والثانية بـ "عن" مسندة.
وذكر الإمام أحمد أن المتقدمين كانوا يتساهلون في عدم التفرين بين العبارتين، مع أنهما عنده ليستا بسواء ولا حكمهما بواحد، فكأنهم يفعلون ذلك على وجه التسامح وعدم التحرير (١).
ومثل هذا الإعلال إعلال الدارقطني لما أخرجه البخاري عن عبد الله ابن يوسف، عن الليث، عن يزيد، عن عِراك، عن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر (٢)، قال الدارقطني: وهذا مرسل (٣).
ووجه الإرسال واضح، حيث قال عروة: "أن النبي ﷺ خطب عائشة"، لأنه لم يشاهد القصة ولا أسندها عن عائشة، بخلاف ما لو قال: عن عائشة (٤).
ومثله أيضاً ما ذكره ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول وذكر حديثا روى هشيم عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنا سيابة السلمي "أن النبي ﷺ قال يوم حنين: أنا ابن العواتك". قال أبي: حدثنا بعض أصحاب هشيم، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، قال
стр. 632
أخبرنا سيابة بن عاصم السلمي عن النبي ﷺ قال أبي: هذا أشبه، قال: وهذا الحديث دليل على أن سيابة ليس هو من أصحاب النبي ﷺ " (١).
стр. 633
الفصل الثاني: الإعلال بما يُخل باتصال الأسانيد
стр. 634
المبحث الأول: الإعلال بالإرسال
المطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد .
ذُكر للإرسال في اللغة عدة إطلاقات، وكلها تصلح أصلاً لمعنى الإرسال الاصطلاحي (١): فقيل إن أصله من قولهم: أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف.
الثاني: أنه من قولهم: جاء القوم أرسالاً، أي قطعاً متفرقين، فإن الرسل معناه القطيع من كل شيء، والجمع أرسال (٢). فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها.
الثالث: أنه من الاسترسال إلى الإنسان (٣)، وهو الاستئناس والطمأنينة إليه، ومنه حديث: "من استرسل إلى مؤمن فغبنه كان غبنه ربا" (٤)، فكأن المرسِل للحديث اطمأنّ إلى من أرسل عنه ووثِق به لمن يوصله إليه.
الرابع: أنه من قولهم ناقة مِرسال، أي سريعة السير (٥)، فكأن المرسِل للحديث أسرع فيه عجلاً فحذف بعض إسناده.
стр. 635
وأما في الاصطلاح فالذي ورد عن الإمام أحمد أن الإرسال هو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه، ويدل على ذلك أنه قال في صنيع ابن جريج في الأحاديث التي يرويها مصرِّحاً بإسقاط الواسطة إن ذلك إرسال. قال عبد الله: "قال أبي: رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد وهو يسمع كتاب "الجامع" ـ يعني لابن جريج ـ فكان في الكتاب: ابنُ جُريج قال: أُخبرتُ عن يحيى بن سعيد، وأُخبرتُ عن الزهري، وأُخبرتُ عن صفوان بن سُليم. فجعل سُنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج، عن الزهري، وابن جُريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جُريج، عن صفوان بن سُليم، فكان يقول له: هكذا ولم يَحمَدهُ أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمّه على ذلك. قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يُرسلها ابنُ جُريج أحاديث موضوعة، كان ابنُ جُريج لا يُبالي من أين يأخذه ـ يعني قوله: أُخبرت، وحُدِّثتُ عن فلان" (١)، فسمّى رواية ابن جُريج بقوله: أُخبرتُ، وحُدِّثتُ بأنه إرسال، والرواية بهذه الصورة صريحة في إسقاط الواسطة.
وبالتتبع للنصوص التي وقفت عليها عن الإمام أحمد وجدت له عدة إطلاقات للإرسال، وهي ترجع إلى أربع معانٍ، تندرج كلها تحت معنى واحد، وهو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه.
الأول: ما رواه التابعي بإسقاط الصحابي، ومن ذلك:
١. قال الإمام أحمد: وحدثنا عفّان، حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، مرسل ليس فيه ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لخديجة … فذكر عفان الحديث (٢).
стр. 636
وعمار بن أبي عمار تابعي قد رأى جابر بن عبد الله (١)، فسمى الإمام أحمد روايته بإسقاط ابن عباس مرسلة.
٢. وقال أيضاً: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، مرسل ليس فيه ابن الزبير (٢)، يشير إلى إسناد حديث عبد الله بن الزبير: أن النبي ﷺ قال: "لكل نبي حواريّ، والزبير حواري وابن عمّتي" رواه يونس، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، ورواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه ليس فيه ابن الزبير، فسماه مرسلاً لإسقاط الصحابي من السند.
٣. وقال عبد الله: "حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "خمروا وجوه موتاكم، ولا تشبهوا بيهود"، فحدّثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل" (٣). فسمى رواية عطاء بإسقاط ابن عباس مرسلة، وفي هذا أيضاً إطلاق الرفع على الرواية الموصولة.
الثاني: رواية الراوي عمّن لم يلقه سواء عاصره أو لم يُعاصره، ومن ذلك:
١. قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ روى يزيد ابن يزيد بن جابر عن عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر في زكاة الدين. قال: نعم، عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر مرسل" (٤) عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام المخزومي لم يدرك عمر، لأن أباه أبو بكر بن عبد الرحمن
стр. 637
ابن الحارث بن هشام ـ أحد الفقهاء السبعة ـ ولد في خلافة عمر (١)، وجده عبد الرحمن بن الحارث تربى في حجر عمر (٢)، فلم يعاصر عبد الملك عمر قطعاً، فسمى الإمام أحمد حديثه عنه مرسلاً.
