لم يسمع منه، وإنما سمع من بنيه (٥). وذكر أحمد أيضاً أن عوفاً الأعرابي قد سمع من عبد الله بن الحارث، أما ابن معين فقال سمع من عبد الله بن عبد الله بن الحارث ـ أي ابنه (٦)، وقد يكون هذا أقرب، فإن عوف الأعرابي قرين قتادة، ولد سنة تسع وخمسين (٧)، وكلاهما بصري فإذا كان قتادة لم يسمع من عبد الله بن الحارث لأن عبد الله قديم، فكذلك عوف الأعرابي، فلعله تصحف عبد بن عبد الله بن الحارث إلى عبد الله بن الحارث

стр. 622

عند أحمد، والله أعلم. ومما يدل على عدم سماع قتادة من عبد الله بن الحارث غير ما ذكر هنا روايته عنه بواسطة، فإن بعض حديثه عنه بواسطة صالح أبي الخليل (١)، ونص ابن معبن على أن روايته عنه بواسطة أبي الخليل (٢). د- قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل: "ميمون بن مهران عن حكيم ابن حِزام؟ قال: لا، من أين لقيَه؟ لم يرو إلا عن ابن عباس وابن عمر" (٣). نفى الإمام أحمد سماع ميمون بن مهران من حكيم بن حزام لعدم إمكان اللقاء بينهما، فحكيم بن حزام توفي سنة (٥٤) هـ بالمدينة (٤)، وميمون بن مهران ولد سنة أربعين (٥)، ونشأته بالكوفة ثم نزل الرقة بالجزيرة (٦)، فلا يمكن له إدراك حيكم بن حزام، ثم هو معروف بالرواية عمن تأخرت وفاتهم عن حكيم بنحو عشرين سنة نحو ابن عباس وابن عمر (٧). هـ- قال أبو الحسن الميموني: "سمعت أبا عبد الله يُسأل: رأى خلف ابن خليفة عمرو بن حُريث؟ قال: لا، لكنه عندي شُبّه عليه حين قال: رأيت عمرو بن حُريث. قال أبو عبد الله: هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج لم يروا عمرو بن حُريث، يراه خلف؟ ما هو عندي إلا شُبِّه عليه. وقال في موضع آخر: رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومئة قد حُمل، وكان لا

стр. 623

يفهم، فمن كتب عنه قديماً فسماعه صحيح" (١). وكان خلف بن خليفة يقول: رأيت عمرو بن حريث وأنا يومئذ ابن ست سنين (٢). ومولد خلف بن خليفة على أبعد الاحتمالات سنة (٩١) هـ، لأنه يقول فرض له عمر بن عبد العزيز وهو ابن ثمان سنين وعمر بن عبد العزيز ولي الأمر سنة (٩٩) هـ (٣). ووفاة عمرو بن حريث سنة (٨٥) هـ (٤). فلا يمكن على هذا أن يكون قد رآه، لأنه مات قبل ولادته. وأما استدلال الإمام أحمد في نفي رؤيته له فهو مبني على أن قرناءه ـ وهم ابن عيينة (٥)، وشعبة (٦)، والحجاج (٧) ـ لم يروه، فكيف يراه هو؟ وقد روى الإمام أحمد إنكار رؤية خلف بن خليفة لعمرو بن حريث عن سفيان بن عيينة، قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان: يا أبا محمد عندنا رجلٌ يُقال له خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرَو بنَ حُريث فقال: كذَب، لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث" (٨). فهذا وجه كون الأمر شُبه عليه، أي رأي جعفر بن عمرو بن حريث فظنه عمرَو بن حريث، لا سيما وقد كان خلف ابن خليفة قد اختلط كما دلّت على ذلك آخر الرواية التي ذكرها الإمام أحمد.

стр. 624

ومما يرجع إلى استصغار طبقة الراوي بالنسبة للشيخ: قال أحمد: "العوام بن حوشب لم يلق ابن أبي أوفى، أكبر من لقيه سعيد ابن جبير إن كان لقيه، وهو يروي عنه وعن طاوس" (١). نفى الإمام أحمد لقاء العوام بن حوشب (٢) بعبد الله بن أبي أوفى، لأن من هو في طبقته لا يمكنه لقاء أحد من الصحابة، وذكر أن أكبر من لقيه من كان في الطبقة الثانية من التابعين، وهم دون كبار التابعين، مثل سعيد بن جبير على خلاف في لقائه به. وقد يكون عدم إمكان اللقاء ليس من أجل كبر سن الشيخ بالنسبة للراوي عنه، بل يكون ذلك راجعاً إلى وقائع تاريخية تستوجب عدم لقائهما، مثال ذلك: أ. قال حرب بن إسماعيل: قال أحمد: "لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما كان ابن عباس بالبصرة والياً أيام علي ﵁" (٣) وكان الحسن بالمدينة أيام علي (٤)، وكان ابن عباس بالبصرة والياً لعلي ﵁، فلم يلتقيا. فالحسن قد سمع ممن هو أكبر من ابن عباس مثل عبد الله بن عمر، لكن المانع من اللقاء هنا ليس السنّ، بل هو هذه الواقعة التاريخية حيث كان بالمدينة أيام ما كان ابن عباس

стр. 625

بالبصرة. قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس، ما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة (١). وأحياناً تكون قرينة عدم إمكان اللقاء راجعة إلى اختلاف البلدان بين الراوي ومن روى عنه. قال ابن رجب: "ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه. نقل مهنّا عن أحمد قال: لم يسمع زُرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزُرارة بصري" (٢). وتميم الداري كان بالمدينة وتحول إلى الشام بعد قتل عثمان (٣)، ولم يُعلم أن زرارة دخل الشام (٤)، وهو بصري وحديثه عند أهل البصرة، ولم يذكر المزي من الرواة عنه من أهل المدينة أو الشام أو الكوفة أحداً (٥). وذكر البخاري إسناد الحديث الذي رواه زرارة عن تميم الداري (٦) بسماعه منه (٧). وأما الإمام أحمد فيرى عدم ثبوت ما ورد من التصريح بالسماع لهذا القرينة التي ذكرها.

стр. 626

المبحث الثالث: صيغ الأداء وعلاقتها بإثبات الاتصال . تقدم أن الألفاظ الصريحة في الدلالة على السماع مثل سمعت وحدثنا نص في الاتصال والدلالة على رواية الراوي عن شيخه بلا واسطة، ويستثنى من ذلك إطلاقها ممن عرف منه عدم التحقيق في إطلاقها في غير السماع وكان ذلك سجية له، أو له اصطلاح خاص في إطلاقها في غير السماع كالإجازة مثلاً، وقد تقدم ذلك في شروط قبول التصريح بالسماع في السند. ومن ألفاظ الأداء أيضاً "عن"، وهي ظاهرة في الدلالة على الاتصال حتى يثبت الانقطاع، ولذلك عاب الإمام أحمد على الوليد بن مسلم قوله: "عن" في إسناد منقطع ليُدخله في الاتصال. حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن حديث المغيرة بن شعبة: "أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله" فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك أنه قال عن ثور: حُدِّثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: أما الوليد فزاد فيه: عن المغيرة، وجعله ثور عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء، لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور: حُدِّثت عن رجاء. ا. هـ (١). وقد تقدم الكلام فيما يُشترط لدلالتها على الاتصال وأنه وقع الخلاف بين الأئمة في تلك الشروط، وتقدم ذكر مذهب الإمام أحمد في ذلك، وكذلك مذهب غيره من الأئمة بإيجاز. وأما لفظة "أن" أو ما يسمى بالإسناد المؤَنَّن، وهو الذي يقول فيه