٢. تقدم أن الإمام أحمد قال في حديث عراك عن عائشة: إنه مرسل، وعراك أدرك عائشة لكن لم يثبت لقاؤه بها ولا سماعه منها، فقال في روايته عنها: مرسل.
ورواية الراوي عمن لم يعاصره من الانقطاع الجلي، وروايته عمّن لم يلقه من الانقطاع الخفي، وهو صورة الإرسال الخفي عند ابن القطان (٣)، والحافظ ابن حجر (٤)، فإن الإرسال الخفي يظهر بعدم اللقاء وكذا بعدم السماع (٥)، وهو عند غيرهما إحدى صورتي التدليس (٦).
الثالث: رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه:
ذكر الخلال في العلل عن حنبل: "ذكرت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد ـ حديث الأعمش عن أنس فقال: لم يسمع الأعمش من أنس، لكن رآه، زعموا
стр. 638
أن غياثاً حدث الأعمش بهذا (١) عن أنس" (٢)
وقال الخلال: حدثنا مهنّا قال: "سألت أحمد: لم كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمّن حدّث. قلت له: كان رجلٌ ضعيف سوى يزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم، كان يحدّث عن غياث بن إبراهيم، عن أنس "أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد]. سألته عن غياث بن إبراهيم فقال: كان كذوباً" (٣).
فسمى رواية الأعمش عن أنس مرسلة، مع رؤيته لأنس بن مالك، وأن العلة في ردها أنه يروي عنه بواسطة رواة ضعفاء ومتروكين مثل غياث بن إبراهيم، ويزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم.
وهذه هي الصورة الثانية للإرسال الخفي.
الرابع: رواية الراوي عن شيخ لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه:
قال عبد الله: "قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد ـ يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ ـ والباقي يرسلها عنه" (٤).
وهذه صورة التدليس، فأطلق الإمام أحمد الإرسال على التدليس لما تضمن كلٌ منهما من إسقاط الواسطة. وقد جاء ذلك صريحاً في رواية الفضل بن زياد، عن أحمد قال: "كان مبارك ـ أي ابن فضالة ـ يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يوماً عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه
стр. 639
بعض أصحاب الحديث عن أبي حرب، عن يونس" (١) وإنما أطلق الإرسال على التدليس لأن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل تدليس إرسال ولا ينعكس.
وقد ذكر الخطيب أنه لا خلاف بين أهل العلم أن رواية الحديث بالصور الثلاث التي تقدم ذكرها بإدراج الصورة الثالثة في الصورة الثانية أنه إرسال (٢).
стр. 640
المطلب الثاني: الإعلال بإسقاط الصحابي .
الإعلال بهذا من الإعلال بالإرسال الجلي، وتحته مسائل:
المسألة الأولى: الصحبة وما تثبت به عند الإمام أحمد .
ذكر الحافظ ابن حجر أن التعريف المبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما هو أن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام (١).
وذكر عبدوس (٢) في مسائله عن أحمد: "كل من صحِبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعةً أو رآه فهو من أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحِبه … ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعةً أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير" (٣). قال المجد أبو البركات ابن تيمية: وإليه ذهب أصحابنا (٤).
ومما يدل على اعتباره الرؤية مقتضية للصحبة ما رواه ابن هاني قال: "سئل ـ يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل ـ هل سمع يحيى بن أبي كثير من أحد من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: نعم، قد سمع من السائب بن يزيد، والسائب قد رأى النبي ﷺ " (٥) فاستدل لصحبة السائب بن يزيد برؤيته للنبي ﷺ .
стр. 641
وعبر باللقاء ليشمل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يعز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى (١)
ولمعرفة الصحبة ـ في حق ما عدا من ثبتت صحبتُه بالتواتر أو الشهرة أو الاستفاضة ـ طرق ترجع إلى ثلاثة أمور:
الأول: مجيء ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ ، وهذا ما يدل عليه تصرف أئمة الحديث بما فيهم الإمام أحمد في تخريج أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم على أنهم صحابة.
فمن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد إفراده لدُكين بن سعيد الخَثعَمي بمسند في كتابه المسند، وأورد حديثه الذي فيه دلالة على لقائه بالنبي ﷺ من طريق وكيع، ومحمد ويعلى ابني عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن دُكين بن سعيد الخَثْعَمي قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن أربعون وأربع مئة نسأله الطعام، فقال النبي ﷺ لعمر: "قُمْ فأعطهم" (٢).
وكذلك صدّر مسند معن بن يزيد السلمي بحديث يدل على لقائه بالنبي ﷺ ، فقال: حدثنا مصعب بن المِقدَام، ومحمد بن سابق قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي الجويرية أن معن بن يزيد حدّثه قال: [بايعت رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي، وخطب عليّ فأنكحني … ] الحديث (٣).
стр. 642
وكذلك أفرد لنُمير الخزاعي مسنداً وذكر له حديثاً واحداً يدل على رؤيته للنبي ﷺ ، رواه عن وكيع: حدثنا عصامُ بن قُدامة البجلي، عن مالك بن نُمير الخُزاعي، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ واضعاً يده اليُمنى على فخِذِهِ اليُمنى في الصلاة يشير بأصبعه" (١).
ولما ذُكر له حديث عَرْفجة (٢) بن شُريح الأشجعي ذكر اختلاف الرواة في اسم أبيه، ثم ذكر رواية شعبة التي تدل على سماعه من النبي ﷺ ، وأوردها في مسنده، وليس له غير تلك الرواية (٣).
والحديث ذكره الخلال (٤) قال: "جعفر الصائغ، حدثنا حسين بن محمد المروذي، ثنا شيبان، عن زِياد بن عِلاقة، عن عرْفجة بن شريح الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : "ستكون بعدي هَناتٌ (٥) وهَناتٌ ـ ممدودة ـ فمن رأيتموه يُفرِّق أمة محمد ﷺ وهي جميع فاقتلوه كائناً من كان من الناس" (٦). قال الأثرم: ذُكر هذا الحديث عند أبي عبد الله فقال: كان أبو نُعيم يرويه عن شيبان يقول:
стр. 643
ابن صُريح، وقال بعضهم: شُرَيح، وقال بعضهم: شُرْيح، وأما شعبة فلم ينسبه وقال فيه: سمعت النبي ﷺ ".
وذكر عبد الله أنه وجد في كتاب أبيه (١): من روى عن رسول الله ﷺ من النساء، فذكرهن على حسب أنسابهن وبلدانهن، واعتمد في إثبات صحبة بعضهن بما ورد في أحاديثهن مما يدل على لقائهن بالنبي ﷺ مثل قوله: وامرأة من الأنصار قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي"؛ (٢) وجدة عبدالرحمن بن أبي عمرو ـ ويقال لها: كُبيشة، ويقال: كبشة ـ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها قِربة معلقة (٣)؛ وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ كان يزورها كل جمعة (٤).
وأما من نفى عنه الصحبة ولم يرد ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ وإن كان له رواية فإنه لا يذكر له مسنداً (٥)، وذلك مثل دَغْفَل بن حَنْظَلَة، فإنه قد روى حرب بن إسماعيل أنه قال لأحمد بن حنبل: "دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ قال: ما أعرفُهُ" قال ابن أبي حاتم: يعني ما يعرف له صحبة أم لا (٦).
وقال الأثرم عن أحمد بن حنبل: "قد سمعتُ منه ـ يعني معاذ بن هِشام ـ حديث دَغفَل بن حنظَلة أن النبي ﷺ قُبِض وهو ابنُ خمسٍ وستين. قلت
стр. 644
لأبي عبد الله: دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ فقال: لا، ومن أين له صُحبة، هذا كان صاحب نسب. قيل لأبي عبد الله: رُوي عنه غير هذا الحديث؟ فقال: نعم، حديث آخر يرويه أبان العطار: "كان على النصارى صوم" قال أبو عبد الله: لا أعلمه رُوي عنه غيرُهما" (١).
وليس في الحديثين اللذين رواهما ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ ، فلم يذكره الإمام أحمد في مسنده.
ومثله أيضاً مطر بن عُكامِس، نقل إسحاق بن منصور عنه أنه قال: لا صحبة له (٢). وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه: هل له صحبة؟ فقال: لا يُعرف. قلت: فله رواية؟ قال: لا أدري (٣). ولم يخرج الإمام أحمد له في المسند، وأخرج عبد الله حديثه في زياداته على المسند (٤)، وليس فيه ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ .
وأما من نفى عنه الصحبة ثم ذكر حديثه في مسنده، فهو ممن قد ورد عنه ما يدل على رؤيته للنبي ﷺ ، ونفيه لصحبته محمول على الصحبة الخاصة بالسماع والرواية. مثال ذلك مسلمة بن مخلَّد، فقد روى أبو طالب عنه أنه قال: ليست له صحبة. وروى حديثه في المسند، وجاء في روايته ما يدل على أن له لقيًّا، وهو ما قرأه عبد الله على أبيه: حدثنا عباد بن عباد، وابن أبي عدي، عن ابن عون، عن مكحول أن عقبة أتى مسلمة بن مُخلَّد، وكان بينه وبين البَّواب شيء، فسمع صوته فأذن له فقال: إني لم آتك زائراً، ولكني جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال
стр. 645
رسول الله ﷺ : "من علم من أخيه سيئة فسترها ستره الله يوم القيامة؟ " فقال: نعم. قال: لهذا جئت. قال ابن أبي عدي في حديثه: ركب عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مُخلَّد وهو أمير على مصر" (١).
وهناك حديث آخر يدل على أن له رؤية، رواه ابن أبي عاصم (٢)، والطبراني (٣) من طريق وكيع عن موسى بن علي عن أبيه عن مسلمة بن مخلَّد ﵁ قال: "وُلِدتُ حين قدم النبي ﷺ ومات وأنا ابن عشر" وخالفه عبد الرحمن ابن مهدي عن موسى بن علي بالإسناد نفسه وقال في لفظه: "قدم النبي ﷺ وأنا
стр. 646
ابن أربع ومات وأنا ابن أربع عشرة" رواه أحمد (١)، والطبراني (٢). قال الطبراني: وحديث عبد الرحمن بن مهدي عندي الصواب والله أعلم.
فنفيُ الإمام أحمد لصحبته مع روايته لهذا الحديث الذي يدل على أن له رؤية هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يُؤوِّل النفي بأن المنفي هو الصحبة الخاصة (٣)، وليس أصل الصحبة.
وقد ينفي عن الرجل سماعه من النبي ﷺ ثم يورده في مسنده ويذكر له أحاديث لمِا له من إدراك للنبي ﷺ ، وذلك مثل عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أفرده الإمام أحمد بالذكر في مسنده (٤) وذكر له أحاديث ليس في واحد منها تصريحه بالسماع من النبي ﷺ أو ما يدل على لقائه به، وقد نص على عدم سماعه من النبي ﷺ ، ولكن ذكر أنه أدركه. قال حرب بن إسماعيل: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبي ﷺ ، ولم يسمع منه" (٥).
ومثال آخر هو طارق بن شهاب، أدخله في مسنده وأورد له عدة أحاديث منها ما يدل على أن له اللقيا، وهو حديث شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: [رأيت رسول الله ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر
стр. 647
وعمر بضعاً وأربعين أو بضعاً وثلاثين من بين غزوة وسرية" (١). وقد ذكر غير واحد عدم سماعه من النبي ﷺ (٢)، والأحاديث التي رواها عنه الإمام أحمد في مسنده ليس في واحد منها التصريح بسماعه من النبي ﷺ .
الثاني: من طرق إثبات الصحبة تصريح أحد الصحابة أو أحد التابعين أن فلاناً له صحبة، وهذا كما قال ابن حجر بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح. ومن أمثلة ذلك سنان ين سِنّة، ذكره الإمام أحمد في مسنده، وروى حديثه حكيم بن أبي حرة (٣) فقال: عن سنان بن سنّة صاحب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر" (٤).
ومن ذلك أيضاً شرحبيل بن أوس (٥)، أفرد له مسنداً، وذلك أن نمران ابن مخمر (٦) روى عنه وقال في حديثه: عن شرحبيل بن أوس وكان من
стр. 648
أصحاب النبي ﷺ (١).
وكذلك أفرد لحابس بن سعد الطائي (٢) مسنداً، وروى من طريق عبد الله ابن غابر الألهاني (٣) قال: "دخل حابس بن سعد الطائي من السحر ـ وقد أدرك النبي ﷺ ".
ولم يورد له رواية (٤).
ومما يدل على اعتبار الإمام أحمد هذا الطريق من طرق إثبات الصحبة احجاجه بقول رجل من التابعين: "حدثني رجل من الصحابة" قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال نعم" (٥) فإذا صحح قوله مع عدم تعيين وتعريف بالصحابي، فلأن يصححه معهما من باب أولى وأحرى، والله أعلم.
الثالث: إخبار الرجل عن نفسه بأنه صحابي. ومن أمثلة ذلك عبد الله ابن عمرو بن أم حرام (٦)، ذكره الإمام أحمد في مسنده (٧)، وجاء في حديثه الذي
стр. 649
ذكره في مسنده قال: إبراهيم بن أبي عبلة (١): [رأيت أبا أُبيّ الأنصاري ـ وهو ابن أبي حرام الأنصاري ـ فأخبرني أنه صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين جميعاً، وعليه كساءٌ خزٍّ أغبر]. فإخباره عن نفسه بأنه صلى القبلتين مع رسول الله ﷺ يدل على صحبته، فاعتمد ذلك الإمام أحمد فذكره في مسنده فدل على أنه يعتبره صحابياً، ولم يذكر له حديثاً مسنداً غير هذا الذي يدل على صحبته.
المسألة الثانية: ما يقدح في ثبوت الصحبة .
قد يرِد ما يدل على ثبوت الصحبة للراوي، ومع ذلك يأتي عن الإمام أحمد التصريح بعدم ثبوت صحبته، مما يدل على أن هناك ما يقدح في ذلك الدليل. ومن الأمور التي يمكن أن تعتبر من القوادح لدى الإمام أحمد فيما يُثبت الصحبة ما يأتي:
القادح الأول: ورود ما يُثبت الصحبة بطريق معلول.
مثال ذلك ما رواه أبو داود قال:
قلت لأحمدَ: كُديرٌ الضَّبي له صُحبة؟ فقال: لا، قلت: زُهير يقول: إنه أتى النبيّ ﷺ ، أو إن أعرابياً أتى النبي ﷺ أعني في حديث زُهير، عن أبي إسحاق، عن كُدير الضَّبي؟ فقال: زُهير سمِع من أبي إسحاق بآخرَة (٢).
الحديث الذي يدل على صحبة كُدير الضبي هو ما رواه زهير بن معاوية الجعفي (٣)، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن كُدير أنه أتى النبي ﷺ فأتاه أعرابي
стр. 650
فقال: يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة. قال: "تقول العدلَ، وتُعطي الفضْلَ". قال: يا رسول الله! فإن لم أستطع؟ قال: "فهل لك من إبِل"؟ قال: نعم. قال: "فاعهَدْ إلى بعير من إبلك وسِقاء فانظر إلى أهل بيتٍ لا يَشربون الماء إلا غِباًّ فإنه لا يَعطُب بعيرُك ولا يَنحَر سِقاؤك حتى تجب لك الجنة" (١).
ومع ذلك لم يُثبت الإمام أحمد صحبة كدير الضَّبي لوجود قادح يقدح في صحة هذه الرواية، وهذا القادح هو سماع زهير من أبي إسحاق بآخرة، وكان أبو إسحاق قد تغير. قال الميموني: "قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أحد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. قال: وشعبة أقدم سماعاً من سفيان. قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله! هؤلاء الصغار، زهير وإسماعيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام" (٢).
ويشهد لصحة هذه العلة أن شعبة والأعمش قد رويا الحديث عن أبي إسحاق، عن كُدير الضبي: أتى رجل النبي ﷺ فقال … فذكراه (٣) وتابعهما فطر بن خليفة (٤)، ومعمر (٥)، وإسرائيل بن يونس
стр. 651
ابن أبي إسحاق (١)، وزيد بن أبي أنيسة (٢)، وسفيان الثوري (٣). ففي حديثهم أن الذي أتى النبي ﷺ هو رجل آخر، وليس كُدير الضبي، فالصحبة لذالك الرجل وليست لكُدير.
وقد يُعترض على هذه العلة بأن الشيخين رويا لزُهير بن معاوية من روايته عن أبي إسحاق (٤)، فلما ذا لا تُعتمد روايته هذه؟ فالجواب أن روايته جاءت مخالفة لرواية من ذُكر عن أبي إسحاق، ومنهم من كان سماعهم منه قبل الاختلاط كشعبة، وسفيان، وإخراج الشيخين له من روايته عن أبي إسحاق مما توبع عليها كلها (٥).
وممن يعتبر هذا القادح من القوادح في ثبوت الصحبة الإمام أبو حاتم الرازي. روى عنه ابنه أنه قال: سلامة بن قيصر الحضرمي الشامي ليس حديثه من وجه يصح ذكر صحبته. قال ابن أبي حاتم: قلت: وذلك أنه روى ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن لهيعة بن عُقبة، عن عمرو بن ربيعة، عن سلامة بن قيصر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صام يوماً ابتغاء وجه الله … " (٦)، فلم يثبت هذا الحديث لأنه من رواية ابن لهيعة، وبالتالي لم تثبت صحبته، لأن الطريق الذي يفيد ذلك معلول.
القادح الثاني: وجود قرينة خارجية مرجحة لنفي الصحبة، وذلك حيث وقع الاختلاف في الدليل الموجب للصحبة بما يقتضي إثباتها أو نفيها. مثال ذلك
стр. 652
صحبة الحكم بن سفيان الثقفي، قال الإمام أحمد:
حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي الحَكَم أو الحَكَم بن سفيان الثقفي قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ بالَ ثم توضأ ونضح فرجه".
حدثنا أسود بن عامر، قال: قال شرِيك: سألت أهل الحَكَم بن سفيان، فذكروا أنه لم يُدرِكِ النبي ﷺ (١).
هذا الحديث هو الذي استدل به من أثبت صحبة الحكم بن سفيان، ولكنه اختلف فيه، وأشار عبد الله بن أحمد بن حنبل إلى هذا الاختلاف في المسند حيث قال: ورواه شعبةُ ووُهيب، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ . وقال غيرهما: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان قال: رأيت النبي ﷺ .. ا. هـ (٢). فوقع اختلاف هل الصحبة له أو لأبيه؟ فمن أثبت صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ (٣).
стр. 653
ومن نفى صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان، عن أبيه عن النبي ﷺ (١).
стр. 654
وأشار الإمام أحمد إلى قرينة خارجية ترجح نفي الصحبة، وذلك فيما ذكره عن شريك القاضي عن أهل الحكم أنه لم يدرك النبي ﷺ . ولم أقف عن أحمد على التصريح بنفي الصحبة عن الحكم، وإن كان الحافظ ابن حجر نسب إليه ذلك القول (١)، وصنيعه بذكر تلك القرينة مؤيدة لما ذكره الحافظ. والإمام البخاري أيضاً
стр. 655
استدل بالقرينة نفسها لنفي الصحبة عن الحكم بن سفيان (١). وكذلك نقل الحافظ ابن حجر عن الخلال عن ابن عيينة أن الحكم ليست له صحبة (٢). وقال أبو حاتم الرازي: الصحيح مجاهد عن الحكم بن سفيان، عن أبيه، ولأبيه صحبة (٣).
وأثبت صحبته أبو زرعة الرازي وقال: الصحيح: مجاهد، عن الحكم ابن سفيان وله صحبة (٤). وكذلك إبراهيم الحربي (٥)، وابن حبان (٦)، وابن عبد البر (٧).
القادح الثالث: أن يكون الراوي معروفاً بالرواية عن الصحابة.
الأصل في رواية الصحابي أن تكون عن النبي ﷺ ، ورواية التابعي عن الصحابة، فمن عرف بالرواية عن الصحابة قوي الظن بأنه من التابعين، فيعتبر ذلك قرينة لنفي الصحبة عمن عُرف ذلك منه. وقد استعمل الإمام أحمد هذه القرينة لنفي الصحبة عن بعض الأعلام، فمن ذلك ما رواه أبو داود:
قال أبو داود: قلت لأحمد: عمرو بن الحارث خَتْنُ النبي ﷺ له صحبة؟ قال: لا، هو ابن المصطلق، يروي عن ابن مسعود (٨).
في هذه الرواية ينفي الإمام أحمد صحبة عمرو بن الحارث، وعلل ذلك بأنه معروفٌ بالرواية عن ابن مسعود. وعمرو بن الحارث هو ابن أبي ضرار أخو
стр. 656
أم المؤمنين جُويرية بنت الحارث. ذكره الإمام أحمد في مسنده (١)، وأورد له حديثين ليس في واحد منهما ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ . وله رواية عن ابن مسعود، وعن زينب امرأة ابن مسعود، وهذه القرينة التي اعتمدها الإمام أحمد لنفي صحبته. ويحتمل أن تكون الصحبة المنفية هي الصحبة المقترنة بالسماع، لكن لا يمكن الجزم بذلك، حيث لم أقف على ما يدل على أن له الإدراك.
وقد ذكر ابن سعد عمرو بن الحارث في الطبقة الأولى من أهل الكوفة بعد أصحاب رسول الله ﷺ ممن له رواية عن عبد الله بن مسعود (٢). وأثبت الإمام البخاري صحبته (٣)، ولما سئل أبو حاتم: هل له صحبة؟ قال: يدخل في المسند (٤). وهذه العبارة يستعملها أبو حاتم أيضاً فيمن ثبتت له الرؤية دون السماع.
وممن ورد عنه اعتبار هذه القرينة من الأئمة للقدح في ثبوت الصحبة أبو حاتم الرازي. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: حجاج بن حجاج ليست له صحبة، ومما يدل على ذلك أنه يروي عن أبي هريرة، وعن أبيه" (٥).
وقال أيضاً: "سألت أبي عن خالد بن كثير، يروي عن النبي ﷺ ، قال: ليست له صحبة. قلت: إن أحمد بن سنان أدخله في "مسنده"! فقال أبي: خالد بن كثير يروي عن الضحاك، وعن أبي إسحاق الهمداني" (٦).
стр. 657
المسألة الثالثة: التفريق بين الصحبة المقترنة بالسماع من النبي ﷺ والمجردة منه .
تقدم عن الإمام أحمد أن رؤية النبي ﷺ تقتضي عنده ثبوت صحبة الرائي، لكن ورد عنه نفيه للصحبة عن بعض من ثبتت لهم الرؤية، فأوجب ذلك طلب التوفيق بين الأمرين. ومن أمثلة من ورد عنه أنه أثبت صحبته ثم نفى سماعه من النبي ﷺ :
١. عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي (١).
روى أبو داود قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: كان عبد الله بن يزيد ـ يعني الخَطْمي والي الكوفة ـ فقيل لأحمد: سمع من النبي ﷺ ؟ قال: رؤية يقولون (٢).
وقال الأثرم: "قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ليست لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما الصحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياّش، عن أبي حَصِين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت النبي ﷺ . وضعفه أبو عبد الله وقال: ما أرى ذاك بشيء" (٣).
دل سؤال أبي داود للإمام أحمد على أنه كان يثبت لعبد الله بن يزيد الإدراك للنبي ﷺ دون السماع منه. ومما ورد عنه من تنصيص على أن له الإدراك ما رواه ابنه عبد الله (٤) عنه قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري وكان قد أدرك النبي ﷺ . وقال أيضا: حدثنا
стр. 658
أبو كامل والحسن بن موسى، قالا: حدثنا زُهير، قال: حدثنا أبو إسحاق أن عبدالله بن يزيد الأنصاري قد رأى رسول الله ﷺ (١). وهذان الإسنادان صحيحان.
وهذا يدل على أن مجرد الإدراك للنبي ﷺ عند الإمام أحمد لا يقتضي ثبوت السماع منه وخاصة إذا وجدت قرائن تدل على أن ذلك الإدراك لا يمكن أن يكون معه سماع صحيح كالإدراك حال الصغر.
ولعل القرينة في عبد الله بن يزيد الخطمي هي ما ذكره مصعب الزبيري أن عبدالله بن يزيد هو الذي قتل الأعمى أمَّه وهي التي كانت تسبُّ النبي ﷺ ، وهو الطفل الذي سقط بين رجليها (٢).
وخالفه الواقدي، فذكر أن الأعمى هو عُمير بن عدي، وأنه قتل عصماء بنت مروان، وكانت تحت يزيد بن حِصن، وهو والد عبد الله بن يزيد الخطمي وكانت تحض على المسلمين وتؤذيهم فجعل عُمير بن عدي نذراً أنه لئن رد الله رسولَه ﷺ سالماً من بدر ليقتلنّها، ثم ذكر قصة قتله ابنها (٣)، وأنه كان لها من
стр. 659
ولدها من ترضعه فنحى الصبي عنها ثم قتلها. وقد اعتمد هذا ابن بشكوال (١)، فإن ثبت أن عبد الله بن يزيد هو الذي وقعت لأمه هذه القصة فلا شك من كونه صغيراً حين مات النبي ﷺ ولا يصح سماعه منه.
وأما النص الثاني الذي فيه سؤال الأثرم عن الإسناد الذي ورد فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من رسول الله ﷺ ، فإنه يدل على أن الإمام أحمد لا يعتمد التصريح بالسماع فيمن ليس له إدراك بيّن يمكن معه السماع وإن ورد ذلك في إسناد إلا إذا كان الإسناد صحيحاً سالماً من العلة. وهذا الإسناد الذي سأل عنه الأثرم رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢)، والبخاري (٣)، والبغوي (٤)، والحاكم (٥) من طرق عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي بُردة قال: كنتُ جالساً عند عبيد الله بن زِياد فأُتي برؤوس الخوارج فقلت: إلى النار. فقال عبد الله بن يزيد الأنصاري: أولا تعلم يابن أخي أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن عذاب هذه الأمة جُعل في دُنياها؟ ".
وهذا الإسناد رجاله ثقات حفاظ أعلام، إلا أن أبا حصين عثمان بن عاصم الكوفي ربما دلس كما ذكر الحافظ ابن حجر (٦)، ومن أجل هذا دخلت العلة في هذا الإسناد، فقد اختلف فيه على أبي بُردة اختلافاً كثيراً، ذكره البخاري في التاريخ (٧)، ومن أوجه هذا الاختلاف ما رواه محمد بن فُضيل بن غزوان، حدثنا صدقة بن المثنى، عن رياح بن الحارث، عن أبي بردة قال: بينا أنا واقف في
стр. 660
السوق في إمارة زياد إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى، فقال رجل من الأنصار وقد كانت لوالده صحبة مع رسول الله ﷺ وفيه: فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب، إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن" (١).
وروي عن بُريد، عن أبي بُردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن النبي ﷺ بهذا (٢).
وعن محمد بن إسحاق بن طلحة التيمي، سمع أبا بُردة يحدث عمن سمع أباه سمع النبي ﷺ قال: "إن أمتي أمة مرحومة جُعل عذابُها بأيديها في الدنيا" (٣).
وعن علي بن مدرك، عن أبي بردة قال: حدثني رجل من الأنصار عن بعض أهله يرفعه: هذه أمة مرحومة (٤).
وقال غيرهم: عن أبي بُردة، عن أبيه ـ وهو أبو موسى الأشعري ـ سمعت النبي ﷺ (٥).
وقال حرملة بن قيس، عن أبي بردة مرسلاً. ذكره ابن معين وقال: من لم يُسنده أكيس ممن أسنده (٦).
فالخلاصة أن الطريق الذي فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من النبي ﷺ لم تسلم من علة، فلم يثبت له الإمام أحمد السماع، وظهر أن معنى الصحبة الصحيحة عنده هي الصحبة المقترنة بالسماع والرواية الصحيحة عن النبي ﷺ ،
стр. 661
وروايته عن النبي ﷺ من قبيل مرسل الصحابي. ولا يقتضي هذا حكمه على روايته عن النبي ﷺ بالإرسال، فقد ذكر لعبد الله بن يزيد حديثين في المسند (١)، رواهما عن النبي ﷺ ، مما يدل على أن حديثه من قبيل المسند عنده غير مرسل. فيستفاد من هذا أن مرسل الصحابي من قبيل المسند عند الإمام أحمد.
٢. محمود بن لبيد الأنصاري الأوسي الأشهلي:
قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: محمودُ بن لَبيد قال: كنا مع النبي ﷺ ؟ فقال: "ما أُرى من هذا شيء، محمودٌ يحدث عن رافع" (٢).
نسب أبو نعيم إلى الإمام أحمد القول بأنه أدرك النبي ﷺ (٣)، وفي هذا السؤال ينكر الإمام أحمد قول محمود بن لبيد: كنا مع النبي ﷺ ، وقال: محمود يحدث عن رافع ـ وهو ابن خَدِيج، أي هو معروف بالرواية عنه لا عن النبي ﷺ . وقد ذكره في مسنده وأورد له عدة أحاديث عن النبي ﷺ (٤).
ولم أر في شيء من حديثه ما يدل على سماعه من النبي ﷺ إلا في ثلاثة أحاديث يمكن أن يعود إليها إنكار الإمام أحمد الوارد في هذا السؤال:
الأول منها:
ما رواه البخاري في التاريخ (٥) قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن غسيل
стр. 662
ـ وهو عبد الرحمن ـ عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد قال: "لما أُصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حولوه عند امرأة يُقال لها رُفَيدة، حتى كانت الليلة التي نقله قومُه إلى بني عبد الأشهل دخل النبي ﷺ فقالوا: قد انطلقوا به، وخرجنا معه فأسرع المشي حتى تقطعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، قالوا: يا رسول الله ما حملنا ميتاً أخفَّ من سعد. فقال: "ما يمنعكم وقد هبط الملائكة كذا وكذا عدة كثيرة حملوه معكم" (١).
وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا ابن الغسيل، هو عبد الرحمن بن سليمان ابن عبد الله بن حنظلة الأنصاري. وثقه ابن معين في رواية الدوري، وأبو زرعة، والدارقطني، والنسائي (٢). وعن أحمد: صالح (٣). وقال ابن معين في رواية الدارمي: صويلح، وقال النسائي في رواية أخرى: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: هو ممن يعتبر بحديثه ويكتب (٤). وقال الذهبي: صدوق (٥). وقال ابن حجر: صدوق فيه لين (٦).
стр. 663
الحديث الثاني:
ما رواه ابن عبد البر (١) عن ابن أبي شيبة أنه قال: حدثنا يونس بن محمد، نا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبِيد الأنصاري قال: "كُسِفت الشمسُ لموت إبراهيم بن النبي ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ من قولهم فخرج وخرجنا معه حتى أمّنا في المسجد فأطال القيام" وذكر الحديث.
وقد رواه ابن أبي شيبة وابن سعد كلاهما عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن ابن الغسيل به، وليس فيه: وخرجنا معه (٢) ورواه الإمام أحمد (٣) عن يحيى بن آدم عن ابن الغسيل وليس فيه قوله: "فخرج وخرجنا معه" أيضا.
ومدار الحديثين الأول والثاني على ابن الغسيل، وقد تقدم أن الإمام أحمد لينه، والظاهر أنه تفرد به، فلم أقف على متابع له، ثم إنه اختلف عليه في الحديث الثاني في ذكر موضع الشاهد وهو قوله: "فخرج وخرجنا معه" حيث ذكره يونس بن محمد المؤدب، ولم يذكره أبو نعيم ولا يحيى بن آدم، وهؤلاء الثلاثة كلهم ثقات أثبات، فاختلافهم على الراوي الذي لينه الأئمة يدل على أنه يضطرب في رواية الحديث.
الحديث الثالث:
ما أخرجه الإمام أحمد (٤) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لَبِيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسول الله ﷺ فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما
стр. 664
سلّم منها قال: "اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، للسُّبحة بعد المغرب".
فهذا يدل في الظاهر على أنه شهد القصة وسمع من النبي ﷺ ، لكن في إسناد ابن ماجه (١)، والطبراني (٢) من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عمر، عن محمود، عن رافع بن خدِيج فذكره. وفي هذا الإسناد إسماعيل بن عياش، يروي عن محمد بن إسحاق، وروايته عن الحجازيين فيها تخليط كما تقدم (٣).
فهذه الرواية إن كان إسماعيل بن عياش حفظها تدل على أن محمود بن لبيد أرسل الحديث عن النبي ﷺ وقوله: "أتانا رسول الله ﷺ يحمل" على أن معناه أتى قومَه بني عبد الأشهل، وكذلك قوله: "فصلى بنا المغرب"، أي صلى بقومنا المغرب (٤). على أن الإمام أحمد قد روى الحديث من طريق ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق وفيه: "أتى رسول الله ﷺ بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب" (٥)، ورواه بمثل هذا اللفظ ابن أبي شيبة من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق به (٦).
وهذه هي الأحاديث التي يمكن أن يستدل بها على سماع محمود بن لبيد من النبي ﷺ ، وقد ظهر أنها لا تنتهض للاستدلال بها، فثبت ما ذهب إليه الإمام أحمد من إنكاره لقول محمود: [كنا مع النبي ﷺ ]. وقد أيّد ذلك الإمام
стр. 665
أحمد بقرينة أخرى سبقت الإشارة إلى مثلها في قوادح ثبوت الصحبة، وهي قوله: محمود يحدث عن رافع، أي أن المعروف عن محمود بن لَبِيد أنه يروي عن رافع بن خدِيج، فمن كان معروفاً بالراوية عن الصحابة قوي الظن بكونه لم يسمع من النبي ﷺ (١).
стр. 666
فقد أثبت الإمام أحمد الإدراك لمحمود بن لبيد دون السماع، وأورد أحاديثه في مسنده، وهي مرسلة في الحقيقة لكنها مسندة عنده بدليل إيراده لها في المسند، وهذا أيضاً يدل على أن مرسل الصحابي عند الإمام أحمد من قبيل المسند. ومما يدل على ذلك أيضاً أنه أقر احتجاج من احتج بحديث من أحاديث محمود بن لبيد الذي أرسله عن النبي ﷺ ، والاحتجاج فرع التصحيح، فذكر عبد الله بن أحمد (١) قال: قلت لأبي: إن رجلاً قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تُجزه إلا أن يصليهما في بيته، لأن النبي ﷺ قال: "هذه صلوات البيوت". قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن. قال: ما أحسن ما قال، أو ما أحسن ما انتزع. ا. هـ.
وقد تقدم أنه نفى عن عبد الرحمن بن غنم السماع من النبي ﷺ مع إثبات الإدراك له، وهو شاهد آخر على التفريق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة عنها.
فهذه بعض الأمثلة التي توضح أن الإمام أحمد يفرق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة منها، فقد ينفي الصحبة وإنما يعني بذلك نفي الصحبة المقترنة
стр. 667
بالسماع كما فعل في عبد الله بن يزيد الخطمي. ولم أقف على أن لهذه التفرقة أثراً في حديث من لم يَثبت له السماعُ، فحديثه وإن كان من قبيل مرسل الصحابي فإن الظاهر أن الإمام أحمد يرى أنه من قبيل المسند، ولم أقف على ما يدل على إعلاله لمثل هذا الحديث بالإرسال. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أحاديث صغار الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي ﷺ ولم يبلغوا أن يسمعوا منه مراسيل، وأنها من قبيل مراسيل كبار التابعين، وليست من قبيل مراسيل الصحابة، وذكر أن هذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة (١).
وممن كان يفرق بين أصل الصحبة والصحبة المقترنة بالرواية أبو حاتم الرازي، فقد قال في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة، وحكم على الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ بالإرسال، وأنه ما أدخله في المسند إلا لما يحكى عنه من رؤيته للنبي ﷺ (٢). وكذلك قال في عبد الله بن عُكيم (٣): ليس له سماع من النبي ﷺ إنما كُتب إليه وقال: من شاء أدخله في مسنده على المجاز. ا. هـ (٤). وقال في يوسف بن عبد الله ابن سلام: له رؤية ولا صحبة له (٥). فالصحبة المنفية عنده هي المقترنة بثبوت السماع من النبي ﷺ .
وقد يرد نفيُ الصُّحبة ولا يكون المقصود بالنفي الصُّحبة بمعنى ثبوت السماع والرواية، ولكن الصحبة الخاصة العرفية مثل ما روى الإمام أحمد عن عاصم الأحول أنه قال: "عبد الله بن سَرجِس قد رأى النبي ﷺ ولم تكن له
стр. 668
صحبة" (١) مع كونه قد روى عنه عدة أحاديث من جملتها قوله: إن النبي ﷺ استغفر له، وأنه أكل معه وكلّمه (٢). وقد تقدم مثل ذلك عن الإمام أحمد أنه نفى الصحبة عن مسلمة بن مخلّد (٣)، وقد روى أحمد من وجه آخر أن مسلمة هذا قدِم على النبي ﷺ وكان عمره عند موت النبي ﷺ أربع عشرة سنة وذكر له أحاديث في المسند، فمن كان في مثل سنّه لا يستبعد سماعُه من النبي ﷺ ، فالصحبة المنفية عنه ليست الصحبة المقترنة بالسماع بل هي صحبة خاصة عرفية، وهو تفسير الحافظ ابن حجر لكلام الإمام أحمد (٤).
المسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي ﷺ .
مما أعله الإمام أحمد من الحديث بسبب عدم ثبوت صحبة راويه حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (٥) الذي رواه الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله" فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئِرْنَ النساء على أزواجهن، فرخّص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن فقال النبي ﷺ : "لقد طاف بآل محمد نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن، ليس أولئك بخياركم" (٦).
стр. 669
قال العلائي (١): ذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن الحديث مرسل، وأن إياس بن عبد الله ليست له صحبة.
وعبارة الأثرم كما رواها ابن أبي حاتم (٢) قال: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل: إِياس بن عبد الله هو إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب؟ قال: لا، وليست له صحبة، روى عنه أهل المدينة، وكذلك روى عنه أهل مكة".
وقد استدل الحافظ ابن حجر بعدم إخراج الإمام أحمد لحديثه في المسند على عدم ثبوت صحبته (٣)، وهذا يدل على أن الحديث مرسل عند الإمام أحمد فمن أجل ذلك لم يخرجه في المسند.
стр. 670
المطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد .
تقدم أن من صور الإرسال عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، وكذلك روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، واستقر تسمية كلتا الصورتين بالإرسال الخفي، ووجه تسميتهما بذلك أن الانقطاع فيهما ليس بجلي، لأنه لا ينجلي بمعرفة التاريخ، وإنما يدركه الأئمة الحذاق المطَّلِعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد.
وقد تقدم إيراد بعض الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم في معرض الاحتجاج لمسألة اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع لثبوت الاتصال.
وفيما يلي أمثلة أخرى لما أعله الإمام أحمد بالإرسال الخفي بكلا صورتيه:
١. قال الخلال: أخبرني عصمة، ثنا حنبل: حدثني أبو عبد الله: نا قراد (١): ثنا شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "استقِيموا لقُريْشٍ ما استقاموا لكم فإن لم يَستقيموا لكم فاحمِلو سُيُوفَكم على عواتِقِكم فأبِيدوا خَضَراءَهُم، فإن لم تفعَلوا فكونوا زرَّاعين أشقياءَ وكُلُوا من كَدِّ أيديكُم". قال مهنّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس بصحيح، سالمُ بن أبي الجعد لم يلقَ ثَوْبانَ (٢).
هذا الحديث أخرجه الخلال في السنة (٣) بالإسناد نفسه، وأخرجه الطبراني