стр. 627

الراوي: "أنّ فلاناً قال"، فالذي ورد عن الإمام أحمد يدل على أن هناك تفصيلاً في الحكم عليه بالاتصال. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: كان مالكٌ ـ زعمهوا ـ يرى عن فلان وأنّ فلاناً سواء، ذكر أحمد مثل حديث جابر: "أن سُليكاً جاء والنبي ﷺ يخطب"، أو عن جابر، عن سُليك: "أنه جاء والنبي ﷺ يخطب" سمعت أحمد قيل له إن رجلاً قال: [عروة أنّ عائشة قالت: يا رسول الله]، وعن عروة عن عائشة سواء؟ فقال: كيف هو سواء؟ أي ليس هو بسواءٍ" (١) فهذه الرواية عن الإمام أحمد تدل على أن الإسناد المؤنن له صورتان، ولكل منهما حكم خاص، أوضحهما ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢): الصورة الأولى: أن يكون القول المحكي عن الراوي عن شيخه، أو الفعل المحكي عنه بالقول مما يمكن للراوي سماعه أو مشاهدته منه، فالحكم في هذه الحالة هو الاتصال إلا أن يكون الراوي معروفاً بالتدليس فلا يحكم حينئذ بالاتصال حتى يصرح بالسماع. وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد فيما ذكره من رواية جابر لقصة سُليك، فإنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك وحضره، فقال: أن سليكاً جاء والنبي ﷺ يخطب؛ ويمكن أن يكون رواه عن سُليك، فقال: عن سُليك أنه جاء والنبي ﷺ يخطب. وهناك وجه آخر لقوله: عن سُليك، وهو أن يكون قصد حكاية قصته والتحديث عن شأنه، ولم يقصد الرواية عنه. وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون الحافظ أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك.

стр. 628

وكذلك في طبقة ما بعد الصحابة، فالزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كذا، أو الزهري أن سعيد بن المسيب قال: محمول على الاتصال دون الانقطاع، لأن سماع الزهري من ابن المسيب صحيح، وذكر ابن رجب أن مراد مالك في التسوية بين "عن" و "أنّ" لعله يعود إلى هذا الذي حكاه أحمد ولم يخالفه. ونسب ابن عبد البر هذا القول إلى جمهور أهل العلم فقال: "جمهور أهل العلم على أن عن وأنّ سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال حتى يتبين فيه علة الانقطاع" (١). الصورة الثانية: أن يكون ذلك القول المحكي عن المروي عنه، أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، فهذه الصورة التي أنكر الإمام أحمد التسوية بين: "عن عروة أنّ عائشة: " و "عن عروة عن عائشة: " وذلك أن قوله: عن عروة أن عائشة:، ظاهره مرسل لعدم إتيانه بما يبين أنه رواه عن عائشة. ومنهم من يرى أنه متصل، لأن عروة قد عُرف بالرواية عن عائشة، وهو القول الذي حكاه أبو داود للإمام أحمد. وللحافظ ابن حجر تفصيل آخر قد يكون أقرب إلى مراد الإمام أحمد، وذلك أنه فصّل بين حكاية القول وحكاية الفعل، فذكر أن حكاية القول بـ "أنّ" إذا لم يتعد لمن لم يدركه ـ بأن يقول الراوي مثلاً أن فلاناً قال لي كذا ـ فحكمها حكم "عن" بلا خلاف. وإن كانت الحكاية عن فعل فحينئذ ينظر إن كان الراوي

стр. 629

أدرك ذلك التحقت بحكم "عن"، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها (١). فحين قال عروة: أن عائشة قالت: يا رسول الله، لم يسند ذلك عروة إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فلو قال: أن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، لكان ذلك متصلاً، لأنه أسند ذلك إليها. وأما في قول عروة: عن عائشة قالت: يا رسول الله، فهو متصل لأنه أسنده إلى عائشة (٢). وصنيع الحفاظ حين يذكرون الفرق بين الرواية بـ "أنّ" و "عن" في باب الاختلاف في إرسال الحديث واتصاله محمول على هذا التفصيل. فمن أمثلة ذلك ما رواه الأثرم قال: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ حديث سفيان، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حُذافة في أيام التشريق، أسنده سفيان، وقال مالك: أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حُذافة، فقال: نعم هو مرسل، وسليمان بن يسار لم يُدرك عبد الله بن حُذافة، وهم كانوا يتساهلون بين عن عبد الله بن حذافة وبين أنّ النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة، وهو مرسل، قلت لأبي عبد الله: وحديث أبي رافع أن النبي ﷺ بعثه يخطب ميمونة، قاله مالك، وقال مطر: عن أبي رافع. فقال: نعم وذاك أيضا" (٣). ففرّق بين رواية سفيان الثوري (٤)، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار،

стр. 630

عن عبد الله بن حذافة، وبين رواية مالك (١)، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة؛ فجعل الأولى مسندة لأنه أسند القصة إلى عبد الله بن حُذافة، وجعل الثانية مرسلة لأنه لم يسندها ولم يشهدها قطعاً (٢). وكذلك وافق الإمامُ أحمد الأثرمَ على اعتباره للاختلاف الذي بين رواية مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج (٣)؛ وبين رواية مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: "أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما" (٤) أنه من هذا الجنس: حيث تكون الأولى بـ "أنّ" مرسلة،

стр. 631

والثانية بـ "عن" مسندة. وذكر الإمام أحمد أن المتقدمين كانوا يتساهلون في عدم التفرين بين العبارتين، مع أنهما عنده ليستا بسواء ولا حكمهما بواحد، فكأنهم يفعلون ذلك على وجه التسامح وعدم التحرير (١). ومثل هذا الإعلال إعلال الدارقطني لما أخرجه البخاري عن عبد الله ابن يوسف، عن الليث، عن يزيد، عن عِراك، عن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر (٢)، قال الدارقطني: وهذا مرسل (٣). ووجه الإرسال واضح، حيث قال عروة: "أن النبي ﷺ خطب عائشة"، لأنه لم يشاهد القصة ولا أسندها عن عائشة، بخلاف ما لو قال: عن عائشة (٤). ومثله أيضاً ما ذكره ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول وذكر حديثا روى هشيم عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنا سيابة السلمي "أن النبي ﷺ قال يوم حنين: أنا ابن العواتك". قال أبي: حدثنا بعض أصحاب هشيم، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، قال

стр. 632

أخبرنا سيابة بن عاصم السلمي عن النبي ﷺ قال أبي: هذا أشبه، قال: وهذا الحديث دليل على أن سيابة ليس هو من أصحاب النبي ﷺ " (١).

стр. 633

الفصل الثاني: الإعلال بما يُخل باتصال الأسانيد

стр. 634

المبحث الأول: الإعلال بالإرسال المطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد . ذُكر للإرسال في اللغة عدة إطلاقات، وكلها تصلح أصلاً لمعنى الإرسال الاصطلاحي (١): فقيل إن أصله من قولهم: أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف. الثاني: أنه من قولهم: جاء القوم أرسالاً، أي قطعاً متفرقين، فإن الرسل معناه القطيع من كل شيء، والجمع أرسال (٢). فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها. الثالث: أنه من الاسترسال إلى الإنسان (٣)، وهو الاستئناس والطمأنينة إليه، ومنه حديث: "من استرسل إلى مؤمن فغبنه كان غبنه ربا" (٤)، فكأن المرسِل للحديث اطمأنّ إلى من أرسل عنه ووثِق به لمن يوصله إليه. الرابع: أنه من قولهم ناقة مِرسال، أي سريعة السير (٥)، فكأن المرسِل للحديث أسرع فيه عجلاً فحذف بعض إسناده.

стр. 635

وأما في الاصطلاح فالذي ورد عن الإمام أحمد أن الإرسال هو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه، ويدل على ذلك أنه قال في صنيع ابن جريج في الأحاديث التي يرويها مصرِّحاً بإسقاط الواسطة إن ذلك إرسال. قال عبد الله: "قال أبي: رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد وهو يسمع كتاب "الجامع" ـ يعني لابن جريج ـ فكان في الكتاب: ابنُ جُريج قال: أُخبرتُ عن يحيى بن سعيد، وأُخبرتُ عن الزهري، وأُخبرتُ عن صفوان بن سُليم. فجعل سُنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج، عن الزهري، وابن جُريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جُريج، عن صفوان بن سُليم، فكان يقول له: هكذا ولم يَحمَدهُ أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمّه على ذلك. قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يُرسلها ابنُ جُريج أحاديث موضوعة، كان ابنُ جُريج لا يُبالي من أين يأخذه ـ يعني قوله: أُخبرت، وحُدِّثتُ عن فلان" (١)، فسمّى رواية ابن جُريج بقوله: أُخبرتُ، وحُدِّثتُ بأنه إرسال، والرواية بهذه الصورة صريحة في إسقاط الواسطة. وبالتتبع للنصوص التي وقفت عليها عن الإمام أحمد وجدت له عدة إطلاقات للإرسال، وهي ترجع إلى أربع معانٍ، تندرج كلها تحت معنى واحد، وهو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه. الأول: ما رواه التابعي بإسقاط الصحابي، ومن ذلك: ١. قال الإمام أحمد: وحدثنا عفّان، حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، مرسل ليس فيه ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لخديجة … فذكر عفان الحديث (٢).
следующие страницы